ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الاعتقال الخامس والأخير

 

يوليو 1979-نوفمبر 1983

 

 

النقل لبورتسودان

 

وكانت أحد النتائج السلبية للإضراب عن الطعام أن تم تحويل عدد منا لسجن بورتسودان. وتم تحويل كل من يوسف حسين (عضو للجنة المركزية للحزب الشيوعي)، الدكتور محمد مراد، الخاتم عدلان (ناشط شيوعي وطالب دراسات عليا –ماجستير الفلسفة)، التوم إبراهيم (نقابي)، ميرغني عطا المنان ( نقابي حلويات ريا)، الأستاذ عمر علي محمد (معلم) ، النقابي حسن العبيد، العقيد معاش جريس (ضابط قوات مسلحة محال للمعاش)، إسماعيل محي الدين راسخ (معلم سابق وموظف ببنك الخرطوم) ، صدقي كبلو (ناشط شيوعي، وباحث إقتصادي بالمجلس القومي للبحوث وطالب ماجستير)، الشيخ الجيلاني (مهندس بترول)، كمال حسين مبروك (محاسب ونقابي بالسكة حديد)، الفنان التشكيلي أحمد البشير الماحي (رئيس سابق لإتحاد كلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية) ، عبد الرؤوف علي أبنعوف (خريج الكلية المهنية العليا و موظف بالشباب) ، التجاني حسن (خريج قانون)، عباس وهبة(الإدارة المركزية للكهرباء)، مصطفى   نصر (التصوير الملون)، المهندس إبراهيم بشار (خريج معهد الكليات التكنلوجية)، المهندس الفاتح كنونة، الأستاذ محمد سيد احمد عتيق (متفرغ سياسي بحزب البعث)، الأستاذ ألياس صعيل (معلم)، الأستاذ مدني علي مدني والنقابي الفاتح الرشيد.

 

وقد نقلنا لبورتسودان بواسطة طائرة هوركليز حربية، ولكن بعد وصولها مشارف بورتسودان عادت لإكتشاف عطل بها (عجلاتها لا تنزل أتومتيكيا) وعندما بلغنا بعطب الطائرة كنا المرحوم أحمد البشير الماحي وشخصي نلعب الشطرنج ونضحك وكان العساكر والضابط الذي يصحبهم ينظرون لنا بدهشة وكأنهم يقولون "كيف يقال لهم أن الطائرة فيها عطب وم يلعبون الشطرنج ويضحكون" وكنا نضحك لأني كنت أقول لأحمد " تصور يا احمد لو وقعت الطيارة أنا عندي بت حتشيل إسمي وإنت تروح ساكت" وكنا  نضحك على ذلك! وكان بعض الزملاء يساعدون في محاولة إنزال العجلات بشكل يدوي بإستخدام منفلة خاصة، والطريف أننا عندما اصبحنا فوق مطار الخرطوم والذي أستعد لإنزالنا إضطراريا وأمتلأ المطار بعربات المطافي والإسعاف، نزلت العجلات ونزلت الطائرة بسلام وجاء الجميع يهنئوننا بسلامة الوصول فرجعنا لكوبر حيث أمضينا ليلتنا وتم ترحيلنا في اليوم الثاني.

 

عند وصولنا لبورتسودان وجدنا أننا نعرف بعض طاقم الضباط ومن بينهم الحكمدار موسى عيسى الذي ورد اسمه في الإعتقال الأول في سجني نيالا وزالنجي، ومقدم لا أتذكر اسمه الان ولكن أتذكر أن صديقي التجاني حسن كان يغتاظ عندما قلت عنه مرة أنه صاحبنا وكنت أقصد أنه مر علينا في كوبر من قبل. وكان قمندان السجن اللواء البشير مالك غائبا في إجازته السنوية. وكان هناك رائد لم نره من قبل اسمه مصطفى محمد صالح  قد لعب دورا كبيرا في تحسين معتقل بورتسودان بالنسبة لنا.

 

بمجرد وصولنا طلب منا الوقوف في صف وبدأو ينادون علينا فنادوا يوسف حسين، محمد مراد ثم شخصي وجردنا من ممتلكاتنا عدا حقيبة ملابسنا فظننا أننا سنعزل عن الباقين وبينما نحن وقوف إذا بالرائد مصطفى محمد صالح يقترب مني ويسألني "هل تقرب لفيصل كبلو؟" قلت له "نعم هو إبن عمي" قال "فيصل رجل محترم كان معنا هنا" ثم أردف "لكن يبدو أنك بتاع مشاكل !" فقلت "ليس صحيحا" فقال "التوصية من الخرطوم أنكم بتاعين مشاكل" قلت "سنعيش معك هنا وسترى إذا كنا بتاعين مشاكل ولا لا " قال "حنشوف وأبتعد" ثم قادنا حرس إلى قسم المديرية بالسجن وهو مكون من عنبرين كانا مجهزين بسراير بعددنا فأطمانينا أننا لن نعزل وأن الباقين قادمين. وبالفعل بدأ باقي الرفاق بالوصول ولكن بدون كتب وبدون راديو وبدون أدوات تسلية، بل حتى وابورات الجاز التي أحضرناها معنا لم يسمح لنا بإدخالها. وكان اليوم خميس  فقضينا خميسا بائسا، وتأخر وصول الطعام وكان رديئا. وفي يوم الجمعة، كان الرائد مصطفى نبطشيا فارسل للأخ مدني لأن هناك قريب له يريد زيارته فقلت لمدني أن يقول لمصطفى أن يحضر لنا، وجاء مصطفى وجلس في سرير مدني الذي كان يجاورني، فتحدثت معه عن منعنا أشياءنا وعدم وجود حتى وابور جاز لعمل الشاي، فما كان منه إلا أن أمر الشاويش النبطشي بأن نعطى وابوراتنا وأن نمد بالجاز وقال أنه سيتحدث مع الحكمدار حول بقية أشيائنا.

 

لعلنا أول من إلتقط إغتيال السادات

 

 

وفي يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 1981 سمح لنا بأخذ باقي أشيائنا من كتب وراديو الخ، وكنت أملك جهاز راديو كاسيت ناشونال بانوسونيك قوي الإلتقاط وبمجرد إحضاره جلسنا إسماعيل راسخ وشخصي نقلب في محطاته فكانت أول محطة عربية إلتقطناها وتوقفنا لديها  هي إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان في لحظة قطع إرسالها وإذاعتها لنبأ تعرض منصة السادات في إحتفال أكتوبر لإطلاق الرصاص وأن الإرسال الإذاعي المصري الذي كان ينقل الإحتفال قد قطع فجأة وأذاعت الإذاعة الأردنية تسجيلا لرصدها للحدث!

 

وصحنا منادين بقية الزملاء وتحلقوا حول الراديو بدأنا السياحة في الإذاعات الدولية نلتقط الأخبار حتى تأكد وفاة السادات بعد أن أطلق عليه خالد الإسمبولي رصاصات قاتلة. لا أنكر أن المعتقلين جميعا أبدوا إرتياحا لموت السادات فهو لم يكن محبوبا ولا محترما وسطنا، وكنا قد سمعنا قبل ترحيلنا بفترة قصيرة خطابه الشهير الذي توعد فيه المعارضة المصرية بعد إعتقاله عشرات المثقفين المصريين أنه "سيفرمهم  إنما بالقانون" كما ظللنا نحمله التآمر على 19 يوليو والدور الذي لعبه في الضغط على نميري في إعدام الشفيع وعبد الخالق وجوزيف! وكنا في سجن زالنجي عندما رأينا ما قاله لأحد المجلات أو الصحف عن ميلاد الإتحاد الثلاثي بأسنانه وأنها بانت في السودان! ثم جاء كتاب الصحفي مطر ليكشف مزيد من الحقائق وأنا أكتب الآن تكشفت  لي مزيد من الحقائق بعد أن رأيت جزءا من مذكرات وزير الدفاع المصرفي حينها محمد أحمد صادق الذي كشف فيها دور مصر وليبيا في هزيمة 19 يوليو وكيف وضع محمد أحمد صادق خطة إعتراض الطائرة البريطانية التي كانت تقل بابكر النور وفاروق حمدنالله.

 

البشير مالك يستجيب لكل مطالبنا

 

 

واصطففنا في أول سبت عند حضور  اللواء البشير مالك من إجازته في مروره على السجن، فحيانا وتوجه لي بالكلام : "إزيك يا كبلو إنشاءالله يكونوا الجماعة ديل مريحنكم" فقلت له " أهلا سيادتك حمدالله على السلامة، والله ما قصروا ولكن عندنا شوية قضايا ممكن تطرحها عليك لجنة المعتقل وأشرت ليوسف حسين ومحمد مراد". وكم كانت دهشة الجميع عندما أستجاب لكل المطالب فأمر بإعطائنا موادنا الغذائية لطبخها، وبناء مطبخ لنا في الكورنة وإعطائنا تلفزيون والسماح لنا بالرياضة في حوش الورشة مرتين في الأسبوع، والسماح بشراء ما نريد من أماناتنا وتحويل مرضانا للمستشفى.

 

وأسع الرائد مصطفى كأنه خاف أن يرجع المدير من أوامره إذ أنه مسئول من الورشة فأتى بمن أقام كشك مطبخنا في الكورنة في نفس اليوم وبدأ الإستقرار في المعتقل.

 

وخلف البشير المالك اللواء عمر خيال الذي لم يغير من وضعنا بل ساهم في تزليل كثير من الصعاب.

 

الملاريا أول مشكلة تواجهنا

 

 

وكانت أول مشكلة تواجهنا في بورتسودان هي الملاريا، وقد يستغرب القارئ عن كيف تكون الملاريا في بورتسودان أول مشاكلنا، ولقد كنت أنا أكثر إستغرابا خاصة عندما خرجت المرة الأولى من السجن للمستشفى مشيا على الأقدام: هل هذه بورتسودان التي رأيتها قبل عامين فقط؟ ماذا دهاها لماذا تدهورت نظافتها وكانت من أشهر مدن العالم نظافة وأناقة؟

 

بدأت الملاريا بإصابة الدكتور المؤرخ محمد مراد حتى ظننا أننا فقدناه ثم لم تستثنى أحدا، فأقترح علينا حسن العبيد أن نجلب ناموسيات، فبدأنا في شراء الناموسيات حتى أصبح على كل سرير ناموسية وسخرنا لذلك المال الخاص والمشترك بيننا وكان عبدالرؤوف علي أبنعوف مدير كميوننا هو العقل المدبر للمال ومعرفة القدرات المالية لكل زميل ومساهمته . وكانت فترة من أعصب فترات المعتقل وظللنا نمارض بعضنا البعض ونسهر بقرب سرير المريض منا وكان ذلك رمزا خالدا من رموز التضامن الرفاقي الخلاق.

 

العمل الثقافي في معتقل بورتسودان

 

 

كانت فترةإعتقال بورتسودان من أكثر فترات العمل الثقافي ثراءا في كل المعتقلات التي دخلتها وذلك لأننا من البداية كنا قد قررنا أن نرتقي بمعارفنا من أسس ومبادئ الماركسية لدرجات أعلا في كل الجوانب الإقتصادية والفلسفية وفي دراسة التاريخ وفي دراسة الأدب وفي قضايا السياسة. وما ميز هذه الفترة أن كل المحاضرات تقريبا كانت تعد مكتوبةً قبل وقتٍ كافٍ من تقديمها ويتم تمريرها على الزملاء قبل تقديم المحاضرة لتحضير ملاحظاتهم وأسألتهم ومساهماتهم. وقد جعل ذلك المناقشات ثريةً والمحاضرات مفيدةً وكان عددُ كبيرٌ من الزملاء ينسخون تلك المحاضرات ويحتفظون بها ومن بينهم الزملاء عمر علي وعبدالرؤوف على أبنعوف وعباس وهبة.

 

بدأت نشاطي الثقافي بإكمال كورس في الإٌقتصاد السياسي كنت بدأت تدريسه لمعتقلين انضموا لمجموعتنا في الشرقيات من قسم المديرية أثناء الإضراب ثم تعددت المساهمات فقدمت الآتي:

 

سلسة محاضرات عن الإقتصاد السياسي  للإشتراكية ( المدرسة الحزبية بورتسودان)

 

سلسلة من أربع محاضرات بعنوان "مقدمة لدراسة التطور الرأسمالي في السودان" (نشرت إثنين منها كدوريات بمحلس الأبحاث الإقتصادية) وتناولت هذه المحاضرات  البنية الإقتصادية التي أنشاها الحكم الثنائي وفترة الإستقلال والخطة العشرية والخطة الخمسية المعدلة ووثيقة الخطة السداسية، مما يمكن النظر أليه كمشروع لتاريخ الإقتصاد السوداني منذ الحكم الثنائي.

 

محاضرة عن الإجراءات المالية التي أعلنها نميري في 9 نوفمبر 1981 (المخطوطة موجودة رغم فقدان بعض الصفحات من مقدمتها) وهذه إجراءات أعلنها نميري بنفسه في 9 نوفمبر 1981 وأحتوت على 18 إجراء إقتصادي شملت كل روشتة صندوق النقد الدولي وكان اهمها التخفيض الثالث والأكبر للجنيه خلال ثلاث سنوات والذي بلغ 45% من قيمةالجنيه معادلة بالدولار الأمريكي و فرض نميري رسوماً جمركيةً جديدةً على كل الواردات بلغت 10% مما أدى لزيادة عامة في أسعار السلع المستوردة ووعد نميري برسوم اعلى على الواردات بهدف حماية الصناعة المحلية وسحب الدعم فورا من البترول ومشتقاته وقرر تخفيض الإنفاق الحكومي بإغلاق بعض البعثات الدبلوماسية السودانية وألغى وخفض الرسوم الجمركية على الصادرات وزاد بدل الترحيل للموظفين والعمال ورفع الحد الأدنى المعفى من ضريبة الدخل الشخصي وتحدث عن تشجيع الإدخار ووجه البنوك لتنفيذ ذلك، وفي نفس الوقت حث البنوك على إسترداد مديونيتها لدى القطاع الخاص حتى ولو أدى ذلك لبيع الأصول المرهونة وقرر إجراء لإصلاح كامل للمؤسسات العامة وفي نفس الوقت قرر أن تورد المؤسسات أرباحها كاملة لوزارة المالية التي ستقرر الإحتياطي اللازم للتجديد والاحلال، وكانت أخطر قرارته هي التنفيذ الفوري لمقترحات البنك الدولي حول الحساب الفردي في مشروع الجزيرة  وهو ما فشل البنك الدولي في جعل كل الحكومات منذ حكومة عبود تنفذه. وقرر نميري إلغاء مؤسسة العقارات التي كانت تدير عقارات الدولة وقرر جرد مخازن الدولة لبيع الفائض من مخزونها وأعلن عن برنامج لحصر مديونية الحكومة والقروض التي تم التعاقد عليها (تصور حكومة بم تكن تعرف وترصد مديونيتها ولا القوض المتعاقدة عليها لدرجة إستئجار بيت خبة أجنبي ليفعل ذلك!) وكان ثاني اخطر قرارته هو إيقاف أي مشروعات جديدة مما يعني إيقاف تنفيذ الخطة السداسية التي كانت تهدف لتطوير الزراعة في السودان وتعتمد على ما سمي بالبنامج الأساسي لتطوير الزاعة في السودان أول برنامج كان يفترض أن تنفذه الهيئة العربية للإنماء والإستثما الزاعي بهدف جعل السودان سلة غذاء العالم! وإستبدالها ببرنامج لثلاث سنوات لإعادة الاستثمار والتجديد وأتخذ قرارت حول الإنضاط المالي وعدم التصرف في إستقطاعات المعاشات  وصندوق التوفير وإستقطاعات الضرائب والرسوم الحكومية لغير الجهة المخول لها قانونا ذلك. وفي النهاية أصدر أمرا للجهات المختصة بتنفيذ قرارته. وقد تعرضت المحاضرة لتلك القضايا الواحدة تلو الأخرى

 

محاضرة التوازن في نظام ماركس الإقتصادي (القطاع الأول والثاني). وهذه محاضرة كانت مغامرة في إتجاه الإنتقال من المعارف العامة في الإقتصاد السياسي الماركسي لمعرفة أكثر تخصصا، ولأول مرة في محاضرة غير أكاديمية (بمعنى غي موجهة لطلبة أكاديميين أو متخصصين في الإقتصاد) حاولت إستعمال المعادلات، والمدهش أن الزملاء كانوا منتبهين ومتابعين ووجدوا المحاضرة مفيدة ومفهومة، وقد حفزني ذلك لتقديم محاضرة عن فكر الكينزية.

 

محاضرة عن الإقتصاد الكينزي (مخطوطتها موجودة)، وهي المحاضرةالتي نبعت فكرتها من المحاضرة السابقة وقد حاولت فيها أن اضع النظرية الكينزية في محتواها التاريخي وناقشت مفهوم الأزمة عند ماركس وعند كينز وأهمية السياسات الإقتصادية الكينزية في الإقتراب من التوظيف الكامل للموارد وفي تفادي الأزمات قصيرة المدى وعدم إهتمام كينز أساسا بمفهوم طول المدى! والآثار الكينزية في توليف وتأسيس نماذج النمو الإقتصادية خاصة نموذج هارو دومار الشهير وقارنت في المناقشات بين كينز وأوشكار لانجة وبول باران وأستمرت مناقشة المحاضة أكثر من جلسة.

 

محاضرة عن كتاب الندوي "ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين" (نشرت في الميدان العلنية خلال الديمقراطية الثالثة) والمحاضرة عبارة لنقد نظرية التاريخ  في الفكر الإسلامي الأصولي، تلك النظرية التي ترى التاريخ البشري بأنه أما قرب او إبتعاد من الدين وأوضحت كيف أن الندوي هو الذي صاغ مفهوم جاهليةالقرن العشرين وما العلاقة بين الندوي والأخوين سيد ومحمد قطب.

 

محاضرة عن مسرح نعمان عاشور (المخطوطة مع دكتور عمرو محمد عباس الذي قرأها في عام 1986 وأصر أن يحتفظ بها وأرجو ألا يكون قد أضاعها) ولهذه المحاضرة قصة وقد أثارت كثير من المناقشة، فكنت قد أقترحت على زميل يقرأ الأدب ويتذوقه أن يقدم تلك المحاضرة عن الأعمال الكاملة لنعمان عاشور التي كانت متوفرة لنا ولكنه أعتذر بحجة أنه غير متخصص وحاولت إقناعه بأنه لا يوجد لدينا متخصص في النقد الأدبي في المعتقل، وأنه كقارئ متذوق للأدب يستطيع أن يبدأ السير في ذلك الطريق والمسألة لا تتعلق بالشهادات رقم أهميتها، إنما بالدراسة والتجريب والمناقشة مع الآخرين وأن في المعتقل الوقت لكل ذلك، فرفض بحسم، فقلت له أنا سأقوم بذلك، وعندما قدمت تلك المحاضرة كانت بعض وجهة المناقشة تسير في وجهة ذلك الزميل لإثبات عدم تخصصي، ولكن يبدو أن إهتماماتي الأدبية في صباي وأيام الثانوي وقراءاتي لكتاب اليسار في مصر مثل المقالة أو قل الدراسة الشهيرة لمحمود أمين العالم حول "البناء المعماري لثلاثية نجب محفوظ، وأهتمامي بكتابات الدكتور محمد مندور حول المسرح وجابر عصفور وغالي شكري وغيرهم  وقراءتي لبريخت وتأثري بعثمان النصيري في الجامعة قد انقذوني وأبانوا أن لي بعض معرفة بقضايا المسرح. وكانت من أطرف المناقشات أن علق أحد الرفاق على قول لي أن نعمان عاشور قد تنبأ بالنكسة (هزيمة 1967 في مصر كما كنا نسميها وقتها) في بعض مسرحياته قبل حدوثها، قائلا "يا أخي الإتحاد السوفيتي ما تنبأ بالنكسة" فعلقت ساخرا "أن حاسة الأديب أصدق من حاسة المخابرات وأحيانا من حاسة السياسي".

 

وقد أحتل الأستاذ الدكتور محمد مراد مقعده كل أسبوعين من وصولنا وحتى إطلاق سراحي من بورتسودان في نوفمبر 1983 يحاضرنا عن تاريخ السودان القديم، معتمدا على مراجع لا تتوفر بالعربية ولا يتوفر معظمها بالإنجليزية وكانت تلك المراجع قد إستفادت من حفريات حديثة منذ حملة إنقاذ آثار النوبة الأولى عند بناء السد العالي. وأني لأعجب كيف ولماذا يحرمنا الصديق دكتور مراد من نشر تلك المحاضرات القيمة حتى ولو بدون تنقيح فهي بلا شك ستكون ذات فائدة عظيمة في حوارنا الوطني الحالي حول الهوية وستساعد الأجيال الجديدة في تلمس جذورهم التاريخية وتطوي معارفهم بالحضارات السودانية القديمة.

 

قدم الخاتم محاضرة عن حياة ماركس وهي كانت في نسختها التي تم تداولها بيننا قبل المحاضرة ذات لغة شاعرية بديعة ولا أظنني قرأت في حياتي شيئا جميلا كتب عن ماركس كمحاضرة خاتم تلك.

 

وقدم الخاتم محاضرات عن الفلسفة الماركسية  أثارت مناقشة  ثرية وكنت قد أثرت معه قبل المحاضرة نقاط حول محاضرته حول مصادر الماركسية وكانت تلك النقاط مرتكزة على موقفي من كتيب لينين " مصادر الماركسية الثلاث وأسسها المكونة الثلاثة" والتي في رأي كتاب تبسيطي قصد به  تعريف الماركسية وأننا كنا أتفقنا في العمل الثقافي للأرتقاء بمعارفنا فوق المتعارف عليه وذكرت له أنني أفضل طرح أنجلز للمسألة في "فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"  وما أورده عن إسهام الإنجليز في تطور المادية في "لإشتراكية علمية وأشتراكية طوبوية" وقد أستقبل الخاتم ملاحظاتي تلك بروح طيبة، ولحسن حظنا أنه بعد يومين من مناقشتنا تلك وصلنا في المعتقل من زملائنا ببورتسودان عدد من الكتب من بينها كتاب أنجلز عن فورباخ، ولكن لم يكن هناك وقت ليعدل الخاتم ما كتب فقد كانت المحاضرة المكتوبة قد إكتملت دورتها وسط الزملاء ولكنه عدل  كثيرا في طرحه عند تقديمه للمحاضرة وقدم في تقديري محاضرة جيدة. والمدهش أن الزميل يوسف حسين في مناقشته والتي أعد نقاطها بشكل مسبق على أساس الورقة أنتقد الخاتم  مستندا على موقف انجلز ولم يضع في الإعتبار التغييرات التي أحدثها الخاتم أثناء التقديم.

 

وإلى جانب المحاضرات فكانت وحدات الفرع الثلاث تناقش بعض الكتب السوفيتية، وكنا الخاتم وشخصي في وحدة واحدة ولكن لنا آراء متباينة حول الأطروحات السوفيتية حول العالم الثالث وقد تبينت خلافاتنا تلك في مناقشاتنا لكتاب "العالم الثالث قضايا وآفاق" وكتاب آخر أظن أن اسمه "البلدان ذات التوجه الإشتراكي" و يناقش الكتابان قضايا الثورة والتحرر والتحول الإقتصادي والإجتماعي في بلدان العالم الثالث من وجهة نظر سوفيتية. لقد ظللت منذ بدأ الصراع في الحزب الشيوعي السوداني حول إنقلاب مايو 1969 وحول مقولة الديمقراطيين الثوريين أطور موقفا نقديا منها أصبح رفضا كاملا منذ ان أكتمل تصور الحزب من الأنظمة التي كانت تسمى تقدمية في دورة اللجنة المركزية حول العلاقات الخارجية يوليو 1977 التي ورد ذكرها في الفصل السابق ووثيقة الديمقراطية مفتاح الحل والتي فتحت لي مجال بحث ودراسة أكثر عمقا حول الديمقراطية. ولكن للأ سف كان صديقي المرحوم الخاتم عدلان يتبنى وجهة النظر السوفيتية وكانت حجتي الأساسية أن هذه الأنظمة المسمى  تقدمية وذات توجه إشتراكي لن تسمح بتطور حركة مستقلة للجماهير عموما وللطبقة العاملة على وجه الخصوص بحجة حماية الثورة بينما هي تسعى لحماية نفسها، ولا يمكن لحرك الطبقة العاملة أن تعمل بشكل مستقل وتبشر لبرنامجها بما في ذلك البرنامج الإشتراكي دون أن تصطدم بها، والبديل هو التسليم بقيادة البرجوازية الصغيرة وديكتاتوريتها وإحداثها بعض التغييرات نيابة عن الجماهير ودون مشاركتها. واحيانا أخذ النقاش بيننا طبعا فلسفيا حول مقولات العلوم الإجتماعية هل يتم الإتفاق حولها في مؤتمرات أو مناقشات مثل مناقشتنا حيث يطرح كاتب مقولة ويعرفها أو لا يعرفها فتصبح موضوعا للنقد والمناقشة. وكانت المناقشة ثرة وتتم كتابةً ويتم تبادل ما نكتب في وحدتنا ولكن للأسف لم أحتفظ بصور منها وفقدت. وظل بعض الزملاء من تلك الفترة يتذكرون تلك المناقشة بعد إستقالة الخاتم المسببة فكريا من الحزب ويعبرون عن دهشتهم كيف يبقى في الحزب من كان ينتقد السوفيت وكيف يستقيل من كان يدافع عنهم! وفي الحقيقة أنا عندما أتذكر كل تلك المناقشات يزداد إعجابي بالخاتم إذ أنه كان دائما مدافعا شرسا عما يعتقد أنه صحيح. ولا أشك مطلقا أنه كان يعتقد في صحة موقفه في ذلك الوقت ولم يتردد عندما تغيرت وجهة نظره بأن يتخذ موقفا مغايرا حتى لو كان ذلك مناقضا لكل تاريخه النضالي السابق.

 

وأستمرت المجلة الناطقة والسهرات والإحتفالات بالمناسبات القومية والدينية والتي كانت تجري فيها المنافسات بين الفق والعنابر و أظه رفاق مثل ميرغني عطا المنان وعبدالرؤوف علي أبنعوف ومصطفى نصر مواهب متعددة في هذا المجال.

 

ومارسنا هوايات وأعاب كثيرة من بينها لعب الشطرنج وكان الخاتم بطلنا في تلك اللعبة عدة مرات.

  

الصحة في المعتقل:

 

 

كان الإهتمام بالصحة في معتقل بورتسودان عال جدا من قبل لجنة تم تكوينها من الزملاء التوم النتيفة واسماعيل راسخ وكانت تهتم بنظافة المعتقل وخاصة العنابر والمطبخ والحمامات وكنا نقوم بنفير لغسل العنابر كل أسبوعين، وكانت لجنة الصحة مسئولة عن تسجيل المرضى للعيادة وتحويلهم للمستشفى ومتابعة الأدوية. وكانت نتيجة ذلك أن الزملاء بالمعتقل كانوا بشكل عام في صحة جيدة ويتلقى المرضى منها العناية الضرورية وكان الأطباء في مستشفى بورتسودان متعاونين ويعتنون بالحالات المحولة لهم وأذكر من هؤلاء الأطباء الدكتور أسامة الفيل والدكتور محجوب الخليفة أخصائي الباطنية ودكتور آخر       أخصائي الأنف والأذن والحنجرة أشعر بالخجل أنني لا أتذكر اسمه خاصة أنه قدم لنا مساعدات كثيرة والدكتور الإنسان أسامة سيد الفيل. ولا بد أن أذكر الرفاق ببورتسودان وفي مقدمتهم المرحوم علي دهب والمرحوم معتصم صيام والزميل عبدالرحمن الأمين.

 

الرياضة في المعتقل:

 

 

     كان من بين المكاسب التي حققها لنا اللواء البشير  مالك وحافظ عليها اللواء عمر خيال هو خروجنا مرتين في الأسبوع للرياضة بحوش الورشة في السجن حيث كنا نلعب الكرة ونمارس رياضة المشي. وكنا نقيم المباريات التي يتحمس فيها الرفاق. وواصل الزميل الراحل الفاتح الرشيد (المواطن) تدريبنا في اليوغا وتتلمذنا على يده إسماعيل راسخ وشخصي.

 

الموت المفاجئ للشريف الهندي

 

 

فوجئنا  في يناير 1982 بموت الشريف حسين الهندي الزعيم الإتحادي المعروف آخر وزير مالية في الديمقراطية الثانية والعقل المدبر للجبهة الوطنية التي ضمت الأمة والإتحادي والأخوان في معارضتها السلمية والعسكرية لنظام نميري. كان الشريف قد إستطاع تفادي لإعتقال صباح 25 مايو 1969 وأستطاع أن يصل الجزيرة أبا حيث كان الإمام الهادي مقيما ولحق بهما محمد صالح عمر من قادة الأخوان المسلمين فتعاهدوا على قيام الجبهة الوطنية ومقاومة نظام مايو وأستطاع الشريف أن يعبر الحدود إلى أثيوبيا ثم إلى  السعودية حيث كسب تأييد ملك السعودية الملك فيصل ثم عاد لأثيوبيا لتتظيم معسكرات تدريب الأنصار ونقل السلاح إلى الجزيرة أبا وبعد فشل عملية الجزيرة أبا ومقتل الإمام الهادي أنتقل الشريف لإنجلترا حيث جعل منها المحطة الأساسية لحركته وتحالف خلال وجوده في قيادة المعارضة مع دول مختلفة كالعراق وليبيا إلى جانب السعودية. وكان تحالفه مع ليبيا قد مهد لقيام معسكرات تدرب فيها الأنصار المهاجرين والأخوان المسلين ليشكلوا القوة الأساسية لعملية 2 يوليو بقيادة محمد نور سعد والتي أدت قوتها ومفاجأتها لنظام نميري  رغم هزيمتها لإعادة حسابات نميري وقبوله لإقتراح المصالحة الوطنية والذي كان قد تقدم به الملك فيصل منذ عام 1973 ولكن نميري المنتصر على 19 يوليو حينها والموقع على إتفاقية أديس أبابا كان يشعر بالزهو والقوة ورفض شروط الشريف للصلح.

 بوفاة الشريف إنتقل ثقل المعارضة للداخل حتى قيام الحركة والجيش الشعبي  لتحرير السودان في 1983.