عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ذكريات معتقل سياسي 1971-1983
الاعتقال الأول 23 يوليو 1971 -15 مايو 1973
نحن جينا
الرحلة من شالا إلى كوبر
وكان نعتقد أن جهاز الأمن وإدارة السجون من الذكاء بحيث سيتم ترحيلنا بطائرة حربية كما حدث من قبل ولكن لسبب لا نعرفه فقد تم ترحيلنا بالعربات من شالا لنيالا ومن نيالا بالقطر إلى الخرطوم. لقد أتاحت لنا تلك الرحلة القيام بأكبر مظاهرة متحركة ومحروسة بواسطة إدارة السجون. فقد ظللنا نهتف في العربة في الطريق حتى وصولنا نيالا، بل أن الحرس لسبب غير معلوم أخذنا لحامية نيالا فهتفنا في العساكر وقلنا الأناشيد وهتفنا بذكرى العسكريين من أبطال يوليو، وأذكر أننا عندما هتفنا بإسم أبوشيبة وكان ضابطا من قبل بحامية نيالا أن بعض العسكر لوحوا لنا بالبشارة.
وتجمع المواطنون في محطة السكك الحديدية بنيالا وصفقوا لنا ونحن نهتف، وفجأة خرج من بين الجماهير شخص نحيف طويل القامة وتقدم نحو الشاويش قيدوم الذي كان يقود حرسنا وقال له "ممكن أسلم على كبلو، دة زميلي في الثانوي والجامعة وصديقي" ووسط دهشتي أن الشاويش قال له "نعم ممكن ولكن بسرعة" وعانقت صديقي حامد عمر وهو من أصدقائي غير السياسيين، وأدخل حامد يده في جيبي واضعا بعض المال فطلبت منه ألآ يفعل فأصر فقلت سلمه للشاويش فسلم الشاويش عشرين جنيها كانت في ذلك الوقت تساوي نصف ماهية حامد تقريبا. درس حامد بالفاشر الثانوية وتخرج من شعبة الجيلوجيا وهو من أبناء أم كردوس، ذلك الجبل الذي يقف وحيدا بعيدا من جبل مرة وأصر أحد السلاطين أن "يلمه على بقية الجبال" فمات خلق كثير ولم ينقذ الناس من ظلم وجنون عظمة السلطان إلا الميرم أخت السلطان والتي خدعته حتى ربط في التيتل وأطلق التيتل في الخلاء فأنقذت الناس من شره.
وكنا نهتف وننشد الأناشيد الثورية في كل محطة، وقد حدث في الرهد حيث يقف القطر لساعتين أن هتفنا وتجمع الناس وقرأ محجوب شريف شعرا وأنشدنا عمال السكة حديد قصيدة الشفيع، وكان من بين الحضور رجل كبير مشلخ شايقي يرتدي ملابس السكك الحديدية، رأيناه والدموع في عينيه وهو يقف يسمع "وا حلالي أنا وا حلالي"     
  وفي كوستي وضغ قطرنا بين قطري بضاعة، ودخل قطارنا مدني ليلا، وفوجئنا في سوبا بعربات السجون تنتظرنا وأنزلونا من القطر وأخذونا بالعربات عبر طرق ملوية إلى كوبر حيث تم قفلنا في زنازين البحريات.
وأخيرا عدنا إلى كوبر
وفي كوبر بدأت الزيارات بمجرد وصولنا، وكانت أول الزائرات مريم محمود والدة محجوب شريف وكانت تلك الزيارة مسؤولة عن قصيدة محجوب العظيمة "يا والدة يا مريم"،والتي يقول فيها:
يا والدة يامريم
يا عامرة حنية
أنا عندي زيك كم
يا طيبة النية
مشتاق وما بندم
إصبري شوية
يا والدة يا مريم
ماني الوليد العاق
لا خنت لا سراق
والعسكري الفراق
بين قلبك الساساق
وبيني هو البندم
والديرو ما بنتم
ياوالده يا مريم
ما بركب السرجين
وماني زول وشين
يا والده دينك كم
دين الوطن كمين
ما شفتي ود الزين
الكان وحيد أمو
ماليله كان العين
قالولو ناسك كم
ورينا ناسك ورين
ورينا شان تسلم
العودو خاتي الشق
ما قال وحاتك طق
تب ما وقف بين بين
لموتو إتقدم
وأنا ما بجيب الشين
أنا ما بخت الشين
أنا سقوني الدم
يما السجن مليان
رجاله ما بتنداس
الشالو هم الناس
والفات وليدا ليه
ما مسكو الكراس
ما سمعو بتكلم
ما نحنا عود الفاس
فرسان حمى وحراس
في الحاره نتحرم
عشم القدر ما كاس
ما لاقى بيت يتلم
عشم الطواه الجوع
المتعب المعدم
ما تقولي شن سويت
ما تبكي ما سويت
إلا البطمن ناس
بهمهم حسيت
حارس مع الفرسان
حارس بلدنا البيت
أخواني علو السور
وأنا طوبه ما ختيت
ديل من زمن تاتيت
لامن كتبت قريت
وعرفته ياما يدر
يمه اللبن والزيت
الكسرة والكراس
لقشة الكبريت
وتقولي جيدا جيت
يا وليدي جيدا جيت
راجع مع الفرسان
فايت الحدود واسيت
وتغني يا مريوم
لينا وتجري النم
والعسكري الفراق
بين قلبك الساساق
وبيني هو البندم
والدايروا ما بنتم
ياوالده يا مريم
 كما كتب أغنيته "غني يا خرطوم غني وشدي أوتار التمني" والتي يقول فيها:
غني يا خرطوم وغني
شدي أوتار التمني
ضوي من جبهة شهيدك
أمسياتك واطمئني
ونحنا يا ست الحبايب
من ثمارك
في دروب الليل نهارك
وقبل ما يطول انتظارك
نحنا جينا
وديل أنحنا
القالوا متنا
وقالوا فتنا
وقالوا للناس إنتهينا
جينا زي ما كنا
حضنك إحتوينا
وكانت الزيارة الثانية هي لحاجة العافية والدة المرحوم محمد خلف الله والعافية هي أحد اشهر زوار المعتقل وكانت هي وزوجة محمد (التي للأسف لا أذكر إسمها الآن) قد زارا محمد في زالنجي وأحضرا للمعتقلين الزاد والأخبار.
وقضينا أسبوعين بالحبس الإنفرادي زارنا فيهم اللواء أحمد صالح البشير مدير السجون مرتين. وأذكر أنه عندما جاء في المرة الأولى كنت أنا في الصف الثالث من الزنازين، ولكني إستطعت إقناع شاويش سيداحمد لترحيلي للصف الأول لأن زنزنتي كان بها فار، فسألني أحمد صالح لماذا غيرت زنزناتي فقلت بها فار فقال "ديل فيران الحكومة خاتينهم مخصوص ليكم".
ونحن بالبحريات تم إعتقال عدد من قيادات الحزب الإتحادي الديمقراطي فأحضر معنا السيد عبد الماجد أبو حسبو والسيد حسن حمد  وسمعنا عن إعتقال الأميرألاي عبد الرحيم محمد خير شنان.
سقوط سايجون
ونحن بالزنازين سقطت سايجون معلنة بذلك إنتصار ثوار الفيتكونج على الإمبريالية الأمريكية، وليلة ذلك الإنتصار هتف عبدالله علي إبراهيم "عاشت الشيوعية" وغنيت أنا  رغم صوتي القبيح وشتارتي محتفيا أغنية للسود الأمريكان تقول
سوف ننتصر ذات يوم
وسوف نمشي يدا في يد
وسوف نعيش في سلام
يوما ما سوف ننتصر
ورغم وجودنا في الزنازين إستطعنا أن نخلق صلة ببقية السجن وقررنا الإضراب لخروجنا من الزنازين، فتم ترحيلنا للمديرية حيث بقية الزملاء.
وجدنا في المديرية عدد من المعتقلين الذين تركناهم في كوبر عندما تم ترحيلنا في يناير  1972 ولكننا أيضا وجدنا معتقلين جدد ومن بينهم من ساهم في تجميع الحزب وتأمين قيادته بعد هزيمة 19 يوليو. وكان بين المعتقلين الجدد أصدقائي عبد الرحمن يحيى وعبد العظيم حسنين وكمال يوسف الشايقي والشيخ عووضة وكان قد تم إعتقالهم بحي الأمراء بأم درمان وذلك لإضطرار الشيخ لظروف إجتماعية (زواج) حدثت في المنزل الذي كان يختبئ به لمغادرته والسكن معهم، فتم ملاحظة وجوده من قبل عملاء جهاز الأمن ودوهم المنزل، وقطع الأرسال ليذاع نبأ إكتشاف مخبأ للشيوعيين. وفي السنين الأولى بعد هزيمة 19 يوليو، لم يفلح جهاز الأمن إلا في ثلاث ضربات: إعتقال الشيخ عووضة ورفاقه الثلاثة، وإعتقال المناضل الجزولي سعيد والمناضل خضر نصر والمناضل السر جعفر، أما الثالثة فكانت مطاردة الزميل السر المبارك وبحوزته منشورات، فأعتقلوا السر وفشلوا في الحصول على المنشورات.
عندما أنقذنا حياة يس عمر الإمام
 وأحضر للمديرية بعد حضورنا لها بأيام  السيد يس عمر الإمام أحد زعماء الأخوان المسلمين حينها، وكان يعاني من المرض وذات يوم وهو قادم من الحمام، وقع فاقد الوعي، فنهضنا جميعا لإزعافه وأخبرنا الحرس (الديدبان) على الحائط لإحضار الطبيب، وتأخر الطبيب، فقمنا بإحداث جلبة في المديرية وهتفنا وضربنا زنك الحمامات محدثين دويا هائلا حتى سمعت إدارة السجن فخفت منزعجة ونا حقيقة قد أنقذنا حياة يس عمر الإمام.
وجاءت ساعة الإضراب الأخير
ولم تمض سواء أسابيع على وصولنا كوبر حتى جاءت رسالة مركز الحزب تدعونا للتحضير لإضراب عن الطعام مدعوم من قبل الحزب وأسرنا بالخارج لتصفية المعتقل وإطلاق سراح المعتقلين، وتقرر مبدئيا أن يكون الإضراب لخمس أيام، تكون قابلة للزيادة أو النقصان حسب تطور الظروف، وبدأنا الإضراب، وبدأت الأسر المظاهرات ومحاصرة وزارة الداخلية والتي كان وزيرها حينها اللواء محمد الباقر أحمد، وكان نائبا أولا لنميري، وتجربة أسر المعتقلين تلك اجربة عظيمة تحتاج لمن يبحث فيها ويسجلها ويسجل بطولات نساء عظيمات من أمهات وزوجات وأخوات المعتقلين، وذاع الخبر وعم القرى والحضر وأذاعته هيئة الإذاعة البرطانية والإذاعات العالمية، وأجضرت سلطات السجون فريق من أطباء السلاح الطبي للكشف على المعتقلين وكان آستون المعتقلين يقاس يوميا. وإضطر جهاز الأمن لإرسال وفد للمفاوضات، وعرضوا علينا فك الإضراب وإيقاف التحية وهي هتاف كان المعتقلون يرددونه فبل العشاء كل يوم يحيون المعتقلين بأقسام السجن وينشدون الأناشيد وكان الناس يصطفون حارج كوبر لٌستماع لهم، ووعد الأمن أن يام إطلاق السراح بعد شهر من فك اٌضراب على دفعات حتى يصفى المغتقل، ونقلت لجنة المعتقل الإقتراح للمعتقلين في قسمي السجن: المغاملة والمستشفى وجرى التصويت عليه وفاز الإقتراح وفك الإضراب. وعدنا لحياتنا العادية بعد أعطينا سراير وتم تحسين الطعام، وعاد العمل الثقافي والمحاضرات، ولعل أهم محاضرتين في هذه الفترة هما محاضرتا العميد معاش عبدالرحيم محمد خير شنان عن فترة عبود ومحاضرة الخاتم عدلان عن محمود محمد طه.
شنان يحكي عن إنقلابيه
كان عبد الرحيم محمد خير شنان قد أعتقل في يناير 1973 متهما بتدبير إنقلاب لمصلحة الإتحاديين، ونقل بين أقسام مختلفة بالسجن ولكنه نقل إلى قسم المعاملة بعد أن نقلنا إليها بغد فك الإضراب. وكان عسكريو يوليو المحكومين بقسم الكرنتينة "ب" المجاور للمعاملة وأقترحوا عليه أن يقدم محاضرة عن إنقلابييه ضد نظام عبود. والعميد شنان رجل قوي البنية، حلو المعشر، ذو ذاكرة وذكاء حاديين. ومازلت أتذكر تفاصيل محاضرته. قال أنه لم يتحرك في الإنقلاب الأول كما يشاع لأسباب تخطيه هو ومحي الدين أحمد عبدالله والمقبول الأمين الحاج، بل أنه تحرك لأن المعلومات التي تجمعت لديه أن اللواء أحمد عبد الوهاب كان ينوي أن يسمح للأمريكان ببناء قاعدة عسكرية جوية قرب حلايب، وأنه قد صدرت له أوامر بإعتباره قائد القيادة الشمالية بشندي بفتح طريق صحراوي من شندي إلى حلايب، فأتصل بمحي الدين أحمد عبدالله في القيادة الشرقية وأتفقا على القيام بعمل عسكري يبعدان به أحمد عبد الوهاب وعوض عبدالرحمن من المجلس العسكري، وحددا ميعادا لتحركهما، وتوعدا للإلتقاء بقواتهم الزاحفة من الشمال ومن الشرق على الخرطوم، وتحرك شنان بقواته للخرظوم ولكنه لم يجد قوات محي الدين فأستولى على كبري النيل الأزرق وقفله ووجه مدفعا تجاه سلاح الإشارة (وكان يقوده أحمد رضا فريد) والنقل وتقدم وحاصر القوات المسلحة وأعتقل المجلس العسكري العالي وهو في إجتماع، وطلب من عبود أن يصدر مرسوما بحل المجلس العسكري ويحيل أحمد عبد الوهاب للتقاعد ففعل وطلب الإذاعة وجاءوا وسجلوا البيان وأذاعوه ثم طلب من الفريق عبود أن يكون مجلسا جديدا برئاسة عبود وعضوية الضباط حسب الأقدمية عدا أحمد عبد الوهاب، فدخل إلى المجلس شنان ومحي الدين والمقبول وأحمدعبدالله حامد وطلعت فريد وأحمد رضا فريد واحمد مجذوب البحاري ومحمد أحمد عروة وخرج منه أحمد عبد الوهاب الذي أحيل للتقاعد وعوض عبد الرحمن والفحل واحمد التجاني.
وقال أنه خلال محاصرته للمجلس أرسل له الشيوعيون مبعوثين تذكر منهما عبدالرحمن عبد الرحيم الوسيلة ونصحاه بأن يحل كل المجلس ويرسل كبار الضباط للتقاعد ويكون حكومة قومية، وقال شنان أنه صرفهما بإعتبارهما شباب متهورين وقال أنه ندم على ذلك فيما بعد وعندما قرر أن يتحرك في مايو لتصحيح خطأه كشف إنقلابه لأن محي الدين تحدث مع المقبول وأحمد عبدالله حامد وأخبر المقبول حسن بشير نصر الذي أمر بإعتقالهم.
وقال أن السبب الأساسي لتفكيره في الإنقلاب الثاني أنه كان وزيرا للحكومات المحلية وكانت مصلحة الأراضي تتبع لها فقرر حسم مسألة أراضي المدن غير المسجلة وأصدر أمرا بأن تسجل الأراضي خلال فترة زمنية وإلا تصبح ملكا للدولة وكان التسجيل يتطلب رسوما، وكان للسيد علي أراضي واسعة في الخرطوم بحري غير مسجلة، فأتصل بعبود لإعفائها من رسوم التسجيل، فأتصل عبود بشنان لفعل ذلك وغضب شنان بإعتبار أن الجميع ينبغي أن يخضعوا للقانون وقال أنه أدرك أن الحكومة بها محسوبية وما زالت تخضع للطائفية. وتحدث مع محي الدين حول الأمر ووافقه محي الدين على التغيير وأتصل بأبي الدهب الذي حرك قواته. ولكن حسن بشير والمقبول كانا في إنتظارهما عند مدخل الحرطوم بحري ليقنعا أبو الدهب بالعودة ويأمرا بإعتقاله ومحاكمته مع شنان ومحي الدين وعبد الحفيظ شنان وعبد الحليم شنان وعدد من الضباط وضباط الصف فيما عرف بحركة مايو 1959. 
الخاتم عدلان  يحاضر عن محمود محمد طه
وقدم الخاتم عدلان محاضرة عن محمود محمد طه، وكان الخاتم قد بدأ قبل يوليو الإهتمام بدراسة الفكر الإسلامي بمبادرة من الأستاذ عبد الخالق محجوب  ولكن الحزب الشيوعي عموما كان مهتما بدراسة فكر الأخوان المسلمين ولم يهتم بفكر الجمهوريين، ورغم أن الأستاذ محمود كان من بين المتصدين لحل الحزب الشيوعي وللدكتور الترابي في مسألة الحزب الشيوعي، لم يرد الشيوعيون ذلك التضامن عندما تعرض الأستاذ محمود لمحكمة الردة الأولى في عام 1968 .
كانت محاضرة الخاتم ذات أهمية خاصة في ذلك النطاق، ولكن يبدو أن ظلال موقف الأستاذ محمود في تأييد نظام مايو وإستمرار ذلك التأييد بعد أحداث 19 يوليو قد ألقت بظلالها على المحاضرة التي كانت نقدا حادا لأفكار الأستاذ محمود، وقد ظل ذلك موقف الزميل الخاتم من أفكار الأستاذ محمود حتى عام 1994 أو 1995 في آخر مرة تناقشنا فيها في موضوع الفكر الجمهوري، فالخاتم لا يرى أن الأستاذ محمود قد أحدث تطورا في الفكر الإسلامي وأنه يسعى لإقامة دولة دينية حتى ولو إختلفت عن الدولة الإسلامية السلفية.
وأثارت المحاضرة مناقشة واسعة وكانت أمسية من الأمسيات الفكرية التي لا تنسى في تاريخ المعتقل.
ومسرحت واخرجت باشكاتب إسكيل H
وإستمر العمل الثقافي في الجبهات كافة وإستمرت المجلة الناطقة وقد قمت في أحد أعداد المجلة بمسرحة وإخراج قصة قصيرة لعبدالله علي إبراهيم عنوانها باشكاتب في إسكيل H وكانت منشورة في مختارات من القصة القصيرة، جمعها الأستاذ محتار عجوبة، ورغم بساطة موضوع القصة ومباشرته فقد إستطعنا من أن نجعل منها إسكتشا مسرحيا كوميديا ساخرا عن البيروقراطية السودانية وقد أدى السر النجيب دور الباشكاتب بقدرات مدهشة بعد أن ساعده الزميل السر الناطق في المكياج. ولم تكن تلك علاقتي الأولى بالمسرح فقد عملت مع النصيري في مسرح جمعيتي الثقافة الوطنية والفكر التقدمي من قبل كفني إضاءة بعد أن دربني أحد مساعدي التدريس بقسم الفيزياء. كما كنت أثناء التحضير للمسرحيات أقوم بالكتابة عنها في مساء الخير وقد كانت كتاباتي عن سمك عسير الهضم التي أخرجها علي عبد القيوم وطه أمير عام 1969 من الأعمال العالقة بذاكرتي حتى الآن. وقد تعلقت بالعمل في مجلات المعتقل الناطقة فعملت مع عبدالله علي إبراهيم وياسر الطيب والسر الناطق في الإعتقال الأول ومع  عمر الطيب الدوش والتجاني حسن وكمال الجزولي ونادر الطيب وميرغني عطا المنان ومحمد مراد في الإعتقالات الأخرى.
وعلى المستوى الشخصي فقد كانت فترة ما بعد الإضراب فترة نشطة فقدمت محاضرات معتمدا على كتب أرسلها لي صديقي إبراهيم النور والذي كان قد أطلق سراحه وألتحق بجامعة الخرطوم كطالب ماجستير إقتصاد وعمل بالمؤسسة العامة للإنتاج الصناعي، وقد أرسل لي كتب قيمة لعل اهمها كتاب أوسكار لانجة عن الإقتصاد السياسي وكتاب بول باران عن الإقتصاد السياسي للنمو (وكنت قد قرأت من قبل مقالته الشهيرة في أدب التنمية عن الإقتصاد السياسي للتخلف والتي ناقش مفهوم النمو الإقتصادي) وكان من بين الكتب أيضا كتاب جغرافية الجوع وقد ساعدتني تلك الكتب في بدء دراسة جادة للإقتصاد السياسي والإقتصاد السياسي للتنمية وتقديم بعض المحاضرات حول إقتصاديات التنمية، كما بدأت عملا لم أكمله وهو ترجمة كتاب الدكتور سعد الدين فوزي (وقد إنتظر ذلك الكتاب حوالي ربع قرن ليترجمه صديقي الأستاذ جادين الإقتصادي والسياسي البارز). وترجمت فصلا واحدا قبل إطلاق سراحي في 15 مايو 1973.
إطلاق السراح وتصفية معتقل يوليو
وبنهاية شهر إبريل بدأ الأمن تنفيذ الإتفاق بإطلاق سراح المعتقلين وبدأوا إطلاق السراح في دفعات وكان الغريب أنهم بدأوا بإطلاق سراح قياداتنا أولا وأستمرت الدفعات حتى 15 مايو عندما أعلن دستور مايو الدائم والذي وقتها لم يكن يبيح الإعتقال التحفظي.
وتم ترحيلنا إلى منازلنا وتقاطر الأهل والأصدقاء إلى  منازل المعتقلين للتهنئة وجاءوا بالحلوى والشربات والذبائح.
ولم يكن الوضع الإقتصادي لعائلتي يدعو للإطمئنان، مما جعلني أفكر جديا في عدم الرجوع للجامعة والبحث عن عمل لمساعدة العائلة ولكن والدي وزوج خالتي (الذي نناديه جدي عمر وهو رجل فاضل قدم لي مساعدات كثيرة في حياتي) أصرا ليس فقط على إكمالي السنة الرابعة، بل أن أكمل السنة الخامسة لنيل درجة الشرف وكانت حجتهما أنني لن أجد عملا مع نظام نميري الذي شرد زملائي. وتعهد جدي عمر بالتكفل بكل منصرفاتي، وقد فعل ذلك تماما حتى تخرجي بعد ثلاث سنوات من خروجي من المعتقل كما سيأتي الحديث.
وصدمت في الأسبوع الأول من خروجي بوفاة صديقي عبدالله إبراهيم المحسي، والذي جاءني مساء نفس اليوم الذي أطلق سراحي فيه، وكان في صحبته إبراهيم النور وكمال عووضة ولكنهم لم يمكثوا معي إلا بضعة ساعة من الزمن وقالوا أنهم مسافرين لحضور زواج صديقنا محمود عكير بالشمالية، وكانت تلك آخر مرة ألتقي صديقي عبدالله محسي. ولم يكن موته فقط هو الفجيعة، بل الطريقة التي سمعت بها الخبر، إذ أنني قررت أن أتوجه للجامعة، وفي المحطة الوسطى بأم درمان قابلت أحد الأصدقاء من طلاب الجامعة وأخذنا التاكسي من المحطة الوسطى، وفي منتصف الطريق لاحظ الصديق أنه لا تبدو علي آثار الحزن فسألني إن كنت قد سمعت بوفاة محسي، فأصابني وجوم وحزن عميق ولم أنطق بكلمة ولاحظ السائق والركاب ذلك فحولوا بطريقة السودانيين تخفيف الأمر علي ولكن حديثهم كان كالخناجر ولولا بعض صبر وتأدب لطلبت منهم الصمت، فهم لا يعرفون من فقدت، لا يعرفون عمق العلاقة، لا يعرفون عمق الود بيني ومحسي، لا يعرفون أنني قضيت إثنين وعشرين شهرا بالمعتقل في إنتظار لقاء عائلتي وأصدقائي وفي مقدمتهم عبدالله محسي، وذهبت للجامعة فتلقاني الرفاق والرفيقات بالتعازي وما زالت صرخة أحد الزميلات عندما رأتني "الليلة ووب يا صدقي محسي مات، محسي أخونا وأبونا" وبكت على كتفي زميلات لم أتشرف بمعرفتهن من قبل، وأنا في حالة وجوم بليد لم تذرف لي دمعة والحزن يقطعني. لا أحد يعرف أنني كنت أحسب الأيام للقائه، لا أحد يعرف أن إطلاق سراحي كان يعني أن ألقى عائلتي ومحسي وبعض الأصدقاء، الحرية كانت بالنسية لي أن نحمل قهوتنا معا ونجلس مع عم السر في القهوة، أو أن يقرأ لي قصيدة جديدة كتبها. كان عبدالله المحسي قد عمل مدرسا بعطبرة قبل إلتحاقه بجامعة الخرطوم منتدبا من وزارة التربية والتعليم، وكان شيوعيا ممتازا وشاعرا مدهشا وصديقا وفيا، وكنا أحيانا نجلس صامتين وفجأة أقول له هذا ما قاله أحد الأبطال في رواية "الصداقة الحقيقية ألا تحتاج للحديث في صحبة صديقك" لقد قضينا أحد أجمل الإجازات مع بعضنا قبيل يوليو، ثم سافر لعطبرة قبل أنقلاب يوليو بيومين ولكنه عاد يوم الموكب في 22 يوليو ولم نتبادل سوى كلمتين "عملوها الإنقلابيين" وكان ذلك تلخيص لمناقشة بيننا عن إستمرار تيار إنقلابي في الحزب، وكنا قد بدأنا تجميع الوثائق لتتبع الفكر الإنقلابي منذ ثورة أكتوبر في الحزب. وكنت خلال ال22 شهرا بالمعتقل أتذكر تلك المناقشات، ولقد كان موقفي من 19 يوليو دائما هو شبيه بموقف ماركس من كميونة باريس: الإعتراض عليها والإستعداد للدفاع عنها وعن أبطالها بعد حدوثها والنظرة النقدية عند تفييمها. وكان محسي قد تخرج لتوه بدرجة الشرف الثانية العليا مما يؤهله ليصبح معيدا بالجامعة، ولكنه مات بالسحائي في القرن العشرين رغم تقدم الطب!