عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

الاعتقال الثالث مايو 1975 - يوليو 1975

 

العودة للدراسة و البروفسيرعبدالله الطيب يستدعيني

 

 

وعدنا للدراسة بالجامعة وكان علينا اكمال الكورسات والجلوس للإمتحانات. وابتدأت الدراسة في جو متوتر فرغم قرار نميري بالعفو عن  الطلاب المعتقلين وردت أنباء عن طلاب معتقلين في الجنوب ومن بينهم صديقي والتر كوني جوك الطالب بقسم العلوم السياسية. وكانت التنظيمات السياسية تخاطب الطلاب حول ضرورورة إطلاق سراح  كل الطلاب وتطلب من الإتحاد التدخل. وكانت معظم المخاطبات تتم في قهوة النشاط في مركز الجامعة الأساسي وكانت تلك ظاهرة جديدة لم تعرفها الجامعة قبل يوليو، حيث كان معظم النشاط الطلابي يتم في النادي والداخليات. وكانت هذه الظاهرة من ظواهر التوتر الدراسي التي شكا منها الأساتذة وناقشها مجلس الأساتذة. وكان نميري قد عين البروفسير عبدالله الطيب مديرا للجامعة. ولم تمض أيام قليلة على إنتظام الدراسة وبينما أنا أحضر محاضرة عن الإقتصاد الرياضي، إذا بساعي من مكتب المدير بحمل رسالة تطلب حضوري فورا لمقابلة السيد المدير. وخرجت منزعجا لأن مثل هذه الإستدعاءات لم تكن معروفة في الجامعة، فالمدير لا يستدعي  طالبا، بل أن ذلك يتم عن طريق العمداء إذا كان الشأن أكاديمي، أو عن طريق المشرف على الطلاب أو أحد مساعديه إذا كان متعلقا بالسلوك، السكن، المصروفات أو حتى أمور الإتحاد أو السياسة.

 

ولكني وجدت أن البروفسير عبدالله الطيب قد أرسل لي للإجتماع به ليحدثني عن النشاطات الطلابية خلال ساعات الدراسة وإستعمال الميكرفونات وعن رأيه في نقل النشاط الطلابي لدار الإتحاد، وتناقشنا طويلا موضحا وجهة نظر الطلاب، رغم أنني لم أكن في لجنة الإتحاد حينها، وأتفقنا على حلول وسط، وعد هو بمناقشتها مع الإتحاد، وقال لي في نهاية الإجتماع أنه سعد بلقائي وأن رأي الأستاذ محمود عبدالله في كان صحيحا. وأنتهزت الفرصة وأثرت مع البروفسير عبدالله الطيب مسألة إعتقال صديقي كوني جوك، وكان وقتها يستعمل إسم وولتر،  وقد كان كوني رئيسا للجبهة الوطنية الأفريقية وقد أعتقل بواسطة أجهزة الأمن في ملكال ولم يعد للدراسة فوعد البروفسير عبدالله ببذل كل الجهود لإطلاق سراحه لأنه تلقى وعدا عند قبول تعيينه بإطلاق سراح كل الطلاب والعفو عن المطلوبين منهم. وسعدت لوعد البروفسير وقررت أن أذهب لأحدث أصدقائه، ولكني فوجئت في قهوة النشاط بكوني جوك يحمل حقيبة سفر من نوع Traveling Bag وعانقته وحكيت له ما فعلت لتوي فقال أنه وضع في طائرة عسكرية بحقيبته تلك التي كانت معه في المعتقل ولم يعط فرصة للرجوع لأهله وأنه أطلق سراحه في المطار العسكري في الخرطوم، وأنه جاء يرجليه من القيادة العامة لأنه لا يملك نقود، وضحكنا لذلك الموقف الطريف وتركته يذهب لشئون الطلاب لحسم مسألة سكنه وتسجيله وعدت أنا لمكتب المدير لأخبره بما حدث.

  

الأمتحانات بعد 3 سنوات في رابعة

 

 

وبينما أن أحضر للإمتحانات أصابتني الملاريا[1] وكأن الملاريا لم تكن كافية لوحدها إذ أن الحقن قد أدت إلى إحتقان مما أدى إلى إجراء عملية لإستئصال الخراج وقال لي طبيب الجامعة، يمكنه إستخراج شهادة مرضية بتاجيل الإمتحانات، فرفضت رفضا باتا فضحك الطبيب قائلا الطلاب يأتوا بدون مرض ويطالبون بشهادات وأنت الذي لا تستطيع الجلوس تطالب بالإمتحانات، فحكيت له كيف أنني إنتظرت هذه الإمتحانات ثلاث سنوات ولا يوجد أي ضمان إذا لم أجلس للإمتحانات في تلك الدورة أن أجد فرصة أخرى. فتضامن معي الطبيب وكتب لي خطاب للكلية لتجهيز كرسي خاص ومسند في قاعة الإمتحانات.

 

وجاء  اليوم للإمتحان وكانت أول ورقة لي عن الإقتصاد السوداني التي يدرسها الدكتور علي محمد الحسن، وفوجئت عندما دخلت القاعة أنه لا يوجد كرسي خاص ولا مسند بل كرسي عادي من الكراسي الصلبة المشهورة بها قاعة الإمتحانات، فهجت وأرتفع صوتي إحتجاجا، فحاءني دكتور علي مستفسرا فشرحت له كيف أنني سلمت إدارة الكلية خطابا من الطبيب، فهدأني دكتور علي وطلب من أحد الفراشين أن يذهب لنادي الأساتذة لإحضار كرسي بلاستيك ومسند، وعندما أستقريت وبدأت الإجابة على الأسئلة جاء دكتور علي وأخذ رقم جلوسي وسألني كيف أجد الإمتحان فقلت له "كويس". وفعلا كان الأمتحان به أسئلة كنت قد حضرتها جيدا ورغم أنني بعد مضي ساعتين شعرت بالجرح قد إنفتح وبدأت أنزف فقد كملت الإمتحان وخرجت قبل نصف ساعة، وتوالت الأوراق، وكان النزيف يتكرر كلما طالت الجلسة. ولكني كملت الإمتحانات جميعها.

 

وقد حدثت مسألة طريفة، فقد قابلني دكتور علي في الكلية فبادرني "أهلا أخونا الشاطر" وقال لي "غايتو في السؤالين الجاوبتهم أخذت A  وأنا أخذت رقم جلوسك أفتكرت عيان قلت  أساعدك تمر" فبدلا من أضحك قلت ليه "أنا جاوبت ليك ثلاث أسئلة وسؤال واحد لبروفسير محمد هاشم، فقال لا سؤالين فذكرت له الأسئلة وكان من بينها سؤال عن علاقات الإنتاج في المشاريع المروية فقال لي هذا السؤال جاوبه طالب واحد فقط في الدفعة، فقلت عارف هو عمر شمعون فقال لي عرفت كيف؟ فقلت ليه لأننا ذاكرناه معا فضحك وقال سيرجع ويطلب الورق ليراجع كيف أنه لم يصحح ذلك السؤال.

 

 وحكاية عمر شمعون هي الأخرى حكاية طريفة، فقد جاء عمر للسكن في داخليتنا قبل الإمتحان بأيام فلاحظ أني أمشي ببطء فسألني فقلت له عن عملية الخراج فأصر على إحضار الطعام لي في الغرقة، ونمت علاقة بيننا وتحدثنا عن الإستعداد للإمتحان فشكى لي أنه مستعد لكل المواد إلا مادة الإقتصاد السوداني فهو لا يعرف ماذا يقرأ، فأتفقنا أن نذاكرها سويا وكان مصرا أن علاقات الإنتاج ستكون موضوع سؤال. والطريف أن عمر شمعون كان من قادة الإتحاد الإشتراكي، أي أننا كنا أعداء سياسيين، ولكن هكذا كانت العلاقات الطلابية، وقد إستمرت علاقتي مع عمر لسنوات بعد ذلك رغم الخلاف السياسي.

 

المهم إنتهت الإمتحانات ونجحنا فواصلت أنا لخامسة لنيل درجة الشرف وسافر عمر لليبيا.

 

الرحلة إلى القضارف

 

 

بينما نحن في إنتظار إستئناف الدراسة في العام الجديد، بدأت علاقتي مع مجلس الأبحاث الإقتصادية والإجتماعية الذي كان مديره الدكتور على محمد الحسن والذي وافق على تمويل بحث لي عن علاقات إنتاج الصمغ العربي في منطقة قلع النحل والقضارف. وسافرت وقضيت شهرا أنقب في الفايلات في المجالس وأقابل مستأجري غابات الهشاب في المنطقة المحجوزة. وقد قضيت وقتا جميلا وسط كرم وحفاوة الأساتذة عبدالرحمن عثمان خالد (شلخ) الضابط الإداري والأستاذ عزالدين حمد المحامي.

 

السنة الخامسة

 

 

وعدت للجامعة حيث بدأت درجة الشرف وحيث قضيت عاما دراسيا كاملا عدا الإمتحانات والذي سيأتي سبب تعطيلها ولكني أريد هنا أن أتحدث عن أساتذتي في السنة الخامسة، والذين تعلمت منهم في هذه السنة ما لم أتعلمه خلال السنوات الأربع الأخرى وفي مقدمة هؤلاء الدكتور علي عبد القادر والدكتور خالد عفان والدكتور سيد نميري والبروفسير نسيم وعموما كان العام مليئا بالمعارف الإقتصادية الجديدة وبتنظيم معارف قديمة كانت مبعثرة. وقد كان للدكتور علي عبد القادر فضل كبير في فهمي للفكر الإقتصادي الكلاسيكي الجديد، بينما قدم لي الدكتور خالد عفان الإقتصاد القياسي بشكل ممتاز وقدم الدكتور سيد نميري الفكر الكينزي، وكان وجود البروفسير نسيم فرصة نادرة لدراسة التخطيط الإقتصادي والفكر التنموي.

 

 ولعل دراستي للفلسفة والإقتصاد السياسي (خاصة كتاب أوسكار لآنجة) وتعرفي على تيارات جديدة في إقتصاديات التنمية (بول باران ومدرسة التبعية) ودراستي لتاريخ الفكر الإقتصادي الذي ساهم فيه كتاب أريك رول في المعتقلات لعبوا دورا كبيرا في قدرتي لإستيعاب وتنظيم ما درسته بالسنة الخامسة. وكتبت خلال هذه الفترة أولى مساهماتي عن مفهوم الفائض الإقتصادي في كتيب عبد الخالق "حول البرنامج" وحاولت أن أربط بين مفهوم عبدالخالق وباران، ولكن ورقتي تلك لم تلق ترحيبا فقد ارسل أحد الزملاء في الحزب تعليقا ينتقد فيه ربطي لفكر عبد الخالق بباران. ولكنني ظللت مهتما بقضية الفائض  الإقتصادي منذ ذلك الوقت بإعتبارها قضية هامة في التخطيط الإقتصادي والسياسات الإقتصادية، رغم محدودية المفهوم وعدم تعرضه للمسألة الأساسية وهي إنتاج الفائض الإقتصادي والإستغلال الممارس وفقا لعلاقات الإنتاج السائدة. لقد فتح باران في مقالته عن الإقتصاد السياسي للتخلف وكتابه عن الإقتصاد السياسي للنمو آفاقا رحبة بصياغته لمفهوم الفائض الإقتصادي الحقيقي والفائض الإقتصادي الكامن. وما زلت أرى أن عبد الخالق قد إستوحى مفهوم الفائض الإقتصادي الكامن من عند باران وأنه وظفه بصورة خلاقة في مشروعه "حول البرنامج".

 

وتوطدت علاقتي خلال هذه الفترة بالدكتور محمد العوض جلال الدين وكان يقرأ بعض ما أكتب، وكنت أعرف محمد العوض منذ كان طالبا وقد كنا أعضاء في جمعية تطوير الريف وكان صديقا لصديقي عبد الماجد أحمد موسى الحدربي وتعرفت عن طريقه على  جي أوبراين الأستاذ بقسم الأنثربولوجيا الإجتماعية، وكنا نتلاقى كثيرا للنقاش حول القضايا العامة وبدأنا عن طريقه التعرف أكثر على مجموعة المنثلي ريفيو وبدأنا قراءة كتبهم ومجلاتهم فتوسع أفقنا المعرفي وتطور موقفي المستقل عن الماركسية السوفيتية والذي بدأ في الستينات بقراءة غارودي وفي بداية السبعينات بقراءة أوسكار لانجة وتوطد بالإنفتاح على المنثلي ريفيو  ومطبوعاتها، ثم تعرفت على كتابات سمير أمين و أندرية غوندار فرانك وغيرهم وساعد في ذلك الوقت وجود الصديق نور الهدى محمد نور الهدى، صاحب دار نشر عازة الآن، في مكتبة دار النشر، حيث طلب لنا ما نحتاج من كتب من مختلف دور النشر العالمية، وأذكر أنه طلب لي كتاب أريقي حول التبادل غير المتكافئ وبينما أنا أهم بشرائه، تصادف وجود البروفسير محمد أمين التوم في المكتبة، فقال لي هذا كتاب غالي وأنا أستطيع أن أهديك نسختي فأنت كطالب إقتصاد تحتاج لها أكثر مني، وفعل وأشترط علي أن أحضره لتقديمه لعدد من الأصدقاء ولكن ظروف إعتقالي لم تسمح.

 وخلال هذه الفترة نشط مجلس الأبحاث الإقتصادية في تقديم سمناراته الأسبوعية فواظبت على حضورها وتعرفت على عدد كبير من المهتمين بالإقتصاد والعلوم الإجتماعية، وكان أنشط الكاديمين تقديما لسمنارات بالمجلس هو الدكتور علي عبد القادر والدكتور عبد الغفار محمد أحمد، ثم قدم الدكتور عبد المحسن مصطفى ورقة عن التركيب غير السوي للإ قتصاد السوداني والتي فتحت لي أبوابا جديدة للمعرفة والبحث.وقد تعرفت خلال هذا العام على أبناء دفعة جديدة وتوطدت علاقتي بهم ومن بينهم معتز الحاج عبد اللطبف والذي سيرد ذكره فيما بعد والأخت محاسن أيوب القدال والأخت بتول البشير والأخت بتول والأخ  حامد عثمان حامد، والأخت ليلى سمساعة والأخت ليلى المقبول وغيرهم.

ولكن رغم إنشغالي بالتحصيل الأكاديمي واصلت نشاطي السياسي، خاصة في مجال العمل الديمقراطي ومركزية الجبهات الديمقراطية. وشاركت في النشاط الطلابي العام بما في ذلك مظاهرات السكر في سبمتبر 1974. وكانت المظاهرة قد خرجت من الجامعة لتلتحم بالخارجين من العرض الأول بسينما كولزيوم، وكان المتظاهرون معظمعم من الجبهة الديمقراطية وكانوا إلى جانب الهتافات المعادية للحكومة وصندوق النقد الدولي يرددون الأناشيد الثورية خاصة ذلك المقطع من الملحمة الذي يقول:

 

ولسة بنقسم يا أكتوبر

 

لما يطل في عهدنا ظالم

 

نحمي شعار الثورة نقاوم

  

وقد شاهدني الناس وأنا أخطب في المظاهرة قرب السينما، وعندما هاجم الإحتياطي المركزي المظاهرة ظن الجميع أنني أعتقلت، وعند عودتي للجامعة كنت أتصنت على بعض الطلاب يتحدثون في القهوة عن إعتقالي، ففاجأتهم بالحديث معهم فكان هناك من سعد برؤيتي ولكن الأخوان المسلمين أصيبوا بخيبة أمل فهم لم يشاركوا في المظاهرة وتمنوا إعتقالنا.

 

مقاطعة الإنتخابات القرار الخاطئ

 

 

وأرتكبنا في ذلك العام أحد أكبر الأخطاء السياسية عندما قررنا مقاطعة إنتخابات الإتحاد بهدف عدم تحقيقها للنصاب القانوني، ولم يكن الخطأ سياسيا فقط بل كان تنظيميا أيضا لأنه لم يتخذ وفقا للقنوات التنظيمية سواء في صعيد فرع الحزب او الجبهة، فقد تم عقد إجتماع موسع لعضوية الجبهة، كان من المقرر له أن يعد قائمة المرشحين، فتحول لمناقشة المشاركة في الإنتخابات أو مقاطعتها، ولقد شاركت في ذلك الخطأ السياسي والتنظيمي بفعالية، ولقد كان القرار بالمقاطعة خطأ سياسيا لأنه كان ببساطة سيترك الطلاب بدون جهاز نقابي، وهذا في الحقيقة خيار خاطئ ولا يقود بالضرورة لإجبار الأخوان للجلوس لمائدة المفاوضات لتبني دستور جديد، وقد تأثرنا بضغوط تنظيمات أخرى من حلفائنا وحاولنا تقدير المسألة بشكل حسابي بسيط، بينما المسائل السياسية هي مسائل كلية تقيم بالموقف السياسي وما يخلقه من تفاعلات، وبالنسبة للطلاب فكان موقفهم واضحا فهم لا يمكن أن يفرطوا في العصفور الذي بيدهم (إتحاد المباشر) في سبيل عصفور طائرغير مضمون (التمثيل النسبي)، والمنطق الحسابي نفسه يقول لو بمقدورنا نحقق أغلبية في المقاطعة فبمقدورنا تحقيق أغلبية في الإنتخابات. أم الخطأ التنظيمي فقد كان واضحا مخالفتنا لطرق إتخاذ القرارات وفقا للهيئات الحزبية وهيئات الجبهة وتغييرنا لأجندة الإجتماع.

 

وبالطبع كانت النتيجة واضحة، هو فوز الأخوان من خلال شرعية الجمعية العمومية التي حققت الكورم.

 

إغلاق الجامعة والإضراب غير المبرر

 

 

وأنتهت الإنتخابات لنعود للدراسة حتى مارس 1975 عندما بدأنا الإستعداد للإمتحانات. ولكن فجأة برزت دعوة لتأجيل الإمتحانات لأن العام الدراسي كان قصيرا والمقررات لم تكتمل في بعض الكليات. وكنت أحد الرافضين لتلك الدعوة وكنت أعتقد أنها دعوة غير مسئولة وتهدف لتعطيل الإمتحانات لأسباب شخصية، ولكن وجهة نظري هزمت في الحزب والجبهة وكا يقود الحملة لتأجيل الإمتحانات الزميل الخاتم عدلان. وقرر الإتحاد تحت ضغط الطلاب المطالبة بتأجيل الإمتحانات أو الدخول في إضراب، مما إضطر إدارة الجامعة لإغلاقها.

 

الأختفاء في أم درمان والسفر لرفاعة

 

 

ولم يكن من الممكن بالنسبة لي العودة لمنزلنا خوفا من الإعتقال، فأتفقت مع صديقي المعتز الحاج عبد اللطيف أن أذهب معه إلى رفاعة، وتركت له أمر تدبير مواعيد وطريقة السفر وذهبت أنا لأمكث مع أصدقاء لي بمدينة أم درمان، حيث مكثت قرابة الأسبوع حتى إتصل بي معتز وسافرنا إلى رفاعة، وأستقبلتنا والدته الحاجة سكينة إستقبالا حارا ومهدت لنا كل سبل الراحة وبدأنا سويا الإستعداد للإمتحان وقد أنجزنا الكثير خلال فترة قصيرة فالتهمنا كتاب الإقتصاد القياسي ألتهاما، ثم إنتقلنا للإقتصاد الكلي، وقبل أن ندخل في الإقتصاد الجزئي أصبت بقلق غير مبرر وقررت العودة لأم درمان، وحاول المعتز إثنائي وكذلك والدته التي قالت لي أنها لم تر معتز مهتما "بالمذاكرة" إلا في وجودي، ولكني لا أدري ما دهاني فقررت العودة للمنزل. 

 

خطأ العودة من رفاعة والإعتقال من المنزل

 

 

عدت للمنزل وواصلت إستعداداتي للإمتحانات بجدية وكنت لا أكاد أخرج من المنزل وذات صباح سمعت طرقا على الباب، ففتحت الباب فإذا بي أمام مجموعة من جهاز الأمن ممن أعرفهم جيدا، فطلبوا مني أن يفتشوا المنزل، ففتشوه بدقة ولم يجدوا شيئا ولم يأخذوا شيئ، وطلبوا مني أن أصحبهم، فأخذت حقيبة ملابسي وكتبي وأخذوني للجهاز. وصادف دخولنا، حضور السيد خليفة كرار نائب مدير الجهاز فطلب من الشاويش إحضاري للمكتب، فطلب لي قهوة حسب رغبتي، وبادرني "أيه الحاصل عندكم؟" فقلت له "نحن مين؟" فقال وهو يضحك "يبدو إنك مدرب كويس ... يا صدقي أنا كنت عارف إنك في بيتكم ولم أكن أريد إعتقالك ولكن قبضنا على واحد مهم جدا عندكم، وجدنا عنده ورق وأسماء، في أسماء لزباين قدام زيك ما كنا عايزينهم وعارفين هم فين لو عزناهم، لكن أهتمينا بالأسماء غير المعروفة، لكن أي واحد نقبضه نلقى عنده ورق، مش لي حق أسأل أيه الحاصل عندكم؟" ورغم أن ما قاله كان مثل السكين في قلبي، تظاهرت بعدم الإهتمام وقلت "طيب أنا ما لقيتو عندي حاجة، ما سكيني ليه؟" فقال لي "والله المسألة بسيطة نحن قررنا نعتقل كل القوائم، وحتشرف كوبر شوية وبعدين نشوف". وأنتهت المقابلة بأن رفع السماعة وطلب تجهيز عربة لنقلي لكوبر.

  


[1]  وهي المرض الثاني الذي أصابني في المعتقلات وظل يتكرر دائما حتى عالجني الدكتور حسين حسن موسى بعد أن أخذني إلى معمل الملاريا بوزارة الصحة حيث قام فحيص قال أنه متخصص في فحص الملاريا وأنواعها لعشرات السنين، فحدد نوع ملاريتي بنوع نادر في السودان ولكنه منتشر في غرب أفريقيا وحكيت لهم كيف أننا في زالنجي كنا نشارك حجاجا دخلوا السودان بشكل غير شرعي من نيجريا الحوش(في الخقيقة كانوا في الحوش الخلفي لعنبرنا وتفتح شبابيكنا عليهم)،