ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

الاعتقال الأول 23 يوليو 1971 -15 مايو 1973

 

  

ودانا لشالا  وعزتنا ما شالا

 

الترحيل إلى شالا وزالنجي

 

 

عند منتصف نهار يوم من أيام يناير 1972 دخل البشاويش لوج ومعه عسكري يحمل قائمة بدأ ينادي/ وكانت دهشتنا أن القائمة تشمل دكتور خالد حسن التوم وصديق يوسف وجلال السيد المحامي وطلب منهم حمل "عفشهم" وقلنا المسألة إطلاق سراح فقمنا لوداعهم بالأناشيد كالعادة:

 

السجن ليس لنا

 

 نحن الأباة

 

السجن للمجرمين الطغاة

 

ولكننا سنصمد ونصمد

 

وإن لنا مستقبلا سيخلد سيخلد

 

لنا الغد

 

 لنا الغد

 

 حيث حيث تنصب المشانق

 

للمجرمين الطغاة

 

للمجرمين الطغاة

  

ثم نردد نشيد حنتقدم والذي يقول:

 

حنتقدم حنتقدم

 

في وجه الريح ونتقدم

 

 ونهدم سد

 

ونرفع سد

 

وإشتراكية لآخر حد

 

يا أكتوبر المحمول على الأعناق

 

وثيقة دم

 

نحن براك ما بنسلم

 

وشعبنا براك ما بيسلم

 

والبناه ما بنتم

 

ثم نردد الهتاف بحياة الشعب السوداني وبكفاحه وبحياة الحزب الحزب الشيوعي وبنضاله وبحياة الطبقة العاملة وكفاحها. ثم نودع الشخص مطلق السراح.

 

ولكن ذلك اليوم وبمجرد فعلنا ذلك ورجعنا حتى جاءت قائمة أخرى وبعدها قائمة أخرى ولا حظ زميل كان يقف في الطابق الأول للسرايا أن المجموعات لا تخرج من السجن وإنما تحول تجاه الشرقيات. فعلمنا أن الأمر إما ترحيل داخلي أو ترحيل إلى سجن آخر وبينما نحن نتحدث هكذا جاءت القائمة التالية وإذا بإسمي ضمنها.

 

وووجدت نفسي مع من سبقوني بقسم المعاملة الخاصة وهو قسم يتكون من 8 غرف ومطبخ وحمام وتواليت والقسم يجاور قسم البحريات وهي الزنازين التي ورد ذكرها من قبل من الجنوب وتجاوره من الغرب قسمي الكرنتينة أ  وب وتفتح أبوابهما عليه وكان بالكرنتينة ب مجموعة من العسكريين المحاكمين، وكان للمعاملة الخاصة كورنة ملاصقة لقسم السرايا. وأحضر لنا من الزنازين الغربية الخاتم عدلان والذي أبعد لها بسببي كما أوضحت من قبل.

 

 وما أن أغلق السجن أبوابه حتى بدأت الرسائل والطرود تأتي عبر الحائط الذي يصل طوله إلى 5 امتار. لقد قرر المعتقلون بالسرايا أن يتنازلوا لنا عن مؤنهم وبعض ملابسم ورموها عبر الحائط.

 

وفي صباح اليوم التالي، حوالي الرابعة صباحا طلب منا أن نحمل أشياءنا ونتحرك حيث كانت هناك عربتان في إنتظارنا وعدد من الجنود المسلحين، وفي طريقنا إلى الخارج بدأنا بالأناشيد والهتافات فنهض المعتقلون بالسرايا وبدأوا يرددوا الأناشيد والهتافات.

 

وتحركت بنا العربات إلى القيادة العامة وعبرها إلى المطار العسكري وكنا نردد الأناشيد والهتافات وحملتنا طائرة أنتينوف إلى مطار الفاشر، ولم يخبرنا أحد إلى أين نحن متجهين وبدأ التخمين: الجنوب، شالا، بورتسودان، وبعد قليل أسقطنا بورتسودان لأن الطائرة كانت تتجه عكس شروق الشمس، وفجأة قام الزميل طه بصير وربط بشكيرا في نصه ممثلا دور المضيفة وقدم لنا حلاوة ولا يعرف أحد من أين أتى بها طه البصير، المهم أن ذلك رشح طه البصير لكي يصبح مسؤولا عن الكميون عندما أستقر بنا المطاف في زالنجي. وكنا نضحك في الطائرة ونتبادل النكات والقفشات بينما كان حراسنا من العساكر والضابط المرافق يلزمون الصمت وينظرون إلينا في حيرة.

 

 وعندما أصبحنا فوق الفاشر: صحت الفاشر، خزان غولو، فنظر المهندس صديق يوسف وكان قد عمل مهندسا تنفيذيا لكهربة الفاشر عند تنفيذها: نعم هذه الفاشر، فبدأنا نخمن شالا ولا الخير خنقة (والأخير هو اسم السجن القديم في داخل الفاشر بينما الأول سجن حديث بناه إبراهيم عبود جنوب مطار الفاشر وعلى بعد 10 كلم من قلب الفاشر).

 

خرجت من الفاشر عام 1967 بعد أن قضيت بالفاشر الثانوية 4 سنوات من أجمل سنين عمري، فقد درست الثانوي في تلك المدرسة العظيمة التي خرجت الشهيد أحمد القرشي طه وتاج السر مكي أبوزيد وبري عبدالرحمن وعثمان محمد الخير. لقد إلتحقت برابطة الطلاب الشيوعيين بمدرسة الفاشر الثانوية وكان إسمها الحركي رطش غولو، درسني في تلك المدرسة نفر من كرام الأساتذة من أمثال الأساتذة أبو حمد حسب الله (عربي وإنجليزي ودين!) ومالك محجوب محمد خير (تاريخ) ومحجوب ماث وبدر علي (فيزياء وكيمياء) و علي ابو الزين (عربي) وكمال بشير (جغرافيا)، وزين العابدين الطيب (رياضيات)، والمصري مصطفى (جغرافيا) وديفيد روبرتسون ومستر كنج (إنجليزي)، وحسن الطاهر وأحمد عمر وعمار (فنون) وحسن قاسم وهشام هاشم الكمالي (فيزياء) و المرحوم محمد البشير الحسن (عربي)، ومحجوب الخزنة (رياضيات) والأساتذة المصريون مكرم (إنجليزي) وحليم وبسيونيي (علوم أحياء وكيمياء) . وكان ناظر المدرسة عندما ألتحقت بها أحد المربين الأفاضل العظام وهو المرحوم الأستاذ أحمد هاشم والذي ضمن طلاب السنة الرابعة جميعا عندما تظاهروا في إكتوبر وتم إعتقالهم بسجن شالا وكان الضمان هو منزله الذي لم يكتمل بنائه بعد ثم جاء بعده الأستاذ الكبير والمدهش عمر حسن مدثر المعروف بعمر ماث لتفوقه في تدريس تلك المادة.

 

خرجت من الفاشر إلى جامعة الخرطوم  وأنا أحمل الشهادة السودانية (Grade One) لأدخل كلية الإقتصاد  وعدت للفاشر معتقلا ولم أكمل الجامعة بعد.

 

الإستقبال في مطار الفاشر

 

 كان في إستقبالنا بمطار الفاشر قائد القيادة الغربية العميد  محمد خير عمر أزرق وقاضي المديرية وعدد من ضباط البوليس والجيش والسجون، وكان العميد أزرق قد تقدم للقائنا وعندما بدأنا الهتاف تسمر للحظة في مكانه ثم تقدم نحو حسن قسم السيد وأخذه بالأحضان ثم قام الضابط المرافق بتلاوة قائمة طلب منها أن تأخذ عربة و الباقين في عربة أخرى وتو جهنا إلى شالا حيث دخلت مجموعة شالا إلى العنابر وهم:دكتور خالد حسن التوم، حسن قسم السيد، السر الناطق، محجوب شريف، مصطفى حامد السيد، حسن بيومي، السر شبو، مولانا الأستاذ محمد ميرغني نقد، المهندس صديق يوسف إبراهيم النور، يوسف همت، كمال كمبلاوي، احمد عبد الله هلال، الخاتم عدلان، عوض شرف الدين، عوض الصافي، السر النجيب،  صالح خليل، محمد ضو البيت،  بابكر  سعيد،عبد القادر سيد احمد، فخر الدين إتحاد الشباب، السر محمد شبو،

 وبقينا نحن في الحوش وكنا مجموعة تضم:

 عبد الله علي إبراهيم، عبد المجيد النور شكاك،  سعودي دراج،محمد خلف الله، أحمد المصطفى، ياسر الطيب، إبراهيم جاد الله، مبارك بشرى، نادر القاضي، السر النجيب، صدقي كبلو، محمد الشايب عبد الله مالك، فاروق كدودة، عبد الرحمن كمبلاوي، علي بخاري، عثمان يوسف، طه البصير، مكي عبد القادر، صالح عبد الله البحر، حسن قسم الله، مصطفى احمد الشيخ، جلال السيد

وتم تقديم اٌفطار لنا ومن ثم تحركت بنا العربة إلى نيالا حيث أمضينا الليلة بسجنها وفي الصباح تحركنا إلى سجن زالنجي ووصلناه مساء. وقد قال محجوب شريف في تلك المناسبة:

 

ودانا لشالا وعزتنا ما شالا

 

نحن البلد خيرها ومستقبل أجيالها

 

يالماشي زالنجى

 

نتلاقى نتلاقى

 

ما كلكم باقة

 

اتفتحت طاقة

 

وإتحدت إذلالها

 

وكان بسجن شالا عدد من المعتقلين الذين تم إعتقالهم في الفاشر ونيالا، ومن بين هؤلاء:

 

الأستاذ إدريس الصويم

 

الأستاذ عبد الرحيم علي بقادي

 

الأستاذ مكي الصويم

 

الأستاذ عبد المنعم سلمان

 

الأستاذ صديق أحمد البشير

  

سجن زالنجي

 

 سجن زالنجي يتكون من ثلاث وحدات: المبنى الرئيسي وهو قلعة بناها الإنجليز أيام الحكم الثنائي كمقر لقواتهم بعد ثورة السحيني في نيالا ومكاتب في أفصى شمال السجن، ثم غرفتين في الجنوب خصصت للحرس، قيل كان معتقل بها محمد خير شنان أيام عبود بعد إنقلابه الشهير الثاني في مايو عام 1959 ويحكى أن اللواء حسن بشير نصر زاره هناك وسأله عن حاله فقال له شنان الغرفة تحتاج لتهوية أحسن تصلحها لأنك ستأتي فيها، وحدث فعلا أن أعتقل حسن بشير بعد أكتوبر في نفس الغرفة كما يوجد عنبر معزول بحوش في الغرب كان يطلق عليه إسم عنبر التباكو (التبغ)، لأن السجن كان يزرع التبغ ويخزنه في ذلك العنبر. ولقد كان نصيبنا مخزن التبغ هذا والذي سبقنا إليه معتقلون من زالنجي من بينهم مدير البنك الزراعي بزالنجي إسمه عوض من خريجي مصر ومساعده وهو من أحفاد الخليفة عبدالله وخبير زراعي يسمى كمال عبد الحفيط شنان وناشط محلي من حركة الشباب أصبح فيما بعد من سياسي مايو إسمه محمد عبدالله الدومة.عند وصولنا لم تكن هناك أي وجبة في إنتظارنا فقام طه البصير بإستخراج الطحنية والجبن من زوادة السرايا ونمنا فورا من إرهاق السفر.وعند الصباح عقدنا إجتماعا إخترنا فيه قيادتنا ومن يمثلنا لدى سلطات السجن وبدأنا تنظيم حياتنا. وعندما حان موعد الفطور لم يكن هناك فطور وعلمنا من المعتقلين المحليين أن إدارة السجن تصرف لهم وجبة واحدة عند منتصف النهار. وقام طه البصير مسؤول الكميون بتوزيع وجبة إفطار مما أحضرنا معنا من كوبر.وفي حوالي الواحدة بعد الظهر أحضروا لنا الطعام وكان في قطاعة (وهي نصف الصفيحة) وكان يطفح زيت الفول السوداني في أعلاها وتحته ما تعوم فيه قطع من القرع وقطع من اللحم، فقررنا فورا إرجاعه، وطلب المرحوم شكاك رئيس لجنتنا مكتبا لمقابلة الظابط، ويبدو أن النقاش قد إحتد مع الظابط فقرر حبس المرحوم شكاك في الزنزانة الملحقة بالقلعة وقرر حبسنا في العنبر لأن رفضنا للطعام يعتبر تمرد فقررنا الإضراب عن الطعام. واصيب الظابط الصغير بالرغب فأتصل برئاسة السجون التي قررت إرسال مأمور سجن نيالا النقيب موسى عيسى الذي ورد ذكره. وبمجرد حضور موسى عيسى إجتمع مع لجنتنا وحل جميع المشاكل: قرر أن يبنى لنا مطبخ من القش في طرف حوشنا الصغير، وأن يحضر لنا وابور جاز وحطب للطبيخ وأن يشتري لنا أدوات مطبخ وأن يطلب من الأشغال توسيع نوافذ العنبر حتى يصبح صالحا لسكن الإنسان بدلا من تخزين التبغ. وأذكر أن النقيب وهو خارج همس في أذني قائلا: "هذا شخص بلا خبرة ومغفل لو كنت مكانه لصادقتكم ورتبت ميزي معكم فأين سيجد صحبة مثلكم في زالنجي؟". وكانت زالنجي فترة غنية في حياتنا وكانت مجموعتنا مدهشة: طه البصير أصبح مسئولا عن الكميون فنظمه تنظيما رائعا وأقام علاقات واسعة في السجن حتى سمحوا له بالخروج لمقابلة ست اللبن وبائعة الدجاج في باب السجن. عبد المجيد شكاك كان قائدا حكيما ومحنكا ولاعب شطرنج ممتاز، ياسر الطيب وسعودي دراج عطروا سهراتنا بالغناء والأناشيد، عبدالله علي إبراهيم كان منظما بارعا للعمل الثقافي ومخرجا مبدعا لمجلتنا الناطقة، محمد خلف الله السنجك كان مسئولا عن الراديو الذي هربناه للسجن وكان يجمع ويلخص الأخبار لنا كل ليلة، مكي عبد القادر ومصطفى الشيخ وشخصي بدأنا تعليم اللغة الإنجليزية، مبارك بشرى كان مسئولا عن صحتنا، فاروق كدودة كان يدرسنا اللغة الروسية، إبراهيم جادالله كان يعلمنا الفلسفة وفن الطبيخ ويلعب الكوتشينة مع علي بخاري، وحسن قسم الله وصالح البحر كانوا يملأون السجن مرحا وبهجة، أما محمد الشايب فقد كان مشغولا بقضايا التأمين في المعتقل وبقصصه الممتعة وكان مرجعنا إذا أردنا أن نتذكر شخص أو نعرف عنه معلومات فقد كانت له ذاكرة مدهشة وكان يعرف خلقا كثيرا، أما جلال السيد ونادر القاضي فلم نستمتع كثيرا بوجودهما معنا فقد تم ترحيلهما إلى كوبر وأطلق سراحهما. كانت زالنجي رطبة وباردة وبها باعوض، وقد أصبت بالروماتيزم فقرر الطبيب لي مرتبة ولم يكن السجن يملك مرتبة ولكن الضابط قال لي أن هناك شخص في المدينة يسأل عنك وهو مهندس بمشروع جبل مرة، وكان ذلك هو المهندس أحمد فضل الله البلاع، الذي تطوع بإحضار المرتبة وسأل عن إحتياجاتي فطلبت منه كتب الأخوان المسلمين، فعكفت على دراستها وكتبت ورقة بعنوان "نظرية المعرفة عند الأخوان المسلمين" وأستطعت تهريبها للخارج وقرأها عبدالله على إبراهيم وقرر نشرها ولكن النسخة الوحيدة ضاعت عند المرحوم الخاتم عدلان بينما أنا في الإعتقال الثاني. وعلى ذكر االمهندس البلاع لا بد لي من ذكر أبناء النهود بنيالا، والذين عندما وصلهم البلاع وأبلغهم بوجودي بالمعتقل في زالنجي، ولي بينهم أصدقاء ومعارف من أمثال محمد آدم عبد الصمد والذي كان يعمل صائغا بالنهود قبل إنتقاله لنيالا وكان دكانه مع إدريس الصويم يمثل أحد منارات الفكر والمعرفة في النهود، وكان بين الأصدقاء مصطفى عوض التني وهو دفعتي بالمدرسة الشرقية الأولية بالنهود، جمعوا مالا وأشتروا كل ما يمكن أن يحتاجه المعتقل مثل الشاي والبن والعدس والأرز والمعجون والصابون والسجائر (مع أنني لم أكم أدخن حينها) ولم ينسوا حتى الخيط وإبرة الخياطة وحملوا كل ذلك للبلاع في كرتونة ضخمة كتبوا عليها (من أبناء النهود بنيالا) ولا تتصوروا كيف يكون أثر هذا العمل علي وعلى مجمل المعتقلين. وبمناسبة برد زالنجي لا بد من أذكر شيئا عن ذلك الإنسان المدهش مبارك بشرى وهو أحد المتفرغين الحزبيين وقد مات بينما كان مختفيا بعد إطلاق سراحه. كان الزميل مبارك بشرى قليل الحديث، حازم ولكنه كان ودودا ويملك قلبا كبيرا يسهر قرب المريض حتى يشفى ويجوب العنبر ليلا يغطي الرفاق كالأم الحنون التي تطوف على أطفالها بالليل، كان مبارك شيوعيا إنسانا من طراز فريد. وكنا نضحك من طبيعة صداقته مع المرحوم الأستاذ المناضل الرشيد نايل، فقد كانا أصدقاء ويقضيان الليل مع بعض يتسامران  بكلمات قليلة كنا نسميها الكلمات المتقاطعة، وكانا يذكراني بتعريف روائي سوفيتي للصداقة عندما قال ما معناه أن الصديق هو الشخص الذي تستطيع أن تصمت في حضرته دون الشعور بالملل أو الحاجة للثرثرة.توطدت علاقتي أكثر مع الأستاذ مصطفى الشيخكان مصطفى أحمد الشيخ شخصا مدهشا وقد عمل في مواقع مختلفة في الحزب وحركة الشباب وكان صحفيا متميزا، وقد لفت نظري أول مرة عبر خبر نشر بجريدة الميدان أيام معركة حل الحزب الشيوعى يقول أن مصطفى يقيم ندوة يومية حول الأخوان المسلمين بمنزله، ثم ساقني الأستاذ الشيخ عووضة لمنزله في عام 1968، فأصبحنا أصدقاء رغم فارق السن ولكن ظروف كل منا لم تسمح بلقائنا كثيرا، ثم عملت معه في هيئة تابعة لمكتب الرقابة، وأخيرا إلتقينا في كوبر، وكانت زالنجي وبعدها شالا فترة طيبة لكي أتعلم منه وأستمع إليه وأنهل من تجربته، وقد حزنت كثيرا عندما توفى في مايو 2003 وأنا يإنجلترا فكتبت الآتي في نعيه:"بينما أنا في مهمة خارج المدينة التي أسكن فيها، حملت الأخبار نعي صديقي ورفيقي العزيز المناضل الفارس الشجاع، "أخو" الأخوان و"أخو" البنات، حلال المشاكل، حافظ تاريخ الحزب، والعارف بقدر المناضلين والمناضلات، الوفي لأصدقائه، والصديق لأبنائه وبناته من شباب المناضلين ينقل لهم التجربة والحكمة دونما أستاذية وعن طريق الحكاية والونسة وتداعي الذكريات، دون تضخيم للذات وفي تواضع جم يتحدث في عفة لسان وموضوعية المؤرخ.
أول ما لفت نظري لمصطفى وأنا طالب بالثانوي إعلان صغير بالميدان أن الأستاذ مصطفى الشيخ يعقد ندوة عن الاخوان المسلمين بداره أيام معركة حل الحزب الشيوعي، ثم ساقني صديق مشترك لمنزله القديم ببري المحس عام 1968، حيث كان الأصدقاء يتحلقون حوله في سهرة ذات طعم خاص لأنها ندوة صغيرة، فداومت الحضور وأصبحنا أصدقاء رغم فرق العمر والتجربة، ثم جمعنا العمل الحزبي، ثم جمعنا المعتقل في كوبر وزالنجي وشالا وكانت تلك فرصة العمر فقد تعلمت منه الكثير خاصة في مجالات تاريخ الحزب والتأمين، لدرجة أن نظام نميري الذي أعتقلني لمدة 86 شهرا خلال 6 مرات لم يقبض عندي ورقة أو مطبوعا حزبيا أو لم يقبضني في إجتماع، ولعل الفضل في ذلك جله يرجع لما تعلمته من مصطفى فترة الإعتقال من قواعد التأمين.
مصطفى تقريبا عمل في كل مجالات الحزب والعمل العام، عمل ببري والفاشر وبالخارج حيث مثل إتحاد الشباب السوداني في وفدي، وكان سكرتيرا لإتحاد الشباب السوداني حتى ثورة أكتوبر 1964 وعمل بوكالة أنباء الخرطوم التي كان يملكها شقيقه سعد أحمد الشيخ، وعمل في مجال الرقابة الحزبية، وفي مجال النشر وكان مديرا لمؤسسة القرشي للطباعة والنشر حتى إعتقاله في 1971، ثم عمل في تنفيذ شارع الخرطوم كوستي، وبعد الديمقراطية عمل في دار الوسيلة للطباعة والنشر، وكان من كتاب الميدان العلنية والسرية، ولعل أهم ما يفتخر به أنه دائما كان عضو فرع الحزب يشارك في عمله في تواضع وينقل الخبرة والتجربة دون من أو تعال.ومصطفى المناضل والصديق رجل عائلة مدهش، أحببنا عائلته من خلال حبه لها، وظللنا و ما زلنا نكن حبا لصفية وشختة وحته (وهي أسماء الود لإبنيه) ولأخيه المرحوم سعد وعائلته، فلصفية وإبنيه وأبناء وبنات المرحوم سعد ولكل آل أحمد الشيخ أدريس و آل المشرف الشيخ أدريس بالبراري ، الخرطوم ، السودان ولكل أعضاء الحزب وأصدقائه التعازي الحارة" أيضا سمح لي معتقل زالنجي بالتعرف عن قرب على المناضل والنقابي سعودي دراج، وكنا نتناوب مكي عبد القادر ومصطفى الشيخ تدريسه الإنجليزية، وسعودي رجل ذو مواهب متعددة، فإلى جانب قدراته الفنية والمهنية كنجار، فهو ممثل ومغني، ولا عب كرة قدم وفولي، ورجل ساخر ولا يبحث عن الطرفة. وهو قارئ ممتاز وشيوعي مهموم بقضايا الوطن والطبقة العاملة ونقابي محترم وقد أدهشني عندما ألتقيته في المعتقل عام 1977 وكان قد أعيد من معتقل الأبيض لكوبر، فقد كان يقرا الروايات الإنجليزية بطلاقة.ولقد تعرفت عن قرب في زالنجي بالصديق فاروق كدودة وقد درست عليه مبادئ اللغة الروسية، وتناقشنا كثيرا حول الإقتصاد وقد إختلفنا حول مسألتين: الأولى كانت حول التناقض الأساسي في العالم فكان هو يتمسك بالموقف السوفيتي بأنه بين الإشتراكية والرأسمالية، وكنت أقول أنه بين حركة الطبقة العاملة (والمعسكر الإشتراكي أحد تجلياتها) وحركة التحرر الوطني من جهة والرأسمالية العالمية من جهة أخرى وكان يتهمني بالوقوع تحت تأثير الصينيين، أما المسألة الثانية فكانت حول الخطة العشرية وما حدث من تطور إقتصادي أيام عبود، فكان يقول أن ما حدث لم يكن تنمية، وكنت أقول أنها تنمية ولكنها التنمية الرأسمالية في البلدان النامية، و لايمكن لطريق التطور الرأسمالي في هذه البلدان أن ينتج شيئا مختلفا، فتلك هي التنمية الرأسمالية التي تسمح بها التبعية. ولقد فادتني تلك المناقشات المبكرة في تكوين آراء إقتصادية مستقلة وحفزتني فيما بعد على القراءة، فكم أنا ممتن لإعتقالي مع فاروق كدودة.كان فاروق كدودة مفاوضا ممتازا لإدارة السجون وكان يتميز دائما بالصبر وطول البال وكان يتمتع بإحترام رفاقه في المعتقل وإدارة السجون.وسمح لي المعتقل أيضا بالتعرف من قرب على عبدالله علي إبراهيم، الذي كان بالنسبة لنا ونحن طلاب في الثانوي والجامعة، أسطورة من خلال كتاباته في الميدان وأخبار الأسبوع والصحافة مثل مقالته الشهيرة ""إلى اللقاء بدار الحزب بالخرطوم" و "الحمدالله الذي لا يحمد على مكروه سواه" "ويا أحزان السودان إتحدي في تمام الساعة السادسة بتوقيت السودان المحلي، ومقالته الشهيرة حول التجاني الماحي، والبيان الذي صاغه عند إعتقال عبد الخالق محجوب في مارس  1970 نيابة عن أبادماك وكان عدد من رفاقنا يحفظونه عن ظهر قلب  ومسرحيته الشهيرة التي مثلت في ساحة الشهداء وتلك التي عرضت بدار الثقافة عن أحداث جودة وغيرها وغيرها. وعبدالله على المستوى الشخصي إنسان ودود وصديق صدوق يأخذ مسألة الإطلاع والتثقيف والكتابة الإبداعية مأخذ الجد وقد قلت في غير هذا المكان كيف أنه من خلال نشاطه الثقافي والإبداعي جعل المعتقل أكثر إنسانية وأكثر فائدة. وأذكر كيف إحتفى عبدالله عندما عرف أنني أكتب خطابا لنفسي في عيد ميلادي كل عام أجرد فيه حصاد العام وأضع أهدافا لنفسي، وكنت قد تعلمت ذلك من أستاذي المرحوم أبو حمد حسب الله، الذي درسني بالثانوي والذي صدف أن كان نبطشيا في المدرسة فجاء يفقدنا في المذاكرة ووجدني أقرأ كتابا من مطبوعات مركز كارنجي الأمريكي عن السايكولوجي وبناء الشخصية، فدخل معي في مناقشة عن الكتاب وكيف أستفيد منه وأقترح علي أن أختار مناسبة في العام أحاسب فيها نفسي وأخطط للمستقبل، وقد داومت على ذلك لفترة من شبابي، إحتفى عبدالله بذلك وفاجأني بأن أقرا الخطاب في حفل أقامه الرفاق بعيد ميلادي وتحت إصراره قدمت تلخيصا للخطاب وكانت تلك من الليالي التي لا أنساها.وتعرفت أيضا عن قرب على المرحوم عبد المجيد النور شكاك، وهو شيوعي مخلص عمل في مجالات مختلفة من ضمنها العمل وسط صف الضباط والجنود الشيوعيين وكان رجلا كتوما صارما وكان في نفس الوقت شخصأ حنونا يعتني بتفاصيل حياة الرفاق كما كان لاعبا ممتازا للشطرنج وكان يقضي كثير من وقت الفراغ يلعب الشطرنج مع الرفيق حسن قسم الله الذي كان يعمل بالبنك الزراعي وهو زراعي من خريجي مصر وكان مطبوعا بحب الطبيعة ويطلق صرخة عندما تهب نسمة قائلا "الله يا نيرتيتي" وهي منطقة بها بساتين ومزارع في جبل مرة ولا تبعد كثيرا من زالنجي.  وكان المرحوم مكي عبد القادر، وهو مريض بالقرحة من أثر إعتقالات نظام عبود، قد إختار ركنا في العنبر قصيا، يكتم آلامه عنا، ويمسك بكتابه طول الوقت، وكنت أجلس أليه في فترات مختلفة أساله عن بعض قضايا تاريخ الحزب والحركة الجماهيرية، وحدثني كثيرا عن أحداث جودة ومظاهراتها وعن محاكمته في تلك الأحداث التي حوكم فيها حسن الطاهر زروق (وكان نائبا برلمانيا وسأحدثكم عن محاكمته عندما أتحدث عن مولانا عبد الرحمن النور) ومحمد السيد سلام (وكان رئيسا لإتحاد العمال).ولا يمكن الحديث عن معتقل زالنجي دون الحديث عن الزميل صالح البحر، ذلك الرجل المرح اللماح وحاضر البديهة والذي يمثل جزءا من تراث الحزب بمدينة أم درمان. كان صالح ملتحيا ويلبس الجلباب ويتلفح بملفحة وعندما جاء العسكر في الصباح كانوا حريصين على السلام عليه وكاد بعضهم أن يقبل يديه فقد إعتقدوا أنه من بيت الإمام المهدي، لقد لعب صالح دورا مهما في المعتقل فهو أول من رقد بالمستشفى وفتح لنا عالم زالنجي الخفي ونظم لنا دورة لقضاء وقت بالمستشفى، وكان ساعده الأيمن في ذلك الإختراق محمد عبدالله الشايب. 

 

 

رحلتنا للعلاج

 

 قرر الطبيب إرسال أربع منا للعلاج بمستشفى الفاشر: عبدالله علي إبراهيم، مصطفى الشيخ، محمد الشايب وشخصي، وكان ذلك يعني ترحيلنا مؤقتا لسجن شالا، فكانت مناسبة لنا لنتعرف على وضع الرفاق هناك. وكم كانت دهشتنا أن نجد أن الرفاق هناك يعيشون في وضع سئ للغاية فقد كانت العنابر تقفل عليهم من السادسة مساء وحتى السادسة صباحا، وكان طعامهم رديئا يأتي من مطبخ السجن، فنقلنا لهم تجربتنا وقضينا في صحبتهم قرابة الشهر، قبل أن نرحل إلى زالنجي.كان قمندان سجن المديرية العميد مدثر رجلا معقولا ومهذبا ولكن حكمدار سجون المديرية والذي كان مسئولا عن السجن وإسمه علي كرم الله فقد كان رديئا في تعامله مع المعتقلين ولا ينجز ما يعد ويرفض معظم المطالب. وأضطر الرفاق أثناء وجودنا للدخول في الإضراب عن الطعام ليومين ورفض دخول العنابر بالمساء، مما إضطر سلطات السجن لمفاوضتهم والقبول بفتح العنابر والسماح لهم بشراء بعض الحاجيات من أماناتهم و ولكنهم رفضوا السماح لهم بإعداد طعامهم وقد قاد تلك المفاوضات الدكتور خالد حسن التوم والنقابي المتمرس حسن قسم السيد.