من تخفيض الجنيه لرفع الدعم المزعوم عن المحروقات

الهروب من مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية


كنت قد أشرت في أكثر من مقال وحديث صحفي أن الأزمة الإقتصادية التي تمر بالبلاد هي وجه آخر من الإزمة السياسية وأنه لا يمكن حل أحداهما دون حل الأخرى، كما أشرت أن الأزمة الإقتصادية الحالية لا توجد جذورها في إنفصال الجنوب بل تعود جذورها لطبيعة النظام الحاكم كممثل لشريحة واحدة من شرائح الرأسمالية السودانية و لمجمل السياسات التي أتخذت منذ عام 1989 لتمكين تلك الشريحة وتحقيق مصالحها، ولذا يصبح الحل يكمن في تغيير طبيعة النظام بحيث يمثل مصالح مجمل الشعب السوداني أو على الأقل مصالح الرأسمالية السودانية في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات الانتاجية، وأنه لا بديل للدولة السودانية من انتهاج نهج سياسي واقتصادي مختلف بحيث تكون دولة ديمقراطية حقيقية ممثلة للتعددية السودانية سياسيا وإثنيا وثقافيا وبالتالي تنتهج سياسة اقتصادية تهدف لتنمية متوازنة لاقتصاد زراعي صناعي حديث وخدمات انتجية واجتماعية موزعة توزيع عادل وذات كفاءة عالية لصيانة وتطوير الموارد البشرية السودانية مما يعني سياسة صحية وتعليمية جديدة ومختلفة وديمقراطية المحتوى ووسائل للنقل حديثة وسريعة واقتصادية وخدمات للمياه والكهرباء ذات أهداف إنتاجية واجتماعية انسانية شاملة وعادلة لكل أنحاء السودان.
ولكن الحكومة والمسئولين عن السياسة الاقتصادية اصبحوا كالنعام يدفنون رؤوسهم في الرمال لا يرون المشاكل الحقيقية ويسعون للتعامل بسياسات رزق اليوم باليوم دون أن روا أبعد من أنوفهم المتضخمة بالشحم والدهن. والسياسات التي يقررونها تعمق من الأزمة الاقتصادية والسياسية.
تخفيض الجنيه
ليس صحيحا أن الحكومة قد عومت الجنيه فالتعويم يعني أن ترفع الحكومة يدها كاملا عن النقد الأجنبي وتداولاته وتتركه لقوانين السوق والذي قد يحدد سعرا أعلى أو أقل من السعر الرسمي قبل التعويم، الحكومة حددت أسعار أدنى ثم تركت للسوق أن يحدد ما هو أعلى منها فقط، وهي في ذلك فعلت بالضبط ما يفعله تاجر يعمل في السوق الموازي يملك بعض النقد الأجنبي ويريد أن يبيعها في السوق بسعر حدده لتغطية العجز في الموازنة العامة، الحكومة لم تكن تسعى لاستقرار أسعار العملة ولا لسد الفجوة في الميزانيين التجاري وميزان المدفوعات بل كان هدفها بيع ما تحصلت عليه من نقد أجنبي بهدف تحقيق دخل كبير بالعملة المحلية، ومن الطبيعي أن ترتفع أسعار العملة الأجنبية بمجرد أن تصرف ما لديها بعملات صعبة. القرار لم يسع لمعالجة مشاكل التي أدت لرفع الطلب على النقد الأجنبي (طبعا هي لا تملك أن تؤثر على العرض إلا بإجراءات سياسية هي غير قادرة وغير راغبة في اتخاذها وسنأتي لتفصيل ذلك لاحقا). الطلب على النقد الأجنبي يتكون من ثلاثة مكونات أساسية: استيراد السلع، التحويلات للخارج (أرباح و خدمات) والمضاربة والتخزين(أما بقصد تخزين القيمة لعدم الثقة في النقد المحلي وبالتالي حفظ المدخرات بالنقد الأجنبي، أو المضاربة في سعر الجنيه بالتنبؤ بتدهوره وبالتالي شراء نقد أجنبي لبيعه مستقبلا بأسعار). والحكومة لم تتخذ أي قرارات جادة وفعالة للتحكم في الإستيراد، فمجرد صدور قوائم بسلع ممنوع استيرادها لا يكفي، بل يجب اخضاع كل عملية الاستيراد للإشراف الحكومي عن طريق الرخص التجارية للإستيراد كما كان سائدا قبل سياسة التحرير الاقتصادي وتحرير التجارة الخارجية، ولا بد ألا يسمح بالإستيراد دون تحويل عملة، بمعنى إرجاع سوق العملات الأجنبية للخرطوم  ومن خلال البنوك والمصارف والصرافات السودانية. لكن الحكومة لو فعلت ذلك تكون قد اتخذت خطوات ضد الفئة الطبقية التي اتت بها بالسلطة والتي اصبحت جزءا منها.
الحكومة لم تفعل أي شئ لظبط الطلب على النقد الأجنبي لتحويل الأرباح  والقضية ليست مجردة عن أرباح كل المستثمرين، بل هي عن نوع الاستثمارات التي سمحت لها الدولة وتستنزف مواردنا من النقد الأجنبي (مطاعم، محلات حلويات، حلاقين رجال ونساء، صناعة أساسات بأيدي أجنبية أو أسماء اجنبية).
كما أن الحكومة لم تسع لوقف العمالة الأجنبية الهامشية وغير الفنية أو في المجالات غير الضرورية والساسية مثل خدم المنازل وعمال البناء والمطاعم وعمال المقاهي وأمكنة الحلويات وعمال في مهن كثيرة موجودة في السودان أو يمكن التدريب عليها ببرنامج سريع كالنقاشين والسباكين وهؤلاء يستنزفون نقدنا الأجنبي ويساهمون في الضغط على سعر العملة الوطنية
ولقد تزايد ا لصرف على الخدمات التي يشتريها الأغنياء وعائلاتهم من الخارج كخدمات الإجازات في الخارج والعلاج والتعليم في الخارج دون ضوابط، فقد انتهى فعليا دور القمسيون الطبي وأصبح العلاج في الخارج لمن يستطيع سبيلا دون مراعاة لقدرات البلاد من النقد الأجنبي، وهذا يعكس عدم الثقة في خدماتنا الصحية كما يعكس سلوكا اجتماعيا تفاخريا للفئات الغنية ونفس الشئ بالنسبة للتعليم في الخارج فبعد كل الجامعات الحكومية والأهلية ما زالت عائلات ترسل أبنائها وبناتها للدراسة في الخارج في ماليزيا والهند وأروبا .
وتهمل الدولة بشكل أساسي الطلب من أجل المضاربة والذي لا يمكن هزيمته وتقييد حجمه إلا بنمو الثقة في الاقتصاد وفي الجنيه السوداني والتأثير على عرض الدولار بشكل حقيقي كما سنبين، وليس بسياسات ضخ النقد الأجنبي في السوق الموازي، والتي في الحقيقة تشجع المضاربة فالكل سيراهن على عدم مقدرة الحكومة في استمرار الضخ لأنهم يعرفون البير وغطاها بل يعرفون من أين أتى النقد الأجنبي الحالي وكميته ومتى سيخلص. والحال شبيه أيضا بالطلب من أجل تخزين القيمة أي الحفاظ على المدخرات النقدية آمنة غن لم تكن متصاعدة حيث يحل النقد الأجنبي محل العقارات والذهب التقليديين لحفظ القيمة وذلك لتفوقه لسهولة تسسييله متى أراد الشخص نقدا وطنيا لقضاء حاجة أو للإستفادة من ارتفاع قيمة مدخراته.
عرض النقد الأجنبي
تهمل الحكومة في سياستها مسألة عرض النقد الأجنبي وفقط تتحدث عن الذهب وكأنما تريد أن تكرر قصة المرض الهولندي مرة أخرى مع الذهب وسنعود لمسألة الذهب عند مناقشة بدائل رفع ما يسمى بالدعم.  ولكن من المهم عند مناقشة عرض النقد الأجنبي التوقف عند الصادرات غير البترولية وغير الذهب، والتي ظلت مصدرا للنقد الأجنبي منذ الفتح الإنجليزي المصري وهي الصادرات الزراعية والصمغ والثروة الحيوانية، وقد نبهنا وزير المالية منذ نوفمبر 2010 لمستقبل  الاقتصاد السوداني في حالة انفصال الجنوب وطالبناه بالاستعداد للموسم الزراعي 2011/2012 ولكنه وحكومته لم يهتموا لنصحنا وتركوا الموسم يفلت من بين يديهم بقصور الترتيتيب الاداري وعدم النظر في علاقات الانتاج في الجزيرة والزراعة المروية وعد اتخاذ الخطوات لاستعادة ادارة الري بشكل علمي وتحت ادارة واحدة تستطيع التحكم في انسيابه وصيانة ترعه وقنواته وبواباته، ولم يتم التفكير في إعادة الادارة الهندسية لتوفر الآليات وتديرها ولا الإدارة الزراعية لادارة العمليات الزراعية وفقا لجدول زمني تحدده الأبحاث والتجارب، ولم يوفر التمويل الكافي للزراعة المروية والمطرية معا في العروة الصيفية والشتوية. فلا أنتجنا قطنا وحبوبا زيتية تدر علينا نقدا أجنبيا وتوفر لنا نقدا أجنبيا بتوفير الحبوب الزيتية وبذرة القطن لصناعة الزيوت والصابون، ولام نوفر قمحا يقطع لنا فاتورة القمح. ومسألة الاصلاح الزراعي تتقدم الأجندة الوطنية الاقتصادية نسبة لما لحق بالزراعة من تخريب في عهد الانقاذ منذ حل المؤسسات الزراعية وحتى قانون مشروع الجزيرة ل 2005 السئ الصيت وفشل النفرة والنهضة الزراعية.
وعطلت الحكومة لأسباب غير عقلانية مصدرا هاما للنقد الأجنبي هو ايجار أنابيب النفط للجنوب وما يتصل بها من عمليات معالجة  والتي كان يمكن ان تدر على السودان ما يساوي ال 2 مليار دولار في السنة لو أتفقنا على سعر معقول (ليس هو بأي حال السعر التعجيزي الذي تطالب به الحكومة 36 دولار للبرميل) وما كان من الممكن أن تدره التجارة مع الجنوب واستخدام الجنوب للموانئ والسكك الحديد والنقل النهري السوداني.
الحكومة عاجزة عن احضار تحويلات السودانيين العاملين بالخارج ومدخراتهم عبر عن القنوات الرسمية لأنها تفتح كما أوضحنا عاليه ثغرة التجارة الحرة والاستيراد دون تحكم وزارة التجارة أو البنك المركزي أو البنوك التجارية مما يجعل بشكل فعلي سوق النقد الأجنبي في الخارج بدلا عن الخرطوم ويجعل من الصرافات الرسمية أدوات رسمية لتجميع النقد الأجنبي وبيعه للتجار بالخارج.
آثار تخفيض الجنيه المسمى تعويما
طبعا الأثر المباشر هو في زيادة الأسعار للمستهلك والتكاليف للمنتج الزراعي أو الصناعي، مما يعني ارتفاع معدل التضخم المرتفع أساسا. ولكن الأثر غير المباشر هو في الثقة في الاقتصاد الوطني والعملة الوطنية مما يؤدي لزيادة المضاربة واتجاهات تخزين القيمة والدخرات بالنقد الجنبي، وهذا يعني زيادة الطلب على النقد الأجنبي وضغوطا أكثر لإنخفاض سعر العملة الوطنية وأرتفاع سعر العملة الأجنبية (وبالذات الدولار).
ما يسمى برفع الدعم
تدعي الحكومة أنها تدعم أسعار المحروقات وهي دعوى لا يسندها منطق الأرقام، فامعنى الاقتصادي للدعم هو أن تبيع سلعة أو خدمة بأقل من ىتكلفتها وهذا لا يحدث بالنسبة للمحروقات في السودان التي تباع بأكثر من تكلفة إنتاجها، ولكنها تباع بأقل من سعرها العالمي، وما تريد الحككومة أن تفعله أن ترفع الأسعار لتحقق مزيدا من الأرباح لتحقق مزيدا من الإيرادات لسد العجز في الميزانية، والميزانية معجزة لا قلة إيراداتها ولكن نسبة لتضخم منصرفاتها ذلك أن أكثر من 80 % من المنصرفات يذهب للأمن والدفاع والمؤسسات الدستورية، ويمكن للحكومة أن تقطع بعض المنصرفات دون أن يتأثر المواطن السوداني ودون أن تحتاج لرفع أسعار أي سلع،  كما يمكن للحكومة إذا ما أتخذت بعض الإجراءات لتحسين العلاقة مع جنوب السودان أن تحقق دخلا صافيا يزيد عن العشرة مليارات جنيه سوداني بالجديد، لكن دعونا ننظر لبدائل الحكومة في جانبي الإيرادات والمنصرفات:
إيقاف الحرب
إن إيقاف الحرب يمكن أن يوفر على الدولة ما يزيد على 25 مليون جنيه بالجديد في اليوم الواحد تصرف على الذخائر والمواد البترولية والتموينية وبدلات الميدان للضباط والجنود والدعاية والتجييش وهذا ما يساوي سبعة ونصف مليار جنيه بالجديد. بل أن إيقاف الحرب وإكمال التحول الديمقراطي وحل قضايا الهامش سيسمح بقطع نصيب الأمن والدفاع في الميزانية العامة وعودة الجيش والأمن لحجمهما العادي في دولة ديمقراطية.
تقليص مؤسسات الدولة الدستورية
1-    أن تختصر مؤسسة الرئاسة على الرئيس ونائبيه والاستغناء عن جميع مساعديه ومستشاريه باعتبار أن الوزراء مجتمعين ومنفردين هم مستشارو الرئيس ومساعديه التنفيذيين ولا حاجة له لمزيد من المستشارين، فمثلا لحاجة لمستشار في الشئون الخارجية وهناك وزارة متخصصة تعج بالسفراء ورؤساء الإدارات المتخصصة التي تغطي كل مناطق العالم وهيئاته المتخصصة، ولا داعي لمستشار للاستثمار وهناك وزارات متخصصة في كافة مجالات الاقتصاد والصناعة والزراعة والنقل وغيرهها.
2-    أن يتم تقليص مجلس الوزراء الاتحادي ل 18 وزيرا اتحاديا بدون وزراء دولة وخاصة أن معظم الوزارات تمارس صلاحياتها بالمشاركة مع وزارات أو أدارات ولائية أو مجالس قومية أو مؤسسات مستقلة. وهذا سيوفر مبالغ طائلة تصرف على المرتبات الأساسية (في المتوسط 342 مليون بالقديم على الوزير) بخلاف ما يتم صرفه على العربتين لكل وزير وتذاكر لاالسفر لفجازة له وثلاثة من عائلته والصرف على علاجه وعلاج عائلته بالداخل والخارج وبدل السكن وبدل اللبس، ...الخ.
3-    تخفيض عدد أعضاء البرلمان القومي والمجالس التشريعية الولائية.
4-    تقليص عدد الولايات لعدد الأقاليم السابقة.
5-    خفض مرتبات ومخصصات شاغلي المناصب الدستورية ب 30% أسوة بقرار رئيس فرنسا المنتخب والذي تعاني بلاده أزمة أقل حدة من أزمة بلادنا.
6-    حل مشكلة العلاقات الاقتصادية مع الجنوب وفي مقدمتها مسألة نقل ومعالجة النفذ والتي ستدر على الحكومة نقد أجنبي يبلغ 2ز5 مليار دولار في السنة وما يزيد عن مليار جنيه سوداني جديد، هذا خلافا لما سيحققه استعمال الميناء والسكك الحديدية والنقل النهري من رسوم لنق البضائع عبر بورتسودان.
7-    عودة بعض عمليات الخدمات الاقتصادية والانتاجية للقطاع العام مثل إدارة وصيانة الري في كل المشاريع المروية، واصلاح  السكك الحديدية للقيام بعمليات النقل البري، وعودة الأشغال للإشراف على مباني الحكومة، والطرق والكباري لصيانة وتشييد الطرق،  ومشاركة الحكومة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي في إنتاج الذهب والمعادن بمثلما كانت تفعل في البترول.
السؤال الأساسي: هل الحكومة قادرة وراغبة في مثل هذه الحلول؟
ويبقى السؤال الأساسي هل الحكومة الحالية قادرة وراغبة في تنفيذ ما ورد من توصيات وحلول؟
إن بعض ما ورد من توصيات وحلول يصطدم مباشرة مع مصالح الطفيلية الإسلامية مثل تقييد تجارة الإستيراد ووضع ضوابط لنقل سوق العملة للداخل وعبر المصارف الوطنية، وبعضها يناقض مصالح موظفي الطفيلية مكن السياسيسين مثل تقليص جهاز الدولة الدستوري وتقليص مجلس الوزراء وعضوية البرلمان وتخفيض  مرتبات شاغلي الوظائف الدستورية، وبعضها يتناقض مع مقاولي الطفيلية الذين حلوا محل القطاع العام في صيانة الري والنقل وبناء مباني ومنشآت الدولة وهكذا.
إن مصالح الحكومة الحالية ومن تمثلهم من طفيليين تتعارض مع مصالح الشعب والإقتصاد الوطني والاصلاح يبدأ بغزالتها من الطريق.

Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]