عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

الاعتقال الرابع يناير 1977 - مايو 1978

 

 

المصالحة الوطنية

 

أعلن نميري في لقائه الشهري في يونيو 1977 عن المصالحة الوطنية بين نظامه والجبهة الوطنية للمعارضة وكيف أنه إلتقى الصادق المهدي في بورتسودان. وتقرر على أساسها:

 

إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وإعلان العفو العام عن كل الذين أتهموا في قضايا سياسية.

 

إلغاء كل الإجراءات التي أتخذت ضد أفراد بسبب نشاطهم السياسي مثل مصادرة الممتلكات والفصل من الخدمة المدنية.

 

مراجعة هيكل الإتحاد الإشتراكي بقصد فتح كل تنظيماته للإنتخاب على كل المستويات والسماح بمناقشة كل سياسات الحكومة بحرية وإتخاذ القرارات بالأغلبية.

 

مراجعة الدستور لكفالة حماية أكبر للحريات الشخصية.

 

إعطاء مزيد من التركيز على حياد سياسة السودان الخارجية.

 

إلغاء القوانين التي تقيد الحرية الشخصية (خاصة قانون أمن الدولة).

 

مراجعة هيكل الحكم المحلي لإزالة جوانبه السلبية وخاصة بهدف تقليل المنصرفات في هذه الجبهة.

 

مراجعة التوجه غير القانوني تجاه طائفة الأنصار وبالأخص إصدار إعلان يعبر عن الأسف لموت الإمام الهادي إمام الأنصار في 1970.

 

وقد تبع إعلان نميري، إطلاق سراح معتقلي الجبهة الوطنية ومن بينهم حسن الترابي. وكان من بين قيادات حزب الأمة المعتقلين السيد فاروق البرير والذي إلتقيته بالصدفة في باب الشرقيات عتد إطلاق سراحه فأهداني كتاب الطبقات لود ضيف الله.

 

أطلق سراح بعض الزملاء بعد المصالحة ولكن مجموعتنا بقي منها:

 

يوسف حسين، الدكتور محمد مراد، سيدأحمد سمعريت، عبد الرؤوف أبنعوف، السر الناطق، أحمد خليل، وصدقي كبلو

 

زيارة وزير الداخلية

 

 

وزارنا وزير الداخلية الجديد بعد المصالحة الوطنية السيد أحمد عبد الرحمن القيادي البارز في حركة الأخوان المسلمين حينها والجبهة القومية الإسلامية فيما بعد، وأذكر أننا تحدثنا معه حول إطلاق سراحنا فقال لنا حرفيا أنه لا علاقة له بإعتقالنا ولا سلطة له لكي يطلق سراحنا ولكنه مسئول عن السجون، فطالبناه بتنفيذ لائحة السجون ومعاملتنا معاملة معتقلين سياسيين، فسألنا في براءة لماذا لاتنفذ اللائحة عليكم، فتصديت له قائلا "كما تذكر فإن المعاملة كانت وفقا لللائحة أيام المرحوم فاروق حمدالله ولكن أبو القاسم سحبها عندما أصبح وزيرا للداخلية، وناضل المعتقلون حتى إستعادوها أيام مزمل غندور ولكنها سحبت بعد إنقلاب حسن حسين، وهي تنفذ في كل أمور السجن إلا المعتقلين السياسيين"  فوعد الوزير أن ينظر إلى الأمر وقال أنه لا يعرف كل ذلك لأنه لم يعتقل إطلاقا وقضى معظم حكم نميري في الخارج.

 

وأوفى الوزير وعده وبدأ تطبيق اللا ئحة بعد فترة قصيرة من زيارته فقد نقلنا من قسم الشرقيات إلى قسم الكرنتينة ب والتي كان يعيش فيهاعسكريو 19 يوليو قبل إطلاق سراحهم.

    

وثيقتان مهمتان للجنة المركزية:

 

 

 

قبل إنتقالنا إلى الكرنتينات وصلتنا وثيقتان صادرتان عن إجتماعين للجنة المركزية عقد الأول لمناقشة قضايا السياسة الخارجية والوضع الدولي في يوليو 1977 والثاني بعد شهر واحد لمناقشة المصالحة بين نظام نميري وأحزاب الجبهة الوطنية.

 رغم أن الوثيقة الأولى كانت تناقش قضايا الوضع الدولي والسياسة الخارجية، إلا أن أهميتها في نظري انها قد حاولت وفي ظروف عصيبة من تاريخ السودان والحزب الشيوعي استخلاص تعميم نظري حول القضايا المشار اليها من تجربة السودان والمنطقة العربية والافريقية وبعض بلدان العالم، انها قدمت اسسا نظرية للثورة الوطنية الديمقراطية مختلفة ومتطورة عن الطرح الذي كان يوجد في الادب الثوري العالمي والاقليمي سواء من وجهة نظر سوفيتية أو صينية أو كوبية أو عربية أو افريقية[1]. وفي هذا الصدد يمكن أن نلخص أهم ما توصلت إليه في:

اولا: الدورة تمثل قطيعة كاملة مع التغيير من اعلى، وبدون ان يكون ذلك التغيير نابعا من حركة منظمة  لجماهير تتمتع بحقوقها الاساسية وتمارس كل حقوقها الديمقراطية، تقول الوثيقة الصادرة عن الدورة:

 

"ان التجربة في العديد من البلدان تثبت ان الاصلاح الزراعي وتأميم المصارف والمصالح الاجنبية وبناء قطاع عام والاجراءات المماثلة تبقى مجرد تدابير فوقية بدون الديمقراطية - أي بدون ان تشارك الجماهير في الصراع من اجلها وانتزاعها وتثبيتها في صميم التركيب الجديد للمجتمع - ومن ثم يصبح سهلا سحبها من الجماهير بعد أي انقلاب مضاد، ولا تكون اساسا متينا لتمسك الجماهير بالثورة ودفاعها عنها وعن حياتها الجديدة""(أعمال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، دورة يوليو 1977، الجزء الاول ص 66).

 

وقد كان ذلك استخلاصا لدروس عدة ولعل اكثرها اهمية بالنسبة لنا في السودان وحركة اتحرر الوطني الافريقية والعربية هي تجربة الناصرية التي تمثلت اهم جوانب ضعفها  في مصادرة الديمقراطية وفرض "دكتاتورية بعض شرائح البرجوازية الوطنية باسم تحالف قوى الشعب العامل" (ص 34) والذي ادى إلى ان يتحول

 

 "ما حققه حكم عبد الناصر على صعيد الحرية الوطنية والاستقلال الاقتصادي والتطور الصناعي والإصلاح الزراعي - وهو إنجاز ليس بالهين - يتحول أمام أعيننا، أو هو بسبيل التحول، إلى "مجرد إصلاحات للجماهير"، بينما يلعب قطاع الدولة وغيره من الإنجازات التقدمية "دورا مساعدا" في عملية "تحويل فترة الانتقال في اتجاه خلق مجتمع رأسمال""( ص ص 48-49).

 

ثانيا:اوضحت الدورة دون أي لبس موقف الشيوعيين من قضية التحالف الوطني الديمقراطي وارتباط ذلك بقضية الديمقراطية نفسها. تقول الوثيقة

 

"اولا ان التحالف داخل كل بلد وعلى النطاق العربي العام ينبغي ان يقوم على اساس برنامج محدد وملزم لكل اطرافه.

 

"ثانيا ان التحالف يتعزز و يتطور عندما يقوم على الاستقلال الكامل لاطرافه والتشاور الديمقراطي بينها وتساويها في الحقوق والاعباء.

 

"ثالثا ان التحالف ينبغي ان يقوم على التمسك الحازم بالحقوق والحريات الديمقراطية الاساسية للجماهير ورفض تبرير مصادرتها باسم الدفاع عن الثورة.

 

"رابعا ان التحالف ينبغي الا ينحصر في الطلائع أو يقتصر عليها مهما كان وزنها الجماهيري وقوتها العددية، بل يقوم على اساس طبقي وجماهيري، ركيزته المكينة تحالف العمال والمزارعين مجتذبا اليه صفوفه جماهير الجنود." (ص ص 45-46).

 

وذهبت اللجنة المركزية إلى اقتراح ان يكون ضمن برنامج وحدة القوى الوطنية والتقدمية " النضال من اجل الحقوق والحريات الديمقراطية - حرية التنظيم والعمل الحزبي والنقابي، وحرية التعبير بالمقالة والخطابة وغيرهما وحق الاضراب - والتضامن الفعال لمقاومة اضطهاد القوى الوطنية والتقدمية في أي قطر عربي"( ص 52). ووضع نفس الاقتراح  امام حركة الطبقة العاملة الافريقية لكي "تناضل من اجل الحقوق والحريات الديمقراطية الاساسية وضد اضطهاد وقمع الوطنيين والديمقراطيين في بلدها واي بلد افريقي آخر" (ص 68).  واقترح على قادة الثورة الاثيوبية حينها:

 

"بناء تحالف القوى الوطنية الديمقراطية حسبما تعبر تلك القوى عن نفسها في تنظيمات سياسية أو نقابية أو اجتماعية أو قومية على اساس احترام استقلال تلك التنظيمات وتكافؤها والتشاور في ما بينها؛ وقيام سلطة ذلك التحالف من القمة إلى القاعدة.

 

"توفير الديمقراطية لكل القوى الثورية الاثيوبية، والتي تشمل في رأينا الحزب الثوري لشعوب اثيوبيا، ووقف اقتتالها وانهاكها لبعضها وتشاورها من اجل التعاون والتلاحم ضد العدو المشترك.

 

"الاعتراف بحق شعب إرتريا - والقوميات الاخرى - في تقرير مصيرها بحرية، ووقف القتال ضد الثورة الإرترية وعقد مؤتمر تحضره كل منظماتها مع السلطة الاثيوبية دون شروط مسبقة"(صص 66-67)

 

ثالثا: اكدت الدورة من جديد رفض الشيوعيين للتكتيكات الانقلابية باعتبارها "تمثل بين القوى الوطنية الديمقراطية - مصالح البرجوازية الصغيرة لا مصالح الطبقة العاملة" وانه ليس امام الشيوعيين بديل للنشاط الجماهيري (ص 25) وانه في حالة حدوث أي انقلاب تقوده فصيلة ثورية فلا بد من نشر الديمقراطية لكي يتطور ذلك الانقلاب لعملية ثورية  باعتبار ذلك شرطا اولا ورئيسيا (ص 27)

 

رابعا: طرحت من جديد على أسس ديمقراطية مسالة قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية بأنها عملية تتم بالنشاط وسط الجماهير وبإقناع الجماهير، و أوضحت إن البرجوازية الوطنية والصغيرة عندما تستولي على السلطة "تبقي على جهاز الدولة القديم وتسخره لإقامة دكتاتوريتها على الأغلبية الساحقة من الشعب، وتفرض وصايتها بالقوانين المصادرة للديمقراطية والتنظيمات السياسية الفوقية على الحركة الشعبية وتجمد خطواتها وتعوق نهوضها"(ص 17)

 

أما الوثيقة الثانية فقد عالجت موقف الحزب الشيوعي من المصالحة الوطنية ودعوته لجبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن تطويرا لشعاره في أغسطس 1973 حول وحدة قوى المعارضة الشعبية.

 كانت الوثيقة تحمل عنوان " الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية: جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن".  ولقد بني انتقاد الشيوعيين للمصالحة على موقف المصالحة من الديمقراطية والقوانين والمؤسسات الدستورية التي تصادرها والتي لم يتعرض اتفاق المصالحة لإلغائها و تصفيتها، موضحة إن أي مصالحة جادة وحقيقية لابد إن تبدأ من الاعتراف بالحقوق الأساسية والديمقراطية الكاملة للجماهير  و أوضحت الوثيقة:"لن يكتب للسودان الاستقرار والتطور والازدهار الا بتطوير واستكمال الحقوق والحريات التي تحققت مع الاستقلال،  وتبوء كل محاولة للارتداد على تلك الحقوق والحريات والمكتسبات تحت شعار دستور اسلامي أو دستور اشتراكي" (الديمقراطية مفتاح الحل: ص  22)

وبعد تحليل عميق لازمة السلطة وازمة المعارضة اليمينية توجهت اللجنة المركزية

 

"من هذا المنعطف الجديد، وعلى طريق بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية من خلال العمل اليومي وعلى المدى البعيد والصبور، يدعو الحزب الشيوعي السوداني لمواصلة نشاط حركة المعارضة الشعبية لتتبلور في هذه الفترة ووفق متطلباتها في جبهة واسعة للديمقراطية وانقاذ الوطن، توحد الاحزاب والمنظمات والتيارات السياسية والاتجاهات الفكرية والشخصيات الوطنية في مواصلة النضال من اجل الديمقراطية والسيادة الوطنية والتقدم الاجتماعي والمصممة على متابعة النضال الجماهيري اليومي وتحمل مشاقه - بعيدا عن المؤامرات الانقلابية... لاستعادة الحقوق والحريات الديمقراطية، وحشد القوى بمسئولية وطول نفس لمعركة الانتفاضة الشعبية للاطاحة بالديكتاتورية العسكرية، واستعادة ارادة الشعب مقننة في دستور ديمقراطي علماني، يؤمن حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحق الاضراب، وحرية التعبير والعقيدة والضمير، وحرية النشر والصحافة، ويصون حقوق المواطن الاساسية من أي تغول من جانب الدولة"

 وبهذا انتقل الحزب خطوة اخرى نحو المحدد، ودون فقدان رؤية ما هو استراتيجي وعام: النضال من اجل بناء وطني ديمقراطي، يرى الممكن موضوعيا: جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن "مفتوحة لكل الاحزاب والتنظيمات والشخصيات"، ولكن بين هذا وذاك يمتد خيط العلاقة الجدلية:

"الحزب الشيوعي لا يطرح مبدأ الديمقراطية لمكاسب تكتيكية مؤقتة. فهو في نضاله من اجل بناء وطني ديمقراطي يفتح الطريق للانتقال إلى الاشتراكية، ينطلق اولا من تجربة الحياة السياسية في السودان بتقاليدها ومنجزاتها وعثراتها، وتطابق تلك التجربة مع المنطلق النظري والفلسفي الذي يهتدي به الحزب الشيوعي وهو ان النضال من اجل الاشتراكية مستحيل  من غير النضال من اجل الديمقراطية"(الديمقراطية مفتاح الحل ص 25)

 

واقتطفت اللجنة المركزية من برنامج الحزب المقر في المؤتمر الرابع 1967 فقرة تقول "قيادة الحزب الماركسي للنظام الاشتراكي لا تعني وجوب نظام الحزب الواحد" (راجع ص 12 من برنامج الحزب1967).

 

 واوضحت اللجنة المركزية ان الموقف المبدئي من مسالة الديمقراطية كان وراء "طرح الحزب الشيوعي شعارات استعادة الحقوق الاساسية والحريات الديمقراطية، وتوسيع النضال الجماهيري، منهجا لوحدة المعارضة الشعبية"  منذ اغسطس 1973، وان الحزب  "ظل يتوجه ومازال لقيادة واحزاب الجبهة الوطنية لتنسيق نشاط المعارضة في هذا الحد الادنى..."(ص26) وان الحزب في اعتراضه على تكتيكات الاحزاب اليمينية التي تؤدي إلى تجميد نشاط الجماهير السياسي الديمقراطي كان يرتكز على ان الضمان الوحيد للديمقراطية في المستقبل، هو النضال من اجلها تحت ظل الديكتاتورية" أي نضال الجماهير من اجلها (ص 27)

  

ولفد أثارت الوثيقتان نقاشا عميقا، ولقد كنت من بين المعترضين على وثيقة الديمقراطية مفتاح الحل، ذلك أنني كنت مشبعا بتراث الثورة الصينية وكان فهمي لقضية الديمقراطية والصراع الطبقي مشوها، وكنت من المدافعين عن الديمقراطية الجديدة والديمقراطية للشعب والديكتاتورية لأعداء الشعب وغير ذلك من شعارات. ورغم تسجيل إعتراضاتي في محضر الإجتماع، ظللت لما يقارب العام بعد الوثيقة دائم القراءة للوثيقة ومنقبا في الكتب الماركسية وكتب العلوم السياسية ومناقشة الأصدقاء والرفاق.  وقد ساعدني ذلك كثيرا في تطوير أفكاري حول الديمقراطية ومنهجي في البحث فيما يخص مقولات مثل المجرد والمحدد والعام والخاص والتفريق بين مفهوم الديكتاتورية السياسية وديكتاتورية الطبقة. وفي الحقيقة تعود الفكرة الأساسية في مقالتي عن الشيوعيين وقضية الديمقراطية إلى تلك الفترة، رغم أنني لم أكتبها إلا في عام 1993.

  

معتقلون من بورتسودان

 

 

ولم يمض وقت طويل حتى وصل كوبر فوج من معتقلي بورتسودان وحلوا بالكرنتينة "ج"  التي يفصلها عن الكرنتينة "ب" باب كبير وكنا نجتمع حول الباب للتعرف على الرفاق من بورتسودان والذين كان بينهم إثنين من أعضاء اللجنة المركزية  للحزب: المناضل العمالي عبد العاطي وهو عضو منتخب من المؤتمر الرابع والزميل عبد الجليل عثمان وكنا نلقبه ب "أبو الرجال" وهو من الذين إحترفوا العمل الحزبي وهم شبابا وعملوا بمواقع حزبية مختلفة حتى أختير عضوا باللجنة المركزية بعد 19 يوليو. وكان بين الزملاء زملاء جدد دخلوا الحزب بعد 19 يوليو ونظموا في وحدات كفاحية تحمل إسمي الشهيدين قاسم والشفيع ومعظمهم من هيئة الموانئ البحرية.

 

عودة المعتقلين المبعدين لشالا والأبيض

 

 

ودونما إنذار دخل علينا معتقلو الأبيض أو بالأحرى المعتقلون المبعدون للأبيض وكان من في مقدمتهم المناضل قاسم أمين والدكتور محمد سليمان والصحفي مكي عبدالقادر والأستاذ عبدالرحيم علي بقادي والمناضل العمالي سعودي دراج وأحد الزملاء من صف الضباط لا أذكر إسمه رغم أنه كان كثير الهظار مع العم قاسم أمين.

 

وجاءنا أيضا معتقلو شالا وكان في مقدمتهم سليمان حامد وعبدالقادر الرفاعي والخاتم عدلان وحسن قسم الله وخليل ألياس وأحمد عبدالله هلال والسر النجيب

   

وكان لوصول هؤلاء الزملاء أثر كبير في تجديد الحياة بالمعتقل، فعادت المجلة والمحاضرات

 

ومما أذكره هنا أن أحد فقرات المجلة كانت عن إستعراض كتاب فاستعرض يوسف حسين كتاب المؤرخ المصري اليساري رفعت السعيد عن اليسار المصري والذي ذكر فيه بعض فقرات عن تكوين منظمة الشيوعيين السودانيين بمصر وأعتمد في روايته على المناضل النوبي عبده دهب، والملفت للنظر أن يوسف رجع لقاسم أمين لتأكيد بعض معلومات عبده دهب فأكدها قاسم.

 

وقدم الخاتم في نفس الباب إستعراضا لكتاب هام كنا نتداوله في تلك الفترة وعنوانه "الفكر الإسلامي في العهد الوسيط" للدكتور الطيب تزيني وقال الخاتم أنه تشاور مع الدكتور محمد سليمان الذي أنتقد الكاتب الذي درس في ألمانيا لاعتماده على دراسة لأستاذه الألماني المستشرق دون أن يشير لذلك، وكان رأيي أن كتاب الطيب تزييني يعد أهم ما كتب عن الفكر الإسلامي في ذلك العصر وفي تاريخ الإسلام بشكل عام منذ طه حسين وقد فتح بابا جديدا في الكتابة ولجه بإقتدار فيما بعد الأستاذ الكبير حسين مروة والذي سنأتي لكتابه في حينه وكنت قد إغتنيت نسخة من كتاب الطيب تزيني قبل دخولي المعتقل وتابعني في ذلك المعتقل والإعتقال الأخير وساعدني في تقديم محاضرتي في سجن بورتسودان عن كتاب أبي الحسن الندوي، الذي أعاد لي إهتمامي القديم بدراسة ونقد الفكر الإسلامي المعاصر والذي يمثله تيار الأخوان المسلمين.

 

وكانت عودة هؤلاء الزملاء فرصة لي للتعرف عن قرب بالمناضل قاسم أمين فقد كنت أعرف جميع المعتقلين عدا العم قاسم أمين، الذي ألتقيته من قبل مرة واحدة في آخر عام 1970 او أول عام 1971 في مكاتب الحزب المسمى المديرية  والتي كانت دارا للميدان بعد أكتوبر وهي منزل بالقرب من مطبعة التمدن، وقد قدمني له الرفيق الجزولي سعيد، فحاولت أنتهاز الفرصة ودعوته لندوة بالجامعة، فشكرني وأعتذر في تواضع قائلا أنه جاء في زيارة قصيرة وسيعود لبراغ لعودته بشكل نهائي وحينها يمكن أن أدعوه للحديث. وعرفت فيما بعد أنه جاء بناء على قرار المؤتمر التداولي بنكليفه برئاسة لجنة فحص الكادر.

 

كان العم قاسم أمين طويل ومتين البنية وذو ملامح سودانية واضحة وأسود اللون وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة وكان يدرس الزميل سعودي الإنجليزية، وكان مرتب التفكير وواسع الثقافة وكان يحب غناء محمد وردي حتى أني أذكر أن وردي غنى "أقول أرحل" ونحن في المعتقل فتحلق الزملاء حول الراديو وكانوا يهمسون أن العم قاسم لا يحب الإزعاج عندما يغني وردي. وقد حدثت وردي بذلك وكان سعيدا ووعدني بزيارة عم قاسم في المنزل وأظنه فعل.

 

وكان عم قاسم يأتي لعنبرنا كل صباح ويجلس على سرير عبدالرحيم علي بقادي بالقرب مني ويسألني: ما الجديد في العالم فقد كانت واحدة من عاداته أنه يتابع الإذاعات العالمية طوال الليل، وكنت أفعل نفس الشئ. وأذكر ذات مرة ونحن نتحدث عن أخبار العالم أن صاح زميل من الذين كانوا مع عم قاسم في الأبيض مداعبا عم قاسم "يا كبلو أرفع صوتك عمك قاسم أذنه تقيلة" فأبتسم عم قاسم وقال : ما تاخد بالك عمك قاسم أذنه selective تسمع ما تريد أن تسمعه" فضحكنا وواصلنا حديثنا.

 .

الإجتماع مع أبي القاسم محمد إبراهيم

 

 

ذات صباح أخبرتنا سلطات المعتقل بأننا كلنا مطلوبين لدى جهاز الأمن وأن علينا الإستعداد وستحضر عربات الأمن لحملنا إلى مباني الجهاز. وبدأ الزملاء الإستعداد بينما إنشغلت أنا والزميل احمد خليل في تأمين ما لدينا من ورق ومطبوعات، وكان أن تركت ورائي ترجمتي لمقال سويزي عن مرور مائة عام للبيان الشيوعي وترجمتي لقصة تاريخ أول مايو.

 

وجاءت العربات وحملتنا لجهاز الأمن فأخذنا لقاعة الإجتماعات في المبنى الثاني، كان جهاز الأمن الداخلي خلف البنك العربي الأفريقي يتكون من منزلين مفتوحين على بعضهما وكان مكتب خليفة كرار ومكتب الأرشيف في المبنى الشرقي بينما مكتب معاوية وكمال حسن أحمد والزنازين وقاعة الإجتماعات في المبنى الغربي.

 

دخلنا القاعة وجلسنا ولا حظنا حركة غير عادية وتشديد في الحراسة ووجود بعض أفراد القوات المسلحة، وفجأة دخل علينا أبو القاسم محمد لإبراهيم وكان حينها النائب الأول لرئيس الجمهورية والأمين العام للإتحاد الإشتراكي. وسلم علينا وبدأ يخطب فينا عن ثورة مايو الإشتراكية التي لا تخون أهدافها وإنما تسعى لجمع الصف الوطني ولا يمكن تجاوز اليسار في ذلك. ثم قال أنه يريد أن يسمع وجهة نظرنا. فرفع العم قاسم أمين يده وتحدث حديثا مختصرا مرتبا كأنما أعده فقال نحن نشكر النائب الأول لإجتماعه بنا ولكننا معتقلين ولا نعرف ما يدور بالخارج ولا نملك أي صلاحية للتحدث نيابة عن الذين بالخارج وهنا قاطعه أبو القاسم قائلا لقد صدر قرار بإطلاق سراحكم جميعا وبإعادة المفصولين منكم والقرار قد صدر مني ولا علاقة له بالحوار، فرد العم قاسم مرة أخرى قائلا في هذه الحالة سنخرج ونتشاور ونوصل رأينا لكم. وأنتهى الإجتماع وعدنا لكوبر لحمل أشياءنا ولكن وجود عساكر السجن المكثف معنا في القسم منعنا من إسترداد أوراقنا التي أمناها.

 

حملنا أشياءنا وحملتنا عربات الأمن لبيوتنا وبهذا أنتهى إعتقال وعدنا مرة أخرى للحياة المدنية.

    


[1]أني لاقترح على الرفاق في الحزب الشيوعي السوداني إعادة نشر تلك الوثيقة دون ما تغيير