عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دكتور حيدر ابراهيم على : أزمنة الريح والقلق والحرية (سيرة ذاتية)

(القاهرة : دار الحضارة للنشر، 2015، 328 صفحة )

1.    التجربة الألمانية والمغامرات العربية: "عرب ما يعرف قوة بتاع ألمان"
"أنا أؤرخ لوجودي وسيرتي: الميلاد الاول 11 مايو 1943، والميلاد الثاني منتصف يوليو 1971 بفرانكفورت" (الصفحة  129)

""أنت مالك بتحب الفقر ،زول يخلي الشغل بالدولارات ويجي يترمي في السودان"
(ردة فعل المرحوم نجم الدين محمد شريف لطلب حيدر التوظيف في المتحف القومي بعد تركه العمل في ليبيا) (الصفحة 157)

في فصل "بين العمل ، ومغازلة الحرية" ( الفصل الخامس من الكتاب) يتحدث الكاتب عن قضيتين مركزيتين: العمل في السودان والمانيا وبعض الدول العربية والكسب المعرفي والاستزادة الفكرية في المانيا ... وفي تقديري أن كل واحدة من هاتين القضيتين كانت تحتاج فصلا قائما بذاته...إن الربط بين التجربة الليبية العبثية كما سردها المؤلف والحراك الفكري لمدرسة فرانكفورت وإسهامات العملاق "هربرت ماركوزه" أمر لا تحتمله حتى سفينة نوح .

لن أتوقف كثيرا عن تجربة العمل في السودان فالاسكيل هو الاسكيل والعلاوة تبقى ذات العلاوة وخبث الافندية الذي نشأ في احضان "ترتيب الفصل" و"العشرة الاوائل" في مراحل التعليم تجذر في قيام الخدمة العامة المستحدثة في السودان وأصبح ميسما لها ، والشللية والاستلطاف وجماعات التواطؤ والتأمر ( أو "الزُمبة كما أسماها المؤلف) هي العناوين البارزة والدائمة للأفندية. وقد تكرر الامر مع الكاتب في تجربة الاختيار للعمل بمعهد المعلمين العالي وفي التدريس في الثانويات وفي جامعة الجزيرة ... الدروس المستخلصة أن الكاتب كفر ( او إزداد كفرا ) بالعمل البيروقراطي وهذا الكفر حفزه للشروع في ابتدار وتسريع ميلاده الثاني المرتبط بالهجرة إلى المانيا بعد محاولات لم تنجح في الهجرة الى فرنسا حيث رموزه وسارتر ودي بوفوار والحي اللاتيني وسان جيرمان ...العمل في المانيا وممارسة الاعمال الشاقة لتمويل الدراسة والخوف من الجوع والتشرد والتعامل مع التروتسكيين والشيوعيين الصينين أضاف للتجربة أبعادا وجودية وفوضوية يصفها الكاتب بانها " رائعة"!!...وفي تقديري أن تجربة العمل في المانيا هي التي حصّنت الكاتب أمام تجارب العمل العبثية التي سيخوضها في بعض البلاد العربية لاحقا.

على مستوى الاستزادة العلمية والتطوير المعرفي كانت "مدرسة فرانكفورت" فتحا حقيقيا للكاتب ... من تحت عباءة "ماركوزه" خرجت أفكار اليسار الجديد التي كانت وقودا لثورة الشباب التي اجتاجت العالم في نهاية الستينات ...أنطلق الشباب بأناجيلهم الجديدة " الانسان ذو البعد الواحد" "والحب والحضارة" ....تلك كانت فترة الدعوة لمراجعة الماركسية ...فترة اعتلاء التحليل النفسي موقعا متقدما في بنية المدرسة النقدية على ايدي أيرك فروم ووليام رايش....تلك كانت فترة "نظرية التبعية"....في تلك الفترة علمنا ان الكاتب اتجه لفرانز فانون (المعذبون في الارض ) والاشتراكية الأفريقيه وكابرال ونيتو و"شغل" "المعلمو" جوليوس نايريري في "إعلان أروشا".. وسنغور ومن ثم أدب الزنوج وخاصة ريتشارد رايت وجيمس بالدوين.

الحياة السياسية  الطلابية في المانيا في تلك الفترة شهدت استعادة افكار تروتسكي وروزا لوكسمبرج وتمثلت ايقونات تلك الفترة في أنجيلا دايفز وذلك الرجل الاسطوري تشي جيفارا... يقول المؤلف ان السبعينات كانت فترة انتشار الحركات المسلحة..."الجيش الاحمر" في المانيا ..كانت فترة الهيبيز وانتشار الحرية الجنسية بلا قيود...والدعوة لتفكيك مؤسسة الزواج .... واذا كان المؤلف بالاساس وجوديا لا يخلو من عبثية وعدمية فكيف كانت آثار كل هذه المتغيرات الضخمة عليه؟.... بعضها لاحظته في تعامله مع تجارب العمل في الدول العربية وحقيقة ما بين الاستغراب والضحك وأنا أطالع روايات المؤلف لهذه التجارب رايت أنها أقرب لروايات "صدق أو لا تصدق" ..وفي بعضها مادة عظيمة لأفلام درامية تبكي وتضحك المشاهدين العرب من المنامة الى نواذيبو من أعمال بني شنقيط على ساحل الاطلسي.

التجربة الليبية واسميها "مغامرات موسى كوسا"  تخبرنا عن أستاذ جامعي محترم يدخل بلدا لمهمة محددة وهي التعليم لطلاب جامعة محددة ..هذا الرجل يتم اسكانه في سكن الطلبة الذين يوقظونه لاجتماعات اللجان الثورية متى شاءوا وينقلونه لجامعة أخري في منطقة أخرى دون سلطة جامعية الا ارتباطهم السياسي بالنظام والعقيد القذافي..هذا الرجل المحترم يختار الهرب متخفيا ليخرج من جحيم دولة العقيد ...هذه واحدة ... الثانية التجربة السعودية...ذات الرجل المحترم يدخل البلد من البوابة الالمانية وبتواطؤ الاخوان المسلمين سودانيين وغيرهم يجد نفسه ضيفا ثقيلا على الجامعة التي ترفض منحه ليس مخصصاته وواجباته الأكاديمية بل تحرمه مبرر الوجود القانوني في بلد تعتبر "الاقامة" فيه أمراً يكتنفه خطر الابعاد و"الترحيل" ...النهاية العجيبة للإشكالية ومشهد الختام الدرامي للتجربة السعودية حسب ما رواه صاحب السيرة يحتاج مخرج الروائع المرحوم "حسن الصيفي" لانتاج فيلم يسلمه لإسماعيل ياسين يعاونه عبد السلام النابلسي واسطفان روستي وماري ومنيب ... هنا كان ايضا هروب ولكنه هروب قننته اجازة الجامعة الدورية.

لحيدر أن يحمد الله كثيرا على قدرات الصمود واحتمال كل مفاجآت التجربتين والتي لو لا التجربة الالمانية لما عرف للخروج منها سالما سبيلا .. التشرد الذي عرفة واخلاط البشر الذين تعامل معهم وتجارب الاعتماد على الذات في طلب العلم والعمل معا وتحدي الصعاب كلها إلى جانب الفعل الوجودي كلها ساهمت في إمداد الرجل بالمنعة على تدبير الحال والمآل فالعرب لا تعرف قوة الالمان أسوة بمقولة بطلنا القديم"عرب ما يعرف قوة بتاع رومان".


2.    أن جي أو(NGO) ..ان جي آخ: مدافع نافيرون

"وحاولت تكوين مجلس أمناء أو هيئة مستشارين، ولكن كل من خاطبته كان يراها فكرة خيالية وانصرافية( فكرة إنشاء مركز الدراسات السودانية)، فالجهود يجب ان تتجه جميعها ل"معارضة النظام".. وكأن المركز سيكون فرعا لتنظيم الجبهة الاسلامية في القاهرة ، ولهذا لم أفكر ثانية في ما يسمية الافندية "المؤسسية" أو تكوين جسم مترهل يعطل العمل الجاد.وتحملت تهمة "التكويش والفردية). ( الصفحة 184).

أفرد الكاتب الفصل السادس من الكتاب (في دروب العمل العام والمجتمع المدني ) لموضوعي النقابات ومنظمات المجتمع المدني وتناولهما من حيث الفكرة والتطبيق والممارسة بمقاربات للتجربة السودانية مع مثيلاتها عالميا.

يرى المؤلف أن المؤسستين ( النقابة ومنظمة المجتمع المدني) في السودان عانتا من إشكاليات ‘أعاقتهما  عن ممارسة دورهما على الوجه المأمول وعدّد بعضا من هذه المشكلات والتي شملت التسييس الفائض وما يستتبعه من استقطاب حاد وغياب الممارسة الديموقراطية فيهما ( رغم الطبيعة الطوعية لكليهما) ، والسمة الموسمية لأنشطتهما، وتحكم عدد محدود في النشاط الفعلي وعدم اهتمام غالبية العضوية بأنشطة النقابة او المنظمة واعتماد النقابات بصفة دائمة على دعم الاحزاب وبالتالي تأثرها بما يتكتنف هذه الاحزاب من تجاذات وانشقاقات وظاهرة النقابة الموازية (القائمة على اسس سياسية ) .

المؤلف اشاد بنشأة النقابات والتنظيمات القطاعية في السودان وتعضيداً لهذه الاشادة من جانبي لابد من التأكيد على نقطة أساسية وفارقة في إنشاء وإدارة هذه النقابات....إن قيادة "هيئة شؤون العمال " :سليمان موسى والشفيع أحمد الشيخ ومحمد السيد سلام وإخوانهم في السكة حديد ، وقيادة الامين محمد الامين ويوسف أحمد المصطفي لتنظيمات المزارعين تعتبر تجربة متفردة في تاريخ العمل النقابي الافريقي على الأقل...إن الناشطين في السكة حديد كانوا عمالا مهرة في السكة الحديد وكلهم من خريجي مدرسة جبيت الصناعية (التابعة للسكة الحديد) كما أن قيادة المزارعين كانت من المزارعيين الحقيقيين الفاعلين لهم حواشات يتولون زراعتها... هذه النقابات اذن تولاها منذ نشأتها من هم من صميم عضويتها وذلك خلافا للتجربة الافريقية حينها..أن  الزعامات النقابية التي التي لعبت ايضا أدوارا سياسية هامة كأحمد سيكتوري في غينيا وتوم موبيا في كينيا ورشيدي كواواو في تنزانيا كانوا كلهم موظفين من ذوي "الياقات البيضاء" تمت الاستعانة بهم لقيادة نقابات ليسوا من عضويتها.

إن التدخل السياسي السافر في عمل النقابات واستخدامها في الصراع السياسي اقعد بها عن أداء دورها الحقيقي في المطالب المهنية والمعيشية لأعضائها وأدخلها حلبة الصراع السياسي المباشر فكانت هدفا للأنظمة السياسية ولعل تجربة النظام القائم في السودان حاليا توضح ما آلت إليه أوضاع النقابات حتى اصبح أحد البروفيسورات رئيسا  لاتحاد عمال السودان ..من الشفيع العامل بالسكة الحديد وشيخ الامين المزارع صاحب الحواشة الى بروفيسور طب الاسنان ومدير جامعة الخرطوم.

استند المؤلف الى تجربته الذاتية بإنشاء "مركز الدراسات السودانية" وما لاقاه من عنت ومضايقات وشح في الموارد وشكوك في التمويل واتهامات سياسية وحسد المؤسسات والجماعات والافراد  كمدخل لمناقشة قضايا منظمات المجتمع المدني.

قبل التعرض لهذه المشكلات ارى واجبا عليّ أن اقف عند هذه التجربة العظيمة "تجربة انشاء مركز الدراسات السودانية"...عندما يحكي المؤلف عن فكرة وبدايات المشروع يتأكد لديك يقينا وجودية وتمرد واصرار ومثابرة الرجل ..عندما يفكر أو يحلم إنسان بمشرع معرفي كبير يبدأه  بألف دولار فتيقن  أنه إما أحمق أو متهور أو حالم ولكنه الرجل المتمرد حيدر ابراهيم..هذا المركز الذي ظل دائما في مرمى النيران الحقيقية والصديقة كان فتحا حقيقيا للتنوير وبعثا لرفض المشافهة ومثل حافزا كبيرا للكثير من السودانيين لنشر منتوجهم.. المركز احدث حراكا وسط المهتمين ثقافيا وسياسيا بندواته وحلقات نقاشه التي سعت لمعالجة قضايا الوطن الكبري من ديموقراطية وتنمية وتعليم..أصدر التقارير الاستراتيجية والكتب غير الدورية..اجتذب اليه كبار المثقفين العرب ..عند انتقاله للخرطوم احدث ذات الاثر واحدث ذاك الحراك الذي اجتذب المهتمين كما اجتذب الخفافيش والقوى الظلامية المتربصة بمحاولات التنوير.

كنا نقول أن تجربة المركز كانت مدخل الرجل لبحث إشكالية منظمات المجتمع المدني في السودان ...يقول المؤلف"لقد شابت منظمات المجتمع المدني السودانية ، كثير من الشبهات والسلبيات ، فقد اخطتفت عناصر من الانتليجنسيا – كعادتها – المجتمع المدني وحولته لوسيلة للإعاشة السهلة المرفهة والنجومية الشخصية والسفر والتجوال في بلدان العالم للمؤتمرات والندوات دون ان يقدم الواحد ، أو الواحدة، منهم ورقة أو بحثا"( الصفحة 187) ... لا أحد يغالط في هذه المعلومة المخجلة ..حقيقة الامر ، ومن تجارب شخصية ، أخجل لبعض هؤلاء الذين يتباهون في المجالس بسفرهم وعودتهم من أركان الدنيا الاربعة والكل يعلم حقيقة ما تؤديه منظمات مجتمعهم الهلامية التي تقول كثيرا ولا تفعل شيئا على الاطلاق.

من سوء حظ "مركز الدراسات السودانية" وأعداد قليلة من المراكز والمنظمات المحترمة التي ظلت تؤدي دورا  مجتمعبا وثقافيا وتنويريا مؤثرا أنها وقعت ضحية التعميم الذي أوجبته منظمات الغفلة والاستهبال والرغبة في الثراء...نعم لا يخفى ابدا العامل السياسي ودوره في المضايقات التي تعرض لها المركز (والمراكز المحترمة الاخرى) وادت إلى إغلاقه في النهاية ولكن العملة الرديئة قادرة تماما على طرد العملة الجيدة.

لن أغادر منصة منظمات المجتمع المدني دون الاشارة لبعض المبادرات العظيمة التي يقوم بها شباب أهل السودان..إن مبادرة "شباب شارع الحوادث" تقف دليلا على الامكانية الحقيقية لهذه المنظمات أن تؤدي دورا مجتمعيا  خطيرا ومؤثرا ..إن ما قامت به أكبر كثيرا من إنشاء واعداد عيادة للحوادث.. لا لا ..دورها الحقيقي تمثل في عملية التوعية الكبيرة لقطاعات واسعة من الشباب بما يمكن إنجازه  من خلال الفكر المستنير والإنجاز الفاعل ... من جانب آخر فان ما يقوم به رجل مثل طارق الامين من مجهودات في إصلاح وتزيين المدارس بمساندة أبناء الاحياء ودون تكاليف تذكر تمثل نموذجا رائعا للشباب ودوره  ..نفس الرجل انشأ "بيت الفنون" الذي أغلقته السلطات في "غزوة ذات المنظمات الكبرى" واصبح ملاذا حميما للشباب بما يقدمه من فنون واداب ومن ثم تم الاغلاق وخرج الشباب للشارع الخاوي الا من "ستات الشاي" والمخدرات ....هذان مثالان فقط من أمثلة عديدة ومحترمة ليس في العاصمة وحدها بل في كثير من أقاليم البلاد وقراه ودساكره.

قبل أن يختم هذا الفصل أبى المؤلف إلا أن يعود لمنصة إطلاق "مدافع نافيرون" متوجها بها هذه المرة بإتجاه تجربة "التجمع الوطني الديموقراطي" ... نظر الرجل في التجربة مليا محللا جوانب القصور العديدة والسلبيات التي شابت التجربة وخاصة ما يتصل منها بالقصور الفكري والممارسة "اللا مؤسسية"..هنا انتاشت سهامه معظم القيادات ولم يسلم من هجومه ومدافعه رئيس التجمع ... نعم سيدي "الجدو النبي" لم يسلم من ظلال سيوف حيدر فله المغفرة!!!

3.    خيانة العنوان للمحتوي واللجوء لحضن العشيرة : الحنين الكذوب والوله المغشوش

"يومي له ليلان ِ... أين نهاري؟

أتكون شمسي دونما أنوارِ؟

أبحرتُ في جسد الفصول مُهاجرا ً

طاوي الحقول وليس من أنصار ِ

أبْدَلتُ بالظلّ ِ الهجيرَ لأنني

قد كنتُ في داري غريبَ الدار"

 ( الشاعر العراقي يحي السماوي)


عنوان الفصل السابع من السيرة (الامكنة ولعنة السفر والمنافي) وعندما طالعت العنوان قلت عجيب!! .. أيشكو الرجل من غوايته الكبرى ..ألم يقل لنا أن ميلاده الثاني في فرانكفورت عام 1971 ..أفو!! ..لكن قبل أن اشرع في الاستعداد لمجابهته بهذا التناقض فاجأني الرجل باستعارة شيء من "خبث " الافندية الذي شكى منه دهرا...غّير الرجل مسار الفصل الى عشيرته من الشايقية متحدثا بأسمهم عن مضامين العنوان فاصبح شاهدا بعد أن كان بطلا للسيرة.

وقبل التعرض لظاهرة الهجرة السودانية والتي افردت لها فصلا كاملا بأسم "شقشيش" في كتابي الموسوم "رحيل النوار خلسة" ( دار عزة للنشر، 2003) ... أود التركيز على نقطة واحدة وهي هذا التناقض الهائل في الشخصية السودانية في ما يتعلق بالهجرة ...منذ ان بدأت الهجرة الى دول الخليج في السبعينات والى يوم الناس هذا يبذل اهل السودان جهودا مضنية في سبيل الخروج من البلاد ..يستخدمون في ذلك كل الممكنات المتاحة للأسرة والأهل والاصدقاء والمعارف .. يصرفون كل ما لديهم في سبيل خروج الأبناء (قبل الهجرة النسائية) ويحتفلون بسفرهم انتظارا للعائد ....يطلقون على كل من هاجر صفة عجيبة وهي "المغترب " والتي لها دلالاتها الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة ايا كانت وضعية هذا المغترب.. ما ان يصل المهاجر أو "المغترب" إلى مهجره  ويبدأ في تعذيب أهله ومعارفه في الجانب الآخر بحثا عن العمل وعن السكن وما ان يعرف نوعا من الاستقرار حتى يبدأ في ارسال رسائل الحنين واللوعة والاشتياق للبلد الذي لم يصدق أنه تركه خلفه....هذا الحنين الكاذب طوعته التلفزيونات ووسائل الاتصال الاخري لصناعة رائجة ذات مردود عال .. برامج متعددة تم تصميمها لتواصل "المغتربين" مع أهلهم لبث حنينهم الجارف للديار... الشيء المحزن المبكي ان ذات المهاجر صاحب الحنين الجارف لا يخشي شيئا سوى التفنيش والخروج النهائي من بلد المهجر ..هذان أمران دونهما الموت ....نحن نعيش هذه التجربة منذ أن بدأت موجات الهجرة تتدفق للخليج قبل الهجرة للعالم الجديد وأوروبا..ملخص الأمر رحيل عن الديار مكلف وبالتمني والاختيار وخوف قاتل من الرجوع  وبينهما "اوتار الحنين" و"آلو مرحبا" وغيرها من منصات بث الحنين الزائف والوله الكذوب.

أعود لحيدر و"الزوغة" من قضايا "هجير المنافي" التي جيرها لأهله الشايقية دون أن ترمش له عين...فحيدر كان وسيظل استاذ تاريخ مجيد يعرف "النفاج" بين سياسة بسمارك الداخلية والخارجية ؟!.... لقد عوضنا عن سيرته ومستدركاته على الهجرة بالحديث عن الشايقية وصورة الخرطوم في الستينات واحب المدن إليه.

حدثنا حيدر في هذا الفصل عن تاريخ الشايقية وابرز المحطات في تاريخهم ..فعند هزيمتهم في كورتي على يد الاتراك بعد مجالدة مجيدة من قبل الشايقية عمد الاتراك للاستفادة من بأسهم الحربي فاستخدموهم ك"باشبوزق" ... المهدية عاملت الشايقية بقسوة فقد كانوا الظهير الوطني للأتراك ومن هنا كان المهدي يدعو عقب كل صلاة "اللهم انصرني على الترك وأعوانهم من الشايقية" ...هجرات الشايقية كانت مختلفة عن الكثير من هجرات القبائل فالاتراك هجّروهم جنوبا قسرا بعد "كتلة المتمة" نكاية في الجعليين الذين تركوا اراضيهم ولحقوا بالمك نمر في المتمة الحبشية ..ومن بعدها نزلوا جنوبا واستقرت جماعات منهم في المنطقة جنوب شندي وحتى حلفاية الملوك وقد وثق حيدر لهذه الهجرة الاخيرة ولنزاعهم مع العبدلاب..تتبع المؤلف هجرة الشايقية في فترة الحكم الثنائي ويرى صاحب السيرة انهم "كانوا من طلائع الهجرة الحديثة من الريف وكان يقع على عاتقهم تحويل تلك المواقع إلى مدن أو ما يسميه علماء الاجتماع والسكان عملية تحضير أو تمدين "( الصفحات 202-203) ...حدثنا المؤلف عن مواقع سكناهم في المدينة وممارستهم فيها وأنشطتهم الثقافية والاجتماعية وتعاملهم مع الحركة الوطنية السياسية الناشئة ومن ثم وقف عند "حنينهم" الجارف الذي تعبر عنه أغانيهم.

ترك الكاتب أهله ودنياواتهم في المدينة ليعطينا لوحة رائعة شاملة لحياة الخرطوم في الستينات ...وكما فعل من قبل لم يترك ملمحا لم يقّربه للقاريء...الحانات والمطاعم والفنادق...وله ذاكرة حديدية في تقصي هذه الاماكن ....حدثنا عن الكازينوهات وحفلاتهاالغنائية ..تحدث عن التركيبة الاجتماعية للعاصمة الصغيرة حينها وغياب التمايز الطبقي وكل ذلك قبل لن تتريف العاصمة بالكامل .

قارن المؤلف بين حياة العاصمة ورحلته الاولى للمحروسة مصر حيث القاهرة التي لا يعرف فيها أحد أحدا مشيرا لمعالم المدينة الراقية ورموزها وحياتها الاجتماعية ومسرحها وغنائها وفنونها ورقصها ..وكذلك الاسكندرية ....حدثنا الكاتب عن أثينا  وعن " المدينة الانثى الساحرة والمبهرة "فلرانكفورت" التي تغزل فيها وهام فيها عشقا ..حدثنا عن دبروفنيك اليوغسلافية (سابقا) وباتيا التايلندية وفاس ومراكش المغربيتين.  

نهاية الفصل الذي تشتت فيه ما كنا ننتظره  من "لعنة السفر والمنافي" الموعودة في العنوان وضاع دمها هدرا بين الشايقية وصورة الخرطوم في الستينات والمدن التي احبها الكاتب فيه عزاء انه ينتهي بشيء للفاجومي نجم في رثاء "زكي مراد" بعنوان "مسافر":

مسافر مسافر ودائما مسافر

كانك بطبع العناد سندباد

وعاشق

وعشقك بعيد البلاد البلاد

مسافر تودي الوداد للرفاقة

مسافر تجيب الحليب للولاد

ويوم ما اتقابلنا قابلتك مسافر

ويوم ما افترقنا فارقتك مسافر"

شيخنا حيدر نجوت بكلام المعتوه نجم وشفاعته ..من لا يقبل شفاعة الفاجومي؟


4.    "الناس اللي فوق" و"الناس اللي تحت " وناس "الله يكرم السامعين": حيدر والبشر
"وزهدني في الخلق معرفتي بهم    وعلمي بأن العالمين هباء"

( ابو العلاء المعري احد ابطال الكاتب فيما يتعلق بالناس )

الفصل الثامن من السيرة خصصه الكاتب "للناس والنساء" والحق به فصل جانبي للمراة ...حيث أن الفصل بالكامل تقريبا عن الناس وعلاقات الكاتب بهم وودت لو اقتصر على الناس وودت لو كان للمراة فصلا متخصصا. ...في هذه المراجعة اقتصر على الناس وافرد جزءا آخر لاحق للمرأة.

يبدأ الكاتب حديثه عن الناس بقوله "ويلاحظ أن الانسان السوداني، وبالذات الافندية او "المثقفين"، صعب التناول والتعامل معهم رغم بساطته الظاهرية ، فهو يبحث عن العيوب والاخطاء في العلاقة، أو يركز عليها أكثر من البحث عن المحاسن والايجابيات ، لذلك فهو كثير التلويم وبالتالي سريع الغضب ثم فقدان الاصدقاء والمعارف"(الصفحة 220) ....بمثل هذه القناعة دخل المؤلف على مبحثه في الاصدقاء والناس والبشر والتعامل معهم...فتحدث الكاتب عن علاقته بالاصدقاء في السودان وخارج السودان كما افرد حيزا للمهمشين في المجتمع السوداني وعلاقته بهم

الكاتب سرد بعض علاقات الصغر في الدراسة ووسط الاهل الذين اصطفى منهم الرافضين والمتمردين الخارجين عن المعتاد والمألوف والتقاليد .. أضحكني من مجموعات اصدقائه وسط الاهل وفي القرير شخصيتان ... الاول صديقه الفنان ذاك الذي اذا سمع الكاشف يغني  أصابته الرعشة والعشق فيشتت فلوسه الضامرة القليلة في الشارع أما الثاني فهو "ود حاج طه" الذي يستبد به الطرب ويحسن الرقص عندما كان يتناول المسكر (قبل توبته)  وكان رفاقه عندما يصل لتلك الحالة وتلعب بنت الحان برؤوسهم يغنون له :

ود حاج طه يالمطموس مستر فيكسي جاك يكوس وقال لك كتّل الناموس ( الصفحة   224)

وكان المسكين عامل ناموس ومستر فيكس رئيس الوحدة أو مديرها.

من السودان توجه الكاتب لعلاقته بأوروبا ( والمانيا تحديدا) حيث نماذج غرائبية من بعض أصدقائه من السودانيين ...سودانيو الستينات في اوروبا والمعسكر الشرقي تحديدا .. ورغم الدور الكبير الذي لعبه الكثير من خريجي  تلك البقعة من العالم واسهاماتهم الكبيرة في دعم مسيرة التنمية بالسودان الا ان بعض فئات الطلاب ضاعت بالكلية (حقيقة ومجازا) في تلك الديار بعد أن سحقتهم آلة الحرية  وطبيعة النظم التعليمية المرنة التي لم يعتادوا عليها الى جانب عوامل الجذب التي افتقدوها في بلدهم قبل حضورهم من نساء وملاهي .

من علاقات البشر العاديين من الاهل واصدقاء السودان واوروبا انتقل الكاتب لصلاته وعلاقاته مع المشاهير وهنا تتبدى شخصية الكاتب والتي لا تعرف المهادنة والحلول الوسط وهي ذات المشكلة التي قال في مفتتح الفصل أنها سمة السودانيين ...يصف الكاتب علاقته بالمشاهير بأنها "كانت أصعب العلاقات وأعقدها..فالابداع مرتبط، بطريقة او بأخرى ، بالغرابة والسلوك الشاذ أحيانا " ( الصفحات 228-229).

من هذه العلاقات المتوترة الصعبة كانت علاقة الكاتب بالطيب صالح والفيتوري وأدونيس ....ورغم تعديده وتفسيره لمواقفه من هذه المجموعة الا انني اتوقف عند موقفه من الطيب صالح ...المؤلف أخذ على الطيب صالح أنه مجامل ويحاول ارضاء الجميع ويسعى ان يكّون انطباعا لدي اي شخص بأنه فعلا "طيب" وأنه " صالح"،  وانه يكّون انطباعته من خلال من هم حوله من أصدقائه  وبعضهم متهم عند الكاتب بأنهم" أناس مستهلكة الروح وعديمي المرؤة والفائدة" ( الصفة 229 ) ..واخيرا يأخذ على الطيب أنه كان يتعمد تجاهل دور مركز الدراسات السودانية والذي أقام له تكريما.....هذا كان رأي حيدر والغريب انه باستثناء المبرر الاخير فإن الناس احبوا في الطيب كل المثالب التي ذكرها الكاتب... نحن والله ابناء ثقافة المجاملة وثقافة إبراز الوجه الحسن ولا نجد ولا نريد عنها بديلا ...قد يكون هذا السلوك معيبا عند الكاتب ولكننا نسأل الله أن يديم علينا نعمة المجاملة ومحاولة ارضاء الناس .

الكاتب ، من جانب آخر عدد الكثير من أصدقائه المخلصين سعدي يوسف وحلمي سالم ومحود أمين العالم وغيرهم من غير المصريين ...أما محمود درويش فقد دخل دائرة الاصدقاء ثم أخرج منها كما ابليس لانه فضل المال على الوفاء بالعهد...وكان ذلك شأن الابنودي ايضا.

لا تنتهي سيرة الناس عند الكاتب الا بتضمين فئات المهمشين ..يقول الكاتب "تصبح هذه السيرة ناقصة وخائنة ، لو تعمدت تجاهل فئة هامة رغم أنها مهمشة وتجبر أن تكون في مكان معتم في المجتمع"( الصفحة 234) ...هذه الفئة شملت "المثليين" أو " الطاعمين" باللغة الدارجة كما شملت من أجبرتهن تصاريف الدهر على امتهان أقدم مهنة في التاريخ ..انتباهة حيدر لهذه الفئة تجبرك على الانحناءة والاحترام ومتسقة تماما مع صدق الرجل مع نفسه والاخرين...الناس في بلادي"كما يقول عبد الصبور" يتعاملون مع هذه الفئات ليلا وما ان يصبح الصبح حتى ينكروهم تماما ولا يودون رؤيتهم ولا يريدون ان يعرف الآخرون هذه العلاقات السرية الليلية ..حيدر غير