عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

دكتور حيدر ابراهيم على : أزمنة الريح والقلق والحرية (سيرة ذاتية)

(القاهرة : دار الحضارة للنشر، 2015، 328 صفحة )  

1. الكتاب والفصول :نظرة عين الطائر:

يشتمل الكتاب على عشرة فصول وخاتمة.. الفصل الاول يتناول "الميلاد –القدوم والنشأة ...الفصل الثانييسلط الضوء على الاسرة الممتدة والعائلة المتشابكة... قضايا التعليم وبوابات المعرفة يتناولها الفصل الثالث بينما يختص الرابع بالتكوين والبحث عن رؤية... في الفصل الخامس يعالج صاحب السيرة مسألة "بين العمل ومغازلة الحرية" أما السادس فتم تخصيصه ل"دروب العمل العام والمجتمع المدني".."الامكنة ولعنة السفر والمنافي" تناولها المؤلف في الفصل السابع  أما الثامن فقد تم تخصيصه لمسألة "الناس والنساء : المرأة "... الكاتب خصص الفصل التاسع لما أسماها "الفنون المنتصرة: الطرب والشعر (السماع) والبصر.... وتحدث في الفصل العاشر عن "مقامات الوطن المضيّع" أما خاتمة الكتاب فتناولت "اكتمال الزمن أو لعبة الدهر".

بنظرة عامة على العناوين والفصول والمحاور يتضح "بنائية " و"تأسيسية " المنهج المتبع في السيرة فهي تتصاعد من الميلاد والنشأة ومن ثم التكوين والبحث عن الحياة والذات...متسلحا بالتكوين الاوّلي دخل المؤلف ساحة العمل ...من بعدها بدأت ما اسميه مراحل الاستفادة من الرؤية وشحذ الهمم للإستزادة والتعزيز والتطبيق من خلال الامكنة والسفر والمنافي التي صقلت وجمرت وعززت التكوين والمعرفة.. ملامح النتائج الكلية للمراحل "التأسيسية" "البنائية" المواقف الواضحة الجلية تجاه قضايا المجتمع وخاصة قضايا المرأة والفنون المنتصرة من وجهة نظر صاحب السيرة أما ذروة سنام الرؤية فكانت للوطن المضّيع والذي كان ،حقيقة وواقعا، حاضرا في كافة فصول الكتاب.

  تأتي هذه المراجعة المطّولة للكتاب تقديرا لجهد عملاق وكتابة ذاخرة بالمعرفة والعلم والتعلم والتجارب من خلال رؤية محددة للكاتب لنفسه وللآخرين وللحياة .. ان أي مراجعة عجلي أو تنويه عابر للكتاب فيه ، في تقديري ، ظلم بّين واضح لعمل أعتبره نموذجا في مجاله لما نتمناه من الكتب التي تطرح القضايا وتحللها وتدخل في تفصيلاتها من باب الإضافة المعرفية وتعظيم المردود على القاريء ..أعمالا مثل هذه السيرة تتطلب وقفات نقدية متأملة من جمهرة المختصين والمهتمين بما يخدم الفائدة للجميع ... ورغم انني قد اطلعت على الكتاب من فترة الإ ان ظروفا قاهرة حالت دون تدوين هذه المراجعة.   

وقبل التعرض للكتاب أود ان أقول انني توقفت من زمن طويل عن مطالعة السير الذاتية للعرب والاوربيين على حد سواء ...ولعل نوعية وطرائق كتابة السير الذاتية عند العرب كانت السبب..مبررات كتابة هذه  السير عندهم انحصر عموما في ثلاثة اسباب رئيسية غير مقنعة فهي أما تبرير لفشل معلن أو تنويه لنجاح لم ينل حقه من الذيوع أو لسب الدهر والبشر بحسبان انهم كانوا صدا ومانعا لهم في الوصول لمجد لم يتأتي....قليلون تحلوا بالصدق والأمانة عند كتابة سيرهم الذاتية ...ومن من كافة السير الذاتية التي اطلعت عليها توقفت عند سيرة ماركيز كما دونها في كتابه "عشت لأروي" وبابكر بدري كما في "حياتي" ونجيب محفوظ "أصداء السيرة الذاتية " ...ما يجمع ما بين هذه السير أنها كانت تمثل وقوفا للمؤلف أمام مرآة الذات بالتجرد والصدق الكاملين ، وان بدرجات متفاوتة، أعلاها عند بابكر بدري وأدناها عند نجيب محفوظ الهرم الصامت الإ في دوائره الخاصة والذي استنطقه فيها تلميذه وحواره المبدع المحترم جمال الغيطاني.  

يقول شوقي بدري أن  بابكر بدري عندما نشر مذكراته قال في واجهة الكتاب "الحقائق للاقتداء بها حسنا وقبيحا"...سيرة بابكر بدري تنم عن شخص شهد كل شيء وفعل كل شيء ...شهد الفقر المدقع والتجارة الكاسبة ..شهد  وقائع وأحداث وحروب ومن ثم استعمار ..الرجل وصل لقناعة ان التستر والاقنعة المستعارة ليست خداعا للآخر بل هي خداع للذات المحترمة اولا...عندما نشر الرجل سيرته أصاب أهل السودان الذهول ...كتبها لمجتمع حريص على الا  يفصح عن حقيقة أمره ومشاعره  ..شعب يؤمن ويمارس مقولات من جنس "خلوها مستورة" ويقول "يا خي الصلاة فيها السر وفيها الجهر" ويعتمد في طلب سترة الحديث بمقولات من طبقة "المجالس أمانات" ..شعب يبدأ حديثه قائلا "أقول ليك الصراحة " ثم لا يقولها.

غابو" كتب سيرته ( التي ترجمها بحرفية عالية صالح علماني) دون خوف أو وجل ...ولعل للعمر والإنجاز النوبلي أثر على ذلك..حكي عن الحياة والأسرة والتكوين المعرفي والعلاقات النسائية الحقيقية والزائفة بما فيها علاقات والديه.

قيمة سيرة نجيب محفوظ أنها سطرت كأضواء وزيادة في الحرص والتقية التي اتسم بها الرجل دائما فقد استعان بشخية "الشيخ عبد ربه التائه " ليمرر رؤاه وأفكاره ومعتقداته.

  نجح حيدر ابراهيم في خروجي عن هذا الامتناع عندما نشر جزءا من السيرة في صحيفة سودانايل الالكترونية قبل صدور الكتاب باسم "كتر خير الدنيا" فشدتني وشوقتني لقراءة هذه السيرة العجائبية حسب ما قرات.... ولمعرفتي الوثيقة بحيدر علمت انني سأطلع على شيء مختلف كصاحبه تماما ...لذلك لم استغرب ما اشتملت عليه السيرة من بعض حقائق وآراء صادمة من رجل يقول عن نفسه" كان لا بد ان أنشأ صريحا وناقدا وساخطا ، ولم تساعدني حياتي الخاصة ولا تكويني النفسي ولا المجتمع والبيئة على تجنب ذلك" ...قرأت ذلك بتمعن فقلت "اللهم أجعله خيرا"... وبدأ ظنوني حول عجائبية السيرة تتعزز من عتبات الحِكم والمقولات التي تصدرت الكتاب...حينما يجعل الكاتب "نيتشه" و"أوسكار وايلد" و"المتنبي"شرافة لداره فاعلم ، يا رعاك الله، أن صاحب الدار قد تأبط شرا .

  2. كومونة "الإشلاق" والتعلم من الناس: التخلق الاشتراكي والوجودي الأول  

في الفصلين الأول (الميلاد –القدوم ) والثاني (الاسرة الممتدة أو عائلة متشابكة)، عشنا مع المؤلف ميلاده وأحوال عالم الاربعينيات الذي كان لا يزال يعاني الحرب وويلاتها وظروف السودان تحت الاستعمار وسياساته تجاه قضايا الحكم والتعليم  ..نشأة الحركة الوطنية وأثر القبلية والطائفة الدينية في تشكيل أوضاع البلاد وبداية التطور السياسي للقوى الوطنية ...علمنا منه ما علمه وسمعه من الآخرين عن أجواء الحرب وتداعياتها على المجتمع وأوضاع البلاد الاجتماعية في تلك الفترة .  

حيدر ابراهيم مولود في ذات تاريخ ميلاد "بوذا" و"سلفادور دالي  ويعلق على المصادفة قائلا :" شخصيات جمعت بين الحكمة والعبث " (صفحة 9)...وهو يؤكد ان جده قال عند ميلاده "الولد دا سيكون صالح وبخيت وناجح" ...(9)... هذا الفصل الاول ممتع للقراءة وقد تناوله كاتب السيرة بحذق شديد مستخلصا دروسا وآثارا عميقة اخلاقية وتربوية أثرت بصورة مباشرة على تكوينه فمن الواضح أن حياة "الإشلاقات" وتدني الاحوال الاقتصادية لسكانها وحاجتهم للتكافل والصدق في المعاملة كان لها أثر كبير على الدكتور حيدر ابراهيم الذي نعرفه الان.  

تحدث المؤلف عن ولادته وطقوس الاحتفال بذلك الميلاد ..حدثنا عن اسرته وكتب وصفا جميلا لأحوال قريته وناسها وعلاقاتها ورموزها ....عرج المؤلف على تربيته من قبل سلطات تربوية متعددة (كعادة الاطفال في تلك المرحلة) وأثر ذلك عليه مستفيدا من غياب سلطة توجيه مطلقة واحدة...ولعل ذلك يبرر استقرار مفهوم الحربة عنده باكرا... في هذه المرحلة انتبه الكاتب لسطوة النساء وخاصة "الحبوبات" ودورهن الكبير في توجيه مسارات الأسرة.  

لكن كما أشرنا أعلاه يظل "الاشلاق" صاحب أكبر أثر في حياة الكاتب في تلك السن الباكرة ...يقول الرجل" وكان لحياة الإشلاق بصماتها القوية الخالدة على شخصيتي، وعلى تكويني النفسي والروحي مستقبلا ......فأنا لم اتعلم الاشتراكية من الكتب فقد عشتها عمليا ثم بحثت عنها لاحقا فكريا ونظريا وليس العكس"( الصفحة 15)..يرى الكاتب أن الإشلاق علمه ايضا ماهية التضامن والتكافل وأهمية الصدق....ويستطرد :"وكان لكومونة الإشلاق كثير من الافضال عليّ ، فقد اضعفت فيّ حس الأنانية والتملك بطريقة تكاد تكون غريزية أو من الفطرة" (الصفحة15) ...هذه احد أهم العوامل في تكوين شخصية الرجل حتما .

انتقل الرجل بسيرته لعالم الترحال بين مدن السودان المختلفة ... في هذا الجانب أفلح في نقل صور نابضة بالحياة لملامح وخلفيات وسكان واقتصاد تلك المدن ..يقدم صورة تفصيلية لسنار والخرطوم بحري (الوابورات) "ودنقلا" وغيرها من المدن ..في هذا الجانب تبدو جلية الذاكرة الحديدية للرجل والقدرة على استرجاع تفاصيل المدن ورموزها واهم أحداثها.

وبأسلوب التداخل ، وهو اسلوب الخروج من الموضوع ومن ثم العودة إليه دون أن يفقد خيطه الاساسي والرئيس ،  عرج بنا الكاتب لحياته في مسقط راسه بالشماليه حيث  برع في تصوير حياة قريته بأسلوب حكي رائع عن أحوال البشر وعاداتهم وطقوسهم الدينية والاجتماعية وشخصيات لها العجب  كما حدثنا عن وضع المرأة .  

في الفصل الثاني اختصر الكاتب الحديث على أسرته الصغيرة والممتدة ..لفت نظري اثر جده لأبيه عليه ومن الواضح أنه رغم الأختلافات في المواقف من الحياة والناس بينهما ( وهو أمر طبيعي بحسبان الفوراق الزمنية وأثرها) الإ ان أثر هذا الجد كان قويا ومباشرا حيث يربط المؤلف حتى بين بعض تصرفات أبنه بما كان يفعله الجد ..واتساءل هل كان الكاتب ، أيضا، "ضحية التجاذب بين الجد والحفيد" كما قال الطيب صالح في "بندر شاه"؟.

أشار المؤلف إلى اثر والديه على تنشئته الاولى وتشجيع الوالد له على القراءة والاطلاع وكما انه من وصفه للوالدة يبدو أن لها أثرا كبيرا في شخصيته حيث كان يطلق عليها أسم "الكنداكة" وهي صاحبة المقولة العجيبة "انا والله أكتف النمل"!! دلالة على قوتها وجبروتها ..وعندي ان أثرها على الكاتب لم يكن أقل من تأثير الجد إن لم يكن أكثر..وإلى جانب عوامل أخري، اري ايضا أنها كانت وراء الموقف الواضح للكاتب تجاه المرأة كما تكشف عنه السيرة وقد أشار الى أن أمه زودته "بكثبر من المعتقدات الفلكلوربة وقد يكون هذا سببا في ميلي اللاحق نحو دراسة الانثروبولوجي" (الصفحة 44 )...في معرض حديثه عن اثر والديه استعرض الكاتب بعض العادات والطقوس الخاصة بالحمل والولادة ومعالجة عدم الانجاب..بما فيها زيارة الكنائس و"الزار" .

في الجزء الخاص بالاسرة الممتدة كان من الواضح أن بعض الاقارب ساهموا في فتح عيون الكاتب على عوالم جديدة من خلال تجاربهم ..من خلالهم تعرف على الصحف والمجلات واكتشف السينما وعالم المرأة ..من وسط أهله اعجبتني شخصية قريبه الذي تماثل سلوكياته في جانب منها "منسي" صديق الطيب صالح فهذا رجل يتعامل مع الدنيا والناس والاهل والنساء بدهاء ومكر شديدين ولكنه في ذات الوقت صاحب خصال واريحية جاذبة...وستضحك معه على جده الىخر الذي كان من الشخصيات التي لها العجب ...هذا الجد كان بمحطة السكة الحديد مع زوجته وأبنائه ينتظرون القطار...فلما تأخرالقطار قرر الذهاب لزيارة بعض ذويه في المدينة ...هناك وجد مشكلة قائمة في زيجة تطوع بحلها بأن تزوج العروس..ساعتان ترك زوجته في المحطة وتزوج ورجع!!!.اختتم الكاتب الفصل بالتعريف باشقائه الذين تأخروا عنه كثيرا وعن تربيتهم ومن ثم مآلاتهم الحياتية.  

3. في الإمتاع المفكر والمؤانسة العالمة المتعلمة

"يا حيدر راسك الكبير دا مليان شيوعية لسه ولا بقيت عاقل" ( الصفحة 87)  

الفصل الثالث من السيرة (التعليم وبوابات المعرفة) خرّب على متعة المواصلة في القراءة فكلما تحولت عنه شدني ورجعت إليه ...هذه الفصل جمع وأوعى كافة مقومات وجذور شجرة النسب الفكرية والمعرفية لحيدر...الفصل كشف بوضوح عن التكوين الاولى لشخصية حيدر المتمردة المشاكسة ..كشفت عن بدايات الوعي الوجودي وكشف عن قدرة استثنائية على ربط إحداثيات البلاد السياسية والاجتماعية والفنية والرياضية في مسيرة المؤلف...والهام عندي أنها كشفت عن شخصية الحكاء المجيد وابدأ بالاخيرة .

ظللت حياتي كلها أكن اعجابا بلا حدود للحكاءين ... فكنت كلما اتيحث لي الفرصة احرص على مجالس حكاءين من طبقة حليم شنان وصديق على كدودة والطيب محمد الطيب والفكي عبد الرحمن والحكاء الاعظم حاج الصديق "وزن عشرة"  ..وبذات القدر احببت حكي وقصص محمود السعدني ومصطفي الفقي...لكي تكون حكاءا عظيما فأدواتك هي الحقائق المتدفقة والذاكرة الفولاذية وقدرات الحكي من حيث وتيرة الصوت والقدرة على التمثيل مع معرفة وخبرة لأصول الوصل والقطع في الحكي ... لا أعرف إن كان لحيدر قدرات تمثيلية او مجلس للحكي  ولكن هذه الفصل تحديدا احدث فيني تلك المتعة التي افتقدتها زمنا... فاذا اضفت القدرات المعرفية الكبيرة للرجل صار حكاءا من طراز فريد.

في هذا الفصل يحدثك المؤلف عن تنوع الحياة في مدن السودان المختلفة وبشرها وتكويناتها وملامحها ورموزها وكسبه المعرفي من كل منها وآثاره على تكوينه.. يحدثك عن السينما وفاتن حمامة وجاري كوبر والان لاد و"يحيا زاباتا" لمارلون براندو و"من أجل أبنائي" ...يحدثك عن كرة القدم والهلال وصديق منزول والقانون برعي أحمد البشير ونصر الدين جكسا "وفاسكو دي جاما البرازيلي"  ..يحدثك عن الغناء وعثمان حسين وابراهيم عوض..ومكتبات الخرطوم العريقة  (عندما كانت فيها مكتبات عظيمة) ومطاعم العاصمة وتخصاصاتها ..يحدثك عن التطورات السياسية من أحداث الجنوب " و"يا استاذ بالقزاز" و"وفي الجنوب كم ماتوا شباب" والاستقلال وحواء الطقطاقة ..عن قراءاته واطلاعه من  الصحف السودانية والمجلات المصرية ...كتب الرجل عن مؤلفات سلامة موسي وحتى "ارسين لوبين"  ..يحدثك عن حكومة الازهري وحريق العملة حريق الشعب"..يحدثك عن الاغاني...يحدثك عن المدارس وما يكتنفها من ممارسات  وعن اساتذته وصحفه الحائطية ...في هذا الفصل عطفت على كل أساتذتنا وآبائنا من نظار المدراس التي غشيها المؤلف... حين يجلس أمامك تلميذ حانق من النظم والاساليب التربوبية ( او اللا تربوية) التي كانت (ولا زالت ) تتبعها مؤسسات  التعليم  التقليدي والحديث ..طالب تزود بذخيرة لا بأس بها من المعارف الحية  ولديه بدايات تكوين العقل النقدي فأنت أمام مهمة مستحيلة .. فمنذ تجربته الاولى مع الشيخ ود البشير الفكي العصبي في سنار والذي كان يعُض (نعم يعُض) المخطئين من تلامذته البؤساء في رؤوسهم الحليقة فقد المؤلف ثقته في التعلم ومن يقوم عليه ...هذا الحنق تطور كثيرا ليتأذي منه نظار المدارس التي غشيها وخاصة المرحلة الثانوية والذين اكتفوا عند عذابهم منه بالاشارة المضمرة لهذا الشقي" في واحد حمار في تالتة غرب كان ناقشني حول نظرية التطور يجيني بعد الفطور" (الصفة 89).... اقول والعلم عند الله أن كل من درّس صاحب السيرة (في كافة مراحل التعليم العام) سيجزيه الله الجنة بغير حساب .الم يقل الله عز وجل في محكم تنزيله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] وقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43]..... هذا الحنق والتمرد على نظم التعليم كانت من اللبنات الاولى في التكوين اللاحق للمؤلف..هذا الاختلاف والخروج عن "القطيع " هو سمة حيدر اليوم فحسب أعترافه.."وظللت حتى اليوم أحافظ على مبدأ اختلافي (وليس امتيازي) عن الآخرين، ولا افعل إلا ما أنا مقتع به" ..وقد جلب لي هذا السلوك والطبع كثيرا من الأعداء والخصوم، ولكنني أردد قول المسيح"..."ماذا يتنفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ما يعطي الإنسان فداء عن نفسه"(أنجيل متى) ..وفي مناسبات كثيرة أردد قول الشاعر أحمد محمد صالح في "فينوس:

هرعوا إليك جماعة وبقيت مثل السيف وحدي"( الصفحة 89)...

هذا رجل يقول عن نفسه:" كنت اتعمد استفزاز المستقر والسائد ...كان سلوكي كله يعتبر غريبا حتى لبسي أو مظهري عموما ، وشعري المهمل والكارثة انني لم أكن وسيما أصلا ، فاكتسبت في المدرسة وخارجها بصفة"المبشتن" ويضيف لها البعض بقصد أغاطتي صفة "الشين".( الصفحة 87) ..نعم هذا تلميذ نجيب لسلامة موسي والمازني ...يقول أهل الامارات عن أمثاله "راسو يابس"...ولكن احقاقا للحق ففي الرجل امتننان وعرفان لكل من اكتسب منه علما نافعا وتربية سوية  وهم كثر وقد عدد الكثير منهم وخاصة في معهد المعلمين العالي.

هذا الفصل تميز أيضا بتحليل المؤلف للمسكوت عنه في السلوكيات السودانية.. تناولها بمحاولات جادة لتحليل علمي ومنها "المثلية " التي عرفها المجتمع ..يحدثك عن "التجنيد" ككلمة مستخدمة عوضا عن "الاستقطاب السياسي" ويحلل مدلول الكلمة وأثرها على العضوية من حيث انعدام الحوار ومن ثم سيادة قاعدة  "نفذ ثم ناقش" إن كان ثمة نقاش..يحدثك عن العنف المجتمعي وما يتولد منه من "بيوت أشباح" و"دواعش".

هذا فصل كما قلت جمع وأوعي ..وصف وحلل.. شيء يغريك بالتمرد ..ولكن يا حيدر "العين بصيرة واليد قصيرة" فإن اردتنا أن نعلم فقد علمنا وان اردتنا أن نقتنع ونطبق فلا نقول إلا "هذا ما وجدنا عليه أبائنا"  .. ولا يقول الفرد منا إلا :

"وهل أنا إلا من غزية إن غـوت غويت، وإن ترشد غزيـة أرشد".

فالمعذرة سيدي وقول الحق أفضل من المداراة و"التغتت" والقول باللسان والامتناع عن العمل ..معذرة استاذي وصديقي.

  4. جدل الوجود والعدم: ويل للمثقفين

"فضيّق  الحبل وأشدد من خناقهم   فربما كان في إرخائه الخطر"

(محمد المهدي الجواهري يستعدي محكمة الثورة العراقية على القوميين العراقيين: الكتاب الصفحة 124)

  عند طرحه لقضية " التكوين والبحث عن الرؤية" (الفصل الرابع من الكتاب) عمد المؤلف إلى شرح طريقه الى أصول الفكر الوجودي الذي عاشه حياتيا دون إطار  فكري.... علمنا منه أستاذته من سارتر و ودي بوفوار  وكامو (الأضلاع الثلاثة في تكويني الوجودي) كما قال الكاتب ( الصفحة 108) بالإضافة إلى الكاهن الاكبر سورين كيركقارد كبيرهم الذي علمهم الوجودية الذي كان أثره كبيرا على المؤلف والذي يقول عنه " أثره على السلوك الحياتي في علاقتي بالآخر كان كبيرا ، فهو يرفض ضرورة الخضوع لراي حشدي أو قطيعي، ويرفض أن يرى الإنسان في مرآة الآخرين أي كيف يرونه ويقيمونه بل كيف يرى هو ذاته وفق الفعل الوجودي " ( iلصفحات 97-98)....الحمد لله إذن أمسكنا بأحد أهم مفاتيح شخصية الكاتب .... كيركقارد والفعل الوجودي والموقف من الحشد والقطيع وحيدر والمثقفين .. و"عينك ما ترى الإ النور".

مفتاح أخر في الشخصية هو إحساس الموت المبكر لدي المؤلف والمرتبط بما تعرض له من أمراض متعددة في صغره .. خاف الموت المبكر فأحب العباقرة الذين رحلوا مبكرين التيجاني والشابي والهمشري ولورد بايرون ورامبو وأحب المتنبي وابا العلاء المعري لاستخفافهما بالموت... إذن آخي حيدر بين الوجود والعدم .  

المفتاح الثالث لشخصية المؤلف يرتبط بفكرة ومفهوم "الاغتراب" والذ سيكون له أثره البالغ على التكوين الذاتي والمعرفي اللاحق  للمؤلف... ..يقول عن المفهوم: رغم احترامي للخصوصية والمحلية ، أعتقد أن جوهر الإنسان واحد في كل زمان ومكان......فأنا مثلا أجد ان سارتر وأدورنو أقرب إلى نفسي ومزاجي من عبد الحي يوسف السوداني المعاصر ومن يوسف القرضاوي العربي المسلم" ( الصفحة 109)

  مثلث الوجودية العدم والاغتراب ليس مثلثا فارغا أبدا ..هذا مثلث يقوم على قاعدة أساسية وهي المعرفة وزادها الكتب ثم الكتب ثم الكتب...واضح من السيرة الاثر المبكر للمكتبات والكتب  ... في هذا الجانب سرد لطيف للكتب والصحف والمجلات والكتاب في مراحل العمر المختلفة ... من كتب "مكتب النشر" أحد أعظم ابداعات بخت الرضا والتي أفادت منها ارتالا وأجيالا من أبناء السودان الى الصحف و"الصراحة" وعبد اللله رجب ( وله والكاتب سمات مشتركه في التعامل مع الحياة) الى الصحف والمجلات المصرية وروز اليوسف وصباح الخير ومطبوعات الكتاب الذهبي وسلسلة كتابي والكتب المترجمة ومنها الروسية .. عند محطة سلامة موسي يتوقف الكاتب طويلا ....سلامة موسى صاحب تأثير كبير على المؤلف وخاصة مشاطرته سارتر الرأي بشأن الالتزام في الادب في اتون معركة "الفن للفن ام الفن للحياة" ..أحب المؤلف طه حسين  ولعل السبب هنا استخدام العميد منهج الشك الديكارتي ...مرجع ذلك قول ديكارت" كلما شككت أزددت يقينا بوجودي" ( الصفحة 105) ويضيف الكاتب لقائمة كتابه ومفكريه خالد محمد خالد ولكنني اشك أنه لا يزال لديه نفس الاعجاب لتلك الكتابات بعد تراجع الرجل عن أفكاره الاولى المثيرة للجدل خاصة في "من هنا نبدأ" و"هذا أو الطوفان " وغيرها من العناوين التي جذبت اجيالا لفترات طويلة.

  واقفا على قدميين وجوديين تنتابه مشاعر العدم وممتلئا بروح الاغتراب والمغامرة نظر المؤلف في الواقع السوداني والحركة الثقافية والمثقفين.... نظرة الرجل ، حقيقة ، كانت عميقة وتتحلى بعمق التحليل العلمي الذي يلازم الكاتب في طروحاته ورؤاه ولكن ذات النظره يشوبها الكثير من التحامل ممن لا يرضي بغير الأمثل  بديلا .

قام المؤلف بتحليل جاد ومتوسع لواقع البلاد وانعكاسات واثر العديد من العوامل التاريخية . في هذا الجانب نظر وبحث في التكوين القبلي المتنافر والثقافة العربية الاسلامية التي لا تحمل معها مكونات العمران وأثر دخول الاسلام للسودان عبر التجار وليس العلماء ..نظر الرجل كذلك في الاثر السالب للطرق الصوفية ودورها في إضعاف "روح الامة الوطنية" وأوضح إلى أن هذه العوامل ادت إلى مجتمع راكد الا من هبات وثورات صغيرة متقطعة ومتباعدة زمانيا ( ثورة 1924 وأكتوبر 1964 وابريل 1985) ...خلص المؤلف، من كل ما تقدم ، إلى أن المجتمع السوداني "ناقص التكوين، ولم يتطور تاريخيا في إتجاه وحدة التنظيم ، والأدوار ، والوظائف، وبقي في حالة فسيفساء تشتمل على جماعات متجاورة ، وليست مندمجة ومتسقة، أو حتى متفاعلة إيجابيا لتشكل مجتمعا حقيقيا متجانسا بمعنى الكلمة "( الصفحة 113)....الى جانب هذه الخلاصات عدد الكاتب عوائق قيام السودان المنشود وخلص إلى كل ذلك كان سببا في شعور النخبة بأنها الدولة والمجتمع  وصارت تتحدث بالوكالة عنه ....هذا الاستنتاج في تقديري هام وغير مسبوق ودال على مترتبات كثيرة.

وإذا كانت النخبة هي بديل الدولة والمجتمع فقد نظر المؤلف في أثر النخبة (العلماء والمثقفين عموما) على المجتمع السوداني..في هذا الجانب ركز على تسعة نقائص اساسية (على الأقل) وهي: عدم الميل للاجتهاد، وجدل الحداثة والتقليد ،غياب فترات ما يطلق عليه "عصر النهضة أو التنوير " ، الحساسية تجاه النقد ، قلة المنتوج وغياب الافكار الجديدة ، ترك الكتابة عن السودان لغير السودانيين ، غلبة الشفاهة والحكي،  قصور الانتجنسا الفكري والاكاديمي في تغطية الثقافة العربية ( والتي تولاها غيرهم) وعدم قدرة الفكر السوداني على احتلال الموقع الرائد في المجتمع لإفتقاده الجرأة في مواجهة العقل الراكد والمستقر.... لا نغادر هذه النقطة دون الاشارة الى أنه لا خلاف عليها جميعا..خلافنا مع الكاتب في أنه شخّص الداء دون ان يحدثنا عن إمكانية الدواء..نحن لا نطالبه بأن يعطينا "روشتة" العلاج ولكنا كنا نتوقع على الاقل نظرة في مسببات هذه الادواء وما يرتبط بدور النخبة من مقعدات ومعوقات.

  والمؤلف يجتاح ساحة النخب معددا سلبياتهم يطل علينا من الجانب الايجابي بطل المؤلف الكبير المحامي أحمد خير صاحب كتاب "كفاح جيل " .. وفي تقديري أن حب المؤلف للرجل نابع من التشابه بينهما من حيث الرغبة في الابتعاد عن الرأي الحشدي القطيعي التي أشرنا إليها كواحدة من آثار الفكر الوجودي على المؤلف..صحيح أن أحمد خير قد خرج على المؤتمر وهو صاحب فكرته وصحيح أن له رؤى مستقبلية ولكن يجب أن لا ننسى أن ذات الرجل  عمل مع أول نظام عسكري أجهض التجربة الديموقراطية الوليدة  (نظام الفريق إبراهيم عبود ) بل كان فيلسوف النظام ومحركه الفكري ... فكيف يلتقي الوجود والحرية مع الديكتاتورية؟... الاجابة عند حيدر إبراهيم.

في نقده المتواصل للمثقفين طالت سهام حيدر "الأشقاء" رغم جمعياتهم الأدبية والمثاقفة الناتجة عنها...والاخوان المسلمين وانتهازيتهم ودورهم في ادخال البلاد في جدل الدستور الاسلامي و"تطبيق الشريعة الإسلامية "وما تلاهما من كوارث سياسية .. واليسار وعدم قدرته على منازلة اليمين لغياب أدوات المعارك الفكرية الدينية .

رغم ان الغرض من هذه الكتابة هي مراجعة هذا السفر الهام والمتفرد الإ اننا نري انه رغم سلامة وحقيقة الكثير من الاراء المطروحة من قبل المؤاف بشأن البلاد والنخب إلا أنه أيضا عمد إلى إغفال بعض مقعدات تقدم البلاد كما غض الطرف عن إسهام جماعات وأفراد من المثقفين.