كان يريد أن يرى النظام في الفوضى
و أن يرى الجمال في النظام
و كان نادرَ الكلام
كأنه يبصر بين كل لفظتين
أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ
صلاح عبد الصبور

صعبة هي الكتابة عن الراحل ميرغني عبدالله مالك المناضل والصديق، الفنان والقانوني  وهو يغادرنا بعد عمر حافل بالنضال والود والعطاء الفني والثقافي والقانوني.
ولد ميرغني عبدالله مالك (المعروف بميرغني الشايب) بمدينة الأبيض التي تلقى بها تعليمه العام حتى انتقاله لجامعة الخرطوم بعد أن أكمل حكما بالسجن عليه لأنه هتف ضد نميري في وجهه في احتفال عام بميدان الابيض في يناير 1971.
كان ميرغني من قادة الجبهة الديمقراطية وفرع الحزب الشيوعي بجامعة الخرطوم،  ولكنه أيضا كان من جماعة المسرح الجامعي واشترك في بطولة عدد من المسرحيات: الفيل يا ملك الزمان، وأوديب أو إنت القتلت الوحش، وغيرها. تميز ميرغني كخطيب سياسي ومناقش في قضايا الثقافة وكممثل بسلامة اللغة ومخارجها وبصوت جهور واضح، وكان دائما صاحب فكر ثاقب.
عرفت ميرغني قبل دخوله الجامعة لصداقته لأخي الأصغر، ثم ألتقينا في قسم الشرقيات في كوبر بينما جاءنا محاكم وكنا نؤدي الامتحانات الجماعية الأولى والأخيرة في تاريخ المعتقلات عام 1971، وعندما أكتشفوا أن ميرغني لا علاقة له بالامتحانات أعادوه لسجن الأبيض. ثم ألتقيت ميرغني بعد خروجي وكان أن عرفته عن قرب فقد كنت أحضر البروفات معهم، وكانت تلك عادة لي من أيام النصيري وعلي عبد القيوم. ضمنا النشاط السياسي والثقافي الجامعي واصبحنا أصدقاء.
وأعتقل ميرغني في أغسطس 1973 (أحداث شعبان) ولحقت به في ديسمبر بعد رفع احتلال الجامعة بأيام وقضينا مع مجموعة من شباب الجبهة الديمقراطية بالجامعات والمعاهد العليا أياما، كانت غنية وجميلة، رغم أنها في المعتقل، فقد كان هناك ميرغني، وابو اليسر يونس  وعابدين صديق وأنور (وكان يدرسنا اللغة الروسية) وعثمان والسر وحمودة فتح الرحمن، من جامعة الخرطوم بعضهم من أغسطس وبعضهم من اليوبيل الفضي لكلية الطب، وكان هناك صلاح من جامعة القاهرة وكان معه عبدالسلام حسن وتيسير مدثر (وكانأ معا في جزب البعث) ولكن كان هناك اسطورة المسرح والشعر والطرفة والشطرنج والعلاقات الانسانية عمر الطيب الدوش، وعلى قولة عبدالله علي إبراهيم ، وتقول لي معتقل؟ أن تجد نفسك وسط هذه المجموعة وغيرهم من طلاب ال؛زاب الأخرى، فتجد الصداقة والفن والفكر والسياسة والتسلية والرياضة. وكان ميرغني هناك يمثل ويحكي ويقرأ ويدرس ووكما يقول المعتقلون "يعمل لسجنه كأنه معتقل أبدا ويعمل لآطلاق سراحه كأنه يطلق غدأ". تلك أيا لاتنسى.
ثم تخرج ميرغني وعمل بالنائب العام وتفرقت بنا الدنيا " فزولا تريد وتشتهي يقو ليك لا تشوفه لا تمشي ليه" في تحوير لقول محجوب شريف، ثم جاءت الديمقراطية الثالثة وسافرت لنجلترا في آخر 1987 لتحضير الدكتوراة فلم أحضر إنقلاب يونيو والذي شرد ميرغني وأجبره على الهجرة للسعودية، وعندما قطعت الدولة بعثتي وفصلتني، كان أول المتضامنين معي ميرغني الشايب، وزارني في ليدز وقضى معي نهار اليوم كله وحمل الهدايا لعائلتي والعون المالي لي. وهكذا ميرغني وفيا مخلصا وكريما.
و وفقد ميرغني إبنه وعانى ميرغني وسافر لأمريكا وعاد للسعودية وتحدثنا بالتلفون وكان ثابتا ومات محمد الشايب وهو الأخ الثالث الذي يفقد ميرغني  وكانوا ثلاثتهم برتبطون بالعمل السياسي إثنين من الشيوعيين وواحد بعثي. ثم كان وألتقينا في الخرطوم بفضل أصدقاء أفاضل وعزيزين وقضينا ليلتين نتسامر ونتذكر أيام جميل غنية بالنضالات والمفاكرات الثقافية والتجريب المسرحي.
ولكن رغم تمتعي بلقائي مع ميرغني وتمتعي  بصحبته ليليتين كاملتين، فقد كنت قلقا، ولأول مرة تقلقني شجاعة ميرغني، فهو كان لا يشغل نفسه بصحته وكان كمن يتحدى الموت ويواجهه في معركة لا يعتريه الخوف. كنت قلقا أن ميرغني سيذهب مننا سريعا لأنه اختار أن يعيش أيامه ويستمتع بصحبة أصدقائه ويعيش حياته العملية والثقافية دون حساب لخطر الموت الذي يحدق به، فضل أن يعيش سعيد متماسكا متواصلا حتى الموت فكان له ما أراد.
عندما أخطرني الأصدقاء بوجود ميرغني في المستشفى حاولت عدة مرات الاتصال ولكن أحد لم يرد فعرفت آن لنا الفراق دون كلمة أخيرة.
ميرغني سيظل محفورا في وجداني ووجدان من يعرفونه  فمثل ميرغني لا ينسى فهو نادر التكرار.
صدقي كبلو/ بيرمنجهام


Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]