15 عاما على وفاة القائد الشيوعي الفذ عزالدين علي عامر


عندما دخلت الممرضة على الدكتور عزالدين علي عامر بعد خروج آخر مريض، طلب منها فنجان قهوة وكوب ماء، وعندما اتت له بالقهوة والماء وجدته قد فارق الحياة على أثر نوبة قلبية، كان ذلك في بعد ظهر يوم الإثنين التاسع العشر من يونيو 1995. مات عزالدين علي عامر الطبيب الذي طالما عالج مئات المرضى داخل وخارج السودان في عيادته بلندن وهو يقوم بواجبه في علاج المرضى ويتابع بإهتمام ثوري ما يدور في أسمرا في مؤتمر القضايا المصيريةن الذي لم يتسنى له حضوره، رغم أنه قد عمل وبذل جهدا لتجميع قوى التجمع في الخارج.
ولد عزالدين علي عامر في عام 1924 وتلقى تعليمه العام بالسودان ثم رحل للقاهرة حيث درس الطب وتخرج طبيبا من جامعاتها وقضى فترة الإمتياز بالقصر العيني، ثم عاد للسودان حيث مارس مهنة الطب وكان مثالا للطبيب البارع والإنسان الصادق، وكانت عيادته  جنوب السوق العربي، ملاذا للمرضى ومركزا للثوريين ومنتدى للمثقفين الوطنيين.
إلتحق عزالدين علي عامر بالحركة الشيوعية في مصر عام 1945 عندما إنضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)  ورافق في الحركة الشهيد عبدالخالق محجوب والرفيق التجاني الطيب والراحل عبدالرحيم عبدالرحمن الوسيلة والجنيد علي عمر وسعد أمير طه والدكتور عمر محمد إبراهيم وأحمد سليمان والأستاذ الطيب إبراهيم وغيرهم (رأجع القدال معالم من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني ص 25).
وألتحق عزالدين عند عودته للسودان بالحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) والتي أصبحت الحزب الشيوعي السوداني وأنتخب عضوا باللجنة المركزية والمكتب السياسي، وأصبح نائبا بالبرلمان (الجمعية التأسيسية عن دوائر الخريجين بعد ثورة أكتوبر، وأنتخب نائبا عن الخرطوم (الخرطوم 1 و2 و3 وتوتي) بعد إنتفاضة مارس إبريل في إنتخابات 1986 وأصبح زعيما للمعارضة الديمقراطية التي كانت تضم الأستاذ محمد إبراهيم نقد والراحل محمدصالح إبراهيم والأستاذ جوزيف موديستو والدكتور منصور العجب.
أعتقل عزالدين علي عامر عدة مرات خلال ديكتاتورية عبود ونميري، وكان معتقلا بعد قرارات 16 نوفمبر 1970 عندما نقل للمستشفى وسمح له للذهاب لبريطانيا للعلاج، وبقى ببريطانيا بعد ردة 22 يوليو حيث ساهم في قيادة حملات التضامن مع شعب السودان,  وعمل حينها طبيبا بليفربول بإنجلترا. وعاد عزالدين للسودان بمجرد إنتصار إنتفاضة مارس إبريل.
إختفى عزالدين علي عامر بعد قيام إنقلاب يونيو 1989 ورحل سرا إلى بريطانيا عن طريق مصر، وساهم في تجميع وبناء فروع التجمع الديمقراطي وقيادته بالخارج وظل عضوا نشطا في فرع الحزب الشيوعي ببريطانيا وبقيادة الحزب بالخارج حتى رحيله المفاجئ في 19 يونيو 1969.
ولعزالدين إسهامات ثرة في العمل السياسي والديمقراطي، ولعل كثيرون لا يعرفون عن إسهامه في تأسيس أول حركة لحقوق الإنسان وهي الهيئة الشعبية الدائمة للدفاع عن الحريات عام 1953. ونورد هنا من كتاب الأستاذ محمد سليمان اليسار السوداني في عشر سنوات الصادر عن مكتبة الفجر بودمدني  مذكرتين تقدمت بها الهيئة:
المذكرة الاولى  وهي قصيرة جدا  رفعت بواسطة الهيئة الشعبية الدائمة للفاع عن الحريات والتي تكونت  في 4/11/1953 بدعوة من اتحاد نقابات عمال السودان وانتخب الدكتور عزالدين علي عامر والذي كان سكرتيرا لاتحاد الجامعيين، سكرتيرا لها. المذكرة تطالب بالغاء قانون النشاط الهدام  وهو قانون وضع بواسطة المجلس التنفيذي للجمعية التشريعية وصدر بامر مؤقت باسم القانون رقم 22 -1953 ولكن الجمعية التشريعية حلت دون ان تجيزه نسبة لتوقيع اتفاقية فبراير 1953 والتي اصدر بموجبها قانون الحكم الذاتي و انتخب بموجبها البرلمان الاول. ووفقا للمادتين 57 و58 من ذلك القانون كان يجب على حكومة الرئيس الازهري ان تقدم كل الاوامر المؤقتة التي ورثتها من المجلس التنفيذي للبرلمان للتاييد. ولهذا تقدمت الهيئة الشعبية الدائمة بالمذكرة التالية الى السيد اسماعيل الازهري رئيس الوزراء:
 حضرة المحترم السيد رئيس مجلس الوزراء
تحية طيبة وبعد لقد راى الموقعون ادناه ان يرفعوا الى سيادتكم هذه العريضة طالبين ان تعملوا على الغاء القانون رقم 22 (1953) المعروف بقانون قمع النشاط الهدام بعد ان وضحت رغبة اغلبية الهيئات الشعبية في ضرورة الغائه فورا لتعارضه مع مبدا الحريات الاساسية التي كفلها الدستور ولتعارضه مع الحريات الشخصية والفكرية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
 الامضاء
"د محي الدين صابر محرر بجريدة العلم
عابدين اسماعيل رئيس نقابة المحامين
د عز الدين علي عامر اتحاد الجامعيين
حسن الطاهر زروق عضو مجلس النواب
احمد مالك رئيس اتحاد مزارعي جبال النوبة
 محجوب محمد صالح سكرتير اتحاد الصحافة
عبدالله رجب رئيس تحرير جريدة الامة
علي الشيخ البشير نائب رئيس تحرير جرية الاتحاد
 فضل بشير عضو مجلس بلدي الخرطوم
 الطاهر عبد الباسط سكرتير تحرير جريدة الطليعة
احمد يوسف هاشم رئيس اتحاد الصحافة ورئيس تحرير السودان الجديد
محمد السيد سلام رئيس اتحاد نقابات العمال
محمد خير عثمان رئيس اتحاد الكلية الجامعية
بشير محمد سعيد رئيس تحرير الايام
عبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة سكرتير الجبهة المعادية للاستعمار
الامين محمد الامين رئيس اتحاد مزارعي الجزيرة
حسن قسم السيد رئيس نقابة موظفي ومستخدمي البريد والبرق
محمد احمد عمر عن وكالة الصحافة السودانية
احمد سليمان المحامي
جعفر حامد البشير محرر جريدة صوت السودان
ونشرت جريدة الصراحة تحت هذه المذكرة تصريحا للسيد حسن عوض الله نائب الدائرة ام درمان غرب ان الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الاتحادي قد قررت الغاء القانون عند تقديمه للبرلمان. وبالفعل عندما قدم القانون للبرلمان يوم   30/3/1953 وقف السيد مبرك زروق نيابة عن الحكومة وطلب من البرلمان عدم تاييد القانون. وهكذا سقط احد القوانين المعادية للحريات العامة.
اما المذكرة الثانية فقد تقدم بها رؤساء تحريرالصحف والهيئة الشعبية للدفاع عن الحريات بخصوص قانون الصحافة

السيد  رئيس مجلس الوزراء السودانى

تحية و تقدير

لنا الشرف أن نرفع هذه المزكرة الى سيادتكم حسب قرار اجتماع المشترك بين الهيئة الدائمة للدفاع  عن الحريات و رؤوساء تحرير الصحف الذين ناقشوا فيه موضوع حرية الصحافة

فى استعراضنا للموقف وجدنا أن هناك ارهاصات ومواقف اتخذت تهدد حرية الصحافة بالفعل زياده على أن الوضع القائم فى البلاد من حيث القوانين والتقاليد الفقهيه هو فى نفسه تهديد دائمم لحرية الصحافه بحكم أنه أثر من اثار الادارة الاستعمارية وبحكم أن معظم تلك القوانين المتعلقة بالحريات وضعت فى مرحلة بعيدة  تختلف تماما عن هذه المرحلة التي نحن فيها وما تتطلبه من مجاراة للوعي القومي ولعهد الحرية والتقدم الذي احرزه الشعب السوداني في شتى الميادين.
 اننا في بداية هذه المذكرة لا بد ان نركز على حقيقة ان القوانين القائمة تحمل  في طياتها حجرا كبيرا على حرية الصحافة. وقد اجتمعت الهيئات التي يهمها الامر على ضرورة تعديل هذه القوانين حتى تتمشى وكفالة الحريات وبعثت اليكم الهيئة الدائمة للدفاع عن الحريات الممثلة لكل الاتجاهات السياسية بمذكرتين عن تعديل القوانين العامة وقانون الصحافة واشترك معها اتحاد الصحافة السودانية.
غير ان حكومتكم يا سيادة الرئيس لم تفعل شيئا حتى الان بالنسبة لتعديل هذه القوانين وتركت بالتالي  سيف التهديد مصلطا على الرقاب.
 ام من الجهة الاخرى فقد وجدنا مواقف معينة حدثت في عهد حكومتكم لا تثير الى تمكين  حرية الصحافة بل على العكس تنذر بمواقف غير مرضية.
فقد تعددت محاكمات الصحف في هذا العهد بدرجة فاقت مقابلاتها في العهد السابق ونحن بالرغم من اعتبارنا لضرورة مراعاة القانون وتطبيقه على الصحف التي تتجاوز حدوده الا اننا نرى  ان عدم تعديل هذه القوانين المجحفة كان سببا قويا في تعدد هذه القضايا وعلى سبيل المثال فان عدة محاكمات في هذا العهد حدثت تحت المادة 8(2) من قانون الصحافة سنة 1930 _ذكر مصدر الخبر_ وكذلك المادة 437(أ) الكذب الضار - وهي من ضمن المواد التي تطالب الهيئة الدائمة للدفاع عن الحريات بتعديلها.
 والشئ الخطر في هذه المحاكمات المجحفة زيادة على انها ارهاق اداري ومالي للصحف فانها ستكون سلاحا في ايدي الحكومات تشهره متى شاءت في وجه الصحف لايقافها بحجة تعدد محاكماتها.
ان هذا السلاح خطر ايضا لانه يمهد التربة للحكومات للتشفي من خصومها في الراي - فقد صرح وزير مسئول في حكومتكم بقوله "ان الحكومة ستلجا للقوانين لترد حملات الصحف عليها: ونود ان نؤكد هنا ان الصحف مستعدة لهذا ونحن نرحب به ولكن على شرط ان تعدل القوانين بطريقة تكفل الحريات.
ان الصحف يا سيادة الرئيس في كثير من الاحيان تنقد الحكومة بدافع الحرص على قيام حكم وطني نزيه وليس غريبا ان يكون هذا النقد، لاننا نواجه اول حكومة وطنية قامت على ورثة غير مرغوب فيها بل ان النقد الكثير هذا يمثل يقظة الصحافة والمواطنين وحرصهم على وضع تقاليد شريفة في اجهزتهم الحكومية والمامول من هذا ان تكون الحكومة رحبة الصدر وان توضح الحقائق للمواطنين وتستفيد من نقدهم. هذا زيادة على ان الصراع الحزبي شئ لا منلص منه في هذه الفترة وهو يتخذ طريقه  الى الصحافة.  
وشئ ثالث فقد راجت في الايام السابقة اشاعة مؤداها ان الحكومة ستلجا الى ايقاف الصحف اداريا. ان هذه الاشاعة كانت وما زالت تمثل اكبر خطر على حرية الصحافة بل على الحريات بشكل عام. اننا لسنا في حاجة لنوضح لسيادتكم ان تحدي القوانين واللجوء الى السلطات الادارية المطلقة في هذا الموضوع لا يمكن اعتباره الا ضربة كبرى توجه الى الحريات والحكم السليم. اننا نعلم ان هذه كانت اشاعة، ولكن واجبنا ان نتبه وننبه الحكومة ان ترد على مثل هذه الاشاعات الكبرى بطريقة حاسمة:
 يا سيادة الرئيس
انه من غير الخافي ان هذه الفترة فترة انتقال بحكم دستور  البلاد وانت توفر الحريات فيها زيادة على انه حق طبيعي لكل الشعب في اي وقت فهو ايضا حق دستورى كفله دستور الحكم الذاتي الحالي الذي اتفقت عليه حكومتا مصر وبريطانيا والاحزاب السودانية.
ان اقل تهديد لهذا الحق سيعد خرقا لدستور الحكم الذاتي ويعد مدعاة لعدم توفر الجو الحر المحايد لتقرير المصير ولهذا سيعتبر مثل هذا العمل امرا يهم جميع موقعي الاتفاقية وهيئة الامم التحدة التي سجلت الاتفاقية لديها كما يهم جميع الهيئات العالمية الديمقراطية.
يا سيدة الرئيس:
 اننا اذ ندافع عن حرية الصحافة لا نفعل ذلك بدافع الحماية الشخصية فلسنا سوى خدام لهذا الشعب ولسنا سوى افراد منه ولكننا نرى ان وضعنا يحملنا مسئولية الدفاع عن هذه الحريات، ونحن نعلم ان هذه هي رغبة الشعب، ان حرية الصحافة هي الاساس المتين للحكم الوطني السليم الذي نتطلع اليه والذي يلقي على عاتق حكومتكم كاول حكومة وطنية مهام القيام به اتم قيام. ان التاريخ سيطر في هذه المرحلة ارز سطوره في حياة بلادنا، وكلنا يامل ان تكون بيضاء ناصعة.
 يا سيادة الرئيس:
اننا لاهمية وخطورة الموقف نرجو منكم تاكيدا قاطعا بالنسبة لهذه المواضيع المذكورة. وتقبلوا في الختام تقديرنا العظيم
المخلصون
د. عز الدين علي عامر عن الهيئة الدائمة للدفاع عن الحريات
احمد يوسف هاشم رئيس تحرير السودان الجديد
حسن محجوب رئيس تحرير الامة
محجوب عثمان رئيس تحرير الطليعة
بشير محمد سعيد رئيس تحرير الايام
 اسماعيل العتباني رئيس تحري الراي العام
محمود مصطفى الطاهر رئيس تحرير النيل
محمد مكي محمد رئيس تحرير الناس
 الرشيد نايل رئيس تحرير مجلة الفكر
عبدالله رجب رئيس تحرير الصراحة
حسن الطاهر زروق رئيس تحرير الميدان
نسخة الى:
1) سيادة رئيس القضاء
2) الهيئات الخارجية

وستظل ذكرى الرفيق عزالدين علي عامر تنير طريق الشيوعيين في النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والإشتراكية.
صدقي كبلو
بيرمنجهام

Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]