د. محمد عثمان الجعلي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دكتور حيدر ابراهيم على : أزمنة الريح والقلق والحرية (سيرة ذاتية)

(القاهرة : دار الحضارة للنشر، 2015، 328 صفحة )

 
1. المرأة والمستدرك على "طوق الحمامة": يا حيدر لكن ما حيرتنا!

"الكنيسة تقول الجنس خطيئة

والعلم يقول الجنس آلة

والدعاية تقول الجنس تجارة

والجسد يقول إنما انا حفلة" ( الصفحة 241)

هذا فصل لن يكتبه سوى صاحب السيرة ...الرجل تخلص تماما من كافة سواتر وموانع ومصدات "المسكوت عنه" في العلاقات العاطفية في بلد كالسودان ... حين يتكلم الرجل السوداني عن زوجته يقول "جماعتنا" ويتحاشي الضحك معها أو تبادل كلام تشتم منه رائحة العاطفة في حضور الآخرين... من الملاحظات الهامة في هذا الصدد ان مطارات العالم تشهد مواقفا عجيبة من السودانيين حين استقبال زوجاتهم ....  راقب وصول الطائرات من الخرطوم لكافة المطارات وقارن كيفية استقبال المصري واللبناني والسوري وكافة ملل العالم لزوجاتهم... الرجل السوداني يمد يداً باردة أو يضرب (يربت حقيقة)  برفق على كتف الزوجة رغم الشوق والعواطف المكبوتة ..يحس بخجل بالغ وهو يستقبلها ويظن ان كل أنظار العالم تتجه إليه مراقبة شعوره...(كلنا ذلك الرجل!).

في ظل سيادة مثل هذه الثقافة في التعامل، على الاقل الظاهري، بين الرجل السوداني والمرأة ياتي حديث المؤلف عنها صادما للجميع ...الرجل لم يخف شيئا ولم يخجل من شيء بل لا يرى داعيا أصلا للخجل والتواري والكتمان ..هذه علاقاته وهذه رؤيته لهذه العلاقة لا يصيبه خجلنا المفتعل في التعامل معها او حكيها للآخرين ... يقول المؤلف( الصفحة 238) " لازمتني المرأة في كل مراحل حياتي ، وتشكلاتها ، واحتياجاتها وضروراتها ، فقد كانت الام والزوجة والعشيقة والحبيبة ، والشقيقة ، والابنة ، والصديقة ، والقضية ......وقد سمعت الخوارزمي يقول "أحسن ما قيل في مدح النساء قول الشاعر :

ونحن بنو الدنيا وهن بناتها      وعيش بني الدنيا لقاء بناتها

 في تقدير المؤلف أن "دونية المرأة المقننة والممنهجة هي سبب التخلف الشامل لمجتمعاتنا في كل المجالات بسبب غياب الحيوية واللذة والاشباع الجنسي في حياتنا" ( الصفحة 239) ..وهذا قول يحتاج وقفة فهل هو كلام مرسل لموقف المؤلف من المرأة بصفة ابتدائية محبا وعاشقا لها ومنافحا دونها أم هو قول يتأسس على شيء من العلمية والتدقيق .. ففي تقديري ان دور المرأة مهم ولكن هل رؤيتنا لها هي سبب التخلف الشامل حقا؟...ولا شك أن هذا الموقف يتسق تماما مع ما علمناه من الرجل العالم "هشام شرابي" والذي يجعل دور المرأة محوريا في قضايا المجتمعات والتنمية.

حدثنا الكاتب عن تجاربه وعلاقته بالمرأة بصدق لا يقدر عليه سوى حيدر ابراهيم وماركيز ..تجاربه السودانية والالمانية كتبها كما هي ..كما يكتبها انسان عاش التجارب بكامل إرادته ..تجارب فيها الاخفاقات وفيها النجاحات ..فيها العشق والحب والحميمية ...عاشها بصدق وكتبها بصدق لا يبغي سوى تدوين سيرة ذاتية حقيقية لا تتخفي حول العموميات ولا تخشي العيون التي تطالع ولا الآذان التي تسترق السمع لحكايا شهرزاد ولا لسماع تفاصيل الليلة الاربعين في "الامتاع والمؤانسة" للتوحيدي الافاك المتسول .

الكاتب اختتم الفصل بكلام فيه كل حنية الشايقية الحقيقية تجاه ابنائهم ..هذا حديث يشابه حنين فاطمة بت محمد خير وهي تخاطب ابنها في عين شمس ( والتي، بالصدفة،  تخرج في جامعتها ابناء الكاتب ) ..دعوات الأم الشايقية الخالدة لابنها تحاكي حال حيدر ..تقول المرأة الشاعرة لأبنها في ابيات مفعمة بالمحبة :

أنت بالعافية التخصك في المصارين

تبقالك هدم وسروال ونعلين
2. في الطرب والشعر والبصر:  هنيئا ها قد استراح "المحارب" أخيرا

"شايلة هم الدنيا زادها

مالية كل الكون مشاعر

كل زادي في ضياعي قلبي مفتح للأحبة

للجمال الاشجى روحي وفي شعوري سحره شب

ورسالة فن سامية تدعو للخير والمحبة"

(حسين بازرعة وعثمان حسين)

الحمد لله ...الحمد لله ..بشرى سارة ..استراح محارب الساموراي .. ويالها من استراحة ..المؤلف المتمرد كشف في هذا الفصل عن الفنان الاصيل المحب للفنون والسماع في داخله...هنا فنان مبدع محيط باشكال وألوان الفنون ..كما كشف الفصل عن ذائقة فنية متجذرة ..ارحو أن لا يفهم من هذا الكلام اننا كنا نشكك في هذه الذائقة وقد كانت حاضرة  في الفصول السابقة ايضا ولكن ليس بمثل التكثيف والاحتشاد الذي وفره لنا هذا الفصل .

يقول المؤلف" نشأت محاطا بلذة الاصوات والسماع ، حيث كان يطربني الغناء في المدينة ، ويمتعني المديح والطنبور في العطلات في "القرير" وفي "الدويمات" كانت أغاني الرق والدلوكة والكبريتة وفي كوستي وسنار كانت بدايات "التم تم" ، وفي المدن عاصرت زمن انتقال الموسيقى من الرق للكمان (الادهمية) وللعود وامرائه" ( الصفحة 256)..في تكوين وعيه بفنون السماع والمشاهدة والاطلاع اعتبر أن الحكي كان رافده الاول للفنون ...رجع بنا الكاتب لمرحلة الاحاجي والقصص الاسطورية وسطوة الحكي والحكاءين ...يركز الكاتب على دور القصص في المدارس ومن ثم يعرج لدور "مجلة القصة" ودور الرائد عثمان على نور .. ويحدثنا عن نهضتي الثلاثينات والستينات ..وينوه بإزدهار التيار الواقعي وأهم  رموز القصة .

وصف المؤلف السماع بأنه "رافد التذوق والجمال"..السماع عنده ارتبط عند النشأة بالغناء البيتي (عند والدته) والمديح وحفلات الاعراس وأثر الراديو على كل ذلك ..   عند المديح أخد الكاتب "سندة" ..ومن الواضح أن المديح يخاطب فيه تلك الصوفية التي تسم حياته الزاهدة في الدنيا ومتاعها..والشيء العجيب أن للسودانيين عموما ولع عجيب بالمديح ... عندما ينشد أولاد حاج الماحي مديح جدهم في الامام على في "أسد الله البضرع" تتحول حالة القوم وتتملكهم مشاعر عجيبة وأولاد الشيخ يلعّبون الطار الكبير والشتم بإيقاع الحربي والمعشر .....حدثنا المؤلف عن موسيقي الجيش وموسيقى الجاليات الأجنبية .. وحدثنا عن "التم تم" وتومات كوستي واسماعيل عبد المعين ودوره.

للمؤلف ولع ووله خاص بعائشة الفلاتية الذي قال ان صوتها "يرن في اذني طوال العمر " ( الصفحة 261) .

لا زلنا في مربع السماع والكاتب ينتقل لاغاني المرحلة الفنية الاولى وهي حقيبة الفن التي يبدو أنها لا تروقه والتي والتي قال عنها "كانت أوصاف الحسناوات في اغانيها "تثير اشمئزازي أكثر من أعجابي" ( الصفحة 264)  ... وبحسباني من "دراويش"الحقيبة وممن يضعون صالح عبد السيد (أبو صلاح) في مرتبة متقدمة في لائحة الجبابرة من الشعراء العرب فإني ارى أن المؤلف ظلم الحقيبة وشعرائها ..هؤلاء وصفوا المرأة بمقاييس ذلك الزمان ..من حق المؤلف أن تكون له مقاييسه للمرأة لكن المراة الجميلة في تلك الحقبة كانت توصف بما وصفها به ابو صلاح والعبادي وسيد وعبيد وحدباي.

عند عثمان حسين تسّمر الرجل الذي لا يخاف المجادلة ..لم يتوقف حقيقة ولكنه تدفق عاطفة وغراما وهو يحدثنا عن أثر عثمان حسين وايضا ابراهيم عوض ..وقبل التعرض لكلامه عنهما أقول أن تحليلي لهذا الحب نابع ، في جزء منه، من طابع الريادة التي تحلى بها الاثنان..عثمان حسين وبلا جدال هو صاحب الفتح الاكبر في تحويل مسار الاغنية السودانية ..هو فاصل بين عهدين ..دوره في تقديري لا يقل عن دور سيد درويش ، وان كان بصورة أخرى..سيد درويش أحدث النقلة الكبرى في اسلوب الغناء المصري من غناء الاداور والطقطوقات والاثر التركي الى غناء أكثر حداثة وعصرية معتمدا على احياء التراث ..عثمان حسين في "الفراش الحائر" استطاع بمعاونة العظيم التاج مصطفي وعبد الرحمن الريح في "الملهمة" أن يعبرا بالغناء والسماع السوداني للضفة الاخرى.

إلى جانب عثمان حسين وابراهيم عوض ومحمد الامين عدد الكاتب من المفضلين لديه من الفنانين وغمز (غفر له الله) من قناة بعضهم ...وقد أعجبتني حقيقة التفافة الكاتب لفنانين من طبقة خضر بشير واسماعيل عبد المعين والذي قال أنه اتي لفنهم من "باب الاعجاب بوجوديتهم الفطرية" ( الصفحة) 268..  وثّمن كثيراً دور اسماعيل عبد المعين رغم محاربته من قبل المؤسسات والافراد..

من خارج السودان نوه الكاتب لأثر فنانين عرب وغيرهم ... وعدد منهم عبد الحليم حافظ وفريد الاطرش وفايزة أحمد ..أما عند "فيروز فإن الكاتب يبلغ "الميس" تماما ( ونقف نحن معه ايضا!!!)..من لا يقف عند فيروز؟؟ ..اعجبني حقيقة وصفه لصوتها "ومع قصيدة "القدس " فصوتها آت من قلب الفراديس لم يمسسه انس ولا جان، وما عليك الإ الاستسلام له ليقودك لعوالم سحرية بكر ، وان تمنحه  وجدانك بلا شروط أو مقاومة . عندما تغني فيروز "بحبك با لبنان" أخرج طائعا مختارا من دنياوات الاشياء . واصبح لدقائق أرواحا مجنحة ثم ارتطم بالارض"...هذا هو سحر البيان حقيقة والذي لا يتاتي إلا في مواقف ومواضع الجمال ...من اراد أن يمدح فليمدح بمثل هذا والإ فلا مديح ..

الغناء الاوروبي والامريكي كان المرحلة الثالثة في تكوين الذائقة السماعية للكاتب..أجتذبته أصوات فرانك سناترا وجيمس براون وفرقة سانتانا وبوب مارلي ودونا سمر وديانا روس وكل كلاسيكيات الجاز .  

ونحن نحلق عاليا مع ذائقة المؤالف الفنية وباقة اختياراته الزاهية ، يأبي المؤلف الإ ان ينكد علينا بالرجوع في خاتمة الفصل لموقف جماعة الاسلام السياسي الحاكمة في السودان من هذه الفنون الراقية وما آل اليه حالها على ايديهم ..فهو يلخص كل الموقف في قوله:" فقد ساهموا بطرائقهم الخبيثة اي بدون اصدار قرارات صريحة في القضاء على الفنون الراقية ونشر الفنون الهابطة لأهداف سياسية تتمثل في عملية تزييف الوعي و"حيونة" الانسان السوداني تحت شعار إعادة صياغة الإنسان السوداني " ( الصفحة 271)...مالك على القاريء ايها الكاتب النحرير؟  فقد حلقت بنا عاليا ثم اعدتنا من تلك الاغفاءة الساحرة الى الارتطام بالارض الظلامية.

 
3. الوطن المضيع والقضايا الخاسرة:

" والناس في القطر أشياء ملفقة فإن تكّشف فعن ضعف وتهوين

فمن غني فقير في مرؤته ومن قوي بضعف النفس مرهون

ومن طليق حبيس الراي منقبض فأعجب لمنطلق في الارض مسجون

وآخر هو طوع البطن يبرز في زي الملوك وأخلاق البرازين

وهيكل تبعته الناس عن سرف كالسامري بلا عقل ولا دين

يحتال بالدين للدنيا ليجمعها سحتا وتورده في قاع سجين

( قصيدة الشاعر عبد الله البنا (1924) وهو من الشعر الرؤيوي النادر في السودان : الكتاب الصفحة 282)

فرغ المؤلف من استراحته الممتعة وخرج متأثرا بالجزء الأخير منها ليوجعنا في الفصل العاشر من السيرة (مقامات الوطن المضيع) بتذكيره لنا بواقعنا البائس ومستقبلنا المظلم ...رجع الرجل ليعدد مقعدات وجود السودان الذي نفتقده ونتمناه..يقول :"فنحن لا نعثر على السودان الذي يمثل حضارة واحدة شاملة وجامعة في التاريخ ، ولا على دولة سودانية مركزية قوية قابضة على قلبه وأطرافه، وكذلك افتقد القومية المهيمنة" ( الصفحة 281).

ركز المؤلف على غياب "القضية المحورية أو المركزية التي تشغل بال الجميع ..يقول "مثل هذه القضية هي التي تمثل الدافع والمسبب والموجه لكل حركة الجماعة وتفاعلاتها وصراعاتها .....في تقديره ان القضية في السودان تمحورت حول "الهوية" وفي رأيه ان هذه الموضوع فخ وقع فيه المهتمون حيث انه سؤال بلا اجابة ومفتوح لكل الاحتمالات و التفسيرات".( الصفحة 281)

نظر المؤلف في فكرة السودان بلد الفرص الضائعة ... ف "سلة غذاء العالم" المرجوة اخرجت لها المجاعات لسانها ..وبلد الديموقراطية المأمولة اكتنفته الحلقة الشريرة للإنقلابات والبلد الذي يشقه النيل العظيم من أدناه لأقصاه تسانده  فروعه الكثيرة يعاني العطش حتى في العاصمة ...السودان ،كما يقول المؤلف، خذل "ارنولد تويني" الذي كان يتوقعه جسرا فاعلا بين الثقافات الافريقية والديانات وخلص المؤلف الى أن المسيرة السودانية يطلق عليها "التقدم في خط التطور المعكوس".

من النقاط الهامة إشارة الكاتب الى ان التاريخ السوداني تميز بخاصيتين خطيرتين وهما القدرة الدينامية على الانقسام والانشطار والتفتت والركود والثبات ومقاومة التغيير...في ظل وجود هذين العاملين راي الكاتب ان السودانيين لم يهتموا بعد الاستقلال ببناء الدولة الوطنية والتي يرى انها "لا بد ان تكون دولة وطنية ،ديموقراطية، تعددية الثقافات وعلمانية أو مدنية" (الصفحة 285)...عوضا عن ذلك يرى أن القوي التقليدية التي ساندتها لاحقا مجموعات الاسلام السياسي زجت بالدين في المعادلة فدخلت الدولة عهد التيه السياسي. وللتأكيد على انقسامية وانشطارية القوي السياسية تابع المؤلف انشقاقات الاحزب وانشطاراتها منذ اسقاط حكومة الازهري الاولى ... وفي تقديري أن ميسم الانشطارات وما يستتبعها من حوافز الانضمام للآخر المنافس استفاد منها النظام الحالي في محاولة استدامة حكمه فالنظام ليس مبتدعا للميسم أو الظاهرة ولكنه أحسن وأجاد التعامل معها مستفيدا من التربية السياسية البئيسة والتي جعلت من العمل العام مغنما وكسبا واستغلالا للنفوذ.

في التفافة مهمة نظر الكاتب في نمو ظاهرة العنف في المسرح السياسي السوداني... ورغم ان المجال لا يسمح الا انني ظلت دوما أرى أن العنف مكون أصيل للشخصية السودانية (راجع الاغاني الشعبية وشعر الهمباتة التي يطرب لها الناس وراجع مظاهر العنف حتى في الافراح)..المهم أن المؤلف تابع هذه العنف منذ حل الحزب الشيوعي عام 1965..وانقلابات 1969 و1971 وما صاحبها من مجازر والانقلابات التي تلت وما جرى في 1985 (بعد الهبة الشعبية) ومن ثم انقلاب 1989 الذي لا يزال في السلطة ...لقد شهدت الفترة منذ مجيء هذا النظام وحتى يومنا هذا انواعا من العنف لم يعرفها تاريخ السودان ..وإذا كان عبد الخالق تحدث في الستينات عن "عنف البادية" فإن ما حدث ويحدث الان هو "عنف المتعلمين الحاكمين بإسم الدين".

لم يكن متصورا  أن يختتم الكاتب هذا الفصل عن الوطن دون إعطاء المثقفين زادهم الراتب من الانتقاد .يقول "لم تكن أزمة أو مشكلة المثقفين السودانيين مع الدولة الثيوقراطية أو الدين عموما، بل في فشل مشروع الحداثة الذي تبنته النخب أو ما يسمى الاحزاب العقائدية فقد توسل المثقفين للحداثة من خلال تبني ايدولوجيات معاصرة مثل الاشتراكية أو التجديد الديني المتجاوز للطائفية ...ولكن هذه الافكار اصطدمت بواقع اجتماعي راكد ومقاوم للتغيير ولم يُحقق اي نجاح"( الصفحات 292-293) .

انتهي الفصل بداعش وقطع الرؤس ..يرى المؤلف "ليس هذا غريبا على التاريخ الاسلامي الذي ساد فيه الملك العضوض منذ نهاية الخلافة الراشدة ....يقول أدونيس عن الكوفة التي شهدت مقاتل العلويين:

"المساء مليء برؤوس مقطعة

والصباح قبور : تلك ايامها

ما الذي كان ارضا وما الذي كان فيها السماء؟

هوذا نتدثر أوجاعنا ونخوض في مهمة من دماء" ( الصفحة (294)

 
4. كتر خير الدنيا: أكتمال الزمن أو لعبة الدهر

ختام هذه السيرة الرائعة الفريدة والاستثنائية كدّر علّى استمتاعي بها...بطبيعتي أكره الخواتيم والنهايات والوداع ..أكره كلمة "النهاية" وهي تأتي لاعلامنا بنهاية الفليم وأكره كلمة "تمت" في ختام الروايات الكبيرة وأكره وداع الأحبة وقد عشنا حياتنا كلها في الترحال بذات القدر الذي كنت أكره فيه قول حبوباتي :وتمت وختمت .." بعد قصة خيالية تستلب العقل...لهذا لم أكون متشوقا لقراءة الخاتمة حين أطلعت على العنوان.

في هذا الفصل يعدّد الكاتب منن الدنيا عليه من عمر (نرجو أن يكون مديدا) وتمتع بالحواس وقدرة على الحركة ...شكر ما حباه به المولى من صفات لا تعرف الحسد ولا التمنى ومن زهد وإكتفاء بالقليل الذي يوفي بالمطالب الضئيلة .

في هذه المرحلة من العمر ومزودا بكل تجاربه يقول المؤلف "بدأت الان النزول من الجانب الآخر من الجبل، في تمهل ، مما يجعل التأمل ممكنا ..من خلال النظرة المتأملة  نظر في اسئلة الوجود الكبرى ..تلك الاسئلة الفلسفية العصية المعقدة...يستعيد اعجابه القديم بإليا أبو ماضي وقصيدته "الطلاسم":

جئت لا أعلم من اين ولكني اتيت

وقد ابصرت قدامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا أن شئت هذا أم ابيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟​ ( الصفحة 297)

أني والله لاعجب لرجل يبدأ التساول حول أسئلة الوجود ب"طلاسم" ابي ماضي؟!

في مسيرة البحث عن أجابات لهذه الاسئلة العصية يلجأ الرجل لعمر الخيام .. وهو في تقدير الكاتب ساهم في حيرته وشكه..وعن ذلك يقول "واتخذت(منه) مرشدا ومعينا لحل ألغاز الحياة أو التعايش مع تقلباتها بدون تنازلات" ( الصفحة 297) ..ومن الخيام انتقل الرجل لأبي العلاء المعري المتشاءم دوما...رجل يقول"تعب كلها الحياة فما اعجب إلا من راغب في أزدياد" يتخذه الكاتب دليلا ...ويربط بين كلام ابي العلاء وفكرة الانتحار التي راودته لفترة ما في حياته.

طوّف بنا الكاتب في خياراته الحياتية الانتحار والتصوف والهجرة ولكنه توصل لفكرة أن "الحياة عندي ليست عبثية تماما ولهذه الدرجة التي اصفها بها أحيانا "...حدثنا عن الظروف التي جعلت منه صريحا وناقدا وساخطا ...

عرج الكاتب على السودان وأهله والشخصية المركبة للسوداني والصراع داخلها وعدم قدرته على التعبير عن مشاعره الحقيقية والتناقض بين أقوال المثقفين وافعالهم..ومن ثم رجع للتأمل في أحوال الدنيا بسؤاله"اين تذهب تلك الوجوه الجميلة البهية بعد ان تمر عليها عجلات الزمن؟( الصفحة 303) ...حدثنا عن الموت وكيف أن بعض المشاهير آثروا أن يكون موتهم فرحا يحتفل به ولم ينس كيف كان موت البعض كريما ومجسدا للكبرياء.

 
5. خاتمة لا بد منها

قرأت هذه السيرة مرتين خلال فترة قصيرة جدا ...فاجأتني السيرة ووقفت أمامها حائرا ..فقد تميزت عندي بخمس مسائل جعلت منها شيئا استثنائيا لم نعتد عليه في ألوان الكتابة السائدة وفي مكتباتنا  ... هذه الجوانب هي : الكم المعرفي العميق وغير التجريدي والذي يندغم مع الواقع متصالحا ومتشاكسا، الامر الثاني قدرة الكاتب المذهلة على التوثيق المسنود بذاكرة حديدية غير عادية، المسألة الثالثة المبهرة هي القدرة على الكتابة العابرة للثقافات والبلاد واللغات والمعبرة عن ذخيرة استثانية في الاطلاع والمثاقفة، الامر الرابع هو الصدق في التعبير عن الاراء حتى تلك التي تتميز بالخصوصية الشديدة ...والامر الاخير القدرة على الحكي والونس في توصيل الفكرة والمعلومة وهذه قدرة خاصة توهب للقليل من الناس.

في باب المعرفة المندغمة بالواقع يوفر الكتاب فرصة حقيقية للتدليل على أن  تطبيق المباديء والقيم والافكار التي يؤمن بها الفرد ليس أمرا مستحيلا وليست له صلة قرابة بالعنقاء والرخ..واذا كانت التجارب الكثيرة قد علمتنا ان أغلبية مثقفينا يعيشون تلك الإزدواجية الازلية بين القول والعمل وبين ما يؤمنون به وبين ما يطبقونه فعلا فهذه السيرة تقف دليلا عظيما على الامكانية العملية لتطبيق الافكار والمباديء وتجسير ما يراه الناس فجوة مستحيلة الردم بينهما ...ولكن انتبهوا ايها السادة ...في مثل الواقع السوداني يحتاج صاحب الافكار الراغب في تطبيقها لقدرات ومواهب وخصال استثنائية ...هذا مجتمع قاسي على من يخرج عن طوعه ونواميسه و"تابوهاته" ...الكاتب لم يستطيع تحقيق المعادلة بالساهل فقد دفع ثمنها منذ بواكير شبابه الاول اعتراضا من الأسرة ومناكفة ونزاعا مع زملائه الطلاب واساتذته ومؤسسات الدولة ..واجه الرجل كافة مضايقات المجتمع من أجل فكرته ..من أراد أن يعيش أفكاره فليدفع الثمن فالامر ليس "موضة" عابرة أو "نزوة" طارئة ..هذا سلوك يتأسس على وعي تراكمي واحساس متعاظم بقيمة الفكرة والدفاع عنها سلوكا ومعايشة...في هذا الجانب شرحت السيرة جذور هذا التلاقي بين الفكرة وتطبيقها والتي جعلت منه ذلك الرجل الوجودي الصوفي المتصالح مع نفسه....حقيقة الأمر ان السيرة وحياة الرجل وصفاته تجعل منه "مثقفا عضويا" حقيقيا.

لقد ارتبطت فكرة "المثقف العضوي" عند جيلنا برمز وأحد وهو الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي""أنطونيو غرامشي ( 1891- 1937) ...إليه تنسب فكرة "الغرامشية" التي هي فلسفة البراكسيس(النشاط العملي والنقدي _ الممارسة الإنسانية والمحسوسة).وبالرغم من قصور الخيال عند المفكرين ، خاصة العرب، في الكشف عن العديد من الرموز الفكرية العربية التي سعت لتجسير الفجوة بين الفكرة والتطبيق وهم كثر الا أن غرامشي يظل المعيار الاسمى لفكرة المثقف العربي ولعل مرد ذلك هو ما تعرض له الرجل من سجن وتعذيب على يد الدوتشي موسوليني وجلاوزته  حتى وفاة داخل السجن ...ودون تعديد لأمثلة أخري كثيرة لرموز فكرية، الإ ان حيدر ابراهيم عندي مثال يمشي على قدمين على مثقف عضوي بأمتياز..مثقف لم تخاصم افعاله أقواله وأفكاره على الاطلاق ولعل وقوفه بمنأي عن التكتلات والاحزاب والانتماءات الفئوية الاخري كانت سببا مباشرا في عدم التقدير الكافي للمواقف المبدئية للرجل "اللامنتمي"... في مجتمعات يكتسب الفرد فيها جزءا مهما من قيمته الاجتماعية (على الاقل) من انتمائه العرقي والمناطقي  والفكري اي من "ناسه" و"جماعته يصبح اللامنتمي شيئا هامشيا وكائنا من الدرجة الثانية....ولكن الرجل استطاع أن يدحض مثل هذه المقولات فإسهاماته الفكرية والمعرفية جعلت منه مفكرا مركزيا وليس هامشيا وكائنا من الدرجة المتميزة وليس الثانية.

القدرة المذهلة على التوثيق المسنود بذاكرة حديدة غير عادية من ملامح واساسيات الكتاب ...وهب الله الرجل ذاكرة فتوغرافية غير عادية استغلها في تذكر الناس والملابسات والاحداث والعلاقات بصورة استثنائية ...عندما يستخدم الكاتب اسلوب البانوراما المتوسعة التي تغطي الاحداث من تاريخ ميلاده  وان يعمل على ربط هذه الاحداث بتطوره الذاتي والمراحل التي مرت بها البلاد وتحولاته الفكرية والمعرفية خلالها فإن الامر يكون شديد التعقيد وشديد الصعوبة ولكن الرجل بمهارة قبطان واجه الامواج وعانق المصاعب ظلت ذاكرته صافية (حفظها الله له) ..والاهم قدرته على ربط ما استوعبته الذاكرة بالافكار التي يطرحها وبالرؤى التي يؤمن بها...القيمة الحقيقية للذاكرة وربط الاحداث أن الرجل في مواقع كثيرة من الذاكرة استدل على افكار كبيرة وقضايا مركزية من جزئيات حياتية صغيرة ومن أمور تبدو لغير المدقق عديمة الأهمية.

الامر الثالث المميز لهذه السيرة والباعث على إغنائها وإثرائها هي القدرة على الكتابة المجيدة والعابرة  للثقافات والبلاد واللغات والمعبرة عن ذخيرة استثانية في الاطلاع والمثاقفة..هذا رجل جاب اركان الدنيا علما وتعلما وعملا ..تجاربه بعد ترك السودان شملت أوروبا (المانيا) تحديدا وشملت السعودية وليبيا والامارات والمغرب للعمل وشملت القاهرة مقرا والعديد من الدول العربية والاوربية مثاقفة وعملا فكريا..شارك في المنظمات المتخصصة مسؤولا وعضوا فاعلا ...تعامل مع الاوروبي والعربي والافريقي وغيرهم ..عاش حياة الهيبيز والحياة المرفهة المستقرة ...كل هذه العلاقات والتجارب الحياتية جعلت منه مثقفا كونيا استثنائيا مخالفا للنموذج السوداني الذي لا يستطيع أن يعيش في الاجواء البعيدة عن القوقعة السودانية ذات الدفء والأمان...انتج التجوال المستمر والعلاقات العابرة للحدود والثقافة أثرا كبيرا ليس على الكاتب ولا مركز الدراسات السودانية فحسب بل استفادت منه بلادنا حين انتقل المركز للوطن ...هذه العلاقات اتاحت لأهل السودان سماع الشعر كفاحا من شعراء من طبقة العبقري محمد عفيفي مطر وان يسمعوا غناءا مختلفا ونظيفا وانيقا من مارسيل خليفة وأميمة الخليل... في الكتاب أثر واضح لا يخفى لقيمة التواصل مع الاخر والمثقافة وهي خصائص غابت تماما في اجندة المثقفين السودانيين الذين ظلوا (باستثناءات قليلة في شتى الاجناس الابداعية) محليون يدورن في الفلك السوداني الضيق .

الميزة الرابعة للسيرة عندي والتي صدمتني ( وأظن انها صدمت وستصدم الكثير من القراء ) هي الصدق في سرد الوقائع والتعبير عن الاراء بصراحة وصدق وعلنية لا نعرفها في مجتمعنا السوداني ..بل على العكس يبدو لنا الرجل الواضح الصريح عدوا للتقاليد المرعية ونتجنبه في مجالسنا ... لتكون السيرة معبرة تماما عن رجل يؤمن بالزامية التطابق بين المعتقد والممارسة يبدو صدقه وصراحته منطقيا جدا وعقلانيا جدا ومتوقعا جدا ..واذا كانت الصراحة والصدق سمة ملازمة للسيرة وتطورها فإن ما أثار أعجابي حقيقة هو أن هذه الصراحة وهذا الصدق لم يكن انتقائيا بأي صورة ..لقد عبر عن مواقفه من اسرته وأهله بذات الصدق الذي تحث به عن علاقته بأصدقائه وزملائه والمرأة والمثقفين العرب في أركان الدنيا جميعها ... هذا الوجودي المتصوف وصل لمقام الصدق الاسمى لذا يبدو هذا الصدق وما تلازمه من صراحة لنا شيئا عجيبا صادما لأننا لا نعرفه أو حقيقية نعرفه ونتحاشاه فسطوة المجتمع القامعة أقوي من كل فكر وأعلى مرتبة من أي ثقافة الا من رحم ربك .

ناتي أخيرا لميزة الحكي وفي هذا الجانب استمتعت وأنا أطالع الكتاب بصحبة حكاء عظيم وهو ما زاد متعة القراءة والاطلاع ...هذا رجل تربى على الحكي من الاسرة والاهل ... استفاد من ذاكرته القوية ومن اطلاعه الواسع وتجاربه الكبيرة في الترحال فخلقت من حكاءا عجيبا...منذ وفاة كاتبي الأثير خيري شلبي تيتم الحكي عند الادباء عندي .."عم خيري" استعمرني منذ "وكالة عطية" ووقعت في براثن وحبائل حكاء له نسب مع جيل الحكاءين العظام من الكتاب ..ينتسب لفئة كتاب من طبقة الاصبهاني صاحب "الاغاني" والجاحظ صاحب "رسالة التربيع والتدوير" وابن شهيد الاندلسي صاحب "رسالة التوابع والزوابع"...بالإضافة للمؤثرات الي ذكرتها لا شك عندي أن حب الكاتب لابي العلاء المعري صاحب "رسالة الغفران" اثر في تجويد صنعة الحكي التي برع فيها وأوقعني في حبائلها فزادت متعة قراءة السيرة بها.

وأخيرا وقبل الختام أركز على نقطتين ..الاولى ان الكتاب قد شابته أخطاء طباعية طفيفة كما شابته بعض الفجوات في الكتابة وتحتاج بعض المعلومات القليلة للمراجعة... ولكن الأهم عندي أن الكاتب قد كرر الكثير من المعلومات التي تداخلت بذات التفاصيل تقريبا بين بعض الفصول وهو أمر يحتاج لاستدراك ..كما ان عناوين بعض الفصول خاصمت المحتوى كما نوهت في هذه المراجعة..كل هذه الهنات لا تسلب الكتاب شيئا من فرادته وقيمته العالية كأحد أهم الكتب التي تقدم اسهاما حقيقيا للمكتبة السودانية.. واعرف تماما ان الدكتور حيدر بدقته ومثابرته سيعمل على تلافيها في الطبعة الثانية والتي اتوقع أن تصدر قريبا.

النقطة الثانية والاخيرة هي شكر المؤلف على عمل إستثنائي عظيم وذي قيمة إضافية حقيقية للفكر والمثاقفة والتحليل الرصين والرصد الدقيق لأوضاع البلاد وإشكاليتها من خلال سيرة ذاتية التزمت المعرفة والصدق والصراحة فكسبت ليس حبنا فقط بل تقديرنا الكبير واحترامنا الواجب .... الدكتور حيدر ابراهيم الله ينصر دينك .