ولعلنا من خلال تجاربنا الواسعة والغنية في سجون ومعتقلات السودان والتقائنا بالمسجونين والمنتظرين نستطيع الآن أن نقدم مقترحات حول كيفية معاملة السجناء والمنتظرين في سجون السودان في سبيل إصلاح السجون وإزالة الظلم والمعاملة القاسية، صحيح أن جزء كبيرا من ذلك قد يأتي في شكل مقترحات حول قانون السجون وقانون الإجراءات الجنائية، جزءا منها يأتي في صلب لائحة السجون إلا أن هناك مسالتين لهما علاقة مباشرة بالحقوق الدستورية للمواطنين وهما فترة الانتظار للمحاكمة في السجون وكيفية معاملة المنتظرين من جهة وعمل المساجين والمنتظرين في السجون من جهة أخرى.
والمسألة الأولى المتعلقة بالمنتظرين، تشمل الاعتقال على ذمة التحقيق والحبس في انتظار المحاكمة، والمنتظر وفقا للأسس الدستورية وأسس العدالة الطبيعية هو متهم وهو بذلك التعريف برئ حتى تثبت إدانته أمام محكمة ذات اختصاص وفقا لقانون قائم لحظة ارتكاب الجريمة. وفي التقليد الدستوري في السودان فالشرطة يمكن أن تعتقل أي شخص على ذمة التحقيق لمدة 48 ساعة، ثم تعرضه وفقا لقانون الإجراءات الجنائية لقاضي (أو وكيل نيابة) لتجديد حبسه على ذمة التحقيق إذا ما توفر شك معقول بارتكابه لجريمة ما أو وجهت له تهمة بذلك ويمكن إطلاق سراحه بضمان في معظم الحالات، ومثل هؤلاء المتهمين إما يحفظوا في مراكز ونقاط الشرطة أو ينقلوا إلى السجون، وفي كل من  الحالتين فإن معاملتهم تخضع لمزاج ضابط الشرطة أو النفوذ الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية للمتهم. وأنا وغيري من المعتقلين السياسيين الذين جابوا سجون السودان شرقا وغربا قد لاحظنا الظروف غير الإنسانية التي يعيشها هؤلاء المنتظرين في سجون السودان، خاصة في سجن كوبر. ويتعلق بهذه المسألة الفترة التي يقضيها هؤلاء في الانتظار، فبعضهم قضى سنوات في انتظار المحكمة، بل أن بعضهم قضى أكثر من عام في انتظار اكتمال التحقيق. إن كل هذا مخالف لأسس العدالة الطبيعية فهؤلاء الناس أبرياء في نظر القانون حتى تثبت إدانتهم. لذا من الضروري النص بوضوح على كيفية معاملة المتهمين وأقصى فترة للتحقيق وأقصى فترة يمكن أن يقضيها الشخص في انتظار المحاكمة وهو رهن الحبس، وذلك إما بالنص على وجوب إطلاق سراح الشخص بضمان بعد فترة معينة أو سقوط التهمة عنه. صحيح أن مطلبنا بالمعاملة الإنسانية للمنتظرين سيكلف الدولة ولكن هذه تكلفة ضرورية للعدل بين الناس. ولكي لا تخضع هذه المسالة لمساومة الإداريين والسياسيين ورجال السجون لا بد من جعل سلطة إصدار لائحة السجون فيما يتعلق بكيفية معاملة المنتظرين في يد رئيس القضاء أو إخضاع إصدارها لموافقته ومراقبة الجهاز القضائي.
أما المسالة الثانية المتعلقة بكيفية معاملة المساجين وعملهم في السجون وتوقيع عقوبات على المساجين بواسطة إدارة السجن فلابد أيضا من إعادة النظر فيها وتنظيمها ووضع أسسها وإجراءاتها بواسطة لجنة قضائية أو لجنة يرأسها قاضي محكمة عليا وتمثل فيها إدارة السجون ومنظمات حقوق الإنسان ونقابة المحامين. إن المبدأ الأساسي هنا أن السجين يقضي فترة عقوبة قررتها المحكمة وفقا للقانون ولا ينبغي أن يعاني أو يعاقب أكثر مما نص عليه القانون. وهنا تأتي مسالة عمل المساجين وضرورة إعادة النظر في تنظيمه بحيث تصبح جزء من إعادة تأهيل المسجون وتدريبه، وبحيث توفر فيها كل إجراءات الأمن الصناعي والوقائي (مثلا أحذية  قفازات خاصة للعمل في الملاحات ونظرات وقائية للعمل في ورش الحدادة والنجارة الخ).
ولكن قضية العدل والعدالة ترتبط أيضا بسرعة وسهولة إجراءات المحاكم وهذه مسائل تتعلق بتوفير الإمكانيات البشرية والمادية بما في ذلك المباني والكادر الكتابي المساعد وتحديث مكتبات القضاة وإدخال الكمبيوتر والتصنيف الإلكتروني للقضايا والسوابق القضائية، وتدريب القضاء وتحسين وضعهم المعيشي والوظيفي.
المحاكمة العادلة
والعدالة ترتبط أيضا بمفهوم المحاكمة العادلة، والمحاكمة العادلة هي التي تتم وفقا لقانون قائم أمام القاضي الطبيعي والمحكمة المختصة ووفقا للإجراءات القضائية والجنائية المتعارف عليها (لا محاكم استثنائية ولا إجراءات استثنائية ولا سريان لقانون بأثر رجعي) ويعتبر فيها المتهم بريئا حتى تثبت إدانته دون أي شك معقول وفقا لأسس الإثبات المتعارف عليها ويتمتع فيها المتهم بحقه في الدفاع عن نفسه وفي اختياره محاميا للدفاع عنه وواجب الدولة في توفير محامي له إذا لم يكن قادرا على تحمل نفقات المحامي وأن يكفل للمتهم حق مقابلة محاميه دون تنصت وأن تكفل له حق حضور محاميه عند التحقيق معه وان تكفل المحكمة للمتهم حق الاستئناف لمحكمة أعلى درجة. ومفهوم المحاكمة العادلة يجب أن يضمن عدم الاعتراف بالأدلة التي يتم الحصول عليها بالإكراه أو التعذيب أو بطرق غير قانونية وأن عبء الإثبات يقع بكامله على المدعي وألا يجبر أي شخص على تقديم دليل على نفسه.  
وكثير من هذه الأسس يجب أن ينص عليها في الدستور وألا تترك للقانون العام. فمثلا يجب النص في الدستور على مدة الاعتقال رهن التحقيق والاشتباه وسلطة الشرطة في ذلك وسلطة النيابة والسلطة القضائية بحيث لا يمكن أن يحتجز شخص بدون أمر النيابة لمدة تزيد عن الثماني وأربعين ساعة، وأن تتحدد الفترة القصوى التي يتم فيها الحبس رهن التحقيق بأمر قضائي والفترة القصوى التي يقضيها الشخص في انتظار المحاكمة والنص على الحق في إطلاق السراح بضمان حتى تاريخ المحاكمة في القضايا المدنية وبعض القضايا الجنائية التي يترك للقانون تفصيلها؛  بحيث يكون المبدأ العام هو تقليل فرص مصادرة الحرية الشخصية لأي مواطن قبل إدانته بواسطة محكمة ذات اختصاص.
تحريم التعذيب
ويقود هذا إلى ضرورة تحريم التعذيب على مستوى الدستور وقد نص الدستور الإنتقالي لعام 2005 على ذلك في المادة 33 بقوله " ـ لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو معاملته على نحوٍ قاسٍ أو لا إنساني أو مُهين."  غير أني أرى  ضرورة النص بوضوح بعدم سقوط تهم التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان وعدم إمكانية العفو عنها بقانون أو قرار من أي سلطة وعدم قبول تبرير صدور فعل التعذيب لصدور  أوامر عليا في دفاع أي متهم بقضية التعذيب. واعتبار أي قانون أو قرار يمنح الحصانة لأي موظف عام عند ممارسته التعذيب أو أي فعل يؤدي لانتهاك حق إنساني ينص عليه الدستور بأنه قانون أو قرار غير دستوري. وهذا يعني إعطاء حصانة لأي موظف عمومي أو ضابط أو فرد في جهاز عسكري  يرفض تنفيذ أوامر بالتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان أو يرفض ارتكاب جرائم يحرمها القانون الدولي باعتبارها جرائم ضد البشرية.

حكم مركزي ام حكم فدرالي أم حكم إقليمي؟
لقد ظل الشيوعيون السودانيون يدعون لقيام نظام حكم مركزي يتمتع فيه الجنوب بالحكم الذاتي الإقليمي وتمتع فيه  باقي أجزاء الوطن بحكم محلي ديمقراطي واسع السلطات، ولم يتغير موقف الشيوعيين هذا منذ المؤتمر الثالث للحزب في فبراير 1956، ومنذ ذلك الوقت كما يقولون جرت مياه كثيرة تحت  الجسور، وتغيرت ظروف اجتماعية وسياسية في السودان، والشيوعيون السودانيون المطالبون بإعادة النظر في موقفهم هذا، لم يقفلوا الطريق أمام تكور موقفهم فقد ىقالوا في بيان للجبهة المعادية للإستعمار في 21 سبتمبر 1954 " كذلك نقر أنه ليست لدينا وجهة نظر محددة عن الموقف  بين القوميات السودانية الأخرى في الشمال والشرق إلا أنه مما يظهر لا توجد مشكلة حالية بالنسبة لها ولكننا من ناحية المبدأ لا ننكر أنه أنه إذا جاء وقت ولو كان بعد الاستقلال بفترة طويلة واقتضت ظروف هذه القوميات نوعا معينا من الحكم الداخلي فيجب أن ينفذ." الصراحة في العدد 422 الموافق 28 سبتمبر 1954 نقله الأستاذ محمد سليمان في كتابه "اليسار السوداني في عشرة أعوام" الذي صدر عن مكتبة الفجر بودمدني صفحات 60-61. . والمسألة معقدة وينبغي أن تتم دراستها بموضوعية وتفصيل، فهي ليست قضية للمساومات المؤقتة بين القوى السياسية، في نفس الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل موقف القوى السياسية المختلفة وخاصة القوى الإقليمية، ذلك أن شكل الحكم في السودان هو من قضايا الديمقراطية والتي في النهاية يكون المرجع فيها للاختيار  الحر للجماهير، ومهمتنا أن نجعل ذلك الاختيار الحر واعيا بطرح الموقف والبرنامج الذين يعالجان قضيتين هامتين: ديمقراطية الحكم والتنمية في بلد تتعدد فيه القوميات ويتفاوت فيه التطور الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الحقيقة فان هذين السمتين : التعددية القومية والتنمية غير المتوازنة يشكلان قطبين متناقضين فيما يتعلق بالعلاقة بين المركزية واللامركزية، فبينما تدعو التعددية القومية والإثنية لأقصى درجات اللامركزية، فإن التنمية المتوازنة تتطلب لمعالجتها درجة أعلى من المركزية تستهدف  إعادة توزيع الموارد والاستثمارات والخدمات.
 ولنتناول القضية الأولى الخاصة بالتعددية القومية والثقافية، فالسودان من ناحية موضوعية تسكنه مجوعات قومية وإثنية وثقافية متعددة تنتمي إلى ثلاث مجموعات أساسية زنجية وحامية وسامية تتحدث أكثر من مائة لغة وتسكن مناطق  مختلفة في التطور الاقتصادي والاجتماعي. ولكن السودان، المتعدد القوميات والثقافات هذا، ولظروف أسباب تاريخية متعلقة بالبنية الاقتصادية الاجتماعية الموروثة من الاستعمار، ظل تحت سيطرة تحالف  اجتماعي سياسي من أواسط السودان الشمالي ومن أصل عربي إسلامي أو مستعرب مسلم، بينما وجدت  المجموعات الاثنية والثقافية والدينية الأخرى بعيدة  عن مركز السلطة ومحرومة من نتائج توزيع الثروة والخدمات، بل أنها في بعض المناطق اضطرت لحمل السلاح  للدفاع عن حقوقها.
 وبالطبع من السهل هنا اللجوء لعلم الديمغرافيا وتقسيم سكان السودان لمجموعات قومية ذات خصائص وثقافات متعددة، ولكن هذا، رغم أهميته القصوى لفهم الواقع السوداني، يفقد معناه تماما إذا لم يرتبط بتطور الوعي القومي والإقليمي ونشوء الحركات السياسية الإقليمية.
لقد بدأ الوعي الإقليمي بجنوب السودان لأسباب تاريخية محددة لا نحتاج لتكرارها، ولقد أدرك الشيوعيون السودانيون منذ مطلع الخمسينات طبيعة الوضع الخاص لجنوب السودان واقترحوا لتلك الظروف الخاصة أن يتمتع جنوب السودان بحكم إقليمي ذاتي وقد تبنى نظام مايو تلك المقترحات وعلى أساسها توصل لاتفاقية أديس أبابا التي منحت الإقليم الجنوبي حكما ذاتيا ولكن التجربة فشلت خلال عشرة سنوات وذلك:
لأن الحكم الإقليمي الذاتي في جوهره حكم ديمقراطي لم يكن لينجح في ظروف الديكتاتورية التي كانت تحكم البلاد. ولعل أهم سمات التناقض كانت أن الحكم الذاتي الإقليمي كان يتخذ النظام البرلماني وتعمل داخله تيارات تعبر عن تعددية حزبية بينما النظام المايوي يعتمد الجمهورية الرئاسية والحزب الواحد.
لأن الحكم الإقليمي الذاتي كان من المفترض أن يمثل المدخل للتنمية المتوازنة ولإعادة تقسيم الثروة ولكن ذلك لم يحدث، و أصبح عبأ جديدا على ميزانية الدولة وعلى جماهير الجنوب، ولم يؤد لتنمية الجنوب أو تطويره أو توسع الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم به. بل حتى عندما أكتشف البترول بالإقليمي الجنوبي بدأت مخططات مايو لاستغلاله بدون تطوير الجنوب أو إقامة منشآت به.
ظل نصيب الجنوبيين في سلطة الدولة المركزية ضعيف بطبيعتها الديكتاتورية وبطبيعتها الطبقية وتركيبتها الإثنية والإقليمية.
وجاء تقسيم الإقليم الجنوبي لثلاث أقاليم وإعلان الشريعة الإسلامية ليعبروا عن إستمرار سيطرة المجوعات الشمالية من أصل عربي إسلامي على السلطة المركزية ومحاولتها لفرض أيديولوجيتها الدينية على بقية أهل السودان، وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير فبدأت الحرب الأهلية من جديد.

وقد بدأت الحركات الإقليمية في جبال النوبة والبحر الأحمر منذ عام 1958 ولكنها ظهرت بشكل معروف ومؤثر بعد ثورة أكتوبر  ونال كل من اتحاد أبناء جبال النوبة ومؤتمر البجة عشرة دوائر في انتخابات 1965.
وقد بدأت أول حركة إقليمية بدارفور كحركة سرية باسم سوني (اسم بحيرة بجبل مرة) ولكنها تحولت لمنظمة علنية بعد ثورة أكتوبر باسم جبهة نهضة دارفور واختارت عدم خوض الانتخابات، رغم تدخلها كقوة ضاغطة مجبرة الأحزاب السياسية على أن تختار مرشحيها من أبناء دارفور.
وتكونت أيضا بعد أكتوبر روابط إقليمية وقبلية كثيرة، ترفع مطالب أهلها حول تصفية الإدارة الأهلية وتحسين الخدمات مثل مياه الشرب والخدمات الصحية والتعليمية وأستمرت كقوة ضغط فعالة حتى حلها نظام نميري.
ولكن منذ ثورة أكتوبر جرت متغيرات كثيرة، أهمها زيادة عدد المتعلمين من أبناء الأقاليم الأقل نموا والمهمشة، في وقت زاد فيه التفاوت في مستوى تطور هذه الأقاليم لاستمرار سياسة تركيز الاستثمارات في المناطق الأكثر تطورا في أواسط السودان. وقد أدى كل ذلك لنهوض حركات جديدة، بعضها يحمل السلاح تطالب بعدالة توزيع الثروة والسلطة.
وفي مثل هذه الظروف التاريخية، وبعد تجربة الحكم الإقليمي على أيام نميري والديمقراطية الثالثة وتجربة الحكم الفدرالي الشائهة على أيام سلطة الجبهة، يصبح من الصعب بمكان الحديث عن شكل للحكم اللامركزي أقل مما تحقق لهذه الأقاليم.
ولكن وكما أثبتت فترتا حكم نميري والجبهة، أنه لا الحكم الإقليمي ولا الحكم الفدرالي (وهما في جوهرهما شكل واحد للحكم تتباين فيه سلطات المركز والإقليم) قد حل مشكلة عدالة توزيع الثروة والسلطة وأن مجرد تبني هذا الشكل أو ذاك لا يحل الأزمة، وبالتالي لا بد عند تبني أيهما أن يصاحب الشكل مجموعة من الإجراءات المركزية، التي تضمن إغلاق هوة التباين في التطور الافتصادي وتوزيع الخدمات، من جهة ويضمن مشاركة حقيقية للمناطق المهمشة في السلطة المركزية وتحويل أي سلطة إقليمية لسلطة ديمقراطية حقيقية.
الحكم المحلي كقاعدة للحكم الديمقراطي
لهذا يصبح من المهم النص في الدستور على أن الحكم الديمقراطي في السودان يقوم على قاعدة للحكم المحلي. صحيح أن تنظيم الحكم المحلي وتقسيم دوائره هو مسألة تفصيلية تترك عادة للقانون. ولكن لا بد هنا من الاستفادة من تجربة السودان الطويلة في الحكم المحلي التي تعود لعام 1937. وأرى أن نعود، حتى ولو بصفة مؤقتة، لتقسيم المديريات والمجالس المحلية والريفية القديمة أو لشكل قريب منه بهدف تجميع الموارد واختصار التكلفة، مع زيادة عدد أعضاء المجالس البلدية والريفية لتمثيل قطاعات أوسع من السكان، على أن تكون المديرية السابقة لعام 1970 هي وحدة الحكم الفدرالي أو الإقليمي، باستثناء منطقة جبال النوبة ومنطقة جنوب النيل الأزرق وجبال الإنقسنا حيث يشكلان منطقتين دات حكم داتي وبالتالي تصبح الأقايم هي الخرطوم،الأوسط، الشمالي، الشرقي، دارفور وكردفان.
نحو حكم فدرالي ديمقراطي
وانسجاما مع التحول الديمقراطي لابد من معالجة الأخطاء التي أدخلها نظام نميري حيث فصل المحافظين والحكام على شاكلة رئيس الجمهورية وهو ما أستمر عليه نظام الجبهة عندما أنشأ الولايات بتفصيلها على أساس الجمهورية الرئاسية، فلا بد من قيام أقاليم أو ولايات يسودها الحكم البرلماني المعروف، تتكون سلطتها من برلمان إقليمي منتخب انتخابا حرا مباشرا، ينتخب رئيس للوزراء، ويقدم رئيس الوزراء سياسة حكومته الإقليمية ووزارته للبرلمان لنيل ثقته. وتتقسم الولايات لمحافظات التي تنقسم لمجالس مدن ومجالس قرى، على أن تدار المحافظات ومجالس المدن والقرى بمجالس منتخبة يعمل أعضاؤها على أساس التطوع مع

تقسيم السلطات
لا شك أن تقسيم السلطات بين السلطة الاتحادية والأقاليم الفدرالية، يعتبر أحد أهم قضايا  النزاع في السوداني.  وليس العبرة بإعطاء الأقاليم الفدرالية سلطات واسعة أو جعلها مسؤولة عن تقديم الخدمات لمواطنيها، فذلك تكتيك قديم اتبعه نميري من قبل عندما أنشأ الحكم الاقليمي بهدف  شغل الجماهير في المناطق المهمشة والتي بدأت تطالب بنصيب عادل في الخدمات ومشاريع التنمية، توجه مطالبها لحكام أقاليمها وحكوماتهم بدلا من الحكومة المركزية. ولكن لا سلطة بدون موارد. لذا يجب الربط بين تقسيم السلطات وتقسيم الموارد والثروة. ولكن في غير هذا يصبح تقسيم السلطات مسألة عادية تهتدي بتجارب البلدان الأخرى وبالمفاوضات بين أطراف النزاع السوداني ويمكن اقتراح التالي:
السلطات الاتحادية:
1.    الحدود والمياه والأجواء الدولية.
2.    رسم حدود الأقاليم
3.    الدفاع والقوات المسلحة والشرطة والأمن
4.     الجنسية والجوازات والهجرة وشؤون الأجانب.
5.    العلاقات الخارجية
6.    نظم الانتخابات العامة للمؤسسات الدستورية الاتحادية والإقليمية والمحلية
7.    القضاء والمحاماة والنظم العدلية.
8.    العملة  والسياسات المالية والنقدية والائتمانية والمصرفية.
9.    المواصفات والمقاييس والموازين والمكاييل والمواقيت.
10.    التجارة الخارجية والجمارك.
11.    القوانين المنظمة للمهن والحرف والتخصصات.
12.    التعليم العالي والجامعي بشقيه الفني والأكاديمي.
13.    الأراضي والموارد الطبيعية الاتحادية والثروات المعدنية والبترولية والثروات الطبيعية على سطح الأرض وفي باطنها، والثروات في المياه الإقليمية السودانية وفي أعماق البحار.
14.    المياه العابرة والبحريات والأنهار.
15.    المشروعات القومية للكهرباء والطاقة والشبكات الناقلة لهما.
16.    المشروعات والهيئات والشركات القومية.
17.    النقل الاتحادي الجوي والطرق البرية والبحرية والنهرية العابرة والموانئ الجوية والبرية والمواصلات والاتصالات العبرة الاتحادية.
18.    الآثار والمناطق الأثرية والوثائق القومية والمصنفات القومية الفنية والثقافية والتراثية وفقا لما يحدده القانون.
19.    مكافحة الأوبئة والكوارث الطبيعية.
20.    خطط التنمية الاقتصادية القومية.
21.    الموازنة العامة للاتحاد والموارد المالية للاتحاد وتخصيص أوجه صرفها.
السلطات الإقليمية

1.    إدارة الإقليم وحفظ الأمن والنظام.
2.    التجارة والتموين.
3.    ميزانية وموارده المالية وتحديد أوجه صرفها.
4.    الأراضي والموارد الطبيعية الإقليمية والثروة الحيوانية والغابات.
5.    المياه والطاقة الكهربائية الإقليمية غير العابرة.
6.    التعليم العام.
7.    الصحة الوقائية والخدمات الصحية الأولية.
8.    طرق ووسائل النقل والمواصلات والاتصالات الإقليمية.
9.    وسائل الإعلام والثقافة الإقليمية بما في ذلك المتاحف ودور العرض السينمائي والمسارح.
10.    الحدائق العامة وأماكن الترفيه.
11.    الرياضة.
12.    تسجيل المواليد والوفيات ووثائق الزواج.

ولكن لأسباب الأزمة الاقتصادية وضعف موارد الدولة في الوقت الحاضر، لا بد أن تتحمل الدولة المركزية عبء تقديم بعض الخدمات، على أن تعود هذه الخدمات للأقاليم عند تطور مواردها، وأنا أقترح أن توقع السلطات الاتحادية والإقليمية بروتوكولا  تقوم بموجبه الحكومة الاتحادية بتمويل وإدارة خدمات التعليم والصحة من المركز لفترة عشرة سنوات حتى يتم وضع أسس حقيقية لموارد الأقاليم المالية وأن يكون هذا هو شكل الدعم المقدم من الحكومة المركزية في هذا الجانب، يقدم الدعم في شكل خدمات مباشرة يقوم المركز بتحمل نفقاتها وهذا بديل للشكل الحالي الذي يذهب في شكل موارد مالية لا تصرف حقيقة في خدمة المواطنين. ويكون الهدف الأساسي هو ردم الفجوة في تطور الخدمات بين مختلف الأقاليم السودانية بحيث تسلم هذه الخدمات للأقاليم والمؤشرات الإقليمية تساوي المؤشر القومي أو تقاربه. ونعني بذلك مؤشرات مثل عدد الأماكن بالمدارس بالنسبة لعدد الأطفال في سن التعليم، عدد المدرسين بالنسبة للتلاميذ، عدد الأطباء بالنسبة للسكان، عدد السرائر بالنسبة للسكان والأطباء إلى غيرها من المؤشرات.

تقسيم الموارد والثروة
المهم في تفسيم الموارد والثروة ليس هو تقسيمها لتستفيد منها الطبقات والفئات المسيطرةعلى االثروة في الأقاليم والمركز، أي لا تصبح القضية هي اقتسام مغانم بين السادة، وانما تقسيم للموارد على أساسيين: بين الاستهلاك الضروري والاستثمار الموسع في الانتاج والخدمات، وتقسيم الفائض الاقتصادي بين الأقاليم الأقل نموا والأكثر نموا حتى نعالج مسألة النمو الاقتصادي غير المتوازن في البلاد. وفي الحقيقة من الصعوبة معالجة المسألتين بنصوص دستورية، فالمسألتان لن تحلا حلا جذريا بمجرد تقسيم الموارد بين المركز والاقاليم للآن كل من المركز والإقليم المعين قد يستخدما الموارد المتاحة لهما لغير متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يجعل القضية هي قضية سلطة: من يحكم الإقليم أو المركز. ولثقتنا في النظام الديمقراطي فإننا نترك ذلك للصراع السياسي والاجتماعي في نطاق التعددية والديمقراطية.
ورغم كل هذا نقترح صيغة لاقتسام الموارد فيما يلي:
أولا: الموارد الضريبية:
يكون للسلطات الاتحادية نسبة 60% من كل العائدات الضريبية بالسودان ويكون لكل إقليم نسبة 40% من العائدات الضريبية المتولدة داخل الإقليم.
ثانيا:أرباح المؤسسات العامة والمشاريع والشركات الحكومية:
يكون لكل من السلطات الاتحادية السطات الإقليمية 40% من عائد ارباح المؤسسات الاتحادية والمشاريع والشركات الحكومية ويخصص باقي ال20% من الأرباح للمؤسسات والمشاريع والشركات بهدف تطويرها وتنميتها وزيادة رأسمالها.
ثالثا:العائدات من استغلال الموارد الطبيعية كالبترول والغاز والمعادن والمناجم والمحاجر:
يكون لكل من السلطات الاتحادية والإقليمية 40% من العائدات ويخصص باقي ال 20%  لتطوير الاستثمارات وزيادة رأس المال.

خاتمة
هذه بعض الأفكار حول الدستور الديمقراطي علها تساهم في المناقشة حول الموضوع.


kaballo sidgi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]