أو:
حين طوى عم خيري شلبي الأشرعة (الجزء الثاني )

د. محمد عثمان الجعلي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

موسوعية خيري شلبي :إطلالة خاطفة على شلال إبداع متدفق

"ومن أقاصي الجنوب أتى،
عاملاً للبناء
كان يصعد "سقالة" ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة
والنص أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء.
وانحنيت عليه أجس يده
قال آخر: لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
و أنا ... في العراء"
(أمل دنقل :الورقة الأخيرة: الجنوبي)

"ربنا خلق الدنيا هيصة! وخلق فيها بني آدم هيصة! كل واحد في هيصة!.. بيعمل هيصة! عشان يلحق الهيصة، ويا يلحق يا ما يلحقش!.. وكلهم كحيانين!.. بس كل واحد كحيان بطريقة!.. وأنا ملك الكحيانين!.. عشان كحيان بكل الطرق".
(خيري شلبي : صالح هيصة)

تنوء الموسوعات الادبية بحمل ثقيل وهي تعدد إضافات وفيوضات خيري شلبي .. هذا الموهوب الذي لم يترك فضاءً ادبيا لم يغامر فيه ولم يدع حجرا إبداعيا لم يقلبه ... عاش حياته بعيدا عن الأضواء والإحتفاليات إلا أنه نال نصيبه منها متاخرا.. فقد حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في عامي 1980 و1981..حصلت روايته "وكالة عطية" على جائزة أفضل رواية عربية (1993)، وحصلت ذات الرواية على جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة (1994)...حصل على جائزة أفضل كتاب عربى من معرض القاهرة للكتاب عن رواية "صهاريج اللؤلؤ" 2002.. وأخيرا حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب ‏2005‏.
من حيث الوظيفة لا أظن ان هناك اديبا في العالم له غرابة السيرة الذاتية لخيري شلبي .. هذا رجل أمتهن كل ما يمتهن كسبيل لكسب العيش.. لقد عمل في مهن القاع الهامشية كما شغل وظائف المجتمع الصفوي...فالرجل الذي عمل (كما أشرنا في الجزء الاول من هذا العمل)، ضمن مهن أخرى ككمساري وقهوجي وعامل تراحيل بل في كل شيء عمل أيضاً كرئيس لتحرير مجلة الشعر لعدة سنوات كما كان يتولى حتى وفاته رئاسة تحرير سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بوزارة الثقافة ومقرراً للجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة .. كما عمل أستاذا زائرا بمعهد الفنون المسرحية لتدريس تاريخ المسرح المصري المعاصر.. وكان يكتب مقالات صحفية فى كثير من الصحف، ومنها "الأهرام"، و"الأسبوع".

إضافات خيري شلبي ورفده للثقافة العربية أكبر وأشمل وأرحب من التصنيفات الجامدة لأجناس الإبداع الادبي ... هذا رجل روائي وقاص وكاتب مسرح ومورخ أدبي وباحث في الفنون المسرحية والتراث الشعبي ، متخصص في فن "البورتريه"  وكاتب للسيناريو ومقدم برامج إذاعية وحكاء عظيم...هو، في كلمة، موسوعي متميز.

خيري شلبي من أصحاب الأوليات في أجناس إبداعية مغايرة فالنقاد ومؤرخو الادب في العالم العربي يعتبرونه رائدا  للفانتازيا التاريخية في الرواية العربية المعاصرة حيث تعد روايته "رحلات الطرشجى الحلوجى" عملا فريدا في بابها...من جانب آخر يعتبر أيضا من أوائل من كتبوا ما يسمى الآن بالواقعية السحرية... تقول عن ذلك موسوعة ويكيبديا :"فى أدبه الروائى تتشخص المادة وتتحول إلى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتأثر، وتتحدث الأطيار والأشجار والحيوانات والحشرات وكل مايدب على الأرض، حيث يصل الواقع إلى مستوى الأسطورة، وتنزل الأسطورة إلى مستوى الواقع، ولكن القارئ يصدق مايقرأ ويتفاعل معه. على سبيل المثال روايته (السنيورة) وروايته (بغلة العرش) حيث يصل الواقع إلى تخوم الأسطورة، وتصل الأسطورة في الثانية إلى التحقق الواقعى الصرف، أما روايته (الشطار) فإنها غير مسبوقة وغير ملحوقة لسبب بسيط وهو أن الرواية من أولها إلى آخرها (خمسمائة صفحة) يرويها كلب، كلب يتعرف القارئ على شخصيته ويعايشه ويتابع رحلته الدرامية بشغف".

في الرواية كتب عم خيري: السنيورة، الأوباش، الشطار، الوتد، العراوى، فرعان من الصبار، موال البيات والنوم، ثلاثية الأمالى (أولنا ولد - وثانينا الكومى - وثالثنا الورق)، بغلة العرش، لحس العتب، منامات عم أحمد السماك، موت عباءة، بطن البقرة، صهاريج اللؤلؤ، نعناع الجناين، صالح هيصة، نسف الأدمغة، زهرة الخشخاش، وكالة عطية، صحراء المماليك، اسطاسية... ما يميز مشروعه الروائي هو ما انتبهت إليه منصورة عز الدين من تمازج حقيقي وعبقري بين خيوط الواقع وتخوم الخيال ...حياته وحياة من عرفهم وسمع منهم وعنهم كانت مادته التي نسج على نولها بديع الحكي والسرد الروائي المدهش... مشروعه الإبداعي قام على ركيزة الملاحظات الذكية لدقائق السلوك البشري واختزانها وإعادة قولبتها في أطر إبداعية فنية بديعة.. ولقد نال المهتمون بآداب الغير حظهم من فيض خيري شلبي إذ ترجمت العديد من رواياته إلى اللغات الروسية والصينية والإنجليزية والفرنسية والأوردية والعبرية والإيطالية...بالإضافة إلى الرواية كتب المجموعات القصصية التي شملت :صاحب السعادة اللص، المنحنى الخطر، سارق الفرح، أسباب للكى بالنار، الدساس، أشياء تخصنا، قداس الشيخ رضوان.

اهتمامه بالمسرح نتجت عنه ثلاث مسرحيات وهي صياد اللولي، غنائية سوناتا الأول، المخربشين...ولعل جزء من اهتمامه بأبي الفنون ارتبط عنده بماسأة نجيب سرور صاحب "ياسين وبهية" .

بالإضافة لما تقدم أهتم خيري شلبي بالدراسات التي تناولت الشخصيات والمواقف والرحلات.. على مستوى الأشخاص كتب عن محاكمة طه حسين: تحقيق في قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي، ولطائف اللطائف "دراسة في سيرة الإمام الشعراني" وعن "أبو حيان التوحيدي" "بورتريه لشخصيته"... كتب عمالقة ظرفاء وكتب عن نجيب سرور "مسرح الأزمة".. كتب" أعيان مصر، غذاء الملكات "دراسات نقدية"، مراهنات الصبا "وجوة مصرية، دراسات في المسرح العربي، فلاح في بلاد الفرنجة "رحلة روائية" ورحلات الطرشجي الحلوجي.

بعيدا عن أعماله الروائية والقصصية والمسرحية ومؤلفاته يحفظ الوعي الثقافي العربي عموما والمصري خصوصا للرجل فضل إكتشافاته وكشوفه وتنقيبه الدائم في الآثار والكنوز الثقافية التي إندثرت او كادت.. ولعل منجزه الأهم على هذا الصعيد يتمثل في عمله الكبير "مسرحيات ساقطة القيد" حيث استطاع بمثابرة فريدة عجيبة وبحث وتنقيب دؤوبين إكتشاف أكثر من مائتى مسرحية مطبوعة في القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين، بعضها تم تمثيله على المسرح بفرق شهيرة وقد نشرت أسماء الفرق والممثلين، وبعضها الآخر يدخل في أدب المسرح العصىّ على التنفيذ.. من ضمن هذه النصوص اكتشف خيري شلبي نصا مسرحيا من تأليف الزعيم الوطني مصطفى كامل بعنوان: (فتح الأندلس) وقام بتحقيقه ونشره في كتاب مستقل كما اكتشف أيضا مسرحية من تأليف العلاَّمة الشيخ أمين الخولي....هذه المسرحيات المكتشفة لم يرد لها ذكر في جميع الدراسات التاريخية والنقدية التي عنيت بالتاريخ للمسرح المصري، ومعظمها غير مدرج في (ريبروتوار) الفرقة التي مثلتها، وبعضها الآخر إنقرضت الجوقات التي مثلتها.

ولعل الذاكرة الثقافية المصرية ستظل تحمد لخيري شلبي اكتشافه لقرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي لعميد الأدب العربي طه حسين والذي نشره في كتابه "محاكمة طه حسين" الذي طبع أكثر من مرة وكانت أولى الطبعات عام 1969... قيمة هذا الكتاب انه دحض ما أستقر في الوعي العربي من ان عميد الادب العربي قد تمت استتابته ليتم حفظ القضية .. اكتشاف خيري شلبي أكد على أن ذلك لم يحدث وإن النائب العام حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة ..قرار النيابة عثر عليه خير شلبي أثناء تطوافه الدائم على المكتبات المتخصصة في الكتب القديمة في درب الجماميز...كراسة محدودة الورق متهرئة ولكنها واضحة وعليها توقيع النائب العام محمد نور الذي حقق مع طه حسين في القضية...قيمة هذا الإكتشاف الأدبي الأعظم كذلك تمثلت كما ورد في القرار في المستويات الرفيعة والإلمام الثقافي اللا محدود للنائب العام وهو يحاور ويجادل طه في حسين في مسائل أدبية ودينية بالغة التعقيد والتخصص.

على صعيد أوليات وإضافات عم خيري شلبي لفن الورتريه تقول موسوعة ويكيبديا "أن خيري شلبي قدم في فن البورتريه مائتين وخمسين شخصية من نجوم مصر في جميع المجالات الأدبية والفنية والسياسية والعلمية والرياضية، على امتداد ثلاثة أجيال، من جيل طه حسين إلى جيل الخمسينيات إلى جيل الستينيات. وقد صدر من هذه الشخصيات ثلاثة كتب وهي: "أعيان مصر" ، "صحبة العشاق" و"فرسان الضحك".
من أعماله شاهد الناس فيلم "الشطار" مع المخرج نادر جلال عن رواية بنفس العنوان وفيلم "سارق الفرح" مع المخرج داود عبد السيد عن قصة قصيرة ...ومن أعماله التي تم تحويلها لدراما تليفزيونية الوتد عن رواية الوتد والكومي عن ثلاثية الامالي ورواية وكالة عطية.

عم خيري شلبي عاش ليبدع ...له فضل إمداد شرايين الثقافة العربية بشلال متدفق من الدفع الإبداعي المتميز ..أجيال متتالية وردت حوض إبداعه فنالت من بركاته ما رفع جهلها وانار طريقها وعبد دروب بحثها المستمر عن الخير والجمال فيما يبدعه البشر...في هذا الجانب تحديدا كان لخيري شلبي وقلة من المبدعين فضل مناوأة وصد ما أطلق عليه "سن اليأس الأدبي" عند قطاع كبير من المهتمين بالشأن الثقافي العربي... إن الجيل الذي تربى على إبداعات نجيب محفوظ وحنا مينا ويوسف إدريس وعلى أشعار البياتي وأمل دنقل عبد المعطي حجازي وعلى اعمال غالي شكري النقدية وعلى طروحات وأشعار وأفكار أدونيس قد أصابته غاشية التحولات الكبرى لما بعد الثمانينات ...انكفأ قطاع من الجيل على همومه الخاصة وقد تشظت الامة وضاعت مشروعات النهضة القومية والاممية وتراجع الإهتمام بالادب على الصعيدين الوطني والقومي بل والعالمي ...تبدلت أحوال ولكن كانت هناك مشاعل على الطريق لا تزال .. في طليعة هؤلاء كان خيري شلبي وعصبة من النابهين وكان دورهم على هذا الصعيد مهما وكبيرا. 

سن اليأس الادبي: ترياق خيري شلبي، امين معلوف وواسيني الاعرج

"يا راكبا ًصَهـْوَة َ السـَّبعينَ مـُنـْكرَة ً
أن يـَطـْمـَئِـنَّ عـلى الـسَّـبعـين راكـِبـُها
كـُنـَّا على الـدَّهـْرِ فتـْيانا ً نـُغـيـرُ بـِها
وَلـَّى فـَتاها، وَظـَلَّ الآنَ شائبـُها
وَما تـَزالُ بنا تـُغري أعنــَّتـَها
وَألـْفُ تــَوْق ٍ إلى الماضي يـُجاذِبـُها
أكـُلـَّما النـَّفسُ شاخَتْ، والتـَوَى غـُصُنٌ
مِنـْها بكـَفِّ الرَّدى، جـُنـَّتْ رَغائـِبـُها؟
خَوفا؟.. أم الرُّوحُ كالعـَنـْقاءِ تـَنهَضُ مِن
رَمادِها كـُـلــَّما شـَبـَّتْ لـَواهـِبـُها؟!"
) عبدالرزاق عبدالواحد: دَوَّى نـَذيرُ بـَنِي نـَهْـيانَ مـُنصَـلتـا)

"عندما يرحل الذين نحبهم يأخذون معهم كل أشياءهم الصغيرة
..الا ابتساماتهم واسئلتهم فهي تبقى معنا !"
(واسيني الأعرج)

"الهوية بالنسبة لي هي مركب شديد التعقيد تشكّل اللغة والدين أهم مكوناته".
(أمين معلوف)

لجيلنا علاقة متقطعة متوترة مع الفضاءات الإبداعية.. هذا الجيل الذي نشأ في أحضان دولة الرفاهية السودانية التي اعقبت إستقلال السودان نال نصيبه كاملا مما كان متاح له من منافذ ثقافية إبداعية واتصال مستمر مع مراكز الإشعاع الثقافي العربي في القاهرة وبيروت وبغداد.. ذاك كان زمن.. ومن ثم أدبرت الإيام من بعد اقبال ..تعثرت الخطى بالبلاد والعباد الذين أصابهم الهول فتشتت أقسام كبيرة منهم في أركان الدنيا ينشدون ما ارضعتهم بلادهم في سالف الأيام وخالي الدهور فالفطام صعب والحرمان دونه قطاع الفيافي وهجر مراتع الصبا...في زمن "الدياسبورا" ذاك وهذا تغيرت سلوكيات الجيل وانفضت سوامر وتبدلت مواقف ..تساقط شيء من القيم، تبدلت بعض القناعات وتراجعت جل الاهتمامات.

التبدلات والتحولات لم تنشا عن كر السنوات وتقدم العمر وازدياد المسؤوليات وتنوعها فقط بل زامل كل ذلك ورافقه تحول بل إنقلاب شامل في مناحي الحياة كافة..إنقلاب في وسائط المعرفة ووسائلها كانت قابلته الثورة المعلوماتية وتقنية الإتصال التي ضربت أسس ومرتكزات ومعينات المعرفة والثقافة والوعي التقليدية في مقاتل عديدة..إن تلفاز الأقمار الإصطناعية والشبكة العنكبوتية وأصناف الهاتف المحمول الرقمي صارت مصادر الخبر لا الصحف السيارة ومحركات البحث العملاقة من طبقة "قوقل" وإخوانه أراحت الباحثين من نصب البحث وعناء الكد ووعثاء الترحال للعلم والمعلومية والمعلومات ....لقد صار الكتاب الإلكتروني مبذولا لمن يريد ويقدر ..المكتبة الإلكترونية المختزنة في وسائط تخزين في حجم الكف أو أقل وبما يوازي حمولة قافلة من حمر النوق محملة بأسفار الاولين والآخرين أضحت متاحة للراغبين ...كل ذلك صحيح ومتاح ولكن الأصح ان الرغبة في الإستزادة قد تلاشت وإن القدرة على ذلك قد زايلت أغلب أصحابها.

قبل ثورة المعلوماتية وفي "عدل الوكت" كما عبر الحاردلو كان جيل بل أكثر من أهل السودان قد نهل من معين مواعين ثقافية وارفة.."عدل الوكت" شهد تدفق تيارات الثقافة العالمية بلا إنقطاع على تلكم البلاد  ..ذاك جيل كانت له "دار ثقافة" تؤمها جمع المهتمين بالشان الثقافي والمعرفي يدعون له أهل الفكر من بلاد الشام ومصر المحروسة وبلاد الإنجليز..كانت المكتبات ومنتديات الثقافة ودور السينما مظانا للتنوير والإشعاع الثقافي المتواتر المستمر ..أجيال أخرى كانت حضورا على محاضرات لمفكرين عالميين من طبقة مالك بن نبي صاحب "شروط النهضة" وستوكلي كارمايكل صاحب أطروحة "القوة السوداء" ..بعض من تلك الأجيال درست على أيدي إحسان عباس وسلمى الخضراء الجيوشي ونصر حامد أبو زيد ..حضر كلاسيكيات الجاز الأمريكي يقدمها لوي آر مسترونج واستمع لنزار قباني يلقي أشعاره في مرحلة ما بعد هزيمة (لا نكسة) حزيران ...جيل قرأ أمهات الفكر العالمي الإشتراكي والرأسمالي ووزان بين أطروحات حسين مروة ومهدي عامل وسيد قطب وأبو الاعلى المودودي ..قرأ الآداب الغربية والعربية وقارن بين مدرستي أبو للو والديوان ثم .....ثم .. أقفرت الساحات وأطفئت الانوار وانفض السامر .تبدلت الأحوال فإذا السوح مقفرة إلا من العاطلين عن كل موهبة يؤذون الخلائق بأحاديث منفرة للعقل والوجدان ...اهتمامات الصغار لا تتجاوز الصغائر في القضايا والتناول والطرح... وبقيت الاغلبية منكفئة على أسفها تنتظر ، كما "جودو" خلاصا قد يأتي ولا ياتي.

في مرحلة أنحناء ظهر العمر والأيام وعندما تواطأت سنوات الغربة المتطاولة مع رحيل الأحبة وحين سادت قيم الظلام والتجهيل يبدأ بعض الناس في البحث عن صداقات افتراضية تؤنس الوحدة وتجدد الصلة مع العالم والناس.. في مثل هكذا ظروف انكفاء يهيء المولى لبعض جيلنا صداقات إفتراضية عبر النصوص الإبداعية المتنوعة للعديد من الرموز الأدبية.. منذ ما يزيد عن عشر سنوات وانا أحرص على تجديد علاقتي بثلاثة من عمالقة وعباقرة الرواية العربية ... دخلت عوالم العمدة خيري شلبي وتاريخيات أمين معلوف وفيوضات واسيني الأعرج فالتزمتها ولم أبرحها.. لهؤلاء أيادي بيض ودين مستحق على أمثالنا ممن تقطعت بهم سبل التواصل الطبيعي مع مظان الإبداع الإنساني.

لا أتخيل أنني حتى قبل عقد من الزمان لم أقرأ لهؤلاء ...صادفت عم خيري شلبي أولاً في شخصية "صالح هيصة" المبهرة.. "صالح هيصة" له رأي في نفسه والناس والدنيا.. في ""نسف الأدمغة" أدخلني الحكاء الماهر عالم عصابات المخدرات ثم " زهرة الخشخاش" ... حين دخلت "وكالة عطية" علمت إن الساحر خيري شلبي قد ظفر بضحية جديدة لمكره الإبداعي ...دخلت الوكالة ولم أبرحها حيث وقعت في أسر الحكاء الاعظم لأعيش في تلك الوكالة العجائبية التي تأوي أنماطا من البؤساء المشردين..بقيت بالوكالة لأخرج منها منتشيا ل" صحراء المماليك" ومن ثم وقفت على "اسطاسية" حيث التوترات بين المسلمين والأقباط...عن عم خيري اتوقف هنا فكل الكتابة حقيقة عنه.

عوالم معلوف بدأت عندي بليون الأفريقي فعرفت في مدرسته الإبداعية معنى الإحترافية في العمل الروائي الإبداعي...سر أمين معلوف انه يبذل التاريخ الإنساني للقاريء في أطر ساحرة خلابة ..أطر تستفيد مما بلغته تقنيات السرد والرواية العالمية وتطوعه في قوالب إبداعية "معلوفية" تتسم بمواصفات خاصة.. في عمله المدهش "سمرقند" أدخلني أمين معلوف عوالم التاريخ الإسلامي لأسيا الوسطى ..إذا كنا قد علمنا نتفا من أمر الحسن بن صباح ودولة الحشاشين وإذا وعت الذاكرة شيئا من إرث عمر الخيام شعرا أو رياضيات وإذا كانت قد استقرت لدينا قناعات بامر التواصل بين المشرق والمغرب العربي فإن أمين معلوف قد استطاع بذكاء شديد ومهارة عالية وتقنيات متقدمة أن يقم طرحا يربط كل هذه المسائل في قالب روائي عالي التكنيك دون أن يخاطر بالمعلومة التاريخية وذاك امر لا يحوزه إلا من تأتت له مواهب شتي وقدرات عديدة...أمين معلوف قاريء متميز للتاريخ الإنساني قادر على إعادة صياغة الإحداثيات التاريخية وفق منهج أدبي روائي وبأدوات متقدمة ناضجة ..يستخدم طرائق متقدمة لإعادة ترتيب وقائع التاريخ وفق منهج كلي شامل.

واسيني الأعرج نسيج وحده في فانتازيا التاريخ الحديث..تقرأ له فلا تكاد تبصر الخيط الرفيع الفاصل بين السيرة الذاتية وتاريخ بلاد اختزلها العقل العربي في مجاهدات الأمير عبد القادر وصمود جميلة بو حيرد وانتصارات بن بيللا ورفاقه ومن ثم انسربت بكل أحزانها وعنفها وموتها بل انتحارها في خضم النسيان العربي الكبير...واسيني تخصص في استيلاد الحب والمودة ممن بين أعاصير الحقد وشلالات الدم .. يجهد كثيرا ليكشف الأبعاد الإنسانية العميقة الدافئة في الصراعات الدموية المتوحشة في الجزائر....في محاورته مع كمال الرياحي "هكذا تحث واسيني الاعرج" تحث المبدع الجزائري الكبير عن العديد من المؤثرات التي شكلت وجدانه ككاتب وروائي مشيرا إلى مراحل الطفولة والام وكتاب ألف ليلة وليلة والإرهاب وقوائم الإغتيال.... بصورة أكثر تحديدا يعترف واسيني بأنه وهو يكتب رواية "سيدة المقام" كان لديه اليقين بأنه سيتلقي رصاصة اغتيال ترديه قتيلاً في شوارع الجزائر.. يقول نصاً :" كنا نخاف من اختطاف أو موت قاس, وكلنا نتمنى أننا إذا سقطنا بين أيديهم أن نموت برصاصة بدل الذبح بمنشار صدئ والكثير منا اشترى قرصاً من السيانور(السم) وهو قرص صغير كان يوضع بيافطة القميص, قريباً من الفم, بحيث إذا ألقي القبض علينا يكفينا أن نعض على رأس اليافطة لنأكل القرص القاتل فنموت بسرعة خارقة, بلا ألم! هي حالة جنون منظور لها من الخارج ولكنها من الداخل استماتة إلى أقصى حد في الدفاع عن الحق في الحرية والكتابة. كتبت سيدة المقام حتى قبل أن ينتقلوا إلى القتل, كنت أراهم قادمين بأدواتهم الجهنمية, ولكم أكن قادراً على الصمت واضعاً حياتي وحياة أبنائي في خطر. عندما وضعوني على قائمة المقتولين حرروني. الإنسان عندما يعرف أنه سيقتل لن يصبح لديه شيء يخسره ولهذا سيحاول في اللحظة الفاصلة بين الحياة و الموت أن يقول ما يمكن أن يقوله إنسان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يموت“.... واسيني يبقي رمزا من رموز مقاومة الشر والجهل في جزائر العنف والموت والقتل والدمار.

ما بين نصوص خيري شلبي المترعة بنزاعات وطبائع النفس البشرية في تجلياتها المختلفة وسحر بيان واسيني الاعرج ومزاوجته البديعة بين الخاص والعام في سيرورة الجزائر البلد والجزائر الإنسان وفي تنوير أمين معلوف وقراءته المتدبرة للتاريخ في سياقه الكوني والإنساني ما بين "سمرقند" و"موانيء الشرق " والهويات القاتلة" ما بين كل ذلك تأتى لجيلنا ( ولأجيال لاحقة) ترياقا أمينا من متلازمات الإدقاع المعرفي والجدب الثقافي فطوبى لهم ولأمثالهم ممن واجهوا جيوش التتار سدنة التجهيل والظلام والإنكفاء....حفظ الله أمين معلوف والاعرج ورحم الله عمنا خيري شلبي الذي نعود إليه...نعود إلى سامر خيري شلبي عمدة الحكاءيين العظام ..نعود لنسترجع سير بعض من عرفنا من جماعة السامر والحكي البديع من السودانيين ..نعود إلى حليم شنان وحاج الصديق وزن عشرة ..ولكن ذلك مقال آخر في مقام آخر.