في مناقشة الصديق سعيد أبو كمبال:
حول سعر الصرف بين تركيب العرض والطلب على الدولار ودور المضاربة

أتابع منذ سنين ما يكتب الصديق سعيد أبو كمبال عن قضايا الاقتصاد السوداني، ولا أخفي إعجابي بما يكتب وبشجاعته وبطرحه المبسط لآرائه، ولكني وجدت في مقاله الأخير " رفع سعر صرف الجنيه واستقراره ، يتحقق بالسياسات الصائبة ، وليس بالمطاردات البوليسية " والمنشور في عدة مواقع في النت (وسودانايل 6/01/2001) ما يستحق المناقشة.

إهمال الإنتاج والإنتاجية في معادلات سعيد الكامنة:
استغربت أن يهمل صديقي سعيد أبوكمبال وهو الإقتصادي العارف قضية الإنتاج فيما ذهب إليه في مقاله، مما  جعله يحلق في سماوات النقد رغم بحثه عن القيمة الحقيقية للنقود في قوتها الشرائية، والقوة الشرائية التي يحددها مستوى الأسعار، تتطلب النظر في سبب رفع مستوى الأسعار، الذي عزاه الصديق سعيد أبو كمبال لزيادة كمية النقود، أي الإفراظ في عرض النقود من بنك السودان، وهو أحد الأسباب وليس كلها، فهناك كمية البضاعة المعروضة وتكلفة إنتاج البضاعة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن قيمة  الجنيه بالعملات الصعبة لا تقارن بالقوة الشرائية للنقود المحلية والأجنبية ، إنما يدخل الإنتاج والإنتاجية (التي تنعكس في تكلفة الانتاج والوحدة المنتجة) في تحديدها ضمن عملية معقدة وتشمل تحليل تركيب مصادر عرض النقد الأجنبي ( الصادرات من سلع وخدمات، تحويلات  الإستثمارات الأجنبية للسودان وتحويلات العاملين بالخارج، وبيع أصول سودانية بالخارج أو عائد إستثماراتها، والقروض والمنح) وتركيب الطلب على النقد الأجنبي (لإستيراد السلع والخدمات، هروب رأس المال، تحويل الأرباح، تحويل الأجانب العاملين في السودان، الإكتناز أو الإدخار والمضاربة والخيرين يتعلقان بعامل الثقة الذي هو موضوع مقال سعيد الأساسي). وللأسف الشديد يا صديقي في التحليل الملموس لاينفع إفتراض (كل الأشياء الأخرى ثابتة) الصالح للتجريد، فكل شئ متغير ولا بد من تقديره.
الخلل بين عرض النقد الأجنبي والطلب عليه
إن نظرية القوة الشرائية التي تعتمد على الإفراط النقدي ليست كافية وحدها في تفسير الخلل الواضح في العرض والطلب للنقد الأجنبي  في السودان والذي لا يستبين ويتضح إلا بتحليل مركبات العرض والطلب على النقد الأجنبي والتي توضح بجلاء ضعف افنتاج والإنتاجية في السودان واللذان يؤثران سلبا على كفتي المعادلة للطلب والعرض وبلغة أخرى يؤثران بشكل مباشر على الخلل في الميزان التجاري، فضعف الإنتاج والإنتاجية مسئولان بشكل مباشر على نقص الصادرات وزيادة الواردات وهذا خلل أساسي يزيد الطلب على النقد الأجنبي في غياب سياسة تتحكم في الإيرادات وفقا لإحتياجات إقتصاد يعاني من أزمة حادة ويحتاج لترتيب أولياته، وهو يفعل فعله في الجانب الآخر عن طريق نقص الصادرات (أو عدم تنافسيتها نتيجة لتدني الإنتاجية وزيادة التكلفة) وهذان فقط مكونان إثنان من مكونات الطلب والعرض وهما لهما آثارهما المركبة على بقية المكونات، إذ أن هذا الخلل يخلق تنافسا كبيرا على النقد الأجنبي بين مكونات الواردات، يرفع أسعاره في ظل سياسة ما يسمى بالسوق الحر فالدواء مثلا لا يستطيع أن ينافس التفاح والعدس والأرز لا يستطيعان منافسة العربات وبعض مكونات البناء الفاخرة، وحتى بد أن أستجابت وزارة المالية لحظر إستيراد الأثاث، إنتقلت صناعة أساس إلى السودان ولكن بمواد خام مستوردة وكأننا يا يزيد لا غزونا ولا شفنا الغزو. ,اهم إشكالات زيادة الواردات هو زيادة مكون الغذاء وهو مرتبط بقضية الإنتاج المحلي وبظهور وأردات من الغذاء التي تلبي طلبات الفئات الغنية الجديدة في المجتمع حتى تضاعفت وارداتنا من السلع الغذائية عدة مرات، بل أن بعض السلع الغذائية التي كنا نصنعها محليا ونصدر من فائضها لدول الجوار كزيوت الطعام أصبحنا نستورد بعضها كنتيجة حتمية لسياسة حرية التجارة الهوجاء التي يثبت تاريخ الإقتصاد في العالم أنه ما من دولة تبنتها وهي في سلالم النمو الأولى.
إن الخلل ينتقل من صادرات وواردات السلع إلى صادرات وواردات الخدمات أيضا بفضل تدهور الخمات التعليمية والصحية، فزاد عدد الطلاب الذين يدرسون بالخارج (الهند ومليزيا وأروبا والمغرب والأردن) في الدراسات الجامعية وفوق الجامعية، ونقص عدد الطلاب الأجانب (وحتى أبناء المغتربين الذين كانوا يفضلوا تعليم أبنائهم في السودان) ولذلك لتدني مستوى التعليم في السودان وأرتفاع تكليفه في نفس الوقت مما يجعله أقل منافسة خاصة بالنسبة لأبناء الأغنياء والقادرين، ونفس المسألة بالنسبة لخدمات الصحة حيث يسافر المرضى للأردن ومصر الخليج والسعودية وبلاد أوربية وآسيوية لأبسط الفحوصات والعمليات والتي كنا نجريها في السودان بمستوى تكنلوجي أقل وبنجاح فالذكتور عمر بليل هو أول من أجرى عملية كلي في السودان وكان من الممكن لو حافظنا على خدماتنا الطبية وطورناها أن يأتينا المستشفين من الخارج!  وقس على ذلك الخدمات الأخرى من نقل جوي وبحري وبري وتطوير المطارات للإستفدة من أعظم موقع يربط أفريقيا بكل بلاد العالم، بل وما يضيع علينا بفضل الساسات الخاطئة من الإستفادة من نقل بترول الجنوب والاستفادة من كون دولة الجنوب دولة لا منافذ بحرية لها فنقدم لها خدمات النقل والموانئ البحرية ونستفيد من أن يكون مطار الخرطوم الدولي أقرب نافذة لها للسفريات لبلدان أخرى.
وقد أصبح من المكرر الحديث عن تصدير أو تحويل الأرباح بينما لا تأتينا أرباح رجال الأعمال السودانيين الذيم نقلوا إستثماراتهم للخارج لأسباب تتعلق بالوضع السياسي والاقتصادي وغياب سيادة حكم القانون بمعناه العام (ليس المقصود هنا ما تعالجه الشرطة، بل تطبيق كل القوانين الخاصة بالضرائب والتمويل والتعامل مع النظام المصرفي والعطاءات ومشتريات الحكومة والمنافسة الحقيقية)، بل أننا سمحنا بالمقابل باستثمارات خدمية أجنبية يمكن تركها للمستثمر السوداني كالفندقة والمطاعم والحلويات والتزيع التجاري، وكل ذلك تحول أرباحه للخارج بشكل قانوني (البنوك أوعبر السوق الموازية) أو بشكل غير قانوني (التهريب أو السوق غير الرسمي).
ولابد أن نضيف هنا أننا كنا متلقين لتحويلات  السودانيين العاملين بالخارج، وبالمقابل كان عدد الأجانب العاملين بالسودان عددا قليلا غير مؤثر ولكن للأسف أصبح الآن عدد الأجانب العاملين بالسودان والذين يحولون نقدا بالخارج عددا كبيرا ويتكونون من أتراك ومصريين وأثيوبيين وأرتيريين وشوام ومعظمهم يعملون في أعمال غير فنية وغير ماهرة أو أنه يمكن إحلالهم بقليل من التدريب وتسود حجج غير منطقية عن عدم رغبة السودانيين في العمل وكسلهم حتى هدد أحد الوزراء بجلب عمال وفلاحين مصريين!! هذا في الوقت الذي خلق الطلب على النقد الأجنبي مراكز له في الخارج يستولى فيها على تحويلات السودانيين في الخارج لاستعمالها في تمويل استيراد سلع غير ضرورية للبلاد.
إننا بسياستنا الخارجية نحد من إمكانية استفاداتنا من العون الأجنبي ومن الإقتراض من السوق العالمي بأسعار تنافسية فمنذ 1989 خسرنا معظم العون الأجنبي المقد من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ودول أخرى، وأصبح إعتمادنا على الصين ودول مثل إيران وتركيا ومليزيا وتعاني علاقاتنا مع دول الخليج من الهبوط والصعود المفاجئين والمعتمدين على علاقتنا مع إيران وحركات الإسلام السياسي، وأستعملنا معظم القروض في البنية التحتية دون ربط محكم مع تطور الإنتاج والإنتاجية، مما زاد مديونيتنا وخدمات الديون دون أن نوسع إنتاجنا وصادرتنا لمقابلة هذا الدين وخدماته. إن كل ذلك يزيد الطلب على النقد الأجنبي بمعدلات أعلى من زيادة عرضه ويساهم في الخلل وفي زيادة التكلفة الإنتاجية والتضخم وتدني القوى الشرائية وينعكس في النهاية في تدني سعر الجنيه بالعملات الأجنبية.
فقد الثقة والمضاربة والتخزين
إن الخلل في الميزان التجاري وفي بعض مكونات العرض والطلب التي تخلق عجزا في ميزان المدفوعات يؤثر بشكل مباشر على القوى الشرائية وعلى قيمة الجنيه بالنقد الأجنبي كما قلنا وبالتالي يزعزع الثقة في الإقتصاد والجنيه فيلجأ بعض الناس لتخزين بعض مدخراتهم بالعملات الصعبة وهذا يضيف عبء جديد على الطلب على النقد الأجنبي، بل أنه يخلق السوق للمضاربة فالمضاربون ينتهزون أن سياسة الدولة تسعى لرفع سعر الجنيه بقدرات غير حقيقية وغير قابلة للاستمرار كضخ عملة أجنبية في السوق فيشتروها وتخلق الندرة ويعيدون بيعها بأسعار أعلى تساهم في دفع التضخم وكهذا تستمر ساقية جحا.
بنك السودان وزيادة كمية النقود
لا يمكن تبرئة  بنك السودان من دفعه لعجلة التضخم عن طريق زيادته للكتلة النقدية ولكن هنا أيضا المسألة ليست متعلقة باستدانة الحكومة من الجهاز المصرفي  فقط بل متعلقة بتجارة الذهب. فبنك السودان لا شتري الذهب بنقد متوفر له وإنما يخلق نقدا جديدا يزيد من الكتلة النقدية لدى منتجي الذهب وهم سودانيون وأجانب والسودانيون يساهمون في زيادة الطلب على السلع والخدمات وفي حالة تدني الانتاج والانتاجية والعجز في اليزان التجاري وميزان الدفوعات يسهمون في التضخم والأجانب يريدون تحويل عائداتهم للخارج وبالتالي يسهمون في زيادة الطلب على النقد الأجنبي وبالتالي يرفعون سعره ويسهمون في عملية التضخم. والمسألة هنا لها جانبان مهمان الأول  يتعلق بانتاج الذهب والثاني يتعلق بدم نمو وتوسع إنتاج السلع والخدمات .
إن طريقة تنظيم إنتاج الذهب الآن لا تراعي أن الذهب كمورد طبيعي هو مورد نادر وغير متكرر وأن ملكيته ينبغي أن تكون لكل شعب وأن تسخر عائداته لتوسيع الإنتاج  والخدمات الاجتماعية والاقتصادية  في الأقاليم التي ينتج فيها أولا وفي البلاد بشكل عام. ولا يمكن أن يتم ذلك بتركه للقطاع الخاص المحلي والأجنبي على الأقل ينبغي أن تكون الدولة شريكا في الانتاج عبر شركة عامة قابضة. إن ذلك ضمن فوائده المختلفة للإقتصاد يساعد في زيادة لإيرادات الدولة مما يقل عجز الميزانية. 
أما من ناحية أثر الدهب وعائداته في حالة عدم توسع الإنتاج والخدمات فإن النقد المحلي المضاف لكتلة النقود يمثل ضغطا إضافيا بتوسيعه الطلب العام وبالتالي يدفع التضخم خاصة في حالة الخلل الأساسي على توازن عرض وطلب السلع والخدمات كما اوضحنا سابقا وزيادة الواردات وخاصة الواردات الغذائية.



Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]