ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

الاعتقال الأول 23 يوليو 1971 -15 مايو 1973

 

    بينما كنا مجموعة من أعضاء اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية بالجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية العليا[1] على وشك أن نبدأ إجتماعا في مباني المعهد الفني سابقا، دخل علينا أحد الزملاء ممن يسكنون بري وحدثنا عن أنه تأخر لأن الطريق قفل وهناك جنود منتشرون في سور القوات المسلحة وسلاح الأسلحة، وهو يخشى أن يكون إنقلابا قد حدث، كان ذلك حوالي الرابعة والنصف من بعد ظهر التاسع عشر من يوليو 1971. رفعنا إجتماعنا وذهبنا لداخلية من داخليات المعهد نترصد الأخبار فوجدنا المذياع يردد الموسيقى العسكرية ويعلن بين الحينة والأخرى أن الرائد هاشم العطا سيوجه بيانا للشعب. ولم نمكث كثيرا وتوجهنا إلى دار إتحاد المعلمين لنترصد الأخبار وننتظر البيان. وجاء بيان الرائد هاشم متأخرا فتحلقنا حول التلفاز بدار المعلمين لنستمع إليه يتحدث عن ثورة تصحيحية هدفها تصحيح مثار "ثورة مايو".

عدت بعد سماع البيان لمنزلنا بأمدرمان لأجد والدي صاحيا في إنتظاري، فقلت له ها قد تخلصنا من نميري، مشيرا لحديث سابق حذرني فيه من أن  "ما سيفعله بكم نميري لم يفعله الاستعمار من قبل"، فقال لي "بعد كدة ربنا يستر".

 

وفي الصباح توجهت لمكتب الحزب قرب مطبعة التمدن في محاولة لمعرفة الأخبار وعرفت أن اللجنة المركزية ستجتمع خلال اليوم وذهبت للجامعة ونادي الأساتذة وأنا هناك جاءت مظاهرة تهتف لهاشم فخطبت فيهم قائلا نحن لا نؤيد أفرادا إنما نؤيد برامج فأهتفوا للبرامج وللشعارات الوطنية الديمقراطية ولكن ذلك لم يكن مزاج الجماهير فأستمروا في هتافهم: هاشم هاشم بطل منا. ونحن هناك سمعنا بصدور بيان من الحزب فذهبنا لدار إتحاد المعلمين حيث وجدنا نسخا منه. وسمعنا بقرار تسيير موكب النقابات يوم 22 يوليو فتحركت لأمدرمان لأبدأ مع الرفاق في حي البوستة في التحضير للموكب. وفعلا إستطعنا تسيير بصين لموكب 22 يوليو.

 

كان الموكب كبيرا ولكنه لم يكن بحجم موكب 2 يونيو 1969 الذي نظمه إتحاد النقابات لتأييد 25 مايو، ولكن خطاب هاشم العطا كان خطابا جديدا لقائد إنقلاب عسكري قال في خطابه

 

"ان الديمقراطية كحق سياسي للشعب، حق يتمتع به الشعب ويستعمله في خدمة ثورته الاقتصادية هو شرط لا بديل له لكي يستكمل شعب السودان ثورته ويصون استقلاله. ان هذه حقيقة معروفة لاي شخص لان تاريخ شعبنا ملئ بالنضال من اجل الحقوق السياسية، خاصة خلال ثورة اكتوبر العظيمة...

 

 نحن في القوات المسلحة نعد جماهير شعبنا باننا سنعمل على انشاء نظام سياسي ديمقراطي يقوم على المشاركة الفعلية للجماهير بكل الاشكال وبمختلف الوسائل الممكنة في ادارة شئون البلاد- صغيرها وكبيرها- بروح من المسؤولية الوطنية نحو قضايا التنمية والتقدم الاجتماعي" (اعادة ترجمة من ألانجليزية، سجل افريقيا المعاصر 1970/1971 ص 159C) .

  

 وفي الموكب إلتقيت الشاعر على عبد القيوم ومحمد الجاك (الطويل وهو خلاف دكتور محمد الجاك الأستاذ بمعهد الدراسات الإضافية وكانا يمثلان مشكلة بإعتبار أن الإثنين بكلية الزراعة) والشاعر كامل عبدالماجد  وقررنا بعد الموكب أن نذهب إلى منزل عبد العظيم محمد عبد الحفيظ بالسجانة. وبعد نقاش حول تقييم الموكب، إتفقنا أنه لم يكن في مستوى موكب يونيو، بدانا نلعب الكوتشينة ونسمع بعض الأغاني وندردش في مختلف المواضيع، وتناولنا طعام الغذاء وأنضم إلينا عبد الباسط سبدرات والذي كان يشارك عبد العظيم السكن ويعمل قاضيا بالخرطوم جنوب، وحوالي الرابعة بعد الظهر قال لنا كامل عبد الماجد وكان يتحدث لخطيبته بالتلفون أنها تقول له أن هناك أصوات رصاص ودانات تأتي من ناحية القصر  الجمهوري، فأوقفنا الكاسيت وتحولنا للراديو الذي أذاع بيان هاشم العطا الأخير حول إرغام طائرة المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدالله للهبوط في ليبيا وأن هناك تدخلا أجنبيا وطلب من الجماهير الخروج لحماية البلاد. وكانت تلك آخر مرة ألتقي فيها علي عبد القيوم ذلك الشاعر الرقيق الفذ والإنسان المهذب والمثقف والشيوعي الممتاز

 خرجت مع محمد الجاك وحاولنا أن نجد ما نركبه للذهاب إلى منتصف الخرطوم ولكن البصات كانت ترجع وتقول هناك ضرب في وسط الخرطوم فمشينا بأرجلنا حتى منزل الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد، حيث وجدنا مجموعة من الزملاء وكان نقد يتحدث بالتلفون، وبعد نهاية المحادثة قال لنا أن هناك هجوم على القيادة العامة ومازالت هناك مقاومة وقال يجب علينا مساعدتهم بخروج مظاهرات، وقال المسألة المهمة تأمين عبد الخالق، فخرجنا من عنده متجهين بأرجلنا إلى إتحاد المعلمين وقابلتنا جيوب مظاهرات تهتف لمايو وعودة نميري وعند صينية الحركة قرب دار إتحاد المعلمين رأينا أبوالفاسم محمد إبراهيم و زين العابدين محمد أحمد عبد القادر وعرفنا حينها بخروج نميري، فقلت لمحمد الجاك نذهب لأمدرمان ولكن الكبري كان مغلقا وكانت هناك معركة دائرة في سلاح المهندسين عندما كان الملازم أول البطل صلاح بشير يقاوم ببسالة تعرفنا فيما بعد على قصتها في المعتقل وتعرفنا على ذلك البطل العظيم من أبناء السودان المدهشين. وعندما وجدنا أن الطريق لأمدرمان مقفول دعاني محمد الجاك للذهاب معه لأحد أصدقائه في السجانة. ولم نكن نعرف أننا ذهبنا لشخص كان مهموما ب 19 يوليو على المستوى العام والخاص وكانت هزيمتها تعني هزيمة شخصية له قد تكلفه حياته، لم أكن اعلم أنني قضيت ليلتي في عرين الأسد حسن قطان، ذلك الرجل المدهش والصامت والباسم في احلك الظروف والذي لعب دورا كبيرا في تأمين عثمان محمد احمد عبد القادر، عريف مصنع الذخيرة الذي هرب عبد الخالق محجوب من المعتقل، وبالطبع إلتقيت الإثنين فيما بعد في كوبر وقد حوكما بالسجن المؤبد لدورهما في تلك العملية.

كانت ليلة حالكة ظلماء ممطرة وكنا نتحلق حول المذياع الذي يعذبنا بصوت نميري وهو يأمر بإعتقالنا جميعا ولم ننم ليلتها وعند الصباح خرجت في محاولة ثانية للوصول لأمدرمان ولكني لم أنجح فقررت الذهاب للخرطوم ثلاثة فأخذت بص السجانة، فإذا بأحد طلاب الجامعة ظل يتابعني بنظره وعندما قررت النزول عند طرف ميدان عبد المنعم (نادي الأسرة) عند الخرطوم الجديدة صاح ذلك الشخص "هذا شيوعي هارب أنا أعرفه من الجامعة لا تتركوه يفلت" وإنقسم البص بين من يقول مالك وماله وبين الذي يؤيده، وفي تلك اللحظة كانت عربة جيش تمر فصاح مناديا العسكر فتوقفت العربة وحملوني وأصر الضابط أن يأتي معنا للقسم الجنوبي الذي لا يبعد كثيرا.

 

كنت شابا متحمسا ولا يأتيني الخوف من يميني أويساري، فعندما دخلنا البوليس الشرقي وفتح العسكري المحضر، قلت لهم نعم أنا شيوعي وسكرتير إعلام الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم. فتقرر حبسي وتفتيش منزلي وعرضي على قاضي. عند المساء أخرجت من الزنزانة ومن القسم وبينما أنا أهم بركوب عربة البوليس إذا بعربة أخرى (لآندروقر جيش لو لم تخني الذاكرة) تظهر وبها الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد وهي معتقلة فرفعت لي يدها بالتحية وعلامة النصر وصاحت بي "شدو حيلكم".

   

وأخذت لمنزلنا بأمدرمان  حيث تم تفتيش المنزل وأخذت الكتب الماركسية وكان بعض الناس قد تجمعوا عندما وقفت عربة البوليس التي تحملني وعند خروجي خرجت أمي معنا وعندما وجدت تجمع الناس أطلقت زغرودة قائلة "الحمدالله يا ولدي أعتقلوك راجل في السياسة لا حرامي لا بتاع بنقو". وقد كانت كلماتها تلك وزغرودتها هما ضمن زادي خلال 22 شهرا قضيتهم في الإعتقال الأول.

 

 وأخذت لقاضي الخرطوم جنوب بمنزله بأمدرمان، وكان هو القاضي بشارة حيث أوضح لي حقوقي وأصريت على أقوالي رغم تحذيره لي، فأمر بحبسي لمدة أسبوع قضيته بالقسم الجنوبي، حيث وجدت مجموعة فاضلة من أبناء السجانة من بينهم أستاذ مدرسة وسطى إسمه محمد إبراهيم، يده مقطوعة، وأحمد عبدالله وهو عامل بالمخازن والمهمات أصبح فيما بعد ترزيا أفرنجيا يشار له بالبنان. وأخذت ساعتي وخاتمي أمانات وأتصلت بقريبي الذي كنت أقصد منزله المرحوم عمر الحاج بشارة وهو والد المحامي كرم الله عمر الحاج  والنطاس البارع الدكتور خلف الله عمر الحاج بشارة أخصائي جراحة الدماغ والجهاز العصبي بالولايات المتحدة، وقد جاءني المرحوم حاج عمر بمرتبة وبطانية من منزله وسندوتشات، وظل يأتيني بالأكل يوميا حتى تم نقلي للأمن وفقا لتوجيهات صديقي القاضي حينها عبد الباسط سبدرات الذي عندما عرض عليه أمر الحبس قال للعسكري "يأ اخي دا وديه الأمن، ما تبعنا!" فتنازل عن ولايته القضائية دون أن يطلب منه أحد ذلك!

 

كان الأسبوع الذي قضيته بالقسم الجنوبي مريحا من ناحية جسمانية فكنا نرقد في مراتب ويأتينا طعام من المنازل خاصة الأسرة الكريمة اسرة أحمد عبدالله. ولكن من ناحية نفسية كان ذلك من أصعب فترات حياتي على الإطلاق فسمعنا بالإعدامات: العسكريين أولا ثم الشفيع وجوزيف ثم عبد الخالق، وخلافا للحزن عليهم كقادة سياسيين ومفكرين ومناضلين وطنيين، فقد تعرفت على هاشم العطا ومحجوب طلقة من العسكريين وحملت رسالة مرة للشفيع وإلتقيته بمكتبه بإتحاد نقابات عمال السودان ومعي صديقي وزميلي فيصل يوسف سيدأحمد، وكان جوزيف قرنق هو محامي في قضية أحداث الأربعاء، بينما ألتقيت عبد الخالق عدة مرات في عمل حزبي. وساحكي هنا حكايات قد لا تمثل للكثيرين ممن يعرفون هذه الشخصيات أكثر مني شيئا كثيرأ ولكني في تلك اللحظات كنت أستعيدها كل مرة.

 

 عندما سألني شيدي جاغان: هل هذا عسكري؟

 

 

كان ذلك في عام 1970 عندما عقد مجلس السلام العالمي دورته بالخرطوم وكان شيدي جاغان الزعيم الغياني اللاتين امريكي (اصبح فيما بعد رئيسا لجمهورية غيانا بامريكا اللاتينية) سكرتيرا عاما لمجلس السلام العالمي، فأقامت القوى الإشتراكية بالبراري ندوة تحدث فيها الرائد هاشم العطا وكان عضوا بمجلس الثورة وشيدي جاغان وذهبت للندوة كمستمع ولكن عند باب دار القوى الإشتراكية تلقاني الزميل المهندس (البروفسير الأن) عبد المنعم عطية وطلب مني أن أجلس قرب شيدي جاغان لكي أترجم له ما يدور لأن الأستاذ المرحوم عمر مصطفى المكي، الذي وافق على الحضور للترجمة لم يحضر بعد، فحاولت التخلص ولكن منعم كما يعرفه زملاؤه وأصدقاؤه لا يقبل أي إعتذار في التكليفات الثورية، فجلست قرب شيدي جاغان وكان هاشم قد أصر أن يكون أول المتحدثين لأن لديه إجتماع مجلس ثورة، فترجمت لشيدي ما قاله الرائد هاشم الذي كان حديثه منظما وعميقا، فكان شيدي يبدي دهشته ويسألني: هل هذا عسكري؟ وكنت أبتسم وأقول بكل فخر نعم!  وكان سؤال شيدي جاغان، وهو سياسي تقدمي يعبر عن إعجابه بكلمة هاشم لدرجة أنه عندما وقف متحدثا (ووقتها كان عمر قد وصل وأنقذني من الترجمة الفورية أمام الجماهير) كان شيدي يشيد بهاشم ويشير لمقتطفات من حديثه، حتى أن مولانا البداني رحمه الله (وهو قاضي شرعي حضر مهرجان الشباب بموسكو وأصبح قائدا بارزا لحركة السلام السودانية) عانقني بحرارة بعد الندوة شاكرا لي ترجمتي. ولم أكن لحظة سماع إعدام هاشم أتذكر غير تلك الندوة! فالسودان لم يفقد فقط رجلا "إستلم السلطة نص النهار"[2] كما قال شيخ الخير زعيم مزارعي النيل الأزرق يرحمه الله وإنما فقد عسكريا مفكرا !

 

محجوب طلقة يحمل طفلا ويتحدث في الإقتصاد 

 

كنا في فرع الحزب الشيوعي بجامعة الخرطوم قد عكفنا على دراسة مقترحات لجنة تطوير الجامعة التي أعلن نميري نتائجها في إحتفال حنتوب، فأثارت ما سمي بأحداث مارس 1971 بجامعة الخرطوم، وأعددنا دراسة عميقة وشاملة، وطلبنا من الصديق الخاتم عدلان أن يأخذها للحزب لطباعتها، وعندما أعتقل الزميل الخاتم وكان يسكن مع صديقه المرحوم خالد الكد، قام خالد، والذي لم يكن حينها عضوا في الحزب الشيوعي بتسليمها لقريبه الفقيد المقدم محجوب طلقة ليسلمها ضمن أوراق أخرى للخاتم للحزب، وكنت قد كلفت بالإتصال بخالد للحصول على الدراسة، خاصة أن إدارة الجامعة قد أعلنت عن فتحها في يوليو. ذهبت لخالد فوجدت معه صديقنا، الذي فاجأنا فيما بعد بنشر روايات في غاية الإبداع، الدكتور مروان حامد الرشيد وكان طالبا حينها بقسم اللغة الإنجليزية والذي أصبح فيما بعد محاضرا به. قال لي خالد أنه قد سلم كل أوراق الخاتم للمقدم محجوب إبراهيم، ونصحني أن أبيت معه وأذهب لمحجوب في الصباح الباكر لأخذها وتطوع مروان لأخذي لمنزل محجوب.

 وقضينا ليلة من ليالي كرم خالد المعروفة لأصدقائه: أنسا تثقافيا مدهشا، لا حدود له يترجح بين السياسة والشعر والذكريات والقفشات، وطعاما وشرابا، وفي الصباح أتى لي بفرشة الأسنان وطلب أن أكتب عليها إسمي وأضعها في الدولاب مع عشرات من فرش الأسنان فيها أسماء أصدقاء كثر، كانوا يترددون على البيت ويبيتون ويأكلون وسشربون ويلعبون الشطرنج ويتحدثون في أمور الأدب والسياسة والفنون والدنيا.

في صباح اليوم الثاني أخذني مروان لمنزل محجوب ببيت المال. فوجدنا عمالا يصونون  المنزل لأن محجوب كان قد أخلى منزل الجيش بمصنع الذخيرة بعد إحالته للمعاش في 16 نوفمبر 1970. جاءنا محجوب يحمل طفلا (لا أذكر الآن إن كان ولدا أم بنتا) ورحب بنا ترحيبا حارا وقدم لنا البيبسي كولا وسألني عن ماذا أدرس بالجامعة وعندما قلت له أنني أدرس الإقتصاد سألني هل سمعت خطاب الميزانية بالأمس؟ فقلت نعم كانت ميزانية تقليدية، فبدأ المقدم محجوب إبراهيم طلقة يقدم نقدا للميزانية، كان بالنسبة لي وأنا طالب ثالثة إقتصاد بحت درسا في الإقتصاد مدهشا.

 

بعدها لم التقي محجوب ولكني رأيته باللبس الرسمي صباخ يوم 20/7/1971  وهو يخرج من قصر الضيافة بينما كنت في طريقي من الجامعة لدار المعلمين. وظللت أتذكر محجوب وهو يحمل طفله ويتحدث في الإقتصاد وهو يخرج من بيت الضيافة بقية عمري، إنه شخص لا ينسى.

  

عبدالخالق محجوب: ذكريات متفرقة

 

 

كانت جامعة الخرطوم قد أغلقت لفترة بسيطة بعد أحداث الأربعاء عندما إعتدى الأخوان المسلمين بقيادة حاج نور على حفل الفنون الشعبية الذي نظمته جمعيتا الثقافة الوطنية والفكر التقدمي، وعندما فتحت الجامعة جاءنا من يبلغنا أن عبد الخالق يريد أن يجتمع مع قيادة فرع الجامعة فذهبنا لمكان الإجتماع الذي كان منزل المرحوم الدكتور سنادة. خاطبنا عبد الخالق قائلا أن الشيوعيين كانوا دائما في خانة الدفاع وأن أحداث الفنون الشعبية تتيح لهم فرصة للإنتقال للهجوم في قضية هامة هي قضية المرأة فيجب أن ننقل المعركة إلى معركة فكرية تلحق هزيمة فكرية كاملة بالأخوان المسلمين والفكر الرجعي فيما يتعلق بقضية المرأة وأقترح أن نصدر كتيبا عن قضية المرأة وهو مستعد لمراجعته معنا وكلف عدد من الزملاء لكتابة الكتاب وهم الخاتم وكمال عووضة و حسن كباشي وشخصي. وكان اليوم خميسا فذهبت للمنزل لقراءة وجلب بعض المراجع عن الموضوع وعندما عدت يوم الجمعة مساء لم أجد الزملاء المكلفين وعلمت يوم السبت أنهم أعدوا الكتيب وهو في الطباعة وكان ذلك اول منشور لفرع الحزب حول القضية تحت إسم "الشيوعيون وقضية المرأة" لو لم تخني الذاكرة.

 

أذكر أن الجبهة النقابية بالسكة حديد بالخرطوم قد دعت عبد الخالق محجوب لإلقاء محاضرة عن الإشتراكية العلمية، فذهبت لحضور المحاضرة وكان عبد الخالق مدهشا كعادته قادرا على مخاطبة الطبقة العاملة في قضاياها وفي عقر دارها وقال أنه لن يحدثهم عن مبادئ الإشتراكية العلمية فتلك موجودة في الكتب (التي كانت متوفرة في المكتبات) ولكنه سيحدثهم عن كيف أستلهم الشيوعيون السودانيون تلك المبادئ لدراسة الواقع السوداني وتنظيم الطبقة العاملة وإستلهام نظرية وبرنامج للثورة في السودان.

 

أذكر أنه في مارس 1970 أقامت وزارة الشباب (وكان وزيرها الدكتور منصور خالد ووكيلها الأستاذ أحمد عبد الحليم) ملتقا فكريا للمفكرين العرب وقد تطوعت للعمل كمرافق للوفود الزائرة وقد كلفت بمرافقة وفد الجبهة الديمقراطية وكان يتكون من نايف حواتمة وصالح زيدان، وسرعان ما تعرفت على أعضاء الوفود العربية الأخرى فعرف معظمهم أنني شيوعي، فذات يوم جاءني الأستاذ الدكتور عبدالله الرمادي وهوفلسطيني أردني وقال لي أنهم مجموعة من الوفود العربية ويريدون الإجتماع بعبد الخالق محجوب فهل يمكنني نقل رغبتهم له وتنظيم إجتماع، فأتصلت تلفونيا بعبد الخالق ونقلت له رغبتهم فمازحني قائلا "شايف لهجتك بقت مشرقية أثروا فيك الجماعة ديل ولا أيه يا كبلو؟" ثم قال أنه متابع برنامجهم وانهم سيزورون الجزيرة فسيلتقيهم في إستراحة الجزيرة. وبعد اللقاء سألت الرمادي كيف كان اللقاء فقال لي "تقول ملتقى فكري يا كبلو والفكر كله خارج الملتقى" وكان يقصد كيف أن عبد الخالق لم يدع للملتقى! وكان نايف قد إشترك في ندوة في الجامعة مع عبد الخالق وآخرين وكنت أجلس بالقرب منه، وتحدث عبد الخالق فقال أن الحزب الطليعي لا يولد طليعيا ولا يكتسب طليعيته بتبنيه للنظرية الماركسية اللينينية، ولكنه يكسب تلك الطليعية بقدرته على تنظيم الجماهير وأن يكون دائما في طليعتها في طرح قضاياها والدفاع عن مصالحها وقيادتها في النضال اليومي، فهمس نايف حواتمة في أذني قائلا "هذا ثوري حقيقي ... هذا ثوري حقيقي"

 أذكر أيضا أنه ذات مرة وأنا أدخل مكاتب الميدان القديمة قرب مطبعة التمدن والتي تحولت لمكاتب للحزب بعد مصادرة الميدان، أن وجدت عبد الخالق ومعه المرحوم الدكتور عبدالله محمد الحسن وكان يعمل في هيئة تحرير الشيوعي، أن ناداني عبد الخالق وقال لي أجلس حتى أخلص فجلست وكان عبدالله يستعرض معه محتويات عدد جديد من الشيوعي، وسأل عبدالله عبد الخالق عما يفعل بطلب عبدالله علي إبراهيم للتفرغ هل ينشره كله أم يلخصه فقال عبد الخالق هذه قطعة في الأدب الثوري يجب أن تنشره كله ولكن إستأذن عبدالله علي إبراهيم أولا. وعندما إنتهى عبد الخالق من عمله مع عبدالله محمد الحسن إلتفت لي قائلا "أيه المذكرة الكتبتوها للمكتب السياسي دي؟""  وكنا في قيادة الجامعة قد كتبنا مذكرة ننتقد فيها موقف الحزب من مبادرة روجرز وكان الحزب قد أيد عبد الناصر في قبوله للمبادرة ولم ينتظر عبد الخالق إجابتي وواصل قائلا "دي قدرة النظام الوطني في مصر ونحن بندعم النظام الوطني لأننا عارفين قدرته وبعدين مصر فيها 2 مليون طبقة عاملة لكن غير قادرين على تنظيم حزب شيوعي فعال هل سنقوم بدور الحزب الشيوعي المصري" فلم أرد فقال "على أية حال المكتب السياسي حيرد على مذكرتكم".

اذكر انه في سبتمبر او اكتوبر عام 1970 قد كلفت بترتيب اجتماع بين عبد الخالق ومجموعة من الطلاب الاثيوبيين هربوا إلى السودان حينها وان عبد الخالق جاء متأخرا واعتذر بانه كان في اجتماع مع فاروق حمد الله وساله المرحوم الجزولي سعيد عن كيف سار اجتماعه فقال انه ايجابيا وانهم ازالوا سوء التفاهم وان فاروق اكد له ان لا علاقة له بابعاد عبد الخالق إلى مصر وانه وعد باطلاق سراح بعض الزملاء في سنجة وكوستي ممن اعتقلتهم قوات الامن. وبدأ عبد الخالق بالإستماع للطلبة الأثيوبيين بإهتمام، ثم قال لهم أنا سأقول لكم رأيي وأنتم غير ملزمين بالأخذ به، سأعطيكم وقت لمناقشته، ثم نجتمع مرة أخرى وما ستقررونه سنبذل جهدنا لمساعدتكم. وقال لهم أن رأيه أن يمكثوا بالسودان وألا يذهبوا للدراسة بالخارج، حتى ولا شرق أوربا والإتحاد السوفيتي، وأن الحزب سيساعدهم في الإلتحاق بالجامعات والمعاهد العليا السودانية، وأنهم يمكن أن يتنظموا في السودان ويقيموا صلة بزملائهم في أثيوبيا، قال البديل أن يذهبوا ويتفرقوا في الخارج، صحيح انهم سيتعلمون ولكن لن يسهموا في تنظيم حركة ثورية في أثيوبيا. وكان عبد الخالق يتحدث بلغة إنجليزية سلسة. وأتفق عبد الخالق أن يقيم معهم صلة مباشرة دون وساطة فرع الجامعة وتركتهم لتنظيم تلك الصلة.

 

كانت كل تلك الذكريات وغيرها كثير وعدد من الندوات والمحاضرات التي حضرتها لعبد الخالق تتداعى أمامي وأنا أقضي فترة عصيبة من حياتي ويتملكني غضب شديد وحزن عميق وأنا أسمع خبر تنفيذ حكم الإعدام في أحد مؤسسي حزبنا وقائده الفذ والمفكر الثوري السوداني الذي الهمنا جميعا وساهم في جعلنا ما نحن الآن وكان ذلك في 28 يوليو 1971 وأنا في زنزانة البوليس بالفسم الجنوبي بالخرطوم.

 

Sidgi Kaballo عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 



[1] لقد نشأ هذا التنظيم بمبادرة من الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم وبإقتراح من شحصي في 1970 وكان الغرض منه تنسيق جهود الجبهة الديمقراطية في الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية العليا وقد إنفصلت عنه الثانويات العليا بعد قشل إنقلاب يوليو 1971 وكنت وقتها بالمعتقل ولا أعرف حيثيات الفصل.

 

 
 [2]  قيل أن شيخ الخير يرحمه الله سأله ضابط البوليس وكان يأمل في إجابة بالنفي حتى يطلق سراحه بإعتباره شيخا جليلا "هل أيدت هاشم العطا" فرد دون أن يرمش له جفن "بلحيل يا ولدي دحين في راجل إستلم البلد نص النهار قباله"