يا وطن عند الشدائد (2)  
أو
ويتقاصر المقال في مقام من لهم في خدمة الشعب عرق ( الجزء الثاني)

د. محمد عثمان الجعلي 
(دبي ابريل 2012)
(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. )

(رسالة عزاء تسلم ليد عبد القادر الرفاعي ومحمد طه القدال وعبرهما لمن يهمه الأمر ويحزنه)

"أنها الكائنات استضافتك في خدرها
قمُر العشيةٍ يصطفيك
وتحتويك لدى البكور
خيوط فجر وشًحتك بضوئها
شمسُ النهارٍ على جبينك لؤلؤة
وعلى ذراعك يستريح النيلُ
من عنت المسيرة في الهجير
من يا ترى يبكى لديك عليك
من؟
من يعزي فيك ....منْ ؟
من يا ترى يبكي لديك ....عليك....من؟"
(الراحل على عبد القيوم: من يعزي فيك من؟: ديوان الخيل والحواجز)

الشعر العامي كفعل إبداعي متجاوز: التروبادور حميد حين يغني
مفيش في الأغاني كده ومش كده
تفرقنا عن بعض بالشكل ده
يا مصر اللي جايبة الشجر من زمان
وشايلة الضفاير على البرتقان
وقبل الأوان اللي قبل الأوان
بتحييني أنفاسك المسعده
مفيش في الأغاني كده ومش كده
تفرقنا عن بعض بالشكل ده
(فؤاد حداد : في حب مصر)

بآكِراً تعلمتْ آنهُ كيّ تصِلّ إلىّ آلنبع عليّكْ
مِثلّ آسمآكْ آلسلموُنْ ، آنْ تسبح عكسْ آلتيآرّفإنه لآ يجريّ مع آلتيآرْ آلآ آلسمكْ الميت
(آحلآمْ مُستغآنِميّ)

ظل شعر العامية في السودان حتى العقود القليلة الماضية هو شعر الهامش المنسي ..كان شعر المناسبات المحلية والجهوية التي تحفظها الاجيال مشافهة.. أهل المركز والحواضر والبنادر كان يأتيهم شعر "الضهاري" والأرياف في المواسم مع منتجات الفصول والدورات الزراعية الإنتاجية ...مع "مقاطف" و"قفاف" التمر والسمن البلدي والكركدي والقضيم والقمح والدخن وكل منتج حسب أقاليم السودان كانت تأتيهم مربعات الشعر والدوبيت وأغاني المناسبات مشافهة....ولقد ظل الشعر الغنائي المتجذر في اللهجات المحلية يرتبط إعلاميا بالبرامج المتخصصة كبرنامج "ربوع السودان" أو "مجادعة بالدوبيت" أو برنامج شيخنا الراحل الطيب محمد الطيب "صور شعبية"..كان أهل البندر يتعاملون مع هذه اللهجات المحلية الجهوية كأشياء متحفية...بل كانت عند جماعات منهم أداة ومادة للبرامج الكوميدية (تور الجر وود حامد الغرباوي وأدروب) ..ومن ثم جاء نجباء الأمة ...لم يأتوا من فراغ ..تناسلوا من عبقريات محلية لم يكتب لها الذيوع والإنتشار..جاء كل منهم محتقبا ذخيرته ومواهبه وحين واتت الظروف وتهيأت جاءوا من الأطراف وهبطوا المدن والبنادر...جاء شاش و"فنجان جبنة بي شمالو" ..جاء أهل كردفان بالكمبلا وإيقاعات المردوم والجراري والجابودي وام بلينة السنوسي وإبراهيم موسى أبا واخوانه..وجاء الحاردلو سيداحمد ومحمد طه القدال ومحمد بادي وأزهري محمد على ومحمد الحسن سالم حميد وأخوانهم ...ومن المهم الإشارة إلى ان مد الشعر بالعامية في السودان استفاد كثيرا مما جرى في الشقيقة مصر حيث سادت اشعار سيد حجاب والأبنودي واحمد فؤاد نجم التي خرجت من عباءة صلاح جاهين وفؤاد حداد والتي كانت بدورها قد وردت حوض مشروع بيرم التونسي.

صوت الشعر العامي لم يأخذ صورته الراهنة إلا في ظل معطيات جديدة ومختلفة تماما..لقد ضرب إعصار التغيير كافة مناحي الحياة السودانية في العقود القليلة الماضية..إن الحروب والتغيرات المناخية وما ادت إليه من جفاف وتصحر والازمات السياسية وغياب التنمية الاقتصادية المتوزانة كانت كلها عوامل أدت إلى تغييرات جذرية في بنية وسلوك الدولة السودانية وأهلها... إن التحول الكبير في البنية والتركيبة الاقتصادية والإجتماعية للدولة التي تآمر  على إرباكها وخلخلتها الاستحداث (المتعجل وغير المدروس) لما يسمى باقتصاد السوق الحر وما ارتبط به ، وادى إليه، من فساد غير مسبوق نتج عنه نزوح هائل ومتواتر بإتجاه المدينة المتعبة والمتردية الخدمات أصلاً.. ..لقد تريفت المدينة ...الملايين التي زحفت على البنادر كانت تبحث عن حقها في الحياة ...لقد ضاعت الأغلبية شقاءً وفقرا ومسغبة وراحت تبحث عن من يبث شكواها ويقيل عثرتها..كانوا يبحثون عن من يعبر عنهم بلسانهم ...يبحثون عن من ينشد الناس كما محمد ود الرضي في العشرينات"الاهلية كملت" ...يبحثون عن من يقول "يا بو مروة"..ولم يخذلهم أيناؤهم ...كانوا هناك في الموعد ...قدال وحميد واخوانهم ..صوت الغلابة والمنكسرين يأسون جراحهم ويشدون عضدهم ويبشروهم بالمستقبل ..شعراء الأمل حين تدلهم الخطوب وحداة قوافل الرجاء حين يشتد الجوع ويعم المرض وينتشر الجهل...يبشرون امة عظيمة وشعب أبي ابت عليه حكوماته واهل سياسته إلا ان يذل في أمنه وعيشه وصحته... حزن الامة على فقد صوت كصوت حميد كبير بحجم آمالها في أن يغنيها ، مع إخوانه، مواويل الصبر والجلد والصمود ويبشرها بقرب الخلاص ..غاب الحادي وتكاثرت الرزايا إذ ضاع لسان "السرة بت عوض الكريم" وغاب من يكتب خطابات"ست الدار بت جابر".

حميد هو خلاصة ثقافة الشايقية المنفتحة على كل التجارب الوطنية والإنسانية ..في شعره حلاوة تمور المنطقة من بركاوي وقنديل وودلقاي ومدين ومشرق ... مفرداته خليط من الأثر القرآني للخلاوي والمدائح..ايقاعات شعره متموسقة مع الدليب ومتوافقة مع ضربات النوبة المميزة في حلقات وحضرات السادة الصوفية ورنة الطار و"الشتيم" في حلقات الذكر... فيه نفس ود حليب وحاج الماحي..حياته حياة صوفي من النساك وأهل الزهد ..حياته حياة من كُشف لهم السر فاستبانوا المسألة ..تمسك بالبساطة الطبيعية إذ لم تخدعه الزائلة ببريقها الزائف ..صالح نفسه على يقينياته في الناس والمحبة فتيقن وأحبه الناس.. عاش لاهله وفي اوساطهم ومنهم استقى صوره الشعرية ..لم يهوم في عوالم الخيال الناهد للصورة الاكمل ولا الحياة الامثل ...بحث في شعره عن الحياة الممكنة للغبش من حوله .. أوقف شعره على حياتهم وقضاياهم:
"غنيتك البارح براي
إنصلبطوا التانين غناي
والليلي بتواتاك شعر
دونو إنعتاقك أو فناي"

حميد في استخدامه الكلمة سلاحا فاتكا في وجه الظلم والإستبداد لم يكن وحيدا كان يعبر بلسان مدرسة إنسانية عريقة التزمت جانب شعوبها المقهورة ودافعت عنه بسلاح الكلمة...عندما أطاح الجنرال بينوشيه بالحكومة الاشتراكية المنتخبة ديمقراطياً في تشيلي في أوائل السبعينات وقتلوا الرئيس سلفادور أليندي، هجم الجنود على بيت الشاعر بابلو نيرودا وعندما سألهم ماذا يريدون أجابوه بأنهم يبحثون عن السلاح فأجابهم الشاعر أن الشعر هو سلاحه الوحيد( السيرة الذاتية للشاعر "أشهد أنني قد عشت").
كنيرودا وأمثاله من الرواد استخدم حميد أدواته الشعرية الناضجة والمفعمة بكل الحس الشعبي الموروث لإقتلاع حقوق أهله من بين براثن الطواغيت في أي زي تدثروا وتحت أي إهاب مثلوا ادوارهم...خاطبهم بمفردات اختيرت بعناية من القاموس اللغوي الذي كان مطيتهم للسطو على السلطة والإحتيال على الناس ..خاطبهم باللغة القرانية التي تقشعر لها أبدان المرجفين والدجالين:
تَربت يداك
تربت يداك  
تبّت يدا كلِ الذين
تغامزوا..وتلامزوا..وتهامزوا
وتقززوا
فتلذذوا
من فيه جرحك يا وطن؟


حميد شاعر الإبحار ضد التيار في كل شيء .. ضد تيار الهجرة من الريف للمدينة وهو العائد للريف بعد التمدن...ضد تيار المركزية الإعلامية وقد فرض على الآلة الإعلامية الجري خلفه وملاحقته في نوري ..ضد تيار استسهال القاموس الشعري والعيش على حواشي اللغة الميتة فعمل على تطوير قاموسه الشعري الخاص بعد أن أعمل جهده في البحث في كنوز ومناجم اللغة العامية.. فصلته الدولة من وظيفته ولم تكن تعلم انها قد حررته من إسار وربقة الوظيفة العمومية وما تجلبه على صاحبها من ذل وإسترقاق فعمل شاعرا ومزارعا حرا طليقا...حميد السابح كأسماك السالمون (كما في حديث مستغانمي) ظل يسبح عكس التيار وضد التيار السائد ...هل كان صاحب اللافتات أحمد مطر يعنيه وهو يكتب "ضد التيار":

"في طوفـانِ الشّرفِ العاهِـرِ
والمجـدِ العالـي المُنهـارْ
أحضُـنُ ذنـبي
بِيـَدَيْ قلـبي
وأُقبّـلُ عاري مُغتَبِطـاً
لوقوفـي ضِـدَّ التّيـارْ
أصـرُخُ : يا تيّـارُ تقـدّمْ
لنْ أهتَـزَّ ،ولـنْ أنهـارْ
بلْ سَتُضارُ بيَ ألا وضـار
يا تيّـارُ تقـدّم ضِـدّي
لستُ لوَحـد ي
فأنا .. عِنـدي!
أنَا قبلـي أقبلتُ بوعْـدي!
وسأبقى أبعَـدَ مِنْ بعـدي!
مادمـتُ جميـعَ الأحـرارْ
(احمد مطر: ضد التيار)

عبقرية أهل الإبداع (بمختلف ضروبه) أنهم استطاعوا ترميز التجارب الإنسانية في مختلف تجلياتها عبر شخصيات خيالية أكسبوها بقدراتهم الإبداعية لحما ودماً وعواطفا وسلوكا فأستوت تمشي على قدمين بين الناس وكأنها جزء أصيل منهم ..يحيون حياتهم ويعبرون عنهم ...إن شخصيات مثل "سي السيد" عند نجيب محفوظ و"مصطفى سعيد" عند الطيب صالح و"دون كيشوت" عند سيرفانتس و"حراجي القط" عند الأبنودي و"حسن الوزان –الغرناطي-" عند امين معلوف و"زوربا" عند  نيكوس كازانتزاكيس  بل إن أسماء قرى ومواقع جغرافية مثل قرية" ماكوندو" عند ماركيز و"ود حامد " عند الطيب صالح كل هذه أمثلة قليلة جدا على قدرات المبدعين المذهلة على تطوير وبث الروح في شخصيات ومواقع خيالية لتكتسب أدميتها وحياتها على أيديهم... يقول إدريس جماع :
"خُلقت طينة الأسى وغشتها نار وجد فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت طينة البؤس شاعرا مثّالا"

حميد ينتمي لمثل هؤلاء الجبابرة الأفذاذ...تصاوير حميد الشعرية للبشر أضحت عند قطاعات واسعة من أهل السودان شخوصا حياتية تمشي على قدمين.."عم عبد الرحيم" و"السرة بت عوض الكريم" و"نورا" "ست الدار بت احمد"..لا أحد يقتنع بأنهم شخصيات على دفاتر الشعر..هؤلاء بشر سودانيون في بيتنا وبيتك وبيت الآخر....لو أردنا وصف المرأة السودانية العظيمة لما احتجنا لغير ابيات قليلة الكلمات عظيمة المعاني والدلالات من عبقري مثل حميد ليقول لنا عنها وهو يصف السرة بت عوض الكريم:
"مرأة من صميم
ضَهَر الغلابى
الماب تنكِّس رأسه
غير ساعة الصلاة
أو ترمي تيراب
في التراب
أو تستشِف
وجهَ الأديم"
أما ست الدار بت أحمد جابر فإن رسائلها من نوري السوق لزوجها الزين ود حامد عبر عنوانه: الخرطوم، الخرطوم بحري، كشك الشعلة فإنها تعتبر تحفة في أدب الرسائل صاحب المضامين العميقة في التوعية السياسية وفي الوقوف في وجه المحن والرزايا..عمق المضامين التي اشتملت عليها الرسائل بين ست الدار وزوجها أنها تجاوزت الهموم المعاشية الحياتية العادية إلى قضايا البلاد دون تنطع ودون تجاوز للواقع المرير وربط عبقري بين الهم الفردي والهم الجماعي..إرادة المرأة السودانية العظيمة ودورها الكبير في المجتمع مثلته "السرة بت عوض الكريم" وست الدار بت احمد جابر على وجه تتقاصر عنه وتخجل منه ورش العمل والندوات والمحاضرات والمسيرات المليونية الإحتفالية الموسمية الممجدة للمرأة ..استمع معي ،والاك المولى بالعافية،لإمراة من غمار أهل السودان كالسرة بت احمد وهي تكتب من نوري لزوجها العامل المقهور في كل شيء بالخرطوم البحرية..خرج من السجن الذي دخله وهو يبحث عن حقه ليبقى عاطلا بالخرطوم ...انظر إلى الرجاحة والشورة والدعوة للعودة للجذور:
بس يا الزين كان درت مشورتي
اصلو كتالك ياهو كتالك
تجي مندلي
الواطة تراها
وبي جاي جاي .. بندبر حالك
ما الحيكومة الضاقت دمك
عينا محل قبلت قبالك
شورتك عندك
عندك شورتك
والببقالك .. الببقالك
التمرات بعناها آ الزين
خفنا السوس ونزالة السوق
مبعوتالك عشرة جنيه
والأشواق من هنا لا عندك"

عم عبد الرحيم هو الحالة النموذجية ل"الزول السوداني" ...بلاد عظيمة وأمة عريقة..كان لأهلها آمال عريضة في حياة حرة مستقرة ذات خير ونماء ثم "تسلط "على البلاد ابناؤها فأحالوا آمالهم سرابا وخيرهم وزادهم فقرا ومسغبة ...اهترأت خارطتهم ولم تزل إرتدادات زلزال فقدان الجنوب تضرب أطرافها...هاجر أبناؤها وتشتتوا في أصقاع الدنيا ينشدون مجرد العيش الكريم بعد ان كانت بلادهم مأوى وملاذ الآخرين ...عم عبد الرحيم نموذج التضاد بين الرغبات والقدرات ..بين العوز والحاجة وما هو متاح لسدهما ..عم عبد الرحيم لم تقتله قاطرة السكك الحديدية بل قتلته حكومات لم تراع حقوقه:
حكومات تجى...وحكومات تغور
تحكم بالحجى...بالدجل الكجور
ومرة العسكرى...كسار الجبور
يوم باسم النبى...تحكمك القبور
تعرف يا صبى...مرة تلف تدور
ولا تقول برى..او تحرق بخور
هم يا الفنجرى..يا الجرف الصبور
كل السقتو مات ...باقى على التمور
وارضك راقدة بور...لا تيراب وصل..لا بابور يدور

لا تيراب وصل ولا بابور يدور..قصة عم عبد الرحيم..قصة السودان..نقطة.

ومن ثم رحل حميد المولود في عام 1956 وكان قد تلقي  تعليمه الأولي والأوسط بمدينة نوري والثانوي بمدرسة عطبرة الشعبية الثانوية..عمل في هيئة الموانىء البحرية بين  عامي  1978و1992 ..توفي إثر حادث سير عند الكيلو "167" في طريق "شريان الشمال"  في طريقه من نوري إلى الخرطوم في يوم الثلاثاء 20 مارس 2012. رحل حميد عن 56 عاما وترك أرثا إنسانيا عظيما ...له أربع مجموعات شعرية وهي "مصابيح السما" و"نورا والحلم المدردح" و"تفاصيل ماحدث" و"ارضا سلاح"...بعض قصائده أضحت علامات بارزة في ساحة الإبداع الشعري السوداني وأهمها:"حجر الدغش"، "نورا"، و"ست الدار" و"عم عبدالرحيم"، و"عمنا الحاج ودعجبنا" و"ياتو وطن" و"من حقي أغني" و"الضو وجهجهة التساب" و"لبن الطيور".

رحل المبدع العبقري وهو يغني للمحبة والخير والجمال والسلام..يغني و"يقوقي" مع الحمام" أبيضا نقيا رحل ..مع الحمام  رحل وهو يغني:
"غلابه وأمان مو الطيابة
ضكارى بصارى وكرام
حباب الحبان في بابه
وتدخلوا عليّ الحرام

فقارى ولكن غنايا
غنايا بهذا الغمام
بهذا النيل كم تغايا
وتيرابا نرميهو قام"

محمد إبراهيم نقد:  علن الحضور الفاعل في زمن الأختفاء

"اليومُ أحداً
كانَ اليومُ أحداً
ساقوني خارجَ حبسي تحتَ الشمس.
لأولِ مرةٍ .. ذاك اليوم
ولأولِ مرةٍ في حياتي
مذهولاً كيفَ أن السماء بعيدة جداً
و زرقاء جداً
وعريضةٌ جداً
كنتُ ساكناًً
ثم جلستُ على الأرضِِ خاشعاً
أسندتُ ظهري على الجدار.
لم أتدحرج في التيار تلك اللحظة
تلك اللحظة .. لم أفكر بالحرية .. أو بزوجتي
الأرض والشمس وأنا
وكفاني"
(ناظم حكمت)



"بالليل وشيك فوق التدويرة هويني مشيك
الراكب الكيك  داخل في مجالك  خبرو ركيك"
(العارف بالله الشيخ عبد الرحيم البرعي: القوم بتجيك)

في منتصف التسعينات وفي زيارة لسوريا دخلت مكتبة ميسلون الواقعة امام فندق الشام ..الآف الكتب والمصنفات في تلك المكتبة الوارفة ... كتب لعرب قدماء ومحدثين ..كتب مترجمة ..كتاب أثر كتاب  ومجلد يحتضن مجلدا ..وانا اقلب بعض تلك الكتب والأسفار والإصدارات توقفت فجأة أمام كتاب صغير الحجم ..ترددت وقرات  العنوان وأسم المؤلف مرتين ثم عاودت القراءة ...حين تاكدت صحت عاليا دون قصد ولا اردايا :"الله يفتح عليك يا نقد دنيا وآخرة"... احسست بزهو عجيب ولولا الخوف من الرمي بالعتة وزوال العقل لصحت في زوار المكتبة: "نقد هذا سوداني..هو زعيم الحزب الشيوعي السوداني.. يعيش تحت الأرض لثالث مرة ولكنها يقرأ ويبدع ويكتب"...ذاك كان كتابه المهم رغم صغر حجمه "حوار حول النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" لمؤلفة العلاّمة حسين مروة.

من دلائل احترام وتقدير الشعب السوداني لنقد أن الناس في حالته تحديدا كانت تتعامل معه على مستويين مختلفين تماما ..في المستوى الاول هناك نقد زعيم الحزب العقائدي والذي يبقى محل نظر وتقييم المهتمين بالشأن السياسي حيث يقاس أداؤه ويحكم عليه بأداء حزبه شأنه في ذلك شأن غيره من زعماء الاحزاب السياسية الاخرى لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ..المستوى الآخر لتعامل قطاعات واسعة من ابناء الشعب السوداني مع نقد كانت من خلال النظر إليه كقائد وزعيم وطني له إسهاماته الوطنية ومواقفه الفكرية ..زعيم له كاريزميته وسماته الشخصية التي امتد إثرها من الحيز الحزبي الضيق إلى رحاب الوطن الاوسع والأشمل ...على هذا المستوى تاتي كتابتنا عن محمد إبراهيم نقد كتنويري طليعي وكقائد وطني أعطى بلاده كل ما يمكن للإنسان ان يقدمه ..حياته كاملة غير منقوصة...محمد إبراهيم نقد ودوره في قضايا الحزب الشيوعي السوداني أمر يهم حزبه وجماعته ولكن الرجل كان يعمل في إطار آفاق أرحب وأوسع ولذا كان تقدير أعماله كبيراً في اوساط قطاعات وجماعات تتجاوز كبيرا وكثيرا نطاقه الحزبي وحيزه الأيديولوجي..نقد المختفى عن الحياة العامة في السودان لأكثر من ثلاث عقود استثمر هذا الوقت فيما ينفع البلاد والعباد فرفد الفكر السياسي السوداني بأعمال هامة تتصل بجوهر قضايا السودان المفصلية.

وجوه نقد الزعيم السياسي الوطني متعددة ولعل ابرزها ثلاثة وجوه... الوجه الاول وجه البطل صاحب المباديء والثبات ...الوجه الثاني وجه المفكر الطليعي العابر للأزمنة والمكان والقضايا....الوجه الثالث وجه الإنسان السوداني المتحضر سلوكا وأدبا....ثلاث وجوه حببت الرجل للبسطاء من أبناء الشعب السوداني ومتعلميه سواء بسواء...حظي ببالغ احترام الناس وتقديرهم ..أحبوه لزهده وبساطته التي اخذت من بساطة أهل السودان...في نقد وأمثاله تتبدى واضحة جلية حقيقة أن عظمة الإنسان تكمن في بساطته ومنظومته القيمية وإنسانيته.

في الوجه الاول نطالع محمد إبراهيم نقد سيزيف الحركة الشيوعية السودانية ...ناء بحمل صخرة عذاباتها إذ تسنم قيادتها في اعقاب مذبحة يوليو 1971...إنقلاب هاشم العطا وما تلاه من احداث في بيت الضيافة ومعسكر المدرعات بالشجرة هي من أيام السودان السوداء حقا ..أطماع السلطة أضاعت بعض أنبل واخلص شباب اهل السودان ...ولا تزال بعض الاحداث المصاحبة لتلك الفترة العصيبة من تاريخ السودان في طي الكتمان وفي أضابير الصندوق الاسود لتلك المرحلة  ..مجازر دموية لم يعرف الصراع على السلطة في السودان مثيلا لها في عنفها...كان قدر نقد ان يتولى زعامة حزب تم تهشيمه بعنف وقسوة بالغتين ..كان عليه تضميد الجراحات وما اكثرها وأشدها وكان عليه إصلاح العطب وما اعمقه وأقساه وكل ذلك التضميد والإصلاح كان مطلوبا في ظروف لم تكن مواتية حتى لبقائه على قيد الحياة دع عنك محاولة لملمة اطراف حزب تمزق أشلاء ...وقف نقد ولسان حاله يحدو كما كل "رادود" كربلائي محزون مكدود:
"وقعتم وسط أسقام الحياة
هكذا ما بين أفعال الطغاة
نور عيني كيف تمضي اليوم عني
ولقد حام الردى بالقرب مني
ولقد هدَّ الأسى والضيم ركني
ولقد صار لدى الطغيان شأني"
(الرادود  سيد محمد العوادي ينشد شعر الشهيد على الرماحي في مناقب سيدي أبي عبد الله الحسين في صحن المسجد الكبير في النجف)

بشهادة رفاقه وجماعته (بل والمنصفين من مراقبي المشهد السياسي السوداني) استطاع الرجل في ظل ما صورنا من ملابسات سالبة ومظلمة ان يلملم أطراف حزب تشتت عضويته بين المقابر والسجون والمنافي والمخابيء ...لملم أطراف جماعة ضربت من قبل بعض أبنائها فكان الضرب أوجع والحزن أعمق... ثبت نقد كأبطال أسبرطة القديمة وهو يحمي من تبقي من جماعته بالتدبير والتدبر.

الوجه الثاني للرجل هو وجه المفكر ... في هذا الوجه تتجلى إضافات نقد الحقيقية للفكر السوداني والإنساني..  نقد رفد المكتبة السودانية بالعديد من الاسفار المتميزة والفريدة في بابها...من أبرز مؤلفاته حوار حول النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"، و"علاقات الارض في السودان: هوامش على وثقائق تملك الارض" و"علاقات الرق في المجتمع السوداني" و"قضايا الديمقراطية في السودان " حوار حول الدولة المدنية" هذا بالإضافة إلى العديد من الاعمال الفكرية المتصلة بقضايا حزبه.

إضافات نقد الفكرية هي التي جعلته في مكانة متقدمة ورفيعة في الذاكرة الجماعية لأهل السودان...القضايا التي تناولها محمد إبراهيم نقد بالدراسة والتحليل كانت في مجملها قضايا حيوية تتصل بالمشكل السوداني الأولى والازلي...أربع قضايا محورية شغلت الرجل فتعامل معها تعامل كل مفكر مستنير مقتدر. قضايا الدين والأرض وملكيتها والرق والديموقراطية هي ، او ينبغي ان تكون، الهموم الاساسية لكل من يعمل بالسياسة في بلد كالسودان..أغلب رصفائه من السياسيين تعاموا مع هذه القضايا واخواتها اما بالسكوت عنها وغض الطرف عنها ( كقضية الرق مثلا) أو بالتعامل معها على أساس إنها من المسلمات التي لا يجوز التعامل معها بحسبانها من القضايا التي اوصدت أبواب الإجتهاد في حقها (وهذا باب في الإحتيال والتحايل معروف ومجرب)...نقد السياسي خالف مجايلية وشمر عن ساعد الجد وهو يبحث وينقب في الأضابير ويدرس ويحلل خلفيات وعلاقات الأرض والرق والإسلام والشيوعية والتصوف وقضايا الديموقراطية والدولة المدنية...هذا إبحار في لجج عميقة لا يقدر عليه إلا "الرواويس" العتاة ...هذه قضايا شائكة يتحاشاها أهل الفكر والسياسة ابتغاء النجاة من وخيم النتائج ومن وبال المساءلة ...نقد غير!!!..أبحر غير هَّياب ولا وجل ..عندما يمنحك المنان رجاحة العقل وميزان التفكير السوى لا خوف عليك من شطط مغالطات أنصاف المتعلمين ولا من معاظلة أهل اللجاجة وقصيري النظر والتدبر.

ما يلفت النظر حقا في القضايا الفلسفية والفكرية الرفيعة التي عالجها الرجل انها كانت أيضا في صلب أجندة العمل السياسي السوداني...ولعل قضايا السودان المركزية لم تعاني من شيء مقدار معاناتها من غياب الأطر الفكرية الناضجة القادرة على طرح هذه القضايا بموضوعية وحيدة ووفق منهج علمي ينأي عن المؤثرات العقائدية والجهوية والقبلية والعرقية وحتى الشخصية...إن قضايا الأرض وملكيتها وقضايا الرق ظلت من القضايا المسكوت عنها عمدا من قبل أصحاب المصلحة في ديمومة العلاقات التي تشكلت تاريخيا وغير الراغبين في فتح أبواب جهنم...من ناحية ثانية تظل قضايا علاقة الدين بالدولة وعلاقة الدين بالمجتمع من القضايا التي ظلت النخب والقيادات تتعمد إفالها وتحاشيها ..محمد إبراهيم نقد لم يدعي فصل مقال في ما طرحه من آراء ومقولات بشان القضايا التي تصدت لها أعماله الفكرية ولكن هذا ليس مهما المهم، بل الثابت حقيقة، انه القى بحجر هائل في بركة الحياة السياسية الفكرية الراكدة...في ظل اجواء ديموقراطية ومعافاة كان من الممكن لمثل أطروحات نقد أن تجد حظها في التداول والنقاش ...إن التحاور البناء والموضوعي كان، وسيظل، سبيل اهل السودان الوحيد لمواجهة إشكالياتهم المعقدة والمزمنة والبحث عن حلول ناجزة لها.

إن المقام الحالي لا يستهدف سوى الإشارة العابرة للقيمة الفكرية العالية لأطروحات الرجل وسنكتفى بالقليل مما هو متاح من كتابة بشأنها على سبيل المثال لا الحصر ونركز على عملين من أعماله وهما "حوار النزعات المادية" وكتاب علاقات الأرض.
في معرض تناوله لعمل نقد "حوار حول النزعات المادية" كتب رشيد الخيون ان الرَّجل ،إلى جانب أنه كان كائناً حزبياً يُجيد التخفي بقدرات مذهلة ،كان كاتباً ومثقفاً راقياً في شؤون الفكر والفلسفة، وعلى وجه الخصوص في الفلسفة الإسلامية"...وفي معرض حديثه عن ذات الكتاب استعاد الكاتب البحريني فهد المضحكي التعليق المطول لمحمود امين العالم في مقدمة كتاب نقد حيث قال العالم عن الكتاب والكاتب :"كانت مفاجأة مدهشة سارّة، ان أتبيّن بهذا الكتاب، جانباً جديداً بالغ الغنى والخصوبة للمناضل الكبير "محمد ابراهيم نقد" كنت اعرفه محلّلاً عميقاً عارفاً بأسرار مختلف حقائق الواقع السوداني والعربي في انحائه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكنت أتابعه بإعجاب شديد في سجون السودان المختلفة، او متخفياً من حكومات البطش والاستبداد مواصلاً اينما كان وكيفما كان قيادته للحزب الشيوعي السوداني، باعتباره اميناً عاماً له فضلاً عن مبادراته المتعددة الرصينة لتوحيد وتنشيط مختلف الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الحيّة في السودان، من اجل سودان ديمقراطي متحرر متقدم. ولعلي التقيت به لقاءً سريعاً في زيارة خاطفة للسودان منذ سنوات استشعرت فيها بشخصيته الدمثة وتألقه الذهني على اني – اعترف – لم أكن اتوقع ان يكون وراء هذا كله هذا المفكر الكبير الذي يستوعب استيعاباً نقدياً عميقاً القضايا الاساسية للفلسفة الغربية والفلسفة العربية الاسلامية على السواء".

في تقديمه لكتاب "علاقات الأرض" كتب نقد:"لعلاقات الأرض السائدة في سودان اليوم تاريخ وسيرة ذاتية لا يستقيم اختزالها في القرن المتسارع الى نهايته، وفي سجلات الحكم الثنائي 1898، ولعلاقات الارض هذه مستقبل لن يتيسر استشرافه دون استيعاب ماضيها، فكيف تشكلت وتخلقت علاقات أرض سودان ما قبل الفتح، المهدية، والتركية، السلطنة الزرقاء، الفور، المسبعات، تقلي، الممالك، المسيحية في المقرة وعلوة، وما تفردت به مروى احدى أمهات حضارات النيل وافريقيا، سؤال يلح على الخاطر، ينضح، ينوسر كالدمل المحتقن"...وعن ظروف كتابته قال:" في ضيافة كوبر عميد سلك السجون السودانية واصطحاب ما شح وقل من المصادر والمراجع صيغت هوامش وتعليقات، بحثا عن اليقين في اجابة على السؤال الملحاح"...هذه هي هموم المفكر والقضايا التي يعيش من أجلها..ملكية الأرض وما ينبي عليها من علاقات اقتصادية واجتماعية لا يتنبه لاهمية دراستها سوى النابهين من طبقة نقد.

بالإضافة إلى كتبه المشار إليها راجعت الصفحة الفرعية للراحل نقد على موقع "الحوار المتمدن" حيث وقفت على العديد من الاعمال الفكرية الاخرى ولعل اهمها معالجته لمسألة " كيف حاصر الجمود أطروحات ماركس وأنجلز عن الاشتراكية".. وورقة بعنوان "حل أزمة السودان يتمثل في دولة مدنية"..وأخرى بشان ماهية ودور منظمات المجتمع المدني في السودان. في السطور التالية نوجز أبرز مضامين ودلالات هذه الاوراق.

في ورقته الموسومة :"كيف حاصر الجمود أطروحات ماركس وأنجلز عن الاشتراكية؟" يقترح نقد إن  الانعتاق من قيد الجمود يعني الدراسة الناقدة للفكر الاشتراكي منذ نشأته – قبل الماركسية وما عاصرها وما تلاها من إسهام مفكرين كثر، كان أبرزهم لينين كمفكر وقائد ثورة ورجل دولة، وما تسهم به مدارس اشتراكية معاصرة متعددة المشارب والرؤى"...خلص نقد إلى ان مقاصده من إعداد الورقة لا تنحصر فقط "في الدراسة الناقدة لماضي الفكر الاشتراكي على ضوء التجارب الاشتراكية، بل تتجاوزه نحو امتلاك معرفة أفضل بحاضره وإضافة معرفة جديدة لتشكيل مستقبله وتجديد رؤاه وآفاقه، بترقية مناهجه وآلياته وإشكالياته، بما يؤهله لاستيعاب معطيات العلم ومستجدات العصر". ويرى نقد "إننا لا نضيف جديداً حين نعيد ونؤكد العلاقة العضوية الوثيقة بين الفكر الاشتراكي وحركة العاملين والدفاع عن مصالح العاملين والكادحين والمسحوقين في النضال السياسي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن أجل أن يتحرر الإنسان من الاستغلال والعوز والحاجة والاستلاب، وأن ما يحقق ذاته وانسانيته، إنتاجاً وإبداعاً ومسئولية تضامنية عن مصير المجتمع الإنساني".

وفي عمل فكري عميق بعنوان:"حل أزمة السودان يتمثل في دولة مدنية"  أشار نقد إلى أن "تصنيف الدولة (دينية ـ علمانية ـ مدنية) لايعفينا من تطوير ثقافتنا ومعرفتنا بنظرية الدولة، في حد ذاتها، كظاهرة تاريخية اجتماعية، بدلا من القناعة الكسولة بتوصيفها او تصنيفها. ولعل افضل مدخل يتناسب وقدراتنا النظرية الاولية والمتواضعة، ان نبدأ بدراسة الدولة السودانية ونشأتها وأطوار تجلياتها المتعاقبة، دون ان نحشرها قسرا في قوالب وأطوار الدولة الاوروبية الحديثة (القرون الوسطى، عصر النهضة، عصر التنوير، ثم الثورة البرجوازية).. الخ لا ننفي او ننسخ ما هو عام في ظاهرة الدولة في تاريخ المجتمع الانساني، لكن لكل دولة ما هو خاص تنفرد به، وواجبنا ان نستخلص تفرد وخصوصية الدولة السودانية، ولا نحولها الى مسرح تستعاد عليه مسرحية الدولة الاوروبية، مأساة كانت ام ملهاة وفق تفسير كارل ماركس للقول الشائع: التاريخ يعيد نفسه؟!"
من أبرز إضافات محمد إبراهيم نقد الفكرية مراجعته لدور منظمات المجتمع المدني من خلال عمله الموسوم:"المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحول إلى شاهد زور".. في هذا العمل تحديدا تتجلى ليس فقط روح المفكر بل روح الباحث الساخر القادر على الربط بين الظواهر ببساطة عميقة وبسخرية عالية .. السؤال المحوري للعمل هو ماهية هذه المنظمات وطريقة تكوينها وهل هي منظمات تهدف لخدمة قضايا المجتمع ام للاسترزاق؟. .لتقريب المصطلح للأذهان يستعيد نقد ملهاة "البرجوازي النبيل"للكاتب الفرنسي الساخر، موليير ("مستجد النعمة" بتعريب نقد)...باختصار يقول نقد" اغتنى المسيو جوردان، بطل الملهاة، ولامس المجتمع المخملي للنبلاء وعلية القوم والاثرياء، وريحانة مجالسهم من أدباء وشعراء، فانبهر بأحاديثهم وذرابة السنتهم وسلاسة مصطلحاتهم العصية على قاموسه العامي العاجز عن مجاراتهم. فاستأجر معلماً ـ معادل «مؤدب الامير» في تراث الارستقراطية العربية الاسلامية، او "مثقفاتيا".. وكان الدرس الاول: يصنف الادب الى نثر وشعر، وما لا ينضوي تحت لواء الشعر فهو نثر! فانفجر مستجد النعمة ضاحكاً في حبور طفولي، حتى ألجمت الدهشة لسان الاستاذ، ثم افاق من دهشته وسأل تلميذه عن دافع الضحك، فأجاب: ما كنت اعلم انني ظللت طوال حياتي اتحدث نثراً، حتى عندما طلبت من خادمي ان يحضر لي حذائي"...هنا تنتهي قصة مسيو جوردان ويبدأ نقد مقارنة واقع مصطلح المجتمع المدني في السودان ..يقول نقد:" ظللنا ولما يزيد على نصف قرن نتداول مصطلحات: الجمعيات الادبية، الاندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، اندية الخريجين، اندية العمال، الاحزاب السياسية. الحركة النقابية......... اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا...الروابط الادبية في عطبرة وسنار وكوستي والابيض.... التجمع النقابي، التجمع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبلية والاقليمية، تضامن قوى الريف، اتحاد الكتاب، الجمعيات الخيرية. لكنا تمايزنا عن مستجد النعمة، كوننا لم تحوينا دهشة ولم يشل تفكيرنا ارتباك، عندما قيل لنا: مصطلحاتكم على تكاثرها يحيطها ويؤطرها مفهوم او مصطلح المجتمع المدني، والمنظمات الطوعية ـ بين حاصرتين ـ غير الحكومية!".

الوجه الثالث لنقد هو الوجه الإنساني ولعله سيد الوجوه الثلاثة وأعلاها رتبة عند أهل السودان ..هذا رجل حباه المنان محبة الناس الخالصة المجانية لوجه الله العفو الكريم ..أكرمه المولى بخصال المحبة أدبا ووقارا واحتراما وزانه بعقل راجح ..وطد الرجل أركان مواهبه ومزاياه فتثقف وثقف ..تعلم وعلم ..علم سر البشر وعلوم التواصل فظل بين الناس علما شاهقا "انواره آخذة بدون سلوك" .
ملابسات حياته ووفاته كانت شهادة عليا للرجل ولعظمة الشعب السوداني في آن معاً...كانت اختبارا لوفاء أهل السودان لأبنائهم المخلصين الصادقين وحنوهم عليهم واعتزازهم بهم .. حياة نقد التي كان نصفها في التخفي من أنظمة البطش لا شك عندي مطلقا أنها عاشت ظروف إنكشاف المخبأ والتعرف على المختفي مهما بلغت مهارة الإخفاء وحيطة التخفى...أكثر من ثلاثين عاما عاشها الرجل متخفيا عن عين رقيب باطش غادر كان لابد ان يحتاج خلالها الرجل لكل ما يحتاجه كل البشر من خدمات صحية ورعاية طبية وخدمات إنسانية تواصلا مع الاهل والأسرة والناس عموما في السراء والضراء ...لاشك ان رفاقه قد بذلوا طاقات جبارة لحفظ الرجل وتلبية متطلبات التخفي ولكن مما لا شك فيه أيضا ان غيرهم أيضا قد بذل ما في وسعهم للتأكد من حماية الرجل بعيداً عن الأجهزة الامنية المطاردة له .. ولله در رجال ونساء من اهل السودان فيهم من طبب وفيه من خاط الملابس وفيهم من زين وفيهم من آنس الوحشة وفيهم من زود بالمعرفة ..فيهم من عرفوا مخبأ الرجل إن مصادفة او وشاية ولكنهم رجال ونساء السودان  ...عرفوا فكتموا ولم تكن معرفة مجانية ولا كتمانا مجانيا..كان الثمن غاليا والجزاء والعقاب وبيلا ولكنهم رجال ونساء أهل السودان حين يأمنون وحين يؤتمنون ...كانوا يدركون تماما ان الرجل كان متخفيا بسببهم لا بسبب قضايا ذاتية وكانوا موقنين بصدق الرجل وحب الرجل للسودان فكانوا نعم المعين وكانوا نعم الرجال والنساء.
ملابسات وفاة الرجل كانت شهادة أخرى لهذا الشعب العبقري ...رنة حزن عميقة عمت أغلب بيوت اهل السودان إذ الناعي ينعي نقد.. حزن حقيقي أمسك بتلابيب بشر غالبيتهم لا يعرفون إلا الصورة العامة للرجل ..حزن عميق وأسى بالغ غشى اهل السودان على رجل يعرفونه في الأطر العامة كرجل عام ولكن خصوصية الواشجة نبعت من إيمان الناس بصدق نقد وتجرده وإنسانيته وزهده  وإخلاصه لمبدأ إسعاد الشعب السوداني ...أهل السودان هؤلاء الذين يعانون شظف العيش وقساوة الدنيا حباهم المنان بالاكباد الرطبة ورغد الاخلاق ومعرفة أقدار الرجال ...شعب قادر على التمييز بين الحقيقي والمصطنع وبين الزعيم والمتزاعم وبين الشواهين الحرة وبغاث الطير...شعب لا تخدعه المظاهر ولا الجاه المستعار المسروق من دمائهم ..لا تخدعه الكلمات الفارغة ولا المواعظ المعلبة ...يميزون حقا وصدقا بين الصادقين والكاذبين ...خرجوا يودعون نقد دون استنفار إلإ من الضمائر ودون إعلام إلا من الذات المقدرة لدور الرجل والمثمنة لتضحياته من اجلهم  ..قدروا عطاء الرجل وتضحياته فخرجوا جميعا في فقد زعيم أدخروه لحوالك الأيام ومدلهمات الخطوب..يحتاجونه عقلا راجحا ورايا متوزانا إذ تاهت الخطي وتشعبت الدروب.. في مثل رحيل نقد يضرب النحاس وترفع نساء السودان أصواتهن الباكية وهن يمنحن نقد...ولصاحت صائحتهن محاكية بنونة وهي ترثي عمارة ود المك:

ما هو الفافنوس
ما هو القليد البوص

كوفيتك الخودة أم عصا بولاد
درعك في أم لهيب زي الشمس وقاد
سيفك من سقايتو استعجب الحداد
قارحك غير شكال ما بقربو الشداد

تقول السيرة الذاتية للراحل محمد ابراهيم نقد المولود بمدينة القطينة 1930م انه تلقى تعليمه الاولى والوسطى بالعديد من مدن وتلقى تعليمه الثانوى بحنتوب الثانوية وأكمل دراسته الجامعية ببراغ.
اختفى لمباشرة مهام العمل السياسي السري بعد الإطاحة بالنظام الديمقراطي في 17 نوفمبر 1958م واعتقل لمدة عام....أنتخب عضواً بالبرلمان عن دوائر الخريجين فى عام 1965م  مرشحاً عن الحزب الشيوعي. ولم يكمل الدورة نسبة لصدور قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان....  أصبح سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي السوداني عقب اغتيال عبد الخالق محجوب فى عام 1971م ثم اختفى من نظام مايوحتى انتفاضة ابريل 1985م...  انتخب عضواً بالبرلمان عن الحزب الشيوعى السودانى عام 1986. وظل يباشر مهام العمل النيابي والسياسي حتى يونيو 1989م ... باشر العمل السياسي حتى انعقاد المؤتمر العام الخامس للحزب الشيوعي السوداني في يناير 2009م حيث تم انتخابه سكرتيراً سياسياً للحزب الشيوعي.

رفع المقال:

رحل وردي وحميد ونقد بعد عطاء مجيد وبذل كبير على مختلف الصعد الإبداعية الفكرية والسياسية والفنية ..رحلوا وتركوا لنا تراثا إنسانيا ضخما وكبيرا ...إن تمجيد ذكراهم تستوجب الحرص على دعم مشاريعهم الفكرية والإبداعية والعمل على إستمراريتها ..لقد خلفوا لنا مشروعات إبداعية فريدة ومتميزة تحتاج للتطوير وللإستكمال ..وككل مشروع نهضوى وطني تبقى هذه المشروعات (كما قال حميد) مشروعات مفتوحة على المستقبل لا قدسية فيها لمن أرسوا دعائمها ولا حجر على من يريد الإضافة عليها سواء شرطين أساسيين وهما أصالة الإضافة وابتغاء وجه الله والوطن .. رحل الأماجد واحتلوا ما يليق بعطائهم وبذلهم في ذاكرة الامة التي تنظر للمستقبل الأزهر والامل الانضر وهي تردد مع محمود درويش "وعود من العاصفة" :
و ليكن ..
لا بدّ لي أن أرفض الموت
و أن أحرق دمع الأغنيات الراعفه
و أعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة
فإذا كنت أغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
فلأنّ العاصفة
وعدتني بنبيذ.. و بأنخاب جديده
و بأقواس قزح
و لأن العاصفة
كنست صوت العصافير البليده
و الغصون المستعارة
عن جذوع الشجرات الواقفه.
و ليكن..
لا بدّ لي أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة
أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة
يعبس الشارع في وجهي
فتحميني من الظل و نظرات الضغينة
سأغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
منذ هبت، في بلادي، العاصفة