عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تمر هذه الايام الذكرى السابعة والاربعون لهزيمة حزيران ....تلك الهزيمة الموجعة التي طالت العالم العربي وتركت آثارها السالبة على كل مناحي الحياة فيه ...كانت بداية الانكسار الحقيقي للمشروعات النهضوية القومية ...تراجعت الهموم والأشواق القومية المشتركة لتحل مكانها البدائل القطرية المنكفئة على ذاتها ..ورغم الانتصار الكبير في أكتوبر 1973 الا ان هذا النصر الجزئي لم يفلح إلا في تكريس الذات القطرية والإعلاء المتوهم لسبل النجاة الفردية ...كان كل ذلك مدخلا مواتيا للتدخلات الدولية والمصالح الدولية العابرة للقارات والجنسيات والايدولوجيات فجنينا من هذه التحولات الكبرى واقعا مزريا وراهنا بئيسا لا يستشرف ابعد من ارنبة انفه وهو يكابد لايجاد الحلول لمشكلات متجددة تمس حياة الشعوب واحتياجاتها ما قبل الاساسية المتمثلة في الحد الادني من المأكل والمشرب والملبس والعلاج والتعليم ... في ذكرى هذه الحرب ذات النتائج الكارثية أعيد نشر مقال " في شان كتلة حزيران أو هكذا تم اغتيال شيخ العلوم" وكان قد تضمنه كتابنا "رحيل النوار خلسة". ...أعيد النشر وفي بالي أقوام رحلوا عنا وفيهم شيء كبير من التقدير للمشروع الناصري الأشمل (رغم الهزيمة) ...اعيد نشرها اذ الشعب المصري بعد كل هذه الكوارث يخرج في ثورتين عظيمتين رافعا شعارات الحرية والعيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ... يخرج الشعب المصري رافعا شعارات المرحلة الناصرية باحثا عن زعيم فيه شيء من عبد الناصر.

في شأن "كتلة" حزيران  أو : هكذا اغتيل شيخ العلوم *

فهل خلفنا شاطئ يــا رياح؟   أقـــــدامنا مرفأ يا قلوع؟
وصلنا هنا لا نـطيق المضي    أماماً ولا نستطيع الــرجوع
فلــم يبق فينا لماض هوى     ولــــم يبق فينا لآت نزوع
( عبد الله البردونى : نحن أعداؤنا )

صبيحة الخامس من حزيران من عام 1967 حدث ما يلي:

في قهوة تكساس بسوق مدينة الخرطوم بحري السودانية تجمع البشر الذين تركوا  أعمالهم ..أجتمع الناس من كل شاكلة ولون وقد توسطهم "فلفل القعدات" عبد الباقي "شيخ العلوم" (أطلق عليه الاسم من باب التهكم سر تجار المدينة ولكنه كان به سعيدا) ..كان ترزياً سيئاً لجهة الانضباط في المواعيد ، يقولون إذا أردت تفصيل جلباب لأبنك ذي العشر سنين فالواجب أن تحتاط للأمر ولكسل شيخ العلوم ..عندما يريد الله وتسمح ظروفه سيكون ابنك في العشرين ..ما علينا، كان الرجل سياسياً أمياً هاوياً ضيق الصدر كثير اللجاجة لجهلاء السوق ..كثير الاحترام والتبجيل للصفوة وحديثها المنمق ، دخل عالم الخياطة لتدبير رزق العيال ، كان شديد الاهتمام بالسياسة لا سيما الدولية منها ..شيخ العلوم كان كثير الاستماع للراديو ..انطباعي إلى أبعد الحدود كثير الاستخدام للمعايير السودانية البحتة عند تقييمه لأحوال الدنيا ..كان يقول للجالسين حول ماكينة خياطته (ماركة سنجر) العتيقة : "أسمع يازول حّرم الرجالة انتهت مع بولقانين (الرئيس السوفيتي في منتصف الخمسينات) ..لما الإنجليز والفرنسيين عملوا العدوان الثلاثي أداهم إنذار خمسة دقايق ..قالوا أداهم الإنذار ومسك ساعتو يعاين ليها وأيدو على الصاروخ ..ما مرت دقيقة إلا وناسك جوهو يسووا في الحي ووب ..ولاد ال ( ...) وعزة الله في ملكو (كان هذا قسمه المفضل) الرجالة عندو وتقيف ..الزول تقول جدو عبد الله ود سعد" .

صبيحة ذلك اليوم  حمل شيخ العلوم المذياع ..لا لم يحمله وإنما احتضنه بقوة ..كان المذيع يلهث لينقل لملايين العرب أحداث الساعة ..بين الفينة والأخرى يحدثهم عن آخر الإحصائيات لعدد طائرات العدو التي أسقطت ..عند كل إحصائية كان شرف "الكونج" يهلّـل ويكبَّر ..حسن "الكربيشين" أستغل انشغال البشر بهول قيامة ذلك اليوم ليجلس في القهوة التي منع من ارتيادها زمناَ طويلاً ..صاحب المقهى كان قد هدده بأنه إذا رآه سيلقى به في السجن ..كان يتعوذ إذا رآه ..الكربيشين كان بطبعه منحرفا بذيئا.. كانت جمهرة أهل السوق من البائعين والشارين تتحاشى الحديث معه دع عنك مضايقته أو التحرش به ..وجوده ذلك اليوم بالمقهى أزعج الحضور الذين تخوفوا منه بصفة عامة ومن لسانه بصفة أكثر تحديداً ..كان يظهر بعض الاحترام والتوقير المصطنع لشيخ العلوم  ..الوحيد القادر على مواجهته هو شرف الكونج ..منحه الله بسطة في الجسم ولكنه لم يكن ميالاً للعنف إلا عند الضرورة ..في مرة سابقة ضرب الكربيشين ضرباً موجعاً وكاد أن يحدث به عاهة ..عندما حاول التوم الجرسون إبعاده قال له شيخ العلوم : "يا أخوانا اليوم دا يوم عيد العرب خلو الراجل يفرح مع الناس".. لم يشأ التوم أن يحرج شيخ العلوم بطرده ولكنه قال في غير رضا : "عشان خاطرك أنت بس ... لكن ما تقول لى خلوا الراجل ..الراجل وينو؟ نعلك قاصد كربيشين السجم ؟" ..لم يرد الكربيشين ولكنه ظل يصيح ملصقاً كل كلمة نابية تعلمها طيلة ثلاثين عاما في السوق بالإسرائيليين ..لم تكن في جلبابه البالي أزرارة واحدة ولكن قلة حيلته لم تمنعه أن يتوعد العدو ، لاسيما نسائه ، بالويل والثبوروعظائم الأمور وبأشياء أخرى !! ..عندما أكثر من استخدام نابىء القول وجارحه في حق الإسرائيليين كان ظنه أن الجميع يودونه لو يستخدم المزيد من قاموسه ذاك لسبهم  ..ولكن على غير ما توقع بدأ الحضور يتململون ..فجأة صاح فيه شرف الكونج : "وبعدين معاك؟ ..أنت الليلة حكايتك شنو ؟ لقيتها جبانة هايصة وزايطة وداير تشبع ردحى ..الله يخيبك ويخيب ذاتك" ..ساد الصمت المكان تحسبا لردة فعل الكربيشين الذي نظر إلى الكونج شذرا وطافت بذهنه نتائج صدامه السابق معه وقال : "صحى والله العرق دساس ..ما عارفك  يهودى ..جارى وعارفك زى جوع بطنى ..ومالك محموق من نبذى لليهود ؟ يكون الوالد منهم يا خوى ؟" ..قال الكونج : "أسمع يا كربيشين وحاة أب غرة الفوق مسيدو (أب غرة بضم الغين هي كنية الشيخ العارف الواصل ود بدر وكانت هذه حليفته المفضلة ) كلمة تانى زيادة أديك علقة زي بتاعة يومداك" ..صاح فيهم شيخ العلوم : "كفاية يا ناس يا بجم ..الرجال يحاربو ليكم وإنتو في الفارغة والمقدودة ..خلاص غورو الأتنين ..داهية تاخدكم" ..قال الكربيشين : "هي كدى ..والله أكان ما عشان خاطرك انت يا شيخ العلوم أنا الزى شرف الكونج دا كنت وريتو المكشن بلا بصل ..بس ( بكسر الباء)"..لم يرد شرف عليه وإنما أستخدم أحد أصابعه ليومئ بحركة بذيئة . 

عندما وصل عدد الطائرات التي أسقطت حسب إحصائية أحمد سعيد إلى المائة أختلف الناس ..سأل عبد الله العربي شيخ العلوم عن عدد الطائرات التي تملكها إسرائيل ، نهره شيخ العلوم بحسم : "ما تخلينا نتابع يا خينا ..أنتو الجرايد ما متابعنها ولا شنو ؟ الواحد فيكم ما بعرف حاجة في الدنيا غير جكسا وماجد وفول كيسو وعرقى بخيته بت الصعيد".. أنفعل العربي ورد بعنف وعصبية : "يا راجل أوزن كلامك ..مالك ومال فول كيسو ثم تانيا دخلك شنو أشرب عرقى بت الصعيد ولا بت السافل ..مشترى لى أنت ؟ ..أما عجيبة والله ..وبعدين أنت اليوم داك ما قلت لى بى عضمة لسانك الفلقة دا عليك الله يا عبد الله أن لقيت "مقطوعة الطارى" حقتك عندها شيتن نضيف وبكرى أتناول لى نصية (بضم النون أي نصف زجاجة) معاك والحساب ولد ..وقتين لحست النصية ولهفت كوارعى كلها وعملت حميل على قريشاتى أنا سألتك ؟ جاى أسع تتفاصح قدام الناس : بت الصعيد وبت الجن الأحمر" ..عم الوجوم وساد صمت مريب المكان ..الكربشين قال للعربى بخبث : "عاد وحاة أبوى  كضبت في قصة شراب شيخ العلوم ..الراجل تايب ليهو عشرة سنين يا خوى" ..أرتاح شيخ العلوم من دفاع الكربيشين ووجه حديثه للعربى بتهكم : "أنا بتاع عرقى يا جاهل ..عزة الله في ملكو الواحد فينا لما كان مبتلى كان ابتلاء جد ما خمج ..ابتلاء  كبارات ..شى كورفوزير ..شى بال دراى ..شى أبو جمل ..مش أى كلام ..قال عرقى قال ..عارف يا عربي أنت نحن لما أولاد جون كانوا في البلد دى حتات زى الكلوب وزى جيم أيتش ( شيخ العلوم يقصد الجى أم أتش : اختصار صالة غردون للموسيقى بالإنجليزية) ..فجأة توقف شيخ العلوم ونظر للجالسين بازدراء وتعال ..تنهد وقال كمن يحدث نفسه : "يا شيخ العلوم تاعب رقبتك مالك ..مين يقرأ ومين يسمع في الحوش ديل ..قال الجيم أتش ..أنتو لمن جيتو الخرطوم دى يا عرب كانوا بربطوكم كل تلاته مع بعض عشان ما تضيعوا ولما تشوفو العربيه بتجروا منها زى الشفتو ليكم أسد وكنتو بتتحصنوا من الموتر وركوبو بابونا الشيخ حسن ود حسونه وابونا الشيخ الكباشى ..روح يا عربي شوف ليك غراب جزو ..عالم فقر يجيب الجلا" ..كان سليمان "أبدرق" قد ترك مجلس شيخ العلوم عندما كان العدد قد وصل - حسب إحصائية صوت العرب - إلى سبعين ..أقبل مهرولاً متسائلاً : "أها وصلنا كم يا أخوانا" ..قال شيخ العلوم : "قفلنا مية لكن قطعا الليلة الناس بتصلى المغرب في بيت المقدس بأذن واحد صمد" .

بعد صلاة العشاء أقبل على "الدعاية" (يسمونه كذلك لحذلقته وفذلكته الزائدة) على مجلس شيخ العلوم الذي لم يتركه منذ الصباح وقال لأحدهم بصوت خفيض : "يا خوى أظننا مصقوعين" ..كان بين شيخ العلوم والدعاية أكثر مما صنع الحداد ..الدعاية نال شيئا من التعليم كما أن درايته بأسماء نجوم السينما العالمية أكسبته القدرة على توليف وتلفيق أسماء أجنبية يستخدمها في السياسة مما يعطى حديثه تميزاً كبيراً لدى الدهماء ..كانت لديه الجرأة ليقول لهم : "أنه لولا عبقرية ريتشارد ويد مارك الحربية لانهزمت جيوش الحلفاء" ..وإذا تصادف أن كان بالمجلس أحد الملمين بأخبار السينما وقال له : لكن ريتشارد ويد مارك دا ممثل ..فإن الدعاية يرد عليه بصلف وحسم : "أسم على أسم يا جاهل" ..كانت بين شيخ العلوم والدعاية منافسة حادة في انتزاع اهتمام مرتادي السوق والقهوة ..شرف الكونج كان يحب أن يراهما مشتبكين ..قال للدعاية : "وينك يا أستاذ؟ الليلة شيخ العلوم ما خلى حاجة إنجليزية ما حكاها لينا" ..توجس شيخ العلوم خيفة وتشاغل بضبط مؤشر الراديو ..واصل شرف الكونج حديثه قائلاً : "وكمان حكى لينا عن الجيتش (يقصد الجى أم أتش)" ..قال الدعاية مخاطباً شيخ العلوم : "لقيت الحُرفاء (جمع حريف وهو الشخص الحاذق) مافى أظنك أتفسحت في الكيَّشة (الكيشة بتشديد الياء جمع كيشة وهو نقيض الحريف)"..قال له شيخ العلوم : "والله في الدنيا دى كلها كيشة أكتر منك ما لاقانى" ..قال الدعاية : "خلينا في المهم شنو قصة الجيتش دى ؟" ..تفادى شيخ العلوم الموقف قائلاً : "اليوم ما يوم جي أتش اليوم يوم الرجال بانت ..الرجال قرضوا الصهاينة وأنت جاى تقول لينا مصقوعين" ..قال الدعاية : طبعا مصقوعين ..أنفعل شيخ العلوم فصاح فيه هائجاً : "مصقوعين كيف يعنى ؟..الصاقعة التهد بيتكم ..البنسمع فيهو من صباح الرحمن دا كلام إذاعة ولا كلام كلتوم المشاطة ؟" ..لم يأبه الدعاية وواصل حديثه بصوت أعلى وأكثر جراءة : أسمع يا خوى البى بى سى وانت حاتعرف ..قال العربي : "لكن يا أخوانا الببسى دا بسمعوا ولا بشربو ؟" ..أنصرف الناس عن شيخ العلوم وانضموا لحلقة الدعاية  ..غضب شيخ العلوم وحمل مذياعه وأنصرف ..في صبيحة اليوم التالي شاهد الناس شيخ العلوم وهو يبكى بصوت مرتفع ..عندما لم يرد تحية الدعاية قال الكونج "العوض على الله في جلابية الشافع" ..لقد علمت القهوة ومن ثم المدينة والبلاد والعالم أجمع أن "الصقر قد وقع" . 

عند منتصف نهار اليوم السادس من حزيران  كانت كل المقاعد بمقهى تكساس ما تزال خالية من البشر ..التوم الجرسون انكفأ على كرسي في أحد الأركان ..عقب صلاة الظهر أقبل شرف الكونج وهو يلهث يتصبب منه العرق وصاح في التوم : "وين حاج صالح (صاحب المقهى) ؟".. قال له التوم : "الليلة ما جاى قال تعبان شوية .. وأردف قائلا :ومالك عرقان كدا إنشاء الله ما في عوجة ؟" ..قال شرف : "عمك شيخ العلوم وقع قدام محله وسمعنا قالوا حصل ليه شلل ..ختفوهو على المستشفى وقالوا الحالة خطر وربك يستر" ..صاح التوم : "يا الكباشى تلحقنا وتنجدنا ..طيب كدى أقيف انتظرنى شوية خلينى أقفل وأمشى معاك الاسبتالية" ..على عجل أغلق المحل وأسرعا باتجاه المستشفى ..عند بوابة المستشفى شاهدا الكربيشين يتلوى على الأرض وهو يبكى ويصيح : "الليلة يا خوى ويا غطاى" ..عندما شاهد الكونج قادما نهض من الأرض وجرى تجاهه ..أحتضنه بقوة وأخذا في البكاء بصوت عال ..عبد الله العربي "تحزم" بعمامته وكان يبكى بحرقة شديدة و ينادى : "مين لينا غيرك يا سيد الفضل والجود" ..في ممر المستشفى وعند الغرفة التي سجى فيها جثمان شيخ العلوم أحتشد أهل السوق وجيران الفقيد ..جماعة منهم كانوا يمسكون بالدعاية وهو يبكى  كالطفل . 

في سرادق العزاء أجتمع أهل بحري: غنيهم وفقيرهم ..عالمهم وجاهلهم ..أهل الإخبات و"المطموسين" ..حمائم المساجد وصقور "الأنادى" ..مشجعو التذكار والوحدة ..الأمير والتحرير ..الاتحاد والكوكب ..العامل والكفاح ..التعاون و"طسم" ..كوبر والثريا ..جاء أصحاب "قعدات" البلدية و"الكمبونى" ..جاء مرتادو ملعب بلدية بحري وميدان سلاطين عصرًا لمتابعة مباريات "الليق" ..جاء زائرو الضرائح في عصريات الجمع ..كان هناك نصر الدين السيد وبابكر عباس ..الخلفاء : فضل الله الحسن ومحمد الحسن كانكيج  وود طمبل ومحجوب محمد سعيد ..كان هناك عبد القادر حاج السيد والرشيد ونصر الدين أبو شنب ..كان هناك شيخ اللازم  وكُبُس والقرَّود .. عبد العزيز داؤود والنور الجاك وإسماعيل عبد المعين وخضر بشير وحبيب الحسن وأحمد ضربة ..كان هناك أحمد العوض (صاحب التسالى) ، ومنعم عينو فوق ، وعبد الرحيم الضرش ومحجوب ود أبكالوق ..كان هناك عثمان الحاج والجاك عجب وود النجل وأحمد دقدق والنذير الفكى ودولى ..كان هناك الأطرش ويس قلو والدقورى وبشير العوير ..كان هناك يوسف حسين وعباس على وسعودى دراج ..كان هناك أب جيبين وأبو قمصان وعمر الحلبى وطلب عزالدين ..كان هناك مكحول وقصودة ..عبد العظيم حركة وأيوب فارس وحسن وردى ..كان هناك حسن دبلوك وزرقان وحسن الطيب وجلال عبد الخير ..في طرف قصى من الصيوان جلس على سعيد وصلاح دفع الله وعباس بسبس ..من الجانب المقابل جلس عبد الرحيم حاج عمر وعبد الله آدم والفاضل دراج ..كان هناك يحى الشباب وود أبسوالف وجندي وحسن نجم ..كان هناك أولاد عبد الشهيد ورمسيس ورزق الله وأستاذ سعد الله ... كانوا رغم مسيحيتهم يرفعون أيديهم وكأنهم يقرأون الفاتحة ..في ركن من السرادق قال  حاج محمد زين لمولانا عوض الله صالح : "شيخ العلوم الله يرحمه كان عبدا مؤمن وصديق ..طبعا اليوم تم ما في شك لكن عليك الله الزمن دا في زول بصدق ليهو كلام إذاعة ولا كلام جرايد ؟ ..العالم دا كلو بقى رأسمالو الكضب ..تلقى ود الريف الكان بلعلع قبال يومين دا أسع في أمانة الله متعشى وشرب شاهيهو البلبن ..وأمكن كمان يكون حلالو بى باسطة ولا شى ..الله يرحمك يا شيخ العلوم قلبو كان رهيف وتعبان ..الصدمة كانت شديدة ..الله يرحمو ويغفر ليهو ويحسن اليهو ..غايتو نحن تانى السوق لينا ما ياهو السوق والسياسة ماها ياها السياسة ووالله طعم الدنيا ذاتها ماش يتغير" . 
في ليلة رفع الفراش كان الدعاية في طريقه لبيت العزاء حين قابله محمد عبد الرحمن (كركبة) وقال له : عبد الناصر استقال.. لم يعره الدعاية اهتمامه ..ظن انه لم يسمعه ..أسرع الخطى ولما لحق به قال له : قلت ليك عبد الناصر استقال ..صمت الدعاية طويلاً ثم قال دون كثير اكتراث : "عليك الله "خُب" شوية علشان نلحق "الكشف" لأنو الجماعة برفعوا بعد المغرب طوالى" .



*جزء من الفصل الثالث" اسفار التجول في أقاليم الظفر والانكسار" في كتابنا "رحيل النوار خلسة"         (الخرطوم: دار عزة للطباعة والنشر، 2003).