صدقي كبلو

 

ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

الاعتقال الثالث مايو 1975 - يوليو 1975

 

 

الشرقيات

 

 وفي العربة لكوبر كنت أفكر: ماذا حدث؟ من هو الشخص الذي أعتقل؟ وكم شخص أعتقل ومن هم الأشخاص غير المعروفين؟ووصلت العربة لكوبر ولأول مرة كنت متلهفا للدخول حتى أعرف الإجابة على الأسئلة التي تشغلني. وتمت إجراءات التسجيل والتفتيش وأخذت للشرقيات، وأستقبلني أمباشي سيدأحمد وقادني للزنازين وفتح الباب، وكان بالداخل عدد من الطلاب الذين أعرفهم: منصور إسحاق إسرائيلي، عبدالرحمن سالنتوت، عزيز أحمد الكامل ومحمد الحسن عبدالرحمن لوممبا. وقبل أن أستقر إذا بقادم جديد يصيح بالباب "صدقي كبلو يا إبن الكلب جيتك تاني" ثم أطلق ضحكة مجللة فنهضت صائحا "حاج حمد إزيك يا ود الداية" وضحكت أنا أيضا وأتجهت لعناقه، وجلسنا نحكي ما حدث فقال لي الحاج أنهم جاءوا وفتشوا البيت ولم يجدوا شيئا وأعتقلوه وحاولوا إستفزازه في الأمن وقال له أحدهم "عامل شنبك كوليقة وعايشاك مرة!" فرد عليه الحاج قائلا "مرة لكن أرجل منك!" فرحلوه لكوبر. وبدأ عدد يزيد وظهر طلاب آخرون من كادر الطلبة السري وكل هذا ونحن لا نعرف ماذا حدث؟ ولكننا توصلنا أن هذه ضربة توصيلات الجامعة لفروع الأحياء والمدن. ولكن وجود خريجين جدد من شرق أوربا جعلنا نتوقع أن الضربة لتوصيلات  القادمين من الخارج أيضا، وكان السؤال  كيف حدث هذا؟ وبدا العدد في التزايد فتم ترحيلنا للمديرية.

وعرفنا فيما بعد أن الضربة كانت من مسئولية المرحوم خضر نصر، فقد أرتكب الرفيق خضر ثلاث أخطاء تنظيمية أولها أنه جعل من منزل زميل موظف بجهاز الأمن مكانا لمقابلاته، ومحطة لتسليم المطبوعات ومكانا يؤمن فيه وثائقه مثل طلبات ورسائل التوصيلات وتقارير الفروع المسئول عنها بالمديرية، وكان الزميل يقوم ببعض أعمال الطباعة الحزبية لأنه يملك مكانه طباعة، وقد ضربت جميع هذه الأشياء إلا الزميل خضر الذي نجا بدقائق من المداهمة، رغم أن رصد جهاز الأمن قد تم لحركته بالذات. وهكذا عرفت هذه الضربة وسط الشيوعيين بضربة جابر وخضر، بينما في الحقيقة جابر كان أحد ضحاياها وأصبح الرفيق ضحية لها فيما بعد.

 

المديرية

 

 

تجمعنا في المديرية وكان العدد كبير يتكون أساسا من معتقلين من مدينة أمدرمان ومدينة الخرطوم وخريجي شرق أوربا وطلاب جامعة الخرطوم وطلاب معهد الموسيقى وضابط قوات مسلحة ومجموعة من الإتحاديين من الجزيرة معظمهم معلمين وهذه بعض الأسماء التي تذكرتها وليعذرني من نسيت أسماءهم.

 

صلاح العالم، محمد عثمان مكي، حسن وداعة الحسن، محمد عبد الغفار، صلاح عبدالله، محمد الحسن عبد الرحمن لومببا، الحاج حمد محمد خير، عبد الرحمن سالنتوت، عزيز أحمد الكامل، منصور إسحاق إسرائيلي، صلاح التجاني، محمد هارون، صدقي كبلو،  مزاحم عبد الوهاب الضوي، عبدالغفار الضوي، دكتور فيصل عبدالوهاب الضوي، دكتور السر محمد الحسن، السرحسن يوسف، الشفيع إبراهيم الضو، السر فضل، حسن إبراهيم توتي، عوض الصافي، جعفر حسن عباس، العقيد معاش تاج السر الصافي وآخرين لا تسفني الذاكرة فلهم العتبى حتى يرضوا كان تشكيل المعتقل عجيبا فكان معظمه من عناصر المهنيين والطلاب، وكنت أكثر المعتقلين خبرة، فتحملت بتكليف من مكتب الحزب بالسجن مسئولية تنظيم الشيوعيين، وكانت ثمة صراع خفي بين شيوعيي مدينة أم درمان والخرطوم، كما كانت هناك مقاومة لما إعتدنا عليه في المعتقلات من تنظيم يوم المعتقل: الصباح حتى الثانية عشر للقراءة والإطلاع أو الراحة، بقية اليوم مفتوح للنشاطات، وكانت هناك مقاومة غير معلنة للعمل الثقافي إما بحجة أن المادة مكررة أو أن بعض الزملاء يستعرضون معارفهم، ولكن رغم ذلك كانت هناك إشراقات كثيرة ومرح كثير، فالأستاذ محمد عبد الغفار وهو من قدامى الشيوعيين ومن النقابيين في الخطوط الجوية أشاع جوا من المرح في المنافسات الرياضية وبين الأتيام المختلفة، كان الأستاذ محمد عثمان مكي شعلة من النشاط الثقافي، يدرس الفلسفة ويقدم المحاضرات العامة وينظم ليالي السمر ويحكي أفلام الرعب، وينظم المسابقات. وكان صلاح العالم يملأ المعتقل بظله الخفيف وحكاياته الطريفة ومناقشاته الثقافية وحفظه الشعر الجميل ولا أبالغ إن قلت أن صلاح كان يحفظ دواوين كاملة لشعراء مثل الأبنودي وأمل دنقل.

 

وعلى المستوى الشخصي تعرفت على شخصيات جديدة، لعل في مقدمتهم الأستاذ السر فضل وهو معلم إبتدائي من المثقفين المهتمين يالمسرح وقضايا الثقافة وقضايا المزارعين (إلتحق فيما بعد بمعهد الموسيقى والمسرح) والزميل حسن إبراهيم (والذي توفى في حادثة مركب توتي الشهيرة) وهو ترزي ببيت المال وشيوعي بقيادة مديرية الخرطوم وكان مسئولا عن الكميون، وكان يتميز بروح شفافة يعرف كيف يخرج المعتقلين من لحظات "الدبرسة" وكيف يفاجئ المدخنين بسجارة بونص أو كوب شاي فوق المقرر، وكان صبورا في ترتيب حاجيات الكميون وتجهيز الطلبيات قبيل الزيارة وحثني لمقابلة الطبيب لمناقشة دعم الغذاء أو مطاردة التفريدة.

 

وتعرفت على الصيدلي سعيد خلف الله، ذلك الشخص الرقيق والمهذب، وكانت تلك أطول فترة تجمعني بالمخرج المعروف الشفيع إبراهيم الضو والذي كنت أعرفه من أيام المدرسة الوسطى ثم تفرقت بنا السبل، فاستعدنا بعض ذكريات الصبا وتبادلنا المعلومات عن أصدقاء ومعارف مشتركين. وتعرفت عن قرب على محمد الحسن عبدالرحمن الملقب بلوممبا وكان طالبا بكلية الهندسة وهو شخص متعدد المواهب وذكي وحكى لنا عن مشروعه للتخرج عن إستعمال (الليف) بدلا عن القش المستورد في المكيفات وحكى لنا عن زميلتهم ذات النشأة والثقافة المختلفة لدرجة أنه سألوها في رحلة أن تعرف الراعي فقالت "الراعي هو الزول البيسوق الغنم بفسحها" وقد إستعملنا ذلك نمودجا لبعض التعريفات مثل "الديدبان هو الزول البتفسح فوق سور السجن".

 

وكان هناك عزيز أحمد الكامل وهو طالب هندسة آخر، كنت قد تعرفت عليه في عام 1970 وهو طالب بمدرسة الخرطوم بحري الثانوية، عندما كنت أذهب للحديث في الندوات التي تنظمها الجبهة الديمقراطية بتلك المدرسة.

 

وكان من بين المعتقلين أشقاء من عائلة واحدة، هي عائلة مزاحم عبد الوهاب الضوي وهو عضو جبهة ديمقراطية ورد إسمه في التوصيلات فذهبت قوات الأمن لإعتقاله فوجدت  في منزله متفرجات ضوئية تستعمل للإنارة تحت الماء تخص أحد أخوانه، ولم يكن ذلك الأح موجودا فأعتقلوا كل من بالبيت بما في ذلك أخيه الطبيب دكتور فيصل الضوي  وأخيه عبدالغفار الضوي، وقد أطلق سراح الأشقاء بعد حضور الأخ المسؤول عن المتفرجات ولإثباته ملكيتها وطبيعتها.

 

وكان بالسجن معتقلين آخرين من بينهم الأساتذة سليمان حامد والراحل عبد المجيد النور شكاك ومختار عبدالله وأحمد عبدالله هلال والتوم إبراهيم وعدد آخر من المعتقلين موزعين بين المستشفى واللكرنتينة ج، بينما كان العسكريون المحاكمون موجودين بالكرنتينة "أ" وقد كنا كمعتقلين نتبادل التحايا مساءا عبر الهتاف والأناشيد.

 

كانت الهتافات والأناشيد تلفت نظر سكان كوبر والعابرين لكبري كوبر (كبري القوات المسلحة). ولقد كان وقفها هو أحد شروط تصفية المعتقل بعد إضراب الطعام في مارس 1973 ولكني للأسف لم أعرف ذلك إلا بعد الأحداث التي سأوردها هنا وأظن أن موقفي، ولربما موقف قيادة المعتقل كلها كان سيتغير لو عرفنا تلك المعلومة.

 

ذات صباح أستدعيت لجهاز الأمن وقد شيعني المعتقلون بأماني إطلاق السراح، ولكني عندما وصلت، تم التحقيق معي حول الهتاقات والأناشيد، وكعادة المعتقلين نفيت معرفتي بمن ينظمها وقلت أنها تقليد يحي به المعتقلون بعضهم البعض، وحولت للمرحوم خليفة كرار، والذي يبدو أنه كان يود إطلاق سراحي حتى ألحق بالإمتحانات، ولكن ردي عليه أثناء مناقشة مسألة الهتافات جعله يغير رأيه، فقد استفزاه ردي عندما سألني يعني إنتو جو السجن وبتقوموا بعمل معادي للدولة، فقلت له يمكن الحريات المتوفرة في السجن ما متوفرة برة أو شئ من ذلك القبيل. لقد كان ذلك الرد خطأ وإستفزازا لرجل في يده سلطة واسعة يمكن أن يستعملها، وقد إستعملها فعلا، لتضييق الحريات في السجن وجعل المعتقل صعبا لكل المعتقلين. وقد حدث فعلا بعد إعادتي لكوبر بيومين أن جاء حكمدار السجن يبلغنا إنذارا من القمندان بأن لا نردد الهتافات والأناشيد، وكان قد مر على جميع الأقسام التي بها معتقلين وبلغهم نفس الإنذار، وكنا مثل بقية المعتقلين لم نرد على الإنذار، وتشاورنا بعده وقررنا ألا نستجيب له وكان ذلك أيضا قرارا خاطئا فليس عيبا أن تستجيب للوائح السجن في مثل تلك الأمور لأن النتيجة كانت إرسالنا للزنازين وإبعاد عدد من المعتقلين لشالا كان من بينهم سليمان حامد وعبد المجيد شكاك وأحمد عبد الله هلال ومختار عبدالله والسر النجيب وعباس علي وعبد القادر الرفاعي.

 

 البحريات والتعذيب

 

أما نحن من بقينا في كوبر فقد تم حبسنا لأسبوعين في البحريات تمت معاملتنا فيها بوحشية من قبل سلطات السجن وفقا لأوامر الكومندان المرحوم عبد الرحمن الصاوي والذي يسجل التاريخ أنه أول من وضع سجن كوبر تحت أمرة جهاز الأمن. لقد وضعنا في الحبس الإنفرادي ومنعنا من الخروج وكان الأكل والشراب يوضع خارج الزنازين وعلينا أن نأكل من خلف القضبان ونشرب من خلال الكفتيرة، وقد قضينا أسبوعا دون فرش أوغطاء أوغيار، ثم سمح لنا بالنمرة وهي عبارة عن برش وبطانيتين، وكان النمرة تؤخذ منا في الصباح ويسمح لنا بها بعد التمام، ولم يسمح لنا بالسواك والغيار إلا بعد اليوم العاشر تقريبا. وعندما أخرجنا من الزنازين عدت للمديرية لساعات فقط  وتم تحويلي لمستشفى السجن.

 

ومن طرائف وجودنا في الزنازين أن الراحل خالد الكد أعتقل في اليوم الثاني لدخولنا الزنازين وعندما عرف بوجودنا في الزنازين طالب بأن يؤخذ للزنازين فلما رفض طلبه هتف وحيا المعتقلين مثلما كنا نعمل فأخذ للزنازين.

 

ليلة مع الأمير نقدالله

 

 

قضيت ليلة واحدة بالمستشفى، ولكنها ليلة لا تنسى فقد إلتقيت في تلك الليلة بشخصين  من قيادات حزب الأمة، الدكتور عبد الحميد صالح والأمير عبدالله عبد الرحمن نقدالله. وجلست مع الأمير نقدالله جل تلك الليلة نتحدث في أمور كثيرة، وقد بادرته أنا بالتحية وسألته  "هل رايتني من قبل؟"  فنظر لي مليا وقال " نعم ولكني لا أذكر أين؟"،  فقلت له "هل تذكر في عام 1966 وقد كنت أنت وزيرا للداخلية وأن تمبل باي الرئيس التشادي قد إعتدى على الحدود الغربية... وقبل أن أكمل قاطعني بدهشة "الجنا الطالب بالفاشر الثانوية الخطب فينا في المطار!"وقام وعانقني وقال لي "صحي يا ولدي الحي بيلاقي" وتحدثنا عن تلك الحادثة وضحكنا كثيرا وقال لي "إنت لسه ورانا" فقلت مازحا "لا أنا ورا ناس نميري" فضحك كثيرا وبدأنا حديثا حول الأهل فعرف أهلي وحكى لي عن صديق لي قريبه يسمى الدكتور محمد سعيد الأسد وكيف أنه ساعده في الخروج من قبل للدراسة في المعسكر الإشتراكي وحكى لي ضمن ما حكى لي عن تاريخ فبركة تقارير الأمن وكيف أنه وهو وزير للداخلية أتوه بتقرير أمن عن نشاط شيوعي للأسد وكيف أنه كان يعلم أن ذلك خطأ لأن الأسد كان معهم في تلك الليلة في مناسبة عائلية وكيف أن أستدعا من كتب التقرير بحضور مدير المباحث ليثبت لهم خطأ التقرير. وتحدثنا في السياسة وعن أخطائهم في الحكم، ووعدني بمزيد من الحكايات والإجابة على أسئلتي في الأيام القادمة ولكن أطلق سراحي في اليوم الثاني وعند وداعي في الباب قال لي "يا إبني نحن كبرنا وعايزين نسلمكم الراية فدحين لما تسمع بي مرقت تجيني نتم كلامنا فأنا عندي ليك لسة كلام داير أقوله". وللأسف الشديد سمعت بخروجه ولكني كنت أنتظر الوقت المناسب ولكنه توفى قبل أن ألاقيه ولم أندم على شئ مثل عدم ذهابي للقياه بمجرد إطلاق سراحه.

 

وفاة الوالد

 

 

قادوني من المعتقل الى الأمن حيث أنفرد بي العم الصول خليفة وهو من حي العمدة بأمدرمان وقال لي "يا صدقي أنا عارف إنك رجل شجاع وأنا عندي ليك خبر بس شد حيلك" فقلت له "منو المات؟"" فقال لي الوالد يرحمه الله" ورفع يده بالفاتحة. وقال لي "العميد معاوية عايز يقابلك وفي عربية في إنتظارك" وأخذوني لمكتب معاوية حمو، فعندما دخلت، قام ورفع يديه بالفاتحة، ثم قال لي "بهذه بالمناسبة قررنا إطلاق سراحك، وارجو إنك ما تدخل  معانا في مشاكل" فقاطعته ،ليس هذا وقت الكلام ده" وأستدرت وخرجت من مكتبه دون إستئذان. ووجدت عربة في إنتظاري فأخذتني لبيتنا في حي العرب.

 

وطوال الطريق كانت ذكرياتي مع أبي تختلط مع إشكالات المستفبل، كانت صورته وهو مستلق على ظهره بعد تناول الغذاء وأنا أقرأ له الجرائد لا تفارقني، لقد كنت أفعل ذلك مرتين في الأسبوع منذ كنت في الثاتية أولية وحتى الرابعة وسطى حينما غادرت المنزل لأصبح طالبا داخليا في الثانوي، كنت أفعل ذلك في كل الإجازات. كنت وأنا صغير أقرأ الجريدة كلها وكان يسمع في صبر غريب وكان يعلق أحيانا تعليقات مقتطبة، بعضها علق برأسي حتى الآن، فمرة قرأت له خبرا أن وفدا تجاريا سودانيا يقوده الأمير الاي المقبول الأمين الحاج وزير التجارة وصل القاهرة لإجراء مفاوضات مع المصريين وأن الوفد المصري يقوده وزير الإقتصاد المصري الدكتور القيسوني، فضحك أبي قائلا "المقبول يفاوض القيسوني، القيسوني غشى بتلر" فسالته "مين بتلر يا أبوي فقال "وزير التجارة البريطاني"".

 

وفي الحقيقة إن إهتمامي بالسياسة والعمل العام زرعه في أبي وأصدقاءه الذين كانوا يتجمعون مساء في دكانه بعد أن "يخلصوا"، أي بعد أن يدفعوا ثمن الأبقار والضأن الذي أشتروه في الصباح في سوق الماشية بالنهود، وكان من بين أصدقائه هؤلاء الخليفة يوسف الحسن (والد لاعب الكرة الشهير أبو العائلة) وهو من أنصار حزب الشعب وحلفاء السيد علي، والمرحوم العبيد ود عجبين والذي توفى مبكرا ولكننا ظللننا نذكره لكرمه ولحماسه وحبه للزعيم إسماعيل الأزهري، والسيد الأمين المغواري وكان أول من جلب الأقمشة اليابانية لسوق النهود، وكان إتحاديا ولكنه أنحاز لجبهة الميثاق الإسلامي بعد ثورة أكتوبر، وكنا، حتى ونحن صغار ، نمزح بمناداته بحاج اليابان.

 

ولد أبي في نهاية العقد الأول من القرن الماضي بمدينة أم درمان وكان ضمن ثلاث أبناء وثلاثة بنات، وترعرع في أم درمان وعمل مع أبيه في الجزارة وتجارة المواشي، وسافر للنهود وكيلا لمعظم تجار الماشية: محمد أحمد البرير وعبد الحميد المهدي وأبناء الحاج كردمان وعاش في النهود منذ عام 1939 حتى عام 1969 عندما قرر العودة لأنه حسب قوله "يريد أن يموت وسط أهله"، وتزوج عام 1938 من بنت عمه نفيسة محمد أحمد كبلو، وبعد أن ولدت شقيقتنا الكبرى بالخرطوم بحري، جاءت لتعيش معه بالنهود حيث ولدت بقيتنا، وكنا في مجملنا عشرة، خمسة بنات وخمس أولاد، توفى بنت وولد منهم في عمر مبكر ويعيش الثمانية الباقون حتى الآن .

 

كنت قريبا من والدي، فقد كنت أعمل معه في الإجازات ككاتب ومحاسب خاصة بعد تدهور صحة كاتبه عمنا عبدالرحمن الترابي، ذلك الرجل المثقف، كما كنت أقرأ له الجرائد كما ذكرت من قبل وتوطدت تلك العلاقة خلال فترة عصيبة مر بها والدي عندما كسرت يده ووضعت في الجبص وكنت أمارضه.

 

عندما وصلت للمنزل كان والدي قد شيع لمثواه الأخير وكان دخولي المنزل فتح لجرح لم ينته الطبيب من تطبيبه بعد، فبكى الجميع حتى عمي محجوب الذي كان صابرا حتى حضوري حضننني وبكى بكاء حارا وكان الناس يقولون لمن يحاول أن يجرني منه، دعوا المحجوب يبكي أخيه فهو لم يبك أبدا. وكان عمي يبكي ويقول كان يريد أن يراك، يقصد أبي.

 

وعرفت أن إطلاق سراحي تم بعد تدخل إبن اختي بنت عمي فيصل محمد عبد الرحمن الكبيدة، وزير شئون الرئاسة لدى اللواء محمد الباقر احمد النائب الأول لرئيس الجمهورية، فأستغرب الباقر، وهو بحكم منصبه رئيس مجلس الأمن القومي، وجود طلاب بالمعتقل بينما الامتحانات ماضية في الجامعة، فأمر بإطلاق سراح جميع الطلاب.

 وأستغليت أول فرصة للإنفراد بأخوي محمد وصفوت لأعرف ما هو الموقف المالي، فقال محمد أنه صرف مرتبه على التشييع وأن صفوت صرف مرتبه على شراء الطعام اليوم الأول، قلت ماذا عن الايام التالية، قالوا لا يعرفون، وكانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أطلب فيها مساعده مالية من الحزب فأرسلت رسالة شفهية مع أحد الرفاق وظللت الليل كله أفكر كيف أحل المشكلة  حتى تأتيني النجدة الحزبية، فنهضت مبكرا وذهبت لصديقي الأستاذ الأمين حامد الأمين فطلبت منه دينا فلم يتردد ودفع لي مبلغا أكبر مما طلبت، وعندما أعدته له بعد الفراش رفض أن يأخذه، رحم الله الأمين لقد كان رفيقا فاضلا وكريما، وعدت للمنزل فوجدت أن نسيبي المرحوم الحاج أبو الوفا قد ذهب السوق وأشترى كل حاجيات اليوم، ولم يمضي النهار حتى أتى مندوب الحزب بتعازي قيادة الحزب ومساعدتهم، وبرسالة شفهية أنهم عندما سمعوا الخبر أرسلوا الرفيق صلاح مازري الذي حضر الدفن ويبدو أنه سأل شخصا عن الإحتياجات فقالوا أنها مستورة دون مشاورة أبناء المرحوم.

جمع فراش أبي بين الجلاد والضحية، فبينما جاء قادة النظام معزين، جاء الرفاق وأعضاء الحزب، فكنت تجد عبد الكريم ميرغني يرحمه الله وزين العابدين محمد أحمد عبد القادر غفرالله له، جاء المناضل جعفر أبوجبل وسليمان هباش، بينما جاءنا أحمد عبد الحليم وخالد حسن عباس! والطريف أنني في اليوم الأول  شاهدت ضابط أمن أعرفه جيدا لأنه خطفني من شارع الجمهورية في عربته الفولكسواجن، ولم أصدق عيني فخرجت للشارع فاذا بالعربة الفولكسواجن، أمام المنزل، فعدت لفيصل كبلو سائلا "من ذلك الشخص؟" فقال لي "آه أنت لا تعرفه فهو خطيب أختي"، وضحكت وقلت لنفسي وأنت تسأل عن الجلاد والضحية؟  وكنت أتذكر تلك الأحداث كلما تناقشت مع أصدقائي من المناطق المهمشة وأقول أنكم فقط ترون الجلاد مننا ولكنكم لا ترون الضحية، وكان بعضهم يرد بحصافة أن جلادكم لا يعاملكم كما يعاملنا! صحيح أنه لا يأتي للعزاء في بيوت قتلاه كما يفعل عندنا، بل أنه عندنا يقتل قتلاه ويمشي في جنازتهم، بينما في المناطق المهمشة فهو إما أنكر قتلهم أو أذاعه في المذياع كإنتصار.

 

وكالعادة تحول مكان الفراش لمنتدى للنقاش والحكاوي والأكل والشاي، وكنت أجد نفسي في إستقبال المعزين ووداعهم، ولا أنام عندما يخلد المكان للنوم وأستعيد ذكرياتي مع أبي، والغريب أنني لم أبكي قط، وكان ذلك يعذبني.  وكانت الساعات تمضي بطيئا، وكنت أجد في مجالسة أصدقاء أبي عزاءا كبيرا، وكثير منهم كنت أعرف لسنين طويلة هي عمري،وكان الخليفة يوسف الحسن يأتي صباحا ولا يبرحنا إلا بعد صلاة العشاء وكذلك كان يفعل محمد خير درميس وغيرهما من أصدقاء أبي.

 

وعرفت عدد من أهل أم درمان ممن لم أعرف من قبل، وقابلت بعض من كنت أعرف بالإسم فقط مثل ود نفاش، بل أنني سمعت منه في بيت الفراش قصته مع السيدين علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي وكنت أحسبها حتى سمعتها منه أنها من نسج الخيال الشعبي في أمدرمان. قال أحدهم "بالله يا ود نفاش أحكي لينا حكايتك مع السيد عبد الرحمن" فأبدى الرجل حرجا أنه في بيت البكا فقال له عمي محجوب يرحمه الله "معليش يا ود نفاش أحكي" فقال" الدنيا كانت صعبة والرزق  جف، وضربتني فلسة، وأنا ختمي صاحب عقيدة قلت أمشي للسيد علي يمكن يحل لي مشكلتي، فمشيت للسيد علي وبعد السلام والكلام حكيت ليه حالي فأداني الفاتحة، فلما مرقت منه قلت بالله أنا السيد علي أنا قاطع ليه كبريين (لم يكن كبري شمبات قد أنشئ)، يديني الفاتحة والله أمشي للسيد عبد الرحمن من دربي، ومشيت للسيد عبد الرحمن وبعد أن أكرمني قال لي يا ود نفاش الليلة أيه الذكرك لينا، فشكيت ليه حالي، فنادى على باب الله وقال ليه أدي ود نفاش خمسة جنيه، وقتها الخمس جنيه مبلغ كبير خلاص، ففرحت وخرجت شاكر، لكن أول ما طلعت الباب عقيدتي الختمية غلبتني فقلت "شوف بالله فاتحة أبو علوة دي قوية كيف تتصرف طوالي عند أبو عبدة’.

 

العودة للجامعة وإنقلاب حسن حسين

 

 

بعد أيام العزاء ذهبت للجامعة فقررت  الكلية أن أجلس إمتحانا بديلا في سبتمبر  1975  فبدأت التحضير بجدية ولكن قبل يومين من بداية الإمتحان وقع إنقلاب حسن حسين وجاءني شعور قوي بعد إستماعي للبيان الأول ودون أن أعرف التفاصيل أن هذا إنقلاب فطير ولن يستمر طويلا فقد كان بيانه الأول باهتا، وبالفعل لم يستمر الإنقلاب إلا ساعات فليلة وتمت هزيمته. ولكن الإنقلاب الذي استمر لساعات ترك آثارا عميقة في البلاد، فلقد تمت تعديلات في الدستور والقوانين حاصة قانون أمن الدولة وقد ركزت تعديلات الدستور السلطات في يد نميري وقننت دستورية الإعتقال التحفظي غير المحدود الزمن والذي يمكن أن يمتد لفترات طول كل منها ثلاث شهور بشكل لا نهائي.

 

وكانت نتيجة الإنقلاب أن أغلقت الجامعة وأجلت الإمتحانات.

 

العمل كمساعد باحث

 

 

ووجهت بمشكلة البحث عن عمل، وهنا قام صديقي الدكتور محمد عوض جلال الدين بتعييني مساعد باحث له وكان يريد القيام ببحث في جبال النوبة يشمل مؤسسة جبال النوبة الزراعية والزراعة الآلية في منطقة هبيلا، وبدأت بتحضير عرض لما كتب عن الزراعة الآلية خاصة فيما يتعلق بالعمالة. ولكني بطبيعتي في الدراسة والبحث أحاول دائما أن ألم بكل جوانب الموضوع حتى تلك التي تقع خارج نطاق تحصصي، فأستلفت بعض الكتب حول الهندسة الزراعية ودرست عمليات المكننة الزراعية وخلال هذه الفترة توطدت علاقتي مع الأستاذ جي أوبراين، وهو يساري أمريكي، ينتمي فكريا لجماعة المنثلي ريفيو برس، التي كانت تضم بول سويزي وماكدوف، وتعتبر بول باران من روادها، وكنت كما أوضحت من فبل قد بدأت أقرا لبول باران وسمير أمين وأندرية غوندار فرانك، وقد ساعدني جي أوبراين في الحصول على الكتب وكنا نتناقش لفترات طويلة في مكتبته ومنزله، وأصبحنا أصدقاء، وكان جي أوبراين مهتما بالعمالة الزراعية الموسمية وهكذا أصبح هناك تنسيق بحثي بينه ومحمد العوض جلال الدين وأصبحنا كفريق بحثي واحد.

 

وزير شئون الرئاسة يسال إذا كنت ما زلت شيوعي

 

 

 

وبينما أنا مستغرق في عرض وتلخيص ما كتب عن الزراعة الآلية والثورة الخضراء وغير ذلك من مواضيع متعرضة للبحث ونحن نعد العدة للسفر للرحلة البحثية الاستكشافية والتي سنحدد على أساسعا أي بحوث ميدانية بما في ذلك كيف سنجمع معلوماتنا وهل سنصمم إستبيان وماذا يحوي ... إلخ، أطل علينا عيد الفطر، وكالعادة تقاطر الأهل إلى منزلنا كأول عيد بعد وفاة الوالد، وكان من بين الزوار فيصل محمد عبد الرحمن الذي تحدثت من قبل أنه تحدث مع الباقر ليطلق سراحي لوفاة والدي. وفيصل محمد عبد الرحمن الذي كان يشغل منصب وزير شئون الرئاسة بمجلس الوزراء، تخرج من كلية القانون جامعة الخرطوم وعمل بالسلك القضائي بالخرطوم وبورتسودان قبل أن يلتحق بمنظمة العمل الدولية والتي جاء منها وزيرا. سألني فيصل ماذا أفعل فقلت له مساعد باحث مع أحد الأساتذة في إنتظار إمتحانات درجة الشرف، فقال لي "أنا عايزك تجيني في المكتب"، فقلت "خير إنشاء الله ما في عوجة؟" فقال "حتعرف لما تجي"، فقلت "أنا لا أذهب لأقف على أبواب الوزراء" قال "لن تقف وبمجرد حضورك في المواعيد ستجد إسمك في الإستقبال" ودارت تلك المناقشة أمام عمي محجوب كبلو عميد أسرتنا والذي يكن له الجميع الإحترام والذي تدخل وقال "أمشي يا صدقي وما حتخسر حاجة"

 

وفي اليوم المحدد، أصر الدكتور محمد العوض جلال الدين لأخذي بنفسه لمجلس الوزراء، ولم أكن أتوقع شيئا كثيرا، لربما عرض وظيفة، وسيكون ردي على العرض حسب طبيعة العرض فأنا لن أقبل وظيفة سياسية مع نظام نميري. وكما وعد فيصل، بمجرد أن ذكرت أسمي، قيل لي أن السيد وزير شئون الرئاسة في إنتظاري وأخذني موظف الإستقبال إلى المكتب. إستقبلني الوزير بحرارة وطلب لي ليمونا باردا ثم سألني "ما زلت تدخن البايب (الغليون  او الكدوس)" فقلت نعم وأشرت لغليوني في يدي، فأستدار وفتح درجا جانبيا وأخرج كمية من منظفات البايب والتبغ وأعطاني لهم فشكرته، ونظر لي نظرة حادة وقال "أريد أن أسالك سؤال واحد وأريد إجابة صادقة" قلت "أسأل" واندهشت عندما سألني "هل أنت ما زلت شيوعي؟" قلت بدون تردد " نعم وعضو في الحزب الشيوعي اللي كان سكرتيره عبد الخالق محجوب" فقال لي "شكرا على صراحتك، أنا كنت عايز أشوف ليك وظيفة كويسة معانا هنا لكن ولإنك عضو في ذلك الحزب ما حأقدر" فقلت له بأدب "شكرا جزيلا" ونهضت فقدمني حتى الباب وظللنا أصدقاء وزرته في أثيوبيا وسويسرا عنما عاد لمنظمة العمل الدولية.

 

السفر لجبال النوبة في المرة الأولى

 

 

عدت للجامعة وحكيت ذلك لمحمد العوض جلال الدين وضحكنا مليا وباشرنا عملنا البحثي. وسافرنا ثلاثتنا، جي أوبراين ومحمد العوض وشخصي بالقطار للأبيض ثم بالبص للدلنج حيث قابلنا مدير  مؤسسة الزراعة الآلية وسافرنا لهبيلا حيث قابلنا مدير منطقة هبيلا وذهبنا لمزرعة  الدولة وقابلنا بعض العمال الزراعيين الذين كانوا يقومون بعمليات "الكديب" (وهو الإسم المحلي لعملية نظافة مزارع الذرة من الحشائش). وتم تدريبي بواسطة الدكتور محمد العوض جلال الدين على كيفية إستخلاص المعلومات من العمال الزراعيين وملأ الإستبيان. وجمعنا بعض المعلومات ثم سافرنا لكادوقلي.

 

وصلنا كادوقلي مساء، فتوجهنا للإستراحة مؤسسة جبال التوبة الزراعية التابعة للهيئة العامة للإنتاج الزراعي، حيث قضينا الليلة ونمنا نوما عميقا بعد إرهاق الرحلة فنحن لم ننم في الدلنج لاحتفاء الأخوة في الزراعة الآلية بنا.

 

صحوت على شقشقة عصافير، ففتحت عيوني في بطء وتكاسل، فإذا بي أجد شخصا يقف أمامي مادا لي ورقة، فأخذت الورقة وقرأت الورقة مندهشا "بما أن جريمة قد أرتكبت أو قد ترتكب، فبهذا فأنت مطلوب للحضور لمكتب جهاز الأمن في الثانية عشر ...ألخ"، ووسط دهشتي طلب مني الشخص أن أوقع، فوقعت وأعطاني نسختي وذهب.

 

وتجمع حولي الدكتور محمد العوض وجي اوبراين، وشرحت لهما ما حدث، وأصابهما غضب لتصرف ضابط الأمن وكان التساؤل كيف عرفوا أني في كادوقلي وفي الإستراحة، هناك شخص واحد يمكن أن يكون قد أخبر جهاز الأمن، ولكننا لا نستطيع أن نرمي الناس بالشبهات فلم نتأكد أبدا من الشخص وما زال الظن هو الظن.

 

المهم نهضنا وذهبنا للإجتماع مع إدارة مؤسسة جبال النوبة الزراعية، وحدثونا عن برنامج التحديث الزراعي، وقررنا القيام ببعض الزيارات وتقرر أن أبقى أنا في كادوقلي لزيارة بهض المناطق واهمها البرداب. وعندما   حانت الساعة الثانية عشر توجهنا لمكتب الأمن فوجدنا الرائد مصباح عبدالله وهو من خريجي كلية الإقتصاد وكان الدفعة التي أمامي (وفقا لدفعتي الأصلية)، فبعد أن رحب بي وبالدكتور محمد العوض وجي أوبراين وطلب لنا الشاي، سألني: لماذا أنت في كادوقلي؟ فلم أرد عليه ومددت له جوابا من مجلس الأبحاث الإقتصادية بإمضاء الدكتور عبدالغفار محمد أحمد يحدد فيه مهمتي البحثية كمساعد باحث للدكتور محمد العوض جلال الدين في بحثه عن الآثار الإقتصادية والإجتماعية للزراعة الآلية بجبال النوبة. فقال في برود وهو يعيد الخطاب الذي لم يسع للإحنفاظ بصورة منه "علم"، فرددت عليه "لا لم يعلم لأني عايز أعرف هل أنا إقامتي محددة وهل هناك مناطق محظور علي زيارتها؟" فقال لي في برود أيضا "والله نحن بنفذ تعاليم الخرطوم." (وقد تأكدت فيما بعد من خليفة كرار أنه لم يصدر أي تعليمات مثل هذه)، ثم غير الموضوع وسأل جي أوبراين هل لديه تصديق لزيارة المنطقة، والقانون السوداني كان يمنع الأجانب من التجول في السودان بدون تصديق من وزارة الداخلية. فأخرج جي أوبراين تصريحه فقرأه المصباح واعاده له متمنيا لنا التوفيق فعدنا للإستراحة. وسافر محمد العوض وجي راجعين للخرطوم ومكثت أنا أدرس نموذح تحديث الزراعة االتقليدية بجبال النوبة.

 

وهكذا إنتهت رحلتي الطلابية الجامعية.

 

 

وعدت للخرطوم وبينما أنا مشغول باعداد تقارير رحلتي وتصنيف المعلومات التي حصلت عليها، أعلنت الجامعة عن أن الإمتحانات  ستكون في يناير، فعدت من جديد للتحضير للإمتحانات.

 

وأمتحنا في جو مشحون بتواجد عناصر الأمن في شارع الجامعة وداخلها، وقد كنت حريصا على عدم خروجي من الحرم الجامعي حتى نهاية الإمتحانات، وبعد نهاية الإمتحانات وحصولي على مرتبة الشرف الثانية العليا ( Two Upper)، قابلني مسجل الكلية واسمه كمال خضر وقال لي بالحرف: يا أخي حمدالله على السلامة، وحافظ على نفسك، لأنه أثناء الإمتحانات إتصل المدير بروفسير عبدالله أحمد عبدالله يسأل منك وأنا قلت ليه إنت تخرجت حتى لا تمنع من الإمتحان" فشكرته وعرفت فيما بعد أن البروفسير عبدالله قد إلتقى كمال خضر بعد إجتماع السنيت الذي أقر النتيجة والتي عرف فيها أنني من المتحنين ولامه ولكن كمال قال له في شجاعة "تفتكر أحسن شنو، تخليه يمتحن ويتخرج ولا يكون مربوط بالجامعة وهو معتقل، كدة الجامعة أرتاحت وهو أرتاح".

 

وهكذا إنتهت رحلتي الطلابية الجامعية.

 

العودة لجبال النوبة

 

 

وكان أول عرض للعمل جاءني من الأستاذ (حينها) خالد عفان، للعمل كمساعد باحث في بحثه للدكتوراة عن العمالة الموسمية في الزراعة الآلية في جبال النوبة، فسافرت للجبال على رأس تيم من شباب بعضهم تخرج لتوه من الجامعة وآخرون كانوا طلاب في إجازات، وقمنا بعمل مسح لمشاريع هبيلا الزراعية بشقيها هبيلا القديمة (مساحة المشروع ألف فدان) وهبيلا الجديدة (مساحة المشروع 1500 فدان) وملأنا إستبيانات مع أصحاب المشاريع والعمال الزراعيين في القطاع الخاص ومزرعة الدولة وقد أتاحت لي هذه الرحلة مقابلة شخصيات مهمة سواء في مجال الزراعيين الجامعيين، المهندسين الزراعيين والعاملين في الإدارة في الزراعة الآلية وبعض المستثمرين من القطاع الخاص، بعضهم من رجالات الإدارة الأهلية مثل التاظر المرحوم بابو نمر والذي سافرت معه من هبيلا إلى الأبيض وتحدثنا في مواضيع شتى، والناظر عبد الجبار زاكي الدين والذي إستضافني بمشروعه وكشف لي حساب المشروع الحقيقي وفقا لسجل دفاتره مما أسهم في إعطائي (وبالتالي إعطاء أستاذي خالد عفان) صورة حقيقية لحساب التكاليف والأرباح. وبعض هؤلاء المستثمرين كانوا تجارا من مدينة الدلنج اكرموا وفادتنا. وكان ترحاب العمال الزراعيين بنا في معسكراتهم يفوق تصورنا ويعكس طبيعة الكرم السوداني حتى في الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها.

 

زيارتي لخليفة كرار والعمل بالتخطيط

 

 

عدت من جبال النوبة لأقدم لوظيفة في وزارة التخطيط ولمعرفتي أو الوظيفة تحتاج تقريرا من الأمن، قررت الذهاب للسيد خليفة كرار، نائب مدير جهاز الأمن، وعندما طلبت مقابلته في إستقبال الأمن، لم أنتظر طويلا، وبعد السلام والتعازي في وفاة والدي، شكوت له ما فعل معي المصباح في كادوقلي، ونفى أن تكون هناك أوامر من الخرطوم ووعد بمساءلة المصباح، وقلت له "أهو أنا أتخرجت!" فقال لي "مبروك" فقلت "وعايز أشتغل" فقال نحن ما بنشغل الناس" قلت "ما تكتبوه بيشغل أو ما بشغل" قاطعني "نحن بنكتب البنعرفوا" قلت "حتى ده ممكن تكتبوا بطريقة تشغل او ما بتشغل" فشعر انه لن ينجح في إيقافي إلا بوعد فقال "يا صدقي زيارتك دي لينا مشكور عليها وإنشاء الله نعمل الفيه الخير" وعرفت فيما  بعد أنهم كتبوا تقرير رصدوا فيه كل نشاطاتي وإعتقالاتي حتى إطلاق سراحي الأخير ولكنهم ختموا الخطاب بجملة مفيدة "ولكنه لم يرصد له نشاط منذ ذلك الوقت" وقد أستند السيد كمال شمينة وكان سكرتير لجنة تعيين الخريجين على تلك الجملة في تعييني. وهكذا عينت في وزارة التخطيط مساعد مفتش وتم ألحاقي بالقطاع الزراعي مسؤولا عن المؤسسات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية، وكان مفتش قسمي اسمه رشاد، ومفتشي الأول أبراهيم محمد إبراهيم الذي انتقل فيما بعد للعمل بالقبول للجامعات والمعاهد العليا، ثم أنتقل لجامعة أم درمان الأهلية، وكان مساعد الوكيل للقطاع الزراعي هو الدكتور الداروتي ويساعده الدكتور الفاتح التجاني.

 وكانت مهمتي في التخطيط أن أكتب خطابات التصديق وأن أعد المذكرات لرؤسائي حول طلبات المؤسسات العامة الزراعية او مصالح الثروة الحيوانية ولكن الصدفة جعلتني أنضم لبعض فرق إعداد الخطة الستية، فقد وزع الدكتور عبدالحميد التجاني ورقة، وكان مقرر اللجنة الفنية لإعداد الخطة الستية، حول نموذج الخطة فأعطاني لها السيد يس عبدالرحمن وكان مفتشا أول ترقى في أسبوع تعييني لمساعد وكيل ونقل مسئولا عن الإدارة، رغم أنه مفتش التخطيط الوحيد الذي كانت لديه معرفة عن الزراعة في الجنوب وكان وزير الزراعة الإقليمي بالحنوب يثق فيه. قرأت الورقة وعلقت عليها وأرسلت تعليقي للدكتور عبدالحميد التجاني، وكان التعليق الوحيد الذي وصله، فاستدعاني وتناقش معي، وكنت قد إقترحت نموذجا بديلا لم يكن من تصميمي، بل كان من تصميم اللجنة الإقتصادية لجنوب شرقي آسيا، وقد بذلت مجهودا ليلائم ظروفنا، وهو قائم على أساس قطاعين: عام وخاص. المهم أدى ذلك لأن يكلفني الدكتور عبدالحميد التجاني بعضوية لجنتين، أحدهما لمراجعة تنبؤات الإنتاج الزراعي وكانت مشكلة من التخطيط والزراعة، وكان ممثلا التخطيط شخصي ومساعد مفتش آخر هو الفاتح علي صديق. أما اللجنة الثانية والتي كنت مقررا لها فهي لجنة الأداء المالي للمؤسسات العامة وكان رئيسها الدكتور صادق الرشيد من جامعة الخرطوم وكنت مقررا لها.ولقد ظللت بالتخطيط حتى يناير 1977  عندما أتقلت لمجلس الأبحاث الإقتصادية والإجتماعية وأعتقلت بعد ثلاثة أيام كما سيرد في الفصل القادم.