تقديم
تثير الغارة الإسرائيلية على مصنع اليرموك والغارات السابقة على البحر الأحمر قضايا تتعدى المواقف التكتيكية للحكومة والمعارضة (الأولى تستغل الفرصة لحشد الدعم للحكومة وليس للوطن والثانية تستغل ما حدث للبرهان على فشل الحكومة في كل الأصعدة بما في ذلك الدفاع) ونحن نحاول أن نتناول هنا قضية الإستراتيجية الدفاعية كقضية وطنية عامة ينبغي أن تتفق عليها كل القوى الوطنية السودانية، وفي هذا الصدد نحن نفترض أن هناك إستراتيجية دفاعية حالية، رغم عدم إلمامي بتفاصيلها، ولكني أرى أن تلك الإستراتيجية قد ثبت فشلها فشلا تاما لا لمجرد تعرض بلادنا لعدة غارات إسرائيلية غير معلنة العدد، آخرها على مصنع اليرموك إثنين منها على قوافل من العربات على طريق البحر الأحمر تجاه مصر وواحدة في داخل مدينة بورتسودان راح ضحيتها مواطن سوداني وتفجرت عربيته. هذا خلاف سلسلة من الحروب الأهلية جعلت من الجيش السوداني يحارب مواطنيه تحت شعارات الدفاع عن أمن الوطن، بينما لم يستطع ولا مرة منذ التصدي لاعتداء تمبل باي الرئيس التشادي السابق على الحدود السودانية عام 1966 أن يتصدى بفعالية للإعتداء على السودان أو استخدام أراضيه دون موافقته للإعتداء على بلاد أخرى مما حدث مع جيش الرب مما إضطر الحكومة السماح للجيش السوداني للتغول في أراضي جنوب السودان وكانت تابعة لحكومة السودان في نهاية التسعينات..
مكونات الإستراتيجية الدفاعية
الإستراتيجية الدفاعية ليست عمل عسكري أو استعدادات عسكرية وحشد للقوى والمعدات العسكرية كالرادرات والطائرات والمدفعية والصواريخ المضادة للطائرات أو البارجات والزوارق البحرية،... الخ، إنما هي منظومة متكاملة من الاستعدادات والسياسات الاقتصادية والعسكرية الداخلية والخارجية، لا تنفصم مكوناتها بل تتشابك لخدمات هدف أساسي هو أمن الوطن بحدوده المعروفة البرية والبحرية وأجوائه ومياهه الإقليمية.
وأول عناصر هذه الإستراتيجية هو سياسي يتعلق بالوضع السياسي الداخلي والخارجي ويمكن اجمال عناصره فيما يأتي:
1)    اقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي يقوم على القضايا التي تسبب الحرب الأهلية في أقاليم دارفور وجنوب كردفان وتمنع اشتعال الحرب في أي إقليم سوداني مما يجعل الانتماء للوطن ليس انتماءا شعوريا بحسب ولكن انتماء حقيقي بحكم المصلحة وكفالة حقوق المواطنة لجميع السودانيين دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الانتماء السياسي، وحق الجميع في التمتع بثروات البلاد عن طريق تنمية متوازنة تكفل التوزيع العادل للخدمات والاستثمارات الاقتصادية ويسمح للمواطنين باختيار حكومتهم المركزية وحكوماتهم الإقليمية بشكل ديمقراطي سلمي. إن هذا الشرط وحده الذي يكفل خلق عقيدة عسكرية جديدة تجعل الجيش السوداني لا يحارب مواطنيه ويجعل الأمن الداخلي مسألة تتعلق بقوات الشرطة، ويفرغ الجيش السوداني لمهامه الوطنية الأساسية في الدفاع عن أراضي وأجواء ومياه الوطن.
2)    أن يقيم السودان الديمقراطي علاقات حسن جوار وتعاون اقتصادي مع كل جيرانه وعدم التدخل في شئونهم الداخلية.
3)    عدم اقامة أو الدخول في أي أحلاف عسكرية وتبني نهج حل الخلافات الدولية والإقليمية على أساس سلمي وفقا لمواثيق المنظمات الدولية والإقليمية التي يتمتع السودان بعضويتها وهذا يعني عدم التدخل في أي نزاع دولي أو إقليمي إلا بالموقف السياسي السلمي المتوازن الذي يراعي مصالح شعب السودان، مما يعني عدم تسخير امكانيات وأراضي وأجواء ومياه السودان الإقليمية لخدمة أي طرف في أي نزاع أو الإشتراك في أي حرب لم تفرض علينا لأسباب آيديولوجية أو دينية أو سياسية.
4)    عدم الاشتراك في سباقات التسلح الإقليمية والدولية وأن يكون اغتنائنا لأي أسلحة لحاجات دفاعنا الوطني فقط، فلا ندخل في تجارة السلاح أو تهريبه أو تمريره لطرف آخر.
5)    أن يكون موقفنا واضحا من نزع السلاح وتحريم السلاح النووي وعدم انتشاره والسعي نحو جعل أفريقيا والشرق الأوسط مناطق خالية من السلاح النووي والسعي نحو عالم خال من السلاح النووي.
6)    أن يكون موقفنا من القضية الفلسطينية هو موقف  سياسي داعم لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم والعودة لأراضيهم وحقهم في صيانة المناطق المقدسة بأراضيهم. ويتطلب هذا الموقف إقرار بإنهاء حالة الحرب التي أعلنها رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب من داخل الجمعية التأسيسية في يونيو 1967 ضد إسرائيل ولا يعني هذا بالطبع الاعتراف باسرائيل. وفي نفس الوقت يجب ألا ننحاز كدولة أو حكومة إلى جانب أي فصيل من الفصائل الفلسطينية. وأن نعلن بوضوح أننا لا نستطيع تقديم أي دعم غير الدعم السياسي والدبلوماسي والإنساني، فليس لدينا قدرة على فعل شئ آخر.
أما ثاني عنصر في هذه الإستراتيجية فهو عنصر عسكري يقوم على تجهيز القوات المسلحة السودانية بحيث تكون قادرة على الدفاع عن أراضي وأجواء ومياه السودان الإقليمية. كما يتطلب هذا اعادة انتشار القوات المسلحة وفقا لخطوط دفاع متعددة ووفقا لخطوط امدادات تحدد وفقا لدراسة عسكرية شاملة تبين مواقع الردارات ومداها ومواقع وحدات الدفاع الجوي وتوزيع الوحدات البرية واضحة في الاعتبار أن مهمة الأمن الداخلي ستنتقل كاملة في دولة ديمقراطية للشرطة وأن عقيدة القوات المسلحة ستبنى على الدفاع عن الوطن ضد الاعتداءات الخارجية وبالتالي تتحول مهام التجنيد الاجباري والخدمة الوطنية وانشاء احتياطي القوات المسلحة الذي يمكن استدعاءه عند الضرورة.
وستساعد هذه الاستراتيجية في تحديد المناطق العسكرية ومناطق التصنيع الحربي والمطارات ومناطق الامدادات بشكل خارج المدن والمناطق السكني ومناطق تخزين وتكرير ومعالجة المواد البترولية (على أن تكون حراسة الأخيرة كمناطق استراتيجية تتم وفقا لخطة لا تجعل الخطر يصلها. إن كثير من المواقع العسكرية الحالية قد حدد منذ زمن سحيق قبل نمو المدن والمناطق السكنية والصناعية والمنشآت الاقتصادية الأخرى ولا بد من مراجعة ذلك ونقل المناطق العسكرية والأسلحة وقيادات القوات خارج المناطق السكنية.
إننا باعتماد مثل الاستراتيجية المقترحة نضمن الأمن لبلادنا ونضمن لها علاقات خارجية تخدم مصالح الوطن.

Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////