(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)

الجزء الخامس

(الخرطوم- دبي :أكتوبر- نوفمبر 2009)

 

المدارج والعتبات:

رواس مراكب القدرة:

يقول الطاهر ود الروّاس إن  الاسم الوحيد الذي ورثه عن أبيه كان لقبا لم يناده به إلا الكاشف ود رحمة الله، كان ود رحمة الله يقول إن بلال روّاس ويسألونه روّاس ماذا؟ فيجيب:"بلال روّاس مراكب القدرة". ويقسم أنه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر وهو قائم وحده في مركب ينقل قوما غريبي الهيئة إلى الشاطئ الآخر. ويقول الطاهر إن أباه حين مات أخذ أسماءه جميعًا معه. كأنه كان بالفعل روحًا مفردًا ليس من أرواح هذا الزمان ولا هذه الأرض".

(مريود : طبعة دار العودة: الصفحة 48)

العشق:

"وملْ إلي البان من شرقّي كاظمة        فلي إلى البان من شرقيِّها أربُ

وكلما لاح معنى من جمالهم               لباه شوقٌ إلى معناه منتسبُ

أظلُّ دهري ولي من حبهم طربٌ       ومن أليم إشتياقي نحوهم حَرَبُ""

(إبن الخيمي)

المحبة :

"الإنسان يا محيميد ... الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اتنين... الصداقة والمحبة. ما تقولي حسب ونسب، لا جاه ولا مال.. ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد.. يكون كسبان".

(الطاهر ود الرواس : مريود الصفحة 432، الأعمال الكاملة ، طبعة دار العودة)

الإنتماء:

"السَمكةُ،

حتَّى وهي في شباكِ الصيادين

تَظلُ تحملُ

رائِحة البَحر"

(مريد البرغوثي: رأيت رام الله،  الصفحة 181)

إهداء وعزاء خاص:

إلى أستاذيَّ وشيخيَّ:

إبراهيم حسن عبد الجليل ومهدي أمين التوم 

في رحيل الطيب صالح خسارة كبيرة لقيم إنسانية رفيعة، موروثة ومكتسبة، تربيا وعاشا عليها وكانا، وما زالا، مهمومين بإشاعتها وترسيخها في وجدان وسلوكيات من أحبوهم:

الأطر والضوابط الأخلاقية غير المساومة نبراسها

والتعفف ممزوجاً بالتواضع الحقيقي رمانة ميزانها

وزجر النفس ولجمها عن وعند الهوى صمام أمانها

وإلى روح أخينا وأستاذنا العميد حقوقي "م" عبد المنعم حسين عبد الله:

آمن بما رأى أنه الحق فكان عقله وقلبه حيث آمن.. 

ثبت على عمله والتزم الجماعة..

كما الطيب ...كان إنسانا نادرا على طريقته.. 

اتخذ من المحبة "جلابية" ومن النقاء والبراءة "عِمة" و"شال"... 

داره  بحي النسيم بمدينة الرياض السعودية وبحلفاية الملوك بالخرطوم البحرية كانتا واحة إنسانية وقبلة وطنية...

رحل موفور الإباء ليختال بإذن ربه زاهياً في بساتين البهاء..

رحمة الله تغشاك يا أبا محمد

البانورامـــــــــا: هنا كرمكول ....هنا لندن...هنا امدرمان

"البامسيكة" في الويست أند وصديق منزول بين جيمي جريفز وفيرناردو توريس

"كل فن لا يفيد علماً لا يُعوّل عليه

كل كلام لا يؤثر في قلب السامع مراد المسمع فهو قول لا كلام  

كل معرفة لا تتنوع لا يعول عليها

كل امتزاج لا يعطيك أمراً لم يكن عندك من قبل وجوده لا يعول عليه

الحكمة إذا لم تكن حاكمة لا يعول عليها

الأدب إذا لم يجمع بين العلم والعمل لا يعول عليه"

(الإمام الأكبر محي الدين بن عربي: رسالة "الذي لا يُعوّل عليه")

" يبدو لي أحياناً أن البشرية تائهة وأنا تائه معها""

        (الطيب صالح)

"تلبس الريحُ حنين الشجرة،

وتغطي خشب الأيام

بالوهمِ 

ثيابي خمرة،

هل تؤاخي بين هذا الجسد اليابس

والبحر؟

تغطيه

بريح ممطرة؟

لم يكن في الريح

غير الليل يبكي،

لم يكن للريح درب

في حنين الشجرة

غير أن الوهم

إذ يلبس روحي

ويناديني صهيل العشب،

والبحر يغني

في شرايني،

ويبكي السحرة

تصبح الريح بلادا

تغمر الروح،

وجمر الشجرة "...

(علي جعفر العلاَق : حنين الشجرة)

الأزمنة والمحطات: ما بين 1929 و2009: العلامات والأعمال

 "فجع الناسُ يوم مات الحمولي    بدواءِ الهمومِ في عطَّاره

بأبي الفنِّ، وابنه، وأخيه          القويِّ المكينِ في أَسراره

والأبيِّ العفيفِ في حالتيهِ       والجوادِ الكريمِ في إيثاره

يحبسُ اللحنَ عن غنيٍّ مدلِّ     ويذيق الفقيرَمن مختاره

 يا مُغيثاً بصوته في الرزايا       ومُعيناً بماله في المَكاره

ومُحِلَّ الفقيرِ بين ذَويه          ومعزَّ اليتيمِ بين صغاره

  وعِمادَ الصديقِ إن مال دهر    وشِفاءَ المحزونِ من أَكداره

لستَ بالراحلِ القليلِ فتنسى      واحدُ الفنِّ أمة ٌ في دياره"

(أمير الشعراء أحمد بك شوقي يرثي الفنان المغني عبده الحامولي)

ولد الطيب صالح في عام 1929 في قرية كرمكول بشمال السودان وتوفي بمدينة لندن في عام 2009 . في الثمانين حولاً التي عاشها هناك علامات زمنية بارزة وأعمال وأحداث مهمة. في هذا الجزء اخترنا إلى جانب سنتي الميلاد والوفاة سنوات 1949 و1953 و1966  كنقاط مرجعية بارزة في روزنامة حياة الطيب...عام 1949 في حياة الطيب كان عاما حاسما.. مساره المهني اتخذ شكلاً آخر تماما لما كان يمكن حدوثه لو استمر طالباً بكلية الخرطوم الجامعية التي التحق بها فعلاً ولكنه لم يواصل تعليمه فيها وتركها ليعمل معلما بمدينة رفاعة قبل أن يشد رحاله لعاصمة الضباب ليلتحق بهيئة الإذاعة البريطانية في عام 1953.وفي عام 1966 أصدر الطيب عمله الكبير "موسم الهجرة إلى الشمال".

توقفنا عند هذه السنوات ونظرنا فيها من كوتين: كوة داخلية بحثت في أوضاع السودان في هذه الأعوام، وكوة خارجية حاولت استرجاع ابرز الأحداث الإقليمية والعالمية في تلك السنوات..الغرض النهائي هو بسط البيئتين السودانية والعالمية في السنوات التي اخترناها كأطر زمنية مرجعية لحياة الراحل الكبير الطيب صالح. 

1929: هنا كرمكول..هنا لندن: ميلاد روائي عبقري وأزمة مالية عالمية

هنا كرمكول:  الطفولة المحلية والانداد العالميين

"ذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر"

(الطيب صالح عن قريته كرمكول: طلحة جبريل صحيفة الشرق الأوسط)

 

"هي المدينة التي ترنو إليها باقي بلاد السودان... كان كل واحد منا يجد أن لديه أقارب أو أهلا في أمدرمان...مكاناً ميكروكوزم... لقد بدأت أمدرمان تتكون بكيفية طبيعية لكننا كسرناها لسوء الحظ".

 (الطيب صالح عن مدينة امدرمان السودانية: طلحة جبريل صحيفة الشرق الأوسط)

"في القولدِ التقيتُ بالصديقِ انْعِم بِهِ منْ فاضلٍ صديقي

فكمْ أكلتُ معه الكَابَيدا وكمْ سًمِعتُ اورو والودا "

(معلم الأجيال عبد الرحمن علي طه)

ولد "لطيب محمد صالح" عام 1929، في قرية "كرمكول" القريبة من مدينة الدبة في شمال السودان عند منحني نهر النيل...يقول طلحة جبريل عن تلك الفترة:"عاش الطيب صالح في قريته كما يعيش أهلها، وهو يقول بحنين يبدو جارفاً عن تلك الفترة: "في هذه البيئة بدأت مسيرة حياتي، ورغم أنني تعرجت في الزمان والمكان بعد ذلك لكن أثر البيئة لا يزال راسخاً في أعماقي، وأعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة. حين كبرت ودخلت في تعقيدات الحياة كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشت خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وأمرح كما شاء لي الله، وأعتقد أنه كان عالماً جميلا". (انتهى).

درس بالخلوة لحفظ القرآن الكريم، وحين بلغ الثامنة انتظم في المدرسة الأولية، درس المدرسة الوسطى بمدينة بور تسودان.

عام 1929 الذي شهد ميلاد الطيب صالح شهد أيضا ميلاد العديد من الأعلام ففيه كان ميلاد الملك الحسن الثاني ملك المغرب والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ..من الإعلاميين والفنانين شهد ذات العام ميلاد التشيكي المهم ميلان كونديرا والإعلامية الأشهر باربرا والترز والممثلة اودري هيبورن وجريس كيلي الفنانة التي صارت أميرة على إمارة موناكو ...شهد ذات العام ميلاد جاكلين كيندي اوناسيس ومن الادباء جاء عام 1929 حاملا ميلاد جون اسبورن صاحب "انظر خلفك في غضب". ..من أنداد الطيب في عالم الإبداع العربي شاعر اليمن الكبير عبد الله البردوني صاحب "من أرض بلقيس" و"الفاجومي" أحمد فؤاد نجم ...من أنداد الطيب السودانيين رائد الرومانسية في الغناء السوداني الحديث إسماعيل حسن.

يقول طلحة جبريل، بعد المرحلة الوسطى، سينتقل الطيب إلى أم درمان، حيث سيتابع دراسته الثانوية في مدرسة "وادي سيدنا" ولا يخفي الطيب صالح إعجابه بتلك المدرسة حيث يقول:"كانت مدرسة وادي سيدنا مدرسة فاخرة، بناها الإنجليز بناءً باذخاً على غرار أعظم المدارس في إنجلترا وكنا ندرس تماماً كما يدرس الإنجليز في مدارس الارستقراطيين في أيتون وهارو"..

ميلاد الطيب صالح جاء في أعقاب "كسرة" هبة اللواء الأبيض في 1924 التي نشبت عقب موافقة رامزي ماكادونالد رئيس الوزراء البريطاني على طلب السير لي ستاك الحاكم العام للسودان على إبعاد جميع قوات الجيش المصري والموظفين المصريين من السودان وإعادة تنظيم قوات السودان كبداية لتشكيل قوة دفاع السودان التي تدين بالولاء التام للحاكم العام كما تخبرنا كتب التاريخ ...تلك الموافقة أدت إلى تداعيات عديدة وخطيرة أبرزها أغتيال السير لي ستاك بالقاهرة ومن ثم صدور قرار اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني بمصر بجلاء القوات المصرية والموظفين المصريين من السودان...كل ذلك أدى إلى تمرد الجيش في قوة دفاع السودان وفي نوفمبر من عام 1924 قاد عبد اللطيف الماظ ورفاقه الخمسة من الملازمين السودانيين فرقتين من الكتيبة 11 من امدرمان للإصطدام بقوات الجيش البريطاني التي كانت تحيط بالمصريين بالخرطوم بحري..ثم معركة مستشفى النهر واستشهاد الماظ ..ثم ما دونته كتب التاريخ.

خلال الفترة 1925-1927 تبنى السير جون مفي الحاكم العام الجديد للسودان أسلوباً مختلفا في الإدارة باتباع نهج الحكم غير المباشر وذلك بالاعتماد على السلطة القبلية... تلك السياسة استهدفت تقليل الاعتماد على الخريجين مقابل تعزيز وتدعيم سلطة زعماء القبائل...نهاية العشرينيات شهدت إعلان السياسة البريطانية لجنوب السودان والتي اعتمدت توصيات "مؤتمر الرجاف" وركزت على الحد من هجرة تجار الشمال والاعتماد على اللغة الإنجليزية والعمل على تطوير بعض اللغات القبلية لإستخدامها في التعليم.

عند ميلاد الطيب صالح في 1929 كانت ملامح السياسة السودانية تتلخص في حكم إنجليزي صرف يعمل على تركيز السلطات القبلية كدعامة أساسية للحكم غير المباشر وابعاد متعمد للخريجين لدورهم في أحداث 1924.

اقتصادياً تم افتتاح خزان سنار في عام 1925 وتبع ذلك افتتاح مشروع الجزيرة في عام 1926 كأكبر مزرعة تحت إدارة حكومية واحدة في العالم... وعلى سيرة الزراعة لعل الطيب كان يرغب في دراسة الزراعة على المستوى الجامعي ..يقول طلحة جبريل في سيرة الطيب وعلى لسانه:"كنت أفكر في دراسة الآداب، حتى مستر لانغ ناظر مدرسة وادي سيدنا الثانوية شجعني على دخول كلية الآداب، لكن كانت تستهويني دراسة الزراعة إذ بدت لي مسألة رومانتيكية"...لم يواصل تعليمه الجامعي وعمل مدرساً برفاعة بمدرسة لطفي قبل أن يغادر لبريطانيا للالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية عام 1953 وعمره لم يتجاوز 24 عاماً ولكن تلك مرحلة أخرى.

أحد أهم أنداد الطيب من المؤسسات معهد بخت الرضا ...في عام 1930 شكل الحاكم العام لجنة برئاسة مدير مصلحة المعارف مستر ونتر للبحث في إنشاء معهد لتدريب معلمي المرحلة الإبتدائية في أعقاب إضراب طلاب كلية غردون ..عضو اللجنة مستر قريفيث يختار بخت الرضا ليؤسس معهداً تم افتتاحه عام 1934 وستكون له آثاره البعيدة على مجمل التعليم في السودان لعقود طويلة قبل ان تغتاله جهالة الحكام الوطنيين ..ذات معهد بخت الرضا غشاه الطيب صالح نفسه يوماً ليتدرب فيه.

في عام 1932 بدأت بشائر قيام مسرح سوداني تلوح في الأفق بعد مخاض طويل بدأ في مطلع القرن ..في العشرينات شهدت العاصمة جهود ومحاولات طلائع الخريجين من طبقة صديق فريد وعرفات محمد عبد الله وعبد الرحمن على طه وعلي بدري وعوض ساتي وعلي نور وخضر حمد وعبيد عبد النور وبابكر بدري التي تكاملت معها جهود جماعة وأبطال 1924 علي عبد اللطيف وتوفيق وهبي وروفائيل إلياس..وفي عام 1932 كتب خالد أبو الروس أول مسرحية سودانية خالصة "تاجوج والمحلق"..تلك كانت بداية المسرح السوداني والطيب في الثالثة من عمره الذي سيمتد حتى الثمانين وسيشهد مسرحيات في أركان الدنيا جميعها تقدم من على مسارح منتشرة في العالم ليس أبعدها منه مسارح "الويست اند" بلندن.

ميلاد الطيب جاء متزامناً مع إنشاء أكبر ناديين رياضيين بالسودان فقبل ميلاده بعامين تأسس نادي المريخ السوداني في الرابع عشر من شهر نوفمبر عام 1927م وبعد ميلاده بأقل من عام جاء تأسيس نادي الهلال السوداني عام 1930.

في سنة ميلاد الطيب كان الغناء المديني قد شهد تطوراً نوعياً..فبعد فترة "الصياع" بدأت مرحلة الطنبور والدوبيت حيث اشتهرت رميات ود الفكي وإبراهيم العبادي ومحمد عثمان بدري وعلي جن وصالح عبد السيد "أبي صلاح"  ..ثم جاء سرور والأمين برهان ومن ثم  اعتلى كرومة درج الغناء المعلى، كما يقول عثمان عامر، ولا يزال !..ثم جاء خليل فرح لينقل الغناء إلى آفاق جديدة حتى وفاته بعد ولادة الطيب بثلاث أعوام..خلال عمره القصير كان خليل أفندي فرح قد أرسى قواعد هامة للغناء السوداني..قواعد خليل فرح في الغناء الوطني تجذرت في "عازة في هواك" اما في الغناء العاطفي فقد صارت أغاني من طبقة "ما هو عارف" علامات دالة ومشرقة في جدارية المغنى السوداني المجيد المتجدد.

حاشية على أحداث ثورة 1924:

ثورة 1924 بكل معطياتها ووقائعها وأبطالها ودروسها هي رد التاريخ الشافي والناجز على سخف وترهات بعض الإعلاميين المصريين من ذوي الذاكرة المنعدمة والجهل المطبق والأجندة الخفية الذين أوسعوا شعب السودان الأبي الكريم شتماً وسباً في أعقاب هزيمة فريق الكرة المصري أمام نظيره "ولا نقول شقيقه" الجزائري بالخرطوم مؤخراً.

هنا لندن:هنا الأزمة المالية العالمية ..هنا صعود العمال للحكم في بريطانيا وبداية التشرنق النازي وتوماس مان يفوز بنوبل للآداب

"البنسلين يا التمرجي

كتفي اليمين يا التمرجي"

(من غناء بنات السودان في الأربعينيات: وكان السير الكسندر فليمنج قد اكتشف دواء البنسلين في عام 1929، سنة ميلاد الطيب صالح)

 

العام 1929 كان عام الكوارث المالية العالمية وبداية الكساد العالمي...سياسياً كان بنيتو موسيليني يرأس الوزارة في إيطاليا وجوزيف ستالين يحتل سكرتارية الحزب الشيوعي السوفيتي..شهد العام رئيسين أمريكيين: كالفن كوليدج وهيربرت هوفر كما شهد رئيسين لمجلس وزراء انجلترا ستانلي بالدوين زعيم حزب المحافظين الذي خسر المعركة الانتخابية أمام العمال ليفوز رامسي ماكدونالد برئاسة الوزارة...حقيقة الأمر أن عام 1929 كان نقطة تحول كبرى في تاريخ الاحزاب السياسية البريطانية بالانتصارالتاريخي لحزب العمال البريطاني على حزب المحافظين كما شهد ذات العام تعيين مارجريت بونفيلد كأول وزيرة في تاريخ بريطانيا... حزب العمال الذي لم يتكون إلا في عام 1900 استطاع ان يصل للسلطة في سنة ميلاد الطيب صالح عام 1929...حين كان أهل الطيب في كرمكول يولمون لتسميته كان موسيليني والبابا يتفقان على إنشاء دولة الفاتيكان بينما كانت مظاهرات الشيوعيين في برلين تتواصل وتؤدي لمقتل 23 ...حينها كان حاكم الهند لورد ايروين يعلن رغبة بريطانيا في منح الهند حكماً ذاتياً ...في نوفمبر بدأ اليابانيون هجومهم على منشوريا ولا ينتهي ذلك العام إلا بعد الفوز الكاسح للحزب النازي الألماني في انتخابات بافاريا البلدية.

عام 1929 شهد وفاة 200000 شخص بسبب وباء الأنفلونزا الذي اجتاح العالم بينما بلغ تعداد سكان الولايات المتحدة الامريكية 120 مليونا... السير ألكسندر فليمنج يكتشف عقار البنسلين وشركة "موتورلا" تخترع أول راديو للسيارة.

على الصعيد الاقتصادي شهدت سنة ميلاد الطيب صالح كارثة وول استريت التي بدأت بحوالي 13 مليون سهما تتبادلها الأيدي في أربعة أيام وخسارة لأسواق الأسهم تبلغ 5 بليون دولار مما أدى إلى الكساد العالمي في الثلاثينات وأدي إلى فقدان كل واحد من ثلاثة لوظائفهم في الولايات المتحدة الامريكية.

في عالم الاختراعات شهد ذات العام بداية عرض الأفلام على الطائرات في رحلة داخلية بالولايات المتحدة الأمريكية كما شهد بداية عرض أول تليفزيون ملون في نيويورك.. في أغسطس وصل المنطاد قراف زيبلين إلى لوس انجيلوس بعد اجتيازه المحيط الهاديء من طوكيو في 12 يوما ضمن رحلة حول العالم تستغرق 21 يوما... أول 22 كابينة تلفون عمومي تبدأ العمل في بريطانيا... تصنيع عربة موريس ماينور ذات المقعدين والتي تكلف 100 جنيه استرليني...ذات الموريس ماينور ستصبح لاحقاً إحد أهم رموز مشروع الجزيرة بالسودان وستكون من علامات الثراء عند موظفي المشروع في بركات مدينة المشروع الاولى وستمر الأيام قبل ان تندثر وتتهاوى الموريس ماينور ومشروع الجزيرة ببركاته وحواشاته و"أبوات" عشرين وستة كجزء من حضارات كثيرة في السودان سادت ثم أبت العقلية السودانية إلا أن تبيدها وتقف على أطلالها ..نعود لعام 1929 وفيه كان شارلس  ليبر كريج يخترع مشروب السفن أب.

فنياً شهد العام فوز دوجلاس فايربانكس وماري بيكفورد بأول أوسكار..وفاة سيرجيو دياقهلييف أعظم راقصي الباليه الروسي..كذلك شهد العام اختراع شخصية بوباي الكرتونية الفكاهية كما شهد افتتاح متحف الفن الحديث بنيويورك..

على الصعيد الثقافي صدر كتاب روبرت جريفز "وداعاً لكل ذلك" الذي وثَق المهانة التي تعرض لها الرجال الذين يقضون في الخنادق جراء جهل الجنرالات وأيضاً كتاب أيريك ماريا رامورك "كل شيء هاديء على الجبهة الغربية" الذي صوًرالاهوال التي تعرض لها الجنود الألمان في الخنادق...والطيب صالح في الثالثة من عمره صدر أول عمل لنجيب محفوظ وكان ترجمته لرواية "مصر القديمة" عام 1932 بينما فاز الألماني توماس مان (1875- 1955) بجائزة نوبل للآداب عام 1929 عن أعماله وخاصة روايته "بدنبروكس" والتي تعتبر من علامات الأدب الكلاسيكي المعاصر.

رياضياً كان فريق شيفيلد وينسداي يفوز ببطولة الدوري الإنجليزي لكرة القدم لعام 1929  وديربي كاونتي يحل ثانيا وفريق مانشستر سيتي يأتي في المرتبة الثالثة...فيك واتسوم مهاجم فريق وستهام يونايتد اللندني يفوز بلقب هداف الدوري محرزاً 41 هدفا في موسم 1929/1930.

1949: هنا امدرمان..هنا لندن: كلية الخرطوم الجامعية وامتناع لامتناع 

هنا امدرمان: ميلاد نجم كروي: صديق منزول وصناعة النجم "السيوبر ستار"

في عام 1949 إلتحق الطيب صالح بكلية الخرطوم الجامعية التي تحولت فيما بعد إلى "جامعة الخرطوم"، وبالرغم من تميزه في العلوم إلا أن ميوله الأدبية كانت تدفعه لكلية الآداب. ولم يجد استجابة لنقله لكلية الآداب، ترك الدراسة الجامعية إلي مهنة التدريس حيث عمل مدرساً بالمدرسة الأهلية الوسطي بمدينة رفاعة...يقول طلحة جبريل:"بيد أن الطيب صالح الذي التحق بكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم لاحقاً) عام 1949، سيقرر ترك الكلية برمتها عندما وجد أن السنة الأولى في كلية العلوم التي ستقوده بعد ذلك إلى دراسة الزراعة تتطلب منه تشريح الصراصير والفئران، ونفر من هذه الأمور وقرر قطع دراسته الجامعية حيث التحق بالتدريس، ليدرّس اللغة الإنجليزية في مدينة رفاعة في وسط السودان".

بين عامي 1946و1947 عادت المسألة السودانية لتثير الأزمة بين مصر وانجلترا...اتفاقية صدقي-بيفن تترنح أمام قضية السودان في ظل تجاذب الطرفين حول الدور والوجود المصري في السودان..مصر تأخذ المسألة السودانية للأمم المتحدة..

في عام 1949 كانت الحركة الوطنية قد تشرنقت..تكون حزب الأشقاء في عام 1944 تحت شعار الاتحاد مع مصر متخذاً من القاهرة قبلة له وللقوى الاتحادية الاخرى .. وفي العام الذي يليه تأسس حزب الأمة الذي نادي بالسودان للسودانيين وكانت بوصلته تتجه إلى لندن,.. اليسار بدأ يتشكل تنظيمياً تحت مسمى الجبهة المعادية للاستعمار بخيوط تتصل على المدى القريب بحركة اليسار المصرية وعلى المدى البعيد بالإتحاد السوفيتي...حركة الاخوان المسلمين كانت قد بدأت في الظهور في أعقاب وصول أفكار الإمام الشيخ حسن البنا وكتابات خالد محمد خالد التي حملها العائدون من مصر الفاروقية.

في عام 1948 أجريت انتخابات الجمعية التشريعية التي قاطعتها الاحزاب الاتحادية  وكان مؤتمر الخريجين قد رفض  في عام 1943 فكرة قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان...جرت انتخابات الجمعية التشريعية وتم افتتاح المجلس النيابي وتكوين أول حكومة من وزراء سودانيين كلهم من حزب الأمة ..في تلك الأيام والطيب صالح يتأهب لدخول كلية الخرطوم الجامعية كان أهل السياسة في السودان يشتجرون وكان الحكام من إنجليز ومصريين يشتجرون وكان الطيب صالح يدخل الجامعة ليشتجر معها ويغادرها بعد عام واحد.

عام 1946 كان علامة بارزة في تشكيل نواة العمل النقابي في السودان بقيام "هيئة شئون العمال" في السكة حديد بعطبرة وفي ذات العام كان طوفان النيل..عام 1946 كان عام "التساب"...النيل الوادع اللطيف الذي عرفه أهل السودان رائقا كريما لعشرات السنين أصابته اللوثة ذلك العام فأقبل هائجاً مائجاً على قراهم وزرعهم وضرعهم فأورثهم الذعر وفقدان الدار والمعاش فأنشده أحمد محمد الشيخ "الجاغريو" هجاءً مراً في "البحر السطيت": 

"ماكر جيتنا سايرْ ليلكْ كُلوُ تًسْرى

دَمَرتَ الًبشاير وإتعوضَنا حسره تَيارك يفور 

كل ماتشوف زِراعة عليها اخذتَ كَسرة

تنْهضْ لي صراعه كاتل ليك مسره

حُكمكْ كُلوُ جٌورْ"

والناس في غمرة انفعالاتهم الوطنية في أعقاب قيام الجمعية التشريعية كانت صناعة النجم الكروي قد بدأت دون أن يلاحظ أحد ... حين قامت إدارة نادي الهلال بتسجيل اللاعب صديق منزول للهلال في العام 1949م بدا الأمر وكأن النادي قد نجح في الحصول على توقيع لاعب متميز آخر من سلالة آل منزول فقد سبقه للعب لفريق الهلال شقيقه حامد...جاء صديق منزول للهلال من فريق الهاشماب في عام 1949 ليبقى في الهلال حتى اعتزاله في عام 1963 ...عقد ونصف والأمير منزول يعطر سماوات كرة القدم السودانية بكل ما هو بديع في النجم الكروي ...صديق اختط طريقاً مختلفً في طريقة لعبه وفي سلوكه وفي زيه وفي تعامله مع الغير فعُدَّ من الأوائل..لعل الأمير كان أول نجم "سيوبر ستار" عرفته دنيا كرة القدم السودانية الناشئة ولعله الوحيد حينها المعروف في كل السودان وعلى النطاق الإقليمي المحدود حولها... في كتابه "كورة زمان" أفرد البروفيسور عبد العزيز بطران صفحات لسيرة الأمير منزول ومن أطرف ما روى قصة مدافع الموردة في الخمسينات شاويش جمعة مع صديق..كان لقاء الفريقين وكان المطلوب من شاويش جمعة مراقبة صديق اللصيقة ومخاشنته إن استدعى الأمر ..نفذ الرجل المهمة وأعاق صديق عمداً..احتسبت ضربة حرة تصدى لها الأمير بنفسه..لمعرفتهم بخطورة تسديداته ولخوفه الذاتي منه لمخاشنته أياه صاح شاويش جمعة في زملائه من مدافعي الموردة وهم يكونون حائطا لسد الضربة: "أثبتوا يا جماعة..الخاين الله يخونه.. التعايشي شايت"..كانت النتيجة كما أورد بطران إن قذيفة الأمير قد أصابت شاويش جمعة وغيبته عن الوعي"...لصديق أنشدت فتيات السودان البنطلون والجزمة  لون .....صديق منزول شات الكورة قون.

نهاية الأربعينات التي شهدت دخول الطيب كلية الخرطوم الجامعية شهدت وفاة أعمدة غناء الحقيبة فقد توفى الأمين برهان في عام 1945 وتبعه في العامين التاليين كل من سرور وكرومة..كرومة كما ذكرنا عند حديثنا عن التاج مصطفى في هذا العمل هو زرياب الغناء السوداني ، مجِّدده وباني أطره حتى يوم الناس هذا.

والطيب يتأهب للجامعة كانت برامج الإذاعة السودانية قد اضحت علامة بارزة في برامج أهل العاصمة ..الإذاعة ذلك الحين كانت تعمل لمدة تقل عن ثلاث ساعات يوميا وتعمل على ثلاث فترات ..فترة صباحية مدتها نصف ساعة وفترة مسائية أولى مدتها ساعة ونصف وفترة مسائية ثانية مدتها حوالي نصف ساعة..برامج الإذاعة حينها كانت أخباراً واغنيات مصرية وسودانية..ولأخذ لمحة عن برامج الإذاعة في تلك الفترة نستعير ما ورد في الصفحة 82 من كتاب الموسيقار البروفيسور الفاتح الطاهر :"أنا امدرمان: تاريخ الموسيقى في السودان" حيث أورد في تلك الصفحة برنامج الإذاعة السودانية ليوم الاحد 25 ابريل 1948 والذي جاء على النحو التالي:

فترة الصباح:

6.15  قرآن كريم

6.30  نشرة الأخبار

6.40  أغنية كل الأحباب لإسماعيل عبد المعين

6.48  عزف على آلة العود حلمي جاد الله

الفترة المسائية الأولى:

6.30   قرآن كريم

6.40  نشرة الأخبار

6.55  أغنية أول غرام لإبراهيم عبد الجليل

7.03  حفلة غنائية موسيقية لعبد الدافع عثمان

7.25  أغنية سوء تفاهم لموسى حلمي ولورد كاش

7.31  أغنية عيوني وعيونك للخير عثمان

7.43  برنامج يعلن في حينه

7.47 أغنية حبيبي ناوي الرحيل لحسن عطيه

8.00 ختام

الفترة المسائية الثانية:

9.00 أغنية الليل ما بنومو لإبراهيم الكاشف

9.10  آخر الأخبار

9.14  حفلة غنائية موسيقية لعثمان الشفيع

9.25 قرآن كريم

9.30 ختام

إذن والطيب في طريقه للجامعة كانت دنيا السياسة السودانية تمور بأحداث جسام ودنيا الرياضة تستقبل جيلاً جديداً من النجوم ممثلين بالأمير صديق منزول وعالم الفن يودع برهان وسرور ومنجم الألحان كرومة ليستقبل إسماعيل عبد المعين وعثمان الشفيع وعبد الدافع عثمان.

هنا لندن: العالم عام 1949: كارثة بلفور وانتفاضة المارد الصيني..عام أرثر ميللر وإزرا باوند وافتتاح البي بي سي :

عام 1949 ...العالم يلملم جراحه في عقابيل الحرب الكونية الثانية ويمور بأحداثه المتلاحقة..الدروس المفجعة لم يتعلمها أحد فيما يبدو..سياسيا كان عام 1949 عام الكارثة الفلسطينية ..بدأ باعتراف كوبا "باتستا" بدولة الكيان الصهيوني وتوالت الاعترافات خلال العام من بريطانيا وبلجيكا ولكسمبرج وهولندا وسويسرا وتركيا...جرت أول انتخابات في دولة إسرائيل وفوز حزب الماباي بقيادة ديفيد بن جورين وانعقاد أول اجتماع للكنسيت واختيار حاييم وايزمان رئيسا لدولة الكيان الصهيوني..ولتكتمل المأساة فإن إسرائيل تصبح في مايو من ذلك العام العضو رقم 59 في الأمم المتحدة ...بنهاية العام بلغ تعداد سكان الدولة المغتصبة مليون نسمة...بعيداً عن دولة الكيان الصهيوني شهد العام محاولة فاشلة لاغتيال شاه إيران وإعلان الرئيس ترومان لبرنامج النقاط الأربع .. التوقيع على اتفاقية إنشاء حلف شمال الأطلنطي من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا.. بدء محاكمات نورمبرج..جمهورية ايرلندا تنسحب من الكمونولث ورينير الثالث يصبح  أميرا على موناكو.. الروس يرفعون حصارهم عن برلين والذي استمر 322 يوما وكانت بريطانيا والولايات المتحدة قد اسقطتا حمولة 90 ألف طائرة من المواد التموينية على المدينة خلال هذه الفترة بما يعادل اسقاطا كل خمس دقائق...إعلان قيام دولة المانيا الغربية ومملكة سيام تغير أسمها إلى تايلاند....تكوين دولة فيتنام والباو داي على سدة الحكم فيها ثم إعلان استقلالها عن فرنسا...إنقلاب عسكري في سوريا بقيادة العقيد سامي الحناوي.. إعلان جمهورية الصين الشعبية ..الملك فارق يعلن حل البرلمان المصري وأحمد سوكارنو يصبح رئيساً على أندونيسيا .

اقتصاديا شهد عام 1949 قيام الحكومة البريطانية بتأميم صناعة الحديد والصلب... وشهدت بريطانيا كذلك خروج الملايس من بطاقة التموين بعد ثمانية سنوات من إعلانها وتخفيض قيمة الجنية الأسترليني بحوالي 30%.

في مارس من عام 1949 ، والطيب صالح يقدم أوراقه للإلتحاق بكلية الخرطوم الجامعية، كان برودريك كرافورد يفوز بجائزة الأوسكار لعام 1949 عن دوره في فيلم "كل رجال الملك" من انتاج شركة كولومبيا وكان قد ترشح لنيل الأوسكار كل من كيرك دوجلاس عن دوره في فيلم"البطل" وجريجوري بيك عن دوره في "الساعة الثانية عشرة" وريتشارد تود عن فيلم "القلب المسرع" وجون وين عن "رمال ايو جيما"...عام 1949 شهد وفاة ريتشارد شتراوس الموسيقار الألماني الأشهر عن 85 عاما.. .أعمال النحات هنري مور كانت تطوف أوروبا..السير الفرد مننجز يحاضر في الأكاديمية  الفنية منتقدا الفن الحديث وأعمال بيكاسو.. صدور عمل سيمون دي بوفوار "الجنس الثاني"..ذات العام شهد بداية منح جوائز أيمي حيث حصلت عليها شيرلي دينسديل عن "بانتومايم" وافتتاح عرض مسرحية "موت بائع متجول " لآرثر ميللر على مسرح مورسكو بنيو يورك..ميللر يحصل في ذات العام على جائزة بلتزر عن ذات العمل..مسرحية "آني احضري بندقيتك" تنهي عروضها بعد تقديم 1147 عرضاً.

على صعيد الاختراعات والأكتشافات والمستجدات شهد عام 1949 قيام أول طائرة حربية أمريكية برحلة حول العالم دون توقف لأول مرة كما شهد افتتاح أول مغسلة ملابس عامة ببيريطانيا بمنطقة كوينسواي في لندن..وأول كاميرا بولارويد يتم بيعها بحوالي 90 دولارا.. ولعل أبرز المستجدات الإعلامية لعام 1949 كان افتتاح هيئة الأذاعة البريطانية والتي سيرتبط بها الطيب صالح لاحقا.

ثقافياً شهد عام 1949 إطلاق جائزة بولنجن للشعر والتي حاز عليها إزرا باوند ومسرحية البير كامو "السفاحون العادلون" تعتلي قائمة أكثر المسرحيات إقبالا على مسارح باريس..." صديقتي أيما" أول فيلم من سلسلة استمرت 12 فيلما تجمع بين دين مارتين وجيري لويس... الأمريكي وليام فوكنر ( 1897-1962) يفوز بجائزة نوبل للآداب في عام 1949 لإضافاته المتفردة للأدب الامريكي.

إبان تلقى الطيب صالح دراسته الثانوية بمدرسة وادي سيدنا الثانوية كان نجيب محفوظ يرفد المكتبة العربية بالعديد من الأعمال الكبيرة فخلال الفترة 1946-1949 أصدر الرجل: "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"السراب" وبداية ونهاية".

عام 1949 كان عام الأوائل في مجالات متعددة فقد شهد أول زنجي يتخرج من ألاكاديمية البحرية الامريكية وشهد تخرج أول طبيبة من كلية هارفارد الطبية.. وفريق نيو يورك جيانتس يسجل أول لاعبيه السود .

رياضياً شهد عام 1949 اعتزال أسطورة الملاكمة للوزن الثقيل جو لويس وجو دي ماقيو يصبح أول لاعب في تاريخ لعبة البيسبول يحصل على أجر يبلغ مائة ألف دولار في السنة...على صعيد كرة القدم فريق بورتسموث يتوج بطلاً للدوري الإنجليزي وفريقا ولفرهامتون وندررز وسندرلاند يحتلان المركزين الثاني والثالث ،على التوالي، ...ديكي ديفيز لاعب سندرلاند يحتل صدارة هدافي الدوري محرزاً 25 هدفاً.

1953: هنا امدرمان ..هنا لندن : ميلاد أمة وتتويج ملكة  

في شتاء عام 1953 ترك الطيب صالح السودان..ترك كرمكول وبورتسودان وأمدرمان والخرطوم ورفاعة ..تركها خلفه وهو ينشد المجد هناك حيث البريطانيين الذين تركهم خلفه في السودان ... ترك السودان زاده توق للمستقبل ..فؤاد ازهر وعقل حاد ولسان يردد لفؤاد حداد:

"وانا صنعتى مســحـراتى فى البلد جوال

حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال

وكل شبر وحته من بلدى

حته من كبدى

حته من موال"

(فؤاد حداد: المسحراتي)

هنا امدرمان: أمامك " نخلة على الجدول" وخلفك أمة تقرر مصيرها

تقول سيرة الطيب صالح إنه هاجر إلي لندن في عام 1953 حيث عمل بالقسم العربي في الإذاعة البريطانية وترقي في فترات وجيزة حتى تسنم وظيفة رئيس قسم الدراما. ...في ذات العام كتب أول قصة قصيرة عام 1953، بعنوان "نخلة على الجدول".

بيد أن الطيب لم يكن سعيداً على الإطلاق في هجرته إلى لندن "جئت إلى بلد لم أكن أرغب فيه لأعمل عملاً هو كذلك ليست لي رغبة فيه... تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق في بلد غريب بين قوم غرباء"...أو كما قال لطلحة جبريل.

اهتم الطيب صالح خلال سنواته الأولى في بريطانيا بالمسرح، وقرأ كتباً كثيرة في الأدب والفن والتاريخ والاجتماع، وفي السياسة وجد نفسه ميالا للاشتراكية العمالية، واندمج في حياة لندن وتزوج من زوجته جولي (بريطانية)، ورزق منها بناته زينب وسارة وسميرة.

والطيب صالح يعمل برفاعة ويستعد للسفر للندن كانت الساحة السياسة السودانية تشتد تأزما..في عام 1951 أعلنت الحكومة المصرية إلغاء معاهدة صدقي- بيفن بسبب السودان..وفي عام 1952 جاء ناصر فملأ الدنيا وشغل الناس..وكان الاتفاق قد تم في ذات العام بين محمد نجيب والإمام عبد الرحمن المهدي على خطوات تقرير المصير كما التقى اللواء نجيب بقادة الاحزاب الاتحادية ونجح في توحيد القوى الاتحادية في إطار الحزب الوطني الاتحادي.

في عام سفر الطيب صالح إلى لندن وتحديدا في فبراير من عام 1953 كان اللواء أركان حرب محمد نجيب ورالف اسكراين ستيفنسن يوقعان بالقاهرة اتفاق الحكومتين المصرية والبريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان...إتفاقية فبراير 1953 بشأن مستقبل السودان نصت على تشكيل لجنة مختلطة للانتخابات برئاسة الهندي سكمارسون لقيام جمعية تأسيسية لتقرير مصير السودان ووضع دستور دائم للبلاد..ولجنة اخرى للسودنة.

اكتسح الوطني الاتحادي الانتخابات وعقد البرلمان السوداني أول اجتماعاته برئاسة القاضي بابكر عوض الله وتم اختيار لابس بدلة الدمور سيدي الأزهري إسماعيل رئيسا للوزارة والمحجوب زعيما للمعارضة ومبارك زروق زعيما للأغلبية...مهام الأزهري كانت تتركز في السودنة والجلاء وإعداد قانون لإنتخاب جمعية تأسيسية لتقرر مصير السودان..ثم كان ما كان من تقلبات ذكرتها كتب التاريخ...الشاهد معنا أن الطيب صالح غادر السودان والبلاد تتحسس خطاها على درب الاستقلال مترسمة خطى وستمينستر النيابية.

على المستوى الفني كانت البلاد تشهد ميلاد جيل جديد من المغنين ..في العام الذي غادر فيه الطيب صالح السودان كانت الإذاعة السودانية تقدم للأذن السودانية المبدعين القادمين وعلى راسهم سيد خليفة وإبراهيم عوض وصلاح محمد عيسى ..سيد خليفة كان طالبا بالقاهرة ومن ثم غرد بثنائية "يا بانة" و"يا قماري" فسجل حضوراً متميزاً في ساحة الغناء السوداني وكذلك فعل زميلاه وخاصة إبراهيم عوض الذي أضاف بعداً جمالياً مفتَقداً للفنان المؤدي شكلاًً ومضموناً فأحدث ما أحدثه عبد الحليم حافظ في مصر من نقلة نوعية في بذل الغناء وتلقيه.

رياضياً انتعشت كرة القدم السودانية وبدأت تعمل وفق إدارات منتظمة وتكون الاتحاد السوداني لكرة القدم وكان أول تنظيم لبطولة الدوري حينها قد بدأت عام 1952 باسم دوري الخرطوم ليفوز بها نادي استاك "التحرير لاحقا" من مدينة الخرطوم بحري.

تقول الرواية السائدة إن مخزون الطيب السوداني وخاصة مخزون القرية كان دافعه لكتابة أولى أعماله "نخلة على الجدول" في عام 1953 وهو ذات العام الذي وصل فيه إلى انجلترا ولكن القصة لم تظهر إلا لاحقاً .

هنا لندن:اليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا وخرتشوف سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي السوفيتي وزواج جون كيندي وداج همرشولد أمينا عام للأمم المتحدة وميلاد بيل غيتس

  "يا جنا الماو ماو بحبك

  "حبي يعلم بيهو ربك"

 (من غناء بنات السودان في الخمسينات لنصرة حركة التحرر في كينيا بقيادة الماو ماو)

في مارس من عام 1953 توفي جوزيف ستالين وتم انتخاب نيكيتا خروتشوف سكرتيراً للحزب الشيوعي السوفيتي خلفا له..وفي يونيو تم تتويج اليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا وايرلندا الشمالية في ويستمينستر ابيي و20 مليونا يشاهدون التتويج على التلفزيون..أيزنهاور رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية خلفا لهاري ترومان وجهاز الأف بي آي يبدأ في محاصرة القيادات الشيوعية في أمريكا كامتداد للمكارثية ..إعادة شاه إيران إلى عرشه بمساعدة وكالة الأستخبارات الأمريكية عقب الإنقلاب عليه...الحكم على زعيم حركة الماو ماو في كينيا جومو كينياتا بالسجن سبع سنوات مع الأشغال الشاقة.. حوالي 2500 من العمال في ألمانيا الشرقية من العاملين في مشروع ستالين هالي للإسكان يضربون عن العمل وينظمون مسيرة احتجاجاً على شروط العمل الجديدة التي تطالبهم بالعمل الإضافي أو التعرض لاستقطاع 10% من رواتبهم وروسيا ترسل دبابات تي 34 وعشرة آلاف جندي لإيقاف التمرد في برلين الشرقية ..في سبتمبر كان زواج السناتور جون كيندي من جاكلين بويار....شهد ذات العام إعلان نهاية الحرب الكورية بتوقيع اتفاقية بانمونجوم وكانت الحرب قد استمرت 3 سنوات وأدت إلى مقتل مليونين..انتخاب داج همرشولد أمينا عاما للأمم المتحدة...عام 1953 كان عام ميلاد بيل غيتس صاحب مايكروسوفت وما أدراك ما مايكروسوفت ...في عام 1953 شملت قائمة زعماء العالم : ماو تسي تونج في الصين، جواهر لال نهرو في الهند، المستشار أديناور في المانيا،والسير ونستون تشيرشل رئيسا لوزراء المملكة المتحدة.

على المستوى البريطاني حملت عناوين الصحف في عام 1953 أخباراً عن عبَّارة تغرق في بحر ايرلندا ووفاة 100 شخص غرقاً...ومحاكمة جون كريستي بالإعدام لقتله أربعة أشخاص.. بدء العمل بنظام الرخصة التجارية للتلفزيون في بريطانيا..وخروج السكر والحلويات من قائمة التموين.

عام 1953 كان عام الكوارث الإنسانية على مستوى العالم ..الرياح والعواصف تجتاح الحواجز في بريطانيا وتخلف 150 قتيلاً.. فيضانات بحر الشمال تقتل حوالي ألفي شخص في جنوب غرب هولندا..الزلازل في تركيا تؤدي لمقتل 250 شخصا..الأعاصير في جنوب شرق آسيا تخلف 1000 قتيلاً.

على صعيد الاكتشافات والمستجدات شهد العام التجارب الأولى للقاح شلل الأطفال على يد الطبيب جناس سالك... بداية إرسال التلفزيون الملون...مدينة نيو يورك تستحدث الإشارة الضوئية ثلاثية الألوان..إعلان أن السجائر مسبب لسرطان الرئة.. أبحاث الفيزيائي البريطاني فرانسيس كريك وعالم الاحياء الامريكي جيمس واتسون تفتح الطريق للكشف عن الدي أن أيه (الحمض النووي).

 على الصعيد الثقافي والأدبي شهد العام فوز وينستون تشيرشل  بجائزة نوبل للآداب عن أعماله التاريخية بما فيها "معركة النهر" كما شهد وفاة الشاعر الويلزي العبقري ديلان توماس عن 39 عاما..دور العرض البريطانية تواصل عرض الفيلمين Genevieve وTitfield Thunderbolt.

أيان فليمنج ينشر أول أعماله عن جيمس بوند ..ومارلين مونرو تظهر على غلاف مجلة البلاي بوي...أهم أفلام عام 1953: الحبل، من هنا للخلود، شين، كيف تتزوج مليونيرا، حروب العالم والرجال يفضلون الشقراوات لمارلين مونرو.

رياضيا حقق الفريق المجري بقيادة بوشكاش وبوجيك وهيديوكوتي ما لم يحققه فريق آخر في تاريخ كرة القدم العالمية إذ استطاع ان يسحق المنتخب الإنجليزي بستة اهداف مقابل ثلاثة في ويمبلي كأول فريق أجنبي يهزم الإنجليز على أرضهم...السير ادموند هيلري وتنزيج نورقاي ينجحان في الوصول إلى قمة جبل أفرست ...السير غوردون ريتشاردس يفوز بالديربي على الفرس بينزا متقدماً على حصان الملكة ايرول.وفي أغسطس بريطانيا تفوز ببطولة الأشز للكريكيت لأول مرة منذ عام 1933....فريق ولفرهامبتون وندررز يتوج بطلاً للدوري الإنجليزي لكرة القدم ووست بيروميش ألبيون وهدرسفيلد تاون يحتلان المركزين الثاني والثالث على التوالي..جيمي قلازرد لاعب هدرسفيلد تاون يحتل صدارة هدافي الدوري محرزاً 29 هدفاً.

بعد استقراره في لندن سيعلم الطيب انه سيعيش زمن جيمي جريفز نجم كرة القدم الإنجليزي الأشهر الذي حطم أرقاما قياسية في تسجيل الاهداف وفي رسوم توقيعه لفرق كرة القدم الأنجليزية والإيطالية..جيمي جريفز الذي بدأ يافعاً موهوباً في شيلسي اللندني سيستعين به آي سي ميلان الإيطالي قبل ان يعود للندن ليصنع مجدا آخر مع توتنهام..ذاك كان حين كانت الكرة الأنجليزية تزدان بنجوم يستعان بهم أوربياً قبل ان تحتاج انجلترا نفسها لمن يعينها من كل جنسيات العالم كما سنرى لاحقاً.

1966: هنا امدرمان ..هنا لندن : "موسم الهجرة إلى الشمال" على الأرض ولونا تسعة على القمر:    

1966 هنا امدرمان: بل هنا صدور أحد أهم الروايات العالمية

"الليلة يستقبلنى أهلى :

أرواح جدودى تخرج من

فضَّة أحلام النّهر، ومن

ليل الأسماءْ

تتقمص أجساد الأطفالْ.

تنفخ فى رئةِ المدّاحِ

وتضرب بالساعد

عبر ذراع الطبّالْ."

"الليلة يستقبلنى أهلى :

أهدونى مسبحةَّ من أسنان الموتي

إبريقاً جمجمةً ،

مُصلاَّة من جلد الجاموسْ

رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ

لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ

من جسد الأرضِ

وعبَر سماء الجُرحْ.

الليلة يستقبلنى أهلى"

(محمد عبد الحي العودة إلى سنار : النشيد الأول "البحر")

كتب الطيب صالح "نخلة على الجدول" عام 1953 وفيه وفيها ظلال حنين يتخلق لكرمكول الواقع وود حامد الخيال..قبل 1962 كان قد كتب "حفنة تمر" و"دومة ود حامد" التي نشرتها مجلة "انكاونتر"الأدبية الإنجليزية ....في عام 1964 كتب الطيب صالح روايته الأولى «عُرس الزين» وفي عام 1966 أخرج للناس درته ومسك دم غزال منجزه الروائي "موسم الهجرة إلى الشمال".

أبان فترة ظهور "موسم الهجرة إلى الشمال" كان السودان يمور ،كعادته، بأحداث جسام..عام 1964 كان عاماً مضيئاً في تاريخ السودان ..لقد اقتلع الشعب السوداني نظام الجبروت العسكري الاول في ثورة شعبية نادرة المثال ..تكونت حكومة جبهة الهيئات ومن ثم "تاورت" الأحزاب أمراضها وعللها....عام 1965 شهد انتخابات وتكوين حكومة ائتلافية ولعل العلامة البارزة في تلك الفترة انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة لحل المشكل الجنوبي المزمن ..لعبة السياسة وتغيير الحكومات تتواصل على وقع الحرب التي استعرت بين آل المهدي ..السيد الصادق كان قد أكمل الثلاثين ودخل الجمعية التأسيسية وله رؤى وأفكار بشأن السياسة والبشر تزاوج بين التراث والمعاصرة ..الأحزاب الاتحادية كانت لا تزال في حالة خصام ما بين الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديموقراطي..قوى اليسار قوي عودها بعد اكتساحها لدوائر الخريجين التي كان الدكتور حسن الترابي "برنجيها" بتفوق ملحوظ..عرف النشاط السياسي السوداني دخول المراة للبرلمان بفوز الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم.

عام 1965 وفي فبراير تحديداً تشرف السودان بزيارة استثنائية من قبل صاحبة الجلالة الملكة اليزابيث الثانية..ولأن الزيارة استثنائية كان لا بد ان يقابلها رئيس سوداني استثنائي..كانت الرئاسة لمجلس السيادة حينها دورية وكان من حسن طالع الملكة والسودان أن كانت "مناوبة" الرئاسة ذلك الشهر للشيخ الرئيس البروفيسور التيجاني الماحي.. لا شك ان الملكة ظنت بنا وببلادنا خيراً ..بلاد تنجب مثل تيجاني الماحي وتوليه أمرها لا شك أنها عند الملكة، وغيرها، بلاد تعرف من تنجب وكيف تولي...ما أجمل الأماني وما أقل الاستثناءات ..لم تعرف جلالتها ولا العالم أن الاستثناء يظل استثناءً وأن "البطن بطرانة"!.  

وموسم الهجرة تفاجيء المحيط الثقافي العربي كان العالم العربي غارق في انصرافياته لا يعلم ما تخبئه الأيام من كارثة محدقة اسمها حرب حزيران..في العام الذي صدرت فيه موسم الهجرة كان نجيب محفوظ يصدر "ثرثرة فوق النيل" والتي تبعها بروايته المثيرة للجدل "أولاد حارتنا"..وكانت الفترة بين عامي 1956 و1957 شهدت صدور أهم منجز إبداعي لنجيب محفوظ متمثلاً في ثلاثيته الأشهر : "بين القصرين" و"السكرية" و"قصر الشوق".

على المستوى المحلي كانت كرة القدم السودانية تشهد عصراً جديداً بدخول المدرب الأجنبي (جورج استاروستا) وظهور جيل جديد من اللاعبين..هذا جيل هلال نصر الدين عباس جكسا ومريخ ماجد عثمان.. على الصعيد الفني ازدهرت في تلك الفترة ثنائية إسماعيل حسن ومحمد وردي...وزادت رصانة ثنائيات بازرعة وعثمان حسين والشفيع والقرشي.

هنا لندن: أنديرا غاندي تقود الهند وبرجنيف لسكرتارية الحزب الشيوعي الروسي وحزب العمال يعود للحكم وانجلترا تفوز بكأس العالم لكرة القدم

عام 1966 عام صدور عمل الطيب صالح الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال" كان القادة السياسيون حول العالم يعالجون قضايا تركت آثاراً عميقة على دولهم وعلى العالم أجمع ...في فرنسا كان على ديجول التعامل مع تيار الوسط واليسار المتنامي بقيادة فرانسوا ميتران ..في المانيا كرت كيسينجر يخلف  لودفيج ايرهاد .. في ذلك العام انتهت مفاوضات السلام بين الهند وباكستان بسلام وتم انتخاب انديرا غاندي رئيسة لوزراء الهند خلفا لشاستري وفي ايطاليا ذات الحكومات المتغيرة على مدار العام كان الدو مورو يجلس على سدة الرئاسة ..في القطبين العالميين كان على رأس الاتحاد السوفيتي ليونيد برجينيف يقابله في الولايات المتحدة ليندون جونسون ..أما في بريطانيا فقد شهد العام فوز حزب العمال بقيادة هارولد ويلسون بالانتخابات العامة..حكومة العمال أوفت بعهدها للعديد من المستعمرات فنالت استقلالها...عام 1966 شهد دخول رونالد ريجان دائرة العمل السياسي بانتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا كما شهد مظاهرات السود في اتلانتا والقوة السوداء تصبح عاملا مؤثراً في السياسة الامريكية و تكوين منظمة الفهود السوداء بأمريكا وبداية تظاهرات عالمية لنصرة فيتنام التي بلغ مجموع القوات الأمريكية فيها ذلك العام 500,000 جندي.

على مستوى آخر شهد عام 1966 عقد اجتماع بين البابا بولس السادس وآرثر مايكل رامسي اسقف كانتربري في روما كان  الأول من نوعه خلال 400 عاما بين رئيسي الكنيستين الكاثوليكية والأنجيليكية...الصين تعلن الثورة الثقافية وتطهير أجهزة الدولة من العديد من المثقفين بدعوى عدم المواكبة والرجعية.

عام 1966 لم يخل من الكوارث فقد شهد فيضان نهر آرنو الذي أدى إلى خسائر فادحة في مدينة فلورنسا الإيطالية وتدمير آلاف الكتب والمخطوطات والأعمال الفنية التاريخية النادرة كما شهد زلزالاً في تركيا يخلف 2400 قتيلا و10000 جريحاً وكارثة انزلاق صخري من منجم للفحم في ويلز أدت إلى مقتل 144 شخصاً 116 منهم من أطفال كانوا بالمدرسة التي انزلقت عليها الصخور.

في عالم الاكتشافات والمستجدات الاتحاد السوفيتي ينجح في ايصال المركبة الفضائية لونا 9 إلى القمر والولايات المتحدة تتبعه بالمساح 1 بعد أربعة أشهر... :إطلاق طائرة الهارير في بريطانيا وشيوع استخدام التلفزيون الملون..اكتشاف الألياف البصرية من قبل البريطانيين جارلس كيو وجورج هوكهام.. جيش الخلاص يحتفل بمرور مائة عام على إنشائه.. الميني اسكيرت يتصدر عالم الموضة والأزياء... جميع علب السجائر في أمريكا تحمل تحذيراً صحياً عن خطورة التدخين على الصحة...وتعداد سكان الولايات المتحدة يتجاوز 195 مليونا.. . اصدار الباركلكار كأول بطاقة ائتمانية.

على الصعيد الثقافي والفني شهد عام 1966 إطلاق أول جزء من أفلام الخيال العلمي "ستار ترك" ونشر أول رواية للكاتبة جاكلين سوسان "وادي الدمي".. إذاعة وتلفزيون البي بي سي يعلن وقف عرض فيلم "لعبة الحرب" لما تضمنه من صور حول حرب نووية على بريطانيا ..عرض فيلم "عودة كاثي إلى المنزل" يثير الشارع البريطاني وتكوين منظمة " ايواء" كردة فعل مباشرة من عرض الفيلم...أهم أفلام العام :ثندربول، دكتور زيفاجو، من يخاف فيرجينيا وولف؟، ورجل لكل المواسم...أهم الموسيقيين: الخنافس ، منكيز، بيش بويز، الرولينج ستونز.

جائزة نوبل للآداب في عام 1966 فاز بها مناصفة كاتبان يهوديان ..منحت الأكاديمية الجائزة لكل من شمايل يوسف لقنون لتعبيره عن حياة الشعب اليهودي وللكاتبة نيللي ساش وهي كاتبة سويدية لكتاباتها الدرامية حول مستقبل إسرائيل"....عام 1966 الذي شهد ميلاد "موسم الهجرة" شهد أيضاً فيلم "الخرطوم".. فيلم روبرت اردري الذي أخرجه باسيل ديردن منحت فيه البطولة لاثنين من "أسطوات" التمثيل العالمي..شارلتون هيستون في دور غوردون والعبقري اللورد لورانس أوليفييه في دور المهدي.

رياضياً انجلترا تفوز بكأس العالم بعد فوزها في ويمبلي على ألمانيا 4-2 بعد تمديد الوقت. جيف هيرست يحرز ثلاثة اهداف (هاتريك)...وشهد موسم 1966/1967 لكرة القدم في انجلترا حصول فريق مانشستر يونايتد على لقب البطولة للمرة السابعة ...نوتنجهام فورست يحتل المرتبة الثانية وتوتنهام هوتسبر يحتل المرتبة الثالثة ..رون ديفز لاعب فريق سامثهامبتون يأتي على رأس قائمة هدافي الدوري الإنجليزي ذلك العام... عام 1966 الذي شهد فوز محمد علي كلاي على هنري كوبر في بطولة العالم للوزن الثقيل في لندن شهد أيضاً ميلاد مايك تايسون الملاكم.

2009: هنا امدرمان ..هنا لندن : رحيل "ضو البيت"   

"وما زال في الدرب دربٌ. وما زال في الدرب متّسعٌ للرحيلْ

سنرمي كثيراً من الورد في النهر كي نقطع النهر.

لا أرملهْ تحبُّ الرجوع إلينا. لنذهب هناك.. هناك شمال الصهيل..

ألم تنس شيئاً بسيطاً يليق بميلاد فكرتنا المقبلهْ؟

تكلم عن الأمس، يا صاحبي، كي أرى صورتي في الهديلْ

وأُمسكَ طوقَ اليمامةِ، أو أجد النايَ في تينةٍ مهمله..

حنيني يئنُّ إلى أي شيء ، حنيني يصوّبني قاتلاً أو قتيلْ

وما زال في الدرب دربٌ لنمشي ونمشي. إلى أين تأخذني الأسئله؟

سأرمي كثيراً من الورد قبل الوصولِ إلى وردةٍ في الجليلْ.

(محمود درويش : وما زال في الدرب درب)

"إذا دجا

ليلُ الخطوبِ … وَجَدته

فجرا

يضوء على شفيرِ سنانِ

فعرفتُ كيف تصيرُ مفردةً

لظى

حينا

وكيف تصيرُ  زهو مغان

وعرفت أن العمرَ في صدقِ الأديبِ

إذا استظلَ بشعبِهِ عمران"

(بلند الحيدري: تحية الأديب، في مهرجان تكريم ألبير أديب)

هنا امدرمان: هنا مقابر البكري

عن ثمانين حولاً رحل ضو البيت ...توفي في فبراير 2009 بلندن ..سرت في كل بيت سوداني موجة حزن عميقة لفقد إنسان صار حيازة عامة لكل أهل السودان.. في علاقته مع عموم أهل السودان انتفت بالكلية صلات الرحم والدم والقبيلة والجهة وقامت بينه وبينهم عرى محبة تم غزلها ونسجها على نول بديع الخلق وكريم السجايا وعشم الغبش الطيبين ونظرتهم الثاقبة في الرجال..لقد أضحى "ضو البيت" رمزاً لخصالهم الحميدة و"أيقونة" لما يتمنونه من وجود فاعل موجب لأبنائهم على الساحات الإقليمية والعالمية.

رحل الطيب والبلاد التي تركها منذ نصف قرن من الزمان لا تزال تبحث عند كل بيطار عن  مداوة لجروح ابتليت بها وعزت مراهمها..شقاق ونزاعات وحروب..قابيل أين هابيل؟ ..شمال يقاتل الجنوب ويصالحه ويختلف معه...حرب الأنيانيا الاولى واتفاقية اديس أبابا ثم أنانيا الثانية ومن ثم العالم يجتمع لينفض أجاويد في أثر أجاويد ..ثم نيافاشا التي أوقفت الحرب ولم توقف الخلافات..زادت جروح الوطن بنزيف دارفور الدامي المستمر وتدويل المشكلة واتفاقيات في عواصم افريقية وعربية وقوات أممية تعس وتحرس فاشر أبو زكريا ..ذات الفاشر التي ساسها السلطان علي دينار بالحكمة وسورها بالعدل وأدارها بالقسطاط أصبح يقوم على إطعام أهلها وحراسة أمنهم قوات "هجين" ... من نكد الدنيا على أهل السودان وأهل دارفور إن تأتي جيوش العالم وقواته إلى فاشر أبو زكريا لتقيم وتحرس معسكرات إيواء وإعاشة لنسل رجال كانوا القيمين طوعاً وحباً ومقدرة على "محفل" السلطان علي، كسوة للكعبة الشريفة وإطعاما لحجاج بيت الله الحرام وسقيا لضيوف الرحمن فتأمل!.    

رحل عنا ضو البيت والسودان الذي كانت الزراعة عمود اقتصاده المتساوق مع موارده الطبيعية يضحى من البلاد البترولية .. أضحى من البلاد البترولية بخ بخ..ولكن تهاوى مشروع الجزيرة كما تهاوت قبله سكك حديد السودان..حكومات رفعت يدها عن كل ما يخص المواطن ودعته سراً وعلانية لتعليم نفسه وتطبيب نفسه وحراسة أمنه وتقلص دور الدولة إلى حراسة نفسها وجباية المكوس و"الدقنية"...اقتصاد عشوائي يثري فيه أفراد ويفتقر فيه شعب.

البلاد التي قال عنها الطيب أن الراعي فيها يقطع البيد والفيافي آمنا مطمئنا لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه صار إنسانها يخاف على أهله سعيته في بيته..السلاح الموجود في أيدي الناس في كافة أرجاء البلاد بما فيها عاصمة الدولة صار أكبر عدداً وأحدث نوعاً وأشد فتكاً مما هو متاح للقوات النظامية.

رحل الطيب والرياضة لا بل كرة القدم شاغل الناس وقد استبدلوا الأمير منزول وبرعي أحمد البشير بالمحترفين من أفريقيا والعالم الثالث بل "رجيع" بلاد الأمازون ...بلغ تعداد السكان ما يقارب الأربعين مليوناً وصرنا بلداً بترولياً ..العطالة وجدت ضالتها في شباب البلاد ومؤسساتنا لا تني تستقدم عمالة من شرق وغرب آسيا وبلاد تركب الأفيال.

رحل الطيب صالح وعرائس أهل السودان يتم زفافهن على ايقاع الطبل المصري والزفة المصرية ولا تزال بقايا نساء ممتلآت بالبركة يرددن بصوت خافت "المهيرة عقد الجلاد" " وعريسنا سار" و"الليلة يوهي"".

رحل الطيب وقفزات الضفدعة صارت ميسما لكل "نمو" غير متوازن في شتى الصعد في سودان الألفية الثالثة ."العشوائية" طابع العمران حتى في المدن الراقية الجديدة ...التليفون المحمول في كل يد وهو خال من الرصيد.. طبق الإستقبال الرقمي على سطح كل بيت وإن عز "الجالوص"...فاتورة الكهرباء تسدد مقدماً ولا تيار..الشهادات والألقاب العلمية تلقى على الناس كما "تحية الصباح" ..الركشة سيدة الشارع فإن أبيتم فالأمجاد حاضرة ولا تزال "الكارو" وسيلة الانتقال في بعض أطراف عاصمة البلاد التي تغرق مع إطلالة كل خريف مرددة مع عبد الحليم حافظ "إني أغرق ..إني أغرق ..إني أغرق".

رحل ضو البيت فبكاه الناس ..بكوه للفقد وفي فقده يبكون ذواتهم..أجيال من أهل السودان بكت في الطيب آمالاُ عراضاً وئدت تحت حوافر وسنابك العبث السياسي واللامسئولية المجتمعية التي اقعدت ببلاد عظيمة وشعب أبي نبيل عن مراده وما يستحقه من عيش كريم وحياة حرة. 

هنا لندن:باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية  

رحل الأفندي "عشا البايتات القوى" وخَّلف وراءه الدنيا تموج كما عاشها...إسرائيل تبدأ هجومها بل حربها على قطاع غزة واثيوبيا تنسحب من الصومال...من يصدق إن الصومال ظلت في حرب لما يقارب العقود الثلاثة..منذ رحيل سياد بري وهذه البلاد البائسة نهب للحرب بين أبنائها فلم يتركوا حجراً قائماً ..لم يوفروا حرثا ولا ضرعا ..فلما أورثوا يابستهم الدمار سدوا البحار والخلجان على خلائق الله وسفن الناس قرصنة ولصوصية وقلة حياء.

في سنة رحيل "ضو البيت" احتفل العالم بالرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية كما لم يحتفل به من قبل..من يصدق أن ذات الولايات المتحدة الامريكية التي عاشت أهوال حرب الجنوب فيها ومارست أبشع انواع التمييز العرقي في ولاياتها الجنوبية تحتفل ببلوغ باراك حسين أوباما سدة الرئاسة..جاء الشاب الموهوب ببلاغته وشخصيته الكاريزمية ليحدث انقلاباً في مفاهيم السلطة في المجتمعات الغربية..ما بين كينيا وهونولولو واندونيسيا تشكلت سمات رئيس امريكي مختلف.

في ذات عام 2009 وافق موقابي في زيمبابوي على تشاركية السلطة بعد لأي ..الرجل التسعيني كأسلافه من قادة التحرر الوطني في أفريقيا يأبى إلا أن يعيش في الماضي وقد تحول من بطل قومي إلى كارثة سياسية ..يود أن يبقى رئيسا مدى الحياة رافضا للتغيير ..هذا قدر أفريقي وعالمثالثي صرف ..ليس وحده بل هو عضو في نادي للرؤساء الأوائل منذ جومو كينياتا وهاستينج باندا وحتى أحمد سيكتوري والحبيب بورقيبة.

في عام رحيل الطيب أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمراً بملاحقة الرئيس السوداني عمر البشير وتمت الإطاحة برئيس مدغشقر مارك رافلومانان...في البيرو كان رئيسها السابق البرتو فوجوموري يحاكم بالسجن 25 عاما لإعطائه أوامر لقوات الامن لقتل واختطاف مدنيين... اغتيل رئيس غينيا بيساو ..في إيران اعيد انتخاب محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي منافسه يحتج والمظاهرات تندلع في طهران وغيرها.

عام 2009 هو عام انفلونزا الخنازير التي انطلقت من المكسيك وانتقلت للعالم أجمعه..اليونسكو تطلق مكتبة العالم الإلكترونية.

ثم رحل مايكل جاكسون...رحل الفتى الموهوب بعد أن عاش حياة ملؤها الاضطراب والإبداع  الخارق ..الابن الأصغر في مجموعة الجاكسون أخوان بهر العالم بموهبة نادرة ..أصاب العالم الدوار والفتى المثير للجدل يفتح آفاقاً غير مسبوقة في الغناء...صار صناعة قائمة بذاتها وهو دون العشرين ومن ثم اضطربت حياته.

فازت كيت وينسليت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم (القارئ)...وفازت الممثلة الاسبانية بينيلوب كروز بأول جوائز الأوسكار التي تعد أرفع جوائز في عالم السينما والذى تنظمه أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية كأحسن ممثلة مساعدة عن دورها في الفيلم الكوميدي الرومانسي "فيكي كريستينا برشلونة."...فيلم "سلام دوغ مليونير" فاز بأوسكار افضل فيلم 2009، كما فاز مخرجه البريطاني داني بويل بجائزة أوسكار أفضل مخرج، وسبق له أن حصد 8 جوائز خلال حفل توزيع اعرق جوائز السينما في هوليوود... ويحكي الفيلم عن شاب هندي يشارك في مسابقة تلفزيونية بحثا عن الحب والمال...بالمقابل نال فيلم " حالة بنيامين بوتون الغريبة " ثلاث جوائز من أوسكار هما جائزتا أفضل إخراج فني، وأفضل مكياج، وجائزة أفضل مؤثرات بصرية...يذكر أن "حالة بنيامين بوتون الغريبة" كان مرشحاً لنيل 13 جائزة أوسكار في الدورة الحادية والثمانين.

على الصعيد الرياضي فاز فريق ماشتستر يونايتد ببطولة الدوري الممتاز الإنجليزي للمرة الثامنة عشرة وفريق ليفربول يحتل المرتبة الثانية وشيلسي يأتي في المرتبة الثالثة..نيكولاس أنيلكا       لاعب شيلسي يفوز بجائزة هداف الدوري للعام 2008/2009 بإحرازه 19 هدفاً.

والطيب صالح يرحل كان عنوان كرة القدم الأنجليزية هو "الأجنبي" فأنديتها الأربعة الكبيرة: مانشستر يونايتد وتشيلسي وليفربول والأرسنال مملوكة بالكامل لرأسمال غير بريطاني وأبرز نجوم الكرة هم من الأجانب كذلك ..في مانشستر يونايتد كان كريستيانو رونالدو هو النجم الأوحد..ذات مانشستر يونايتد الذي ظل حكراً في نجوميته على بوبي شارلتون الإنجليزي ودنيس لو الأسكتلندي وجورج بست الإيرلندي أصبح نادي النجوم الأجانب من طبقة رونالدو وبيرباتوف ...في تشيلسي انزوت صور اللاعبين المحليين لتأخذ مكانها صور العاجي دروجبا والغاني ايسيان والفرنسي انيلكا..في ليفربول ورغم الوجود الطاغي لستيفن جيرارد "سيد التيم" إلا أن شهرة "النينو" فيرناردو توريس قد فاقت شهرة لاعبين محليين سابقين من طبقة أيان راش الويلزي وروبي فاولر الإنجليزي وكيني دالقليش الأسكتلندي.

إذن يرحل الطيب صالح الاديب العالمي الذي بدأ محليا في ذات الوقت الذي شهد المجتمع الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن تحولاً غير مسبوق في بنيته الأقتصادية والفنية والرياضية أبرز ملامح هذا التحول هو طغيان العالمي "الكوسوموبوليتاني" على الوطني المحلي.

انتهى بحمد الله الجزء الخامس ويليه بإذنه تعالى الجزء السادس والأخير :"ما بين كرمكول ومقابر البكري: دليل المثقف السوداني ليبقى أحدوثة حسنة بعد رحيله".