روّاس مراكب القدرة

ضو البيت: وداعا أيها الزين(6) (الأخيرة)

 

 

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)

 

دبي: مارس-أبريل 2009

 

عرضحال واعتذار:

للأخوات والأخوة القراء الكرام إعتذاري عن تباعد أزمان نشر أجزاء هذا العمل..وكما لا يخفى الجميع فإن للقلم، كما القدم، رافع وللزمان تصاريف ولسبل كسب العيش أولويات فالمشيئة فوق الجميع والله غالب.

هذا الجزء هو خاتمة أخوانه ومتمم العمل..وكما هو الحال عند ختام كل عمل تبقى في النفس شيء من حتى...وإنني إذ أضع قلم تحرير هذه السداسية لا املك إلا ان أحمد الله على ما حبتني هذه الأجزاء من تواصل حميم مع أعزة نجباء وأحمده على ما نالني من بركات شيخنا الطيب الذي فتحت لي الكتابة عنه آفاقا رحبة لقراءة متواصلة في فضاءات مختلفة وتلك نعمة كبرى...ولعل من فيوضات شيخنا الطيب كذلك أن هيأ المولى لهذا العمل إحساس وريشة فنان مبدع محب في قامة شيخنا وحبيبنا التشكيلي الفذ حسين جمعان الذي أعمل أدواته المشرقة في قماشة هذا العمل فزيَّنها وجَّملها بأحسن ما يبذل فنان مبدع متفرد فأحال أشتات الأجزاء إلى كتاب نتمنى ان يرى النور قريبا وعلى الوجه الذي يلبى تطلعات القراء المحبين ويعيننا على رد بعض جميل سابق ودين مستحق وواجب لشيخنا الطيب غشت قبره شأبيب المزن الهَّطال غفرانا ورحمة.

 

المدارج والعتبات:

 

رواس مراكب القدرة:

يقول الطاهر ود الروّاس إن  الاسم الوحيد الذي ورثه عن أبيه كان لقبا لم يناده به إلا الكاشف ود رحمة الله، كان ود رحمة الله يقول إن بلال روّاس ويسألونه روّاس ماذا؟ فيجيب:"بلال روّاس مراكب القدرة". ويقسم أنه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر وهو قائم وحده في مركب ينقل قوما غريبي الهيئة إلى الشاطئ الآخر. ويقول الطاهر إن أباه حين مات أخذ أسماءه جميعًا معه. كأنه كان بالفعل روحًا مفردًا ليس من أرواح هذا الزمان ولا هذه الأرض".

(مريود : طبعة دار العودة: الصفحة 48)

 

العشق:

 

"وملْ إلي البان من شرقّي كاظمة        فلي إلى البان من شرقيِّها أربُ

وكلما لاح معنى من جمالهم               لباه شوقٌ إلى معناه منتسبُ

أظلُّ دهري ولي من حبهم طربٌ       ومن أليم إشتياقي نحوهم حَرَبُ""

(إبن الخيمي)

 

المحبة :

"الإنسان يا محيميد ... الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اتنين... الصداقة والمحبة. ما تقولي حسب ونسب، لا جاه ولا مال.. ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد.. يكون كسبان".

(الطاهر ود الرواس : مريود الصفحة 432، الأعمال الكاملة ، طبعة دار العودة)

 

الإنتماء:

"السَمكةُ،

حتَّى وهي في شباكِ الصيادين

تَظلُ تحملُ

رائِحة البَحر"

(مريد البرغوثي: رأيت رام الله،  الصفحة 181)

 

إهداء وعزاء خاص:

 

إلى أستاذيَّ وشيخيَّ:

إبراهيم حسن عبد الجليل ومهدي أمين التوم 

 

في رحيل الطيب صالح خسارة كبيرة لقيم إنسانية رفيعة، موروثة ومكتسبة، تربيا وعاشا عليها وكانا، وما زالا، مهمومين بإشاعتها وترسيخها في وجدان وسلوكيات من أحبوهم:

الأطر والضوابط الأخلاقية غير المساومة نبراسها

والتعفف ممزوجاً بالتواضع الحقيقي رمانة ميزانها

وزجر النفس ولجمها عن وعند الهوى صمام أمانها

 

وإلى روح أخينا وأستاذنا العميد حقوقي "م" عبد المنعم حسين عبد الله:

آمن بما رأى أنه الحق فكان عقله وقلبه حيث آمن.. 

ثبت على عمله والتزم الجماعة..

كما الطيب ...كان إنسانا نادرا على طريقته.. 

اتخذ من المحبة "جلابية" ومن النقاء والبراءة "عِمة" و"شال"... 

داره  بحي النسيم بمدينة الرياض السعودية وبحلفاية الملوك بالخرطوم البحرية كانتا واحة إنسانية وقبلة وطنية...

رحل موفور الإباء ليختال بإذن ربه زاهياً في بساتين البهاء..

رحمة الله تغشاك يا أبا محمد

 

وإلى روح خالي وصديقي حسن إبراهيم دبلوك:

سَيج حياتنا بعزة النفس والأنفة والكبرياء

عاش "لوردا" بطبائع شيخ قبيلة

منه علمنا بيانا "إن السايقة واصلة ومحل رهيفة التنقد"

عند رحيله تملكني شعور لا فكاك منه بأن زينب بت بشارة كانت في استقباله في الجانب الآخر

كانت في استقباله و"الركابيات" الماجدات ستي نور وليلى وآسيا ينشدن في مقدمه عليهن:

"الآلاف درجن ولدا نجيض ماك ني

البجرجر فى أم صقير وحدي"

حزني عليك مقيم يا أبا المهند

الفصل السادس

 

ما بين كرمكول ومقابر البكري: دليل المرء كي يبقى أحدوثة حسنة بعد رحيله

 

مدارج الرحيل ومسالك العرفان:

بعد ثمانين حافلة رحل شيخنا الطيب...عاد لإمدرمان بعد ستين عاماً ليوارى الثرى بمقابر السيد البكري...ثمانية عقود من عمر الطيب صالح انقضت قبل رحيله...قضى ما يقارب الستة منها بعيدا عن السودان قريبا جدا منه ...سيرة حياة وسجل إبداع غير مسبوق لرجل جم الأدب، كثير التواضع، عالي القيمتين الإنسانية والإبداعية.

في رحيله أحس كل بيت سوداني بالفقد الكبير..لم يكن أحد يدري، ربما الطيب نفسه، كم يعني هذا الرجل الشامخ البديع لأبناء وطنه...به تشرفوا وعبره جاءت السيرة الطيبة الخيرة للبلد، من خلال وجوده المشرف في المنتديات الإبداعية عرف الناس الوجه الرائع لبلاده...أحب بلاده وتبتل في حبها فبادلته البلاد وابناؤها الشرفاء حبا بحب وودا بود وحفظوا له جميله الذي لم يتوقف في إعلاء شأنهم وشأن بلادهم  في أزمان عز فيها العطاء وفشت في الناس فاشية الأنانية حين أطبقت خلائق شح النفس وغلبة الهوى وخساسة الانفس على البشر وحيواتهم ..في ظل تقلبات الزمان وأهله بقى الطيب أيقونة بلاده وحجابها وموئل روحها الأصيلة التي تغالب الإندثار تحت وطأة سنابك التردي الأخلاقي الكبير في منظومة  القيم والاخلاق.

غادر الطيب بلاده في عام 1953 وهي على أعتاب تقرير مصير..وحدة مع مصر أم استقلال؟ ...وبعد رحيله بعام واحد ترتد البلاد إلى محطة أخرى لتقرير المصير...هل يا ترى تبقى بلاده موحدة كما تركها أم يروح نصف شعبها وترابها؟... قبل أكثر من خمسمائة عام استدعى فرديناند وإيزابيلا آخر ملوك الطوائف أبو عبد الله محمد الثاني عشر لتسليم غرناطة التي تم حصارها حتى استسلمت..حين وقف الملك المهزوم والمأزوم على هضبة "زفرة العربي الأخيرة" وهو يولى بلاد أجداده ظهره في رحلة الخروج الكبير للعدوة الأخرى ذرف دمعات...انتهرته والدته عائشة الحرة بكلمتها التي حفظها التاريخ بعد ان ضيع أبناؤها الاندلس:"ابك كالنساء ملكاَ مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال".

في أعقاب رحيل الطيب صالح وحين تصبح البلاد على حد سيف الإنفصال سيقف بعض أقزام السياسة السودانية التي امتحن الله بهم بلاد عظيمة وأمة عملاقة يزرفون دموع لا تعني شيئا وقد أعملوا معول الهدم لا البناء منذ ان تسنموا سلطة البلاد وأمر العباد فبل ستين عاماً...ستون إلا قليلاً والبلاد تخرج من حفرة لتقع في "دحديرة" جزاء وفاقاً على سعي أدخلها في نفقه المظلم كل من لم يانس في نفسه كفاءة في مهنة أو خدمة سوى إمتطاء خيل السياسة التي لا تحتاج سوى الغليظ من الصوت والحس والإحساس... أمتطوا خيلهم البائسة العرجاء ويمموا شطر الفشل فأفقروا بلاداً  غنية وأذلوا شعباً عزيزاً..تساوى في إدقاعهم السياسي وؤسهم المعرفي والأخلاقي  المدنيون من رجالات الأحزاب والعسكريون المؤدلجون ..يبابا زرعوا، هشيما حصدنا ولا نزال.

 

في رحيل الطيب فقدنا أحد مناراتنا السامقة التي كنا نأمل أن تساعد حكمته في دعم النابهين الخيرين لتجنيب بلادنا الويلات ولكنها النكبات ...نسأل الحنان المنان أن يقى بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يهيء لها من يسلك بها دروب الرفعة والمنعة والرشاد.  

 

في معنى أن يبقى المرء أحدوثة حسنة بعده: بعض ما علمنا التاريخ

 

أياس بن معاوية:

"سأل إياس بن معاوية شيخاً: ما أفادك الدهر؟ قال: العلم به.

فقال إياس: فماذا رأيت أحمد؟

قال: أن يبقى المرء أحدوثة حسنة بعده".

 

الإمام علي كرم الله وجهه وعامله عثمان بن حنيف الانصاري:

"ولو شئت لاهتديت الطريق، الى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي الى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز او باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ،أو ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى، واكباد حرى؟! أو اكون كما قال القائل:

وحسبك داء ان تبيت ببطنة *** وحولك اكباد تحن الى القد

 أأقنع من نفسي بأن يقال : امير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها نفسها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى،أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعسف طريق المتاهة.

اتمتلىء السائمة من رعيها فتبرك؟! وتشبع الربيضة من عشبها فتربض؟! ويأكل علي من زاده فيهجع؟!...قرت اذن عينه، اذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعيه!!

طوبى لنفس ادت الى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى اذا غلب الكرى عينها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهرعيونهم خوف معادهم، تجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم (أُولئِكَ حِزْبُ الله، أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفف أقراصك، ليكون من النار خلاصك".

 

(من كلام أبي الحسنين الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ضمن كتاب له بعثه الى عامله على البصرة: عثمان بن حنيف الانصاري بعد ان بلغه انه دعي الى وليمة قوم من أهلها فمضى اليهم)

 

بيرم التونسي والمهاتما غاندي:

 

"الســلام لك والسلامه

من هنا ليــوم القيامــه

ياللى أظهرت الكرامـــه

بعد عهد المرسليـــــــن

 ....

ياللى من لعبك بمغــزل

تطلع البورصات وتنـــزل

فوق دماغ لندن وتعــزل

لا نكشــــير الغزالـــــــين

    ...

فيلسوف مايخيبش قولك

كل فلسفتك فى نولـــــك

والتلاميذ اللى حولـــــــــك

بالمكاكيــــــك شغاليـــــــن"

(بيرم التونسي مادحا المهاتما غاندي)

 

في حديث الشيخ مع أياس بن معاوية وبين ثنايا كتاب أبي الحسنين لعثمان بن حنيف وفي شعر بيرم المادح للزعيم غاندي إشارات بليغة في تبيان كيف بقي بعض بني البشر أحدوثة حسنة بعد رحيلهم..طال الزمان بالناس واستطال قرونا أثر قرون..أندثرت الحضارات والدول... تبدلت كتب التاريخ وصفحات السير ولكن بقيت هناك رموز إنسانية لا يتغشاها الزمان ولا تغطيها ذاكرة النسيان..بقيت هذه الرموز حية في الخاطر والوجدان الإنساني... بقيت على مر الدهور والحقب ..تسترجعها الذاكرة الإنسانية عند الملمات وفي أوان العبر...رجال ونساء من كل الملل والنحل استعصوا على النسيان لأنهم جددوا ذاكرة الدنيا بالفعل الحسن...قاوموا الإندثار لأنهم رمموا وجددوا بناء الجسد والوعي والفكر الإنساني...تداعت وهوت القصور المشيدة والقلاع الحصينة وعجائب الدنيا وبقوا عنوانا للمجد ورمزا للخلود...إذا كانت إهرامات الجيزة وسور الصين العظيم وحدائق بابل المعلقة وبرج بيزا المائل قد بقيت كعجائب للدنيا القديمة فإن بشرا عاشوا من آلاف السنين لا تزال مآثرهم ماثلة في الوعي والوجدان الإنسانيين..رحلوا جسدا وبقوا رموزا شامخة بعدهم...في سعينا لإنارة سبيل الطيب صالح يبقى أحدوثة حسنة بعد رحيله نطوف في سير بعض من ترسمت خطاهم خطى الباحثين عن المجد والعدل.

 

عطيل والباحثون عن المجد والعدل: اوبرا وينفري تستضيف شي جيفارا وأسامة بن لادن:

 

ترى ما الذي يجمع إبنة الحلاق أوبرا وينفري مع شخصيتين أثارتا من الضجة والتأثير ما لم يثره غيرهما من شخصيات التاريخ المعاصر؟...ما الذي يجمع راية للتوحيد والجهاد العابر للحدود رفعها بن لادن مع علم للنضال الأممي يتقدم ثورة للمهمشين تبتغي تحقيق مجتمع اشتراكي يهتدي بالمادية الجدلية والديالكتيك مع رؤية إعلامية متطورة تطرحها اوبرا وينفري؟.

الإختلافات أكثر من ان تحصي بين الثلاثة..اختلافات في الخلفيات والمباديء والأيدولوجيات والادوات والغايات..رغم التباين في كل شيء إلا ان هناك رابط خفي متين..الثلاثة تحركهم دافعية التميز وتؤجج فعلهم يقينية الإخلاص للفكرة ويرفد شرايين مثابرتهم إيمان لا يتزعزع بسمو الغاية التي ينهدون لتحقيقها...يجمعهم السعي الدؤوب في طريق المجد وتتركز غاياتهم في الإسهام الإيجابي في تحقيق العدل الإنساني، كل من منظوره..تظاهر كل هذا الفعل الواعي بمتطلبات غاياته كاريزيمية شخصية ليست محل جدال...في كل مسعاهم وعلى اختلاف ألسنتهم كان تلهمهم أبيات أبي الطيب الخالدة:

إذا كانت النفوس كبارا    تعبت في مرادها الأجسام

و:

كل ما لم يكن، من الصعب في الأنفس    سهل فيها إذا ما هو كانا

 

ولدت أوبرا وينفري لحلاق فقير وأم تعمل في خدمة البيوت..عاشت طفولة يظللها الإدقاع والحرمان...لم تستسلم لواقعها وحفرت بأظافرها على هوامش العمل الإعلامي المحلي وظلت تواصل تعليمها الجامعي من خلال المنح الحكومية حتى  انتقلت إلى بالتيمور لتبدا برامجها الخاصة ثم تتعاقد مع محطة تلفزيون شيكاغو لتقدم برنامجها الصباحي "صباح الخير شيكاغو"... بدأت العمل في برنامجها الشهير "أوبرا وينفري شو" الذي يتم بثه في أكثر من مائة دولة  ويشاهده الملايين اسبوعيا...برنامجها يسلط الضوء على عالم الاغنياء والفقراء في المجتمع الأمريكي والعالمي ويتطرق إلى العديد من مشاكل المجتمع الأمريكي بهدف ايجاد الحلول لها..

البنت التي خرجت من قاع المدينة في حواري مسيسيبي لتحتل عرش الإعلام المؤثر في العالم بلغت ثروتها عام 2003 مليار دولار مما جعلها تحتل المرتبة التاسعة ضمن  20 شخصية من النساء الأكثر نفوذا على صعيد وسائل الاعلام والسلطة الاقتصادية. كما احتلت المركز الثاني حسب تصنيف مجلة فوربس لعام 2005 في قائمة أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم ..في كل برامجها واوجه نشاطها الإعلامي تستهدف أوبرا مد يد العون للفئات المحرومة وتستغل الكوة الإعلامية المتاحة لها في التنبيه على مخاطر التفاوت الاجتماعي وإنعكاساته وتعمل بقدر ما تستطيع على فعل شيء بأتجاه تحقيق العدالة الإنسانية لإنسان العالم المقهور...هذه ملامح من سيرة اوبرا وينفري التي بدأت من القاع فثابرت واجتهدت مرتقية إلى ذراري المجد.

 

ولد إرنيستو تشي جيفارا في الأرجنتين وحين أتم بنجاح دراساته الطبية قويت صلته بأكثر الناس فقرا وحرمانا وبالمرضى مثل المصابين بالجذام، وكان لسفره المتواصل عبر أمريكا اللاتينية، أثره الكبير على تطور وعيه بالتفاوت الاجتماعي وبالظلم كما كشفت له هذه الرحلات عن بؤس الفلاحين الهنود واستغلال العمال في مناجم النحاس بشيلي والتي تملكها شركات أمريكية. وفي عام 1953 زار بوليفيا والبيرو ثم باناما .

رغم انه إمتهن الطب، إلا أنه ظل مولعاَ بالأدب والسياسة والفلسفة، سافر أرنستو تشي غيفارا إلى غواتيمالا التي كانت تشهد غليانا ديمقراطيا في ظل حكومة جاكوب أربنز عام 1954 على أمل الانضمام إلى صفوف الثوار لكن حكومة كاستيلو أرماس العميلة للولايات المتحدة الأميركية قضت على الثورة...انتقل بعد ذلك إلى المكسيك حيث التقى بفيدل كاسترو الذي كان قد لجأ إلى ميكسيكو بعد الهجوم الفاشل على ثكنة مونكادا في سانتياغو دو كوبا. وجنده كاسترو طبيبا في البعثة التي ستحرر كوبا من ديكتاتورية باتيستا. وهناك سمي بتشي وهو تعبيير تعجب يستعمله الأرجنتينيون عمليا في نهاية كل جملة...ساهم في إشعال الثورة ضد نظام حكم "باتيستا" الرجعي حتى سقوطه سنة 1959. وتولى منصب رئيس المصرف الوطني سنة 1959. ووزارة الصناعة (1961 -1965)...في يوم 9 أكتوبر 1967 مات تشي غيفارا إذ اغتاله الجيش البوليفي ومستشارو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية..مات جيفارا فصدح أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام في "حوش قدم" بإحدي حواري القاهرة العتيقة:

 

مات المناضل المثال

ياميت خسارة على الرجال

مات الجدع فوق مدفعه جوه الغابات

جسد نضاله بمصرعه

ومن سكات

لا طبالين يفرقعوا

ولا اعلانات

ما رايكم دام عزكم

ياانتيكات

يا غرقانين فى المأكولات

والملبوسات

يا دافيانين

ومولعين الدفايات

يا محفلطين يا ملمعين

ياجيمسنات

 

ترى ما الذي أجبر تشي جيفارا على ترك بلده الأرجنتين وتخصصه في الطب وثراء أسرته ليجوب العالم مجيشَّأ الجيوش في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومن ثم ليدخل احراش بوليفيا ليقود بنفسه حرب العصابات حتى تصرعه مدافع الحكومة في تلك الاحراش؟...هل كان يبحث عن المجد؟.

ماذا عن ثالث الثلاثة أسامة بن لادن الذي ولد في الرّياض في المملكة العربية السعوديّة لأب ثري وهو محمد بن لادن والذي كان يعمل في المقاولات وأعمال البناء وكان ذا علاقة قوية بعائلة آل سعود الحاكمة في المملكة العربية السعودية ...درس أسامة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وتخرج ببكالوريوس في الاقتصاد ليتولي إدارة أعمال شركة بن لادن وتحمّل بعض من المسؤولية عن أبيه في إدارة الشّركة. وبعد وفاة محمد بن لادن والد أسامة، ترك الأول ثروة تقدّر بـ 900 مليون دولار.

بدأ أسامة بن لادن في دعم المجاهدين الأفغان ضّد الغزو السوفييتي لأفغانستان في سنة1979م. ثم أسس "معسكر الفاروق" " كمركز للخدمات" وقاعدة للتدريب على فنون الحرب والعمليات المسلحة وذلك لدعم وتمويل المجهود الحربي "للمجاهدين الأفغان" (وللمجاهدين العرب والأجانب فيما بعد)...في ذلك المسعى استفاد من الدعم المالي والتقني والفني من حكومات أمريكا وباكستان والسعودية.

في عام 1988 بدأ بن لادن في جهاده العابر للقارات بإنشاء سجلات القاعدة لتسجيل بيانات المتطوعين من كافة الدول الإسلامية ....بانسحاب القوّات السوفييتيّة من أفغانستان بدأ التحول الكبير في فكر وعمل القاعدة بإعادة تعريف مواقع استهدافات القاعدة .. بمهاجمته للأنظمة التي ساندته في حرب افغانستان أضطر بن لادن للجوء للسودان الذي تزامن مع بداية تصدير الثورة الإسلامية إلى كل من جنوب شرق آسيا، والولايات المتحدة، وأفريقيا، وأوروبا...محطته التالية بعد السودان كانت افغانستان الطلبانية التي أعلن منها الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجّهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى ابن لادن والقاعدة...منذ هاجمت القوات الأمريكية افغنستان وسقوط حكومة طالبان لا يزال أسامة بن لادن يعيش متخفيا ما بين افغانستان وباكستان.

كما في حالة جيفارا يبقى التساؤل قائما ومشروعا :ما الذي دفع بأسامة بن لادن ليركل كل الثروة اللا محدودة والعز والرياش وحياة الدعة والقصور في السعودية وغيرها من العواصم ليلتحق بفيالق الدعوة الإسلامية المجاهدة في أفغانستان مجاهدا مع المجاهدين حتى انتصارهم على الحكم المدعوم من الاتحاد السوفيتي؟..ومن ثم الخروج للدعوة للجهاد وتكوين القاعدة حتى سقوط حكومة الطالبان ومن ثم العيش في كهوف تورا بورا ملاحقا من الولايات المتحدة وغيرها؟..هل هو أيمان مطلق بقضية الجهاد أم توق شخصي للمجد؟.

ما بين شي جيفارا وبن لادن من اختلافات أكثر من ان تحصى ولسنا بصدد مقارنات أيدولوجية أو مواقف فكرية لاي منهما ولكن هناك رابط ولا شك ..الإيمان بدعوة وقضية والزود عنها بكل ما لدى المرء وأقصى ما يقدمه وهو روحه وحياته فداءاً لفكرته...ما هي القواسم المشتركة بين الرجلين على تباعدهما أيدولوجيا وفكريا ونفسيا؟ ..هل من سبيل للمقاربة في سعيهما للمجد؟..ما هي أصل الدوافع المحركة لكل منهما؟.

إذا كانت الدوافع هي محرك الفعل الإنساني فدعونا ندلف لصومعة شيخنا ابراهام ماسلو صاحب الهرم الشهير..ترى هل نجد عنده ما يفسر لنا كيف سعت أوبرا وينفري للمجد أو ما يحدد لنا  طبيعة الغايات التي خرج كل من أسامة بن لادن وتشي جيفارات لتلبيتها؟.

 

في معاني تحقيق الذات: إبداع القناديل بين احتياجات هرم ماسلو وتطبيقات غازي القصيبي

 

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)"

(سورة قريش: مكية :السورة 106)

 

"عجبت للرجل لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه"

(الصحابي الجليل المنفي إلى الربذة أبو ذر الغفاري رضي الله عنه)

 

"يا ريما، نحن الفقراء لا نملك الشيء الكثير سوى كنز الكلمات الذي نورًثه لأصدقائنا وأحبتنا. ونتذكرهم به، ويتذكروننا به،أمًا الحكام هؤلاء الذين يملأون الشوارع بنصبهم التذكارية، والتلفزات بوجوههم، سيندثرون...من يتذكر اليوم طغاة الدنيا منذ بدء الخليقة، لكن من ينسى اليوم: شكسبير، فلوبير، الحلاًج، بشار بن برد، سرفانتس، عمر الخيام، من يتذكر قاتل بوشكين؟...هؤلاء هم ذاكرتنا وذاكرة الدنيا التي تعيشنا ونعيشها".

(واسيني الاعرج: رواية ذاكرة الماء: محنة الجنون العاري، ورد للطباعة، دمشق، 2008 ،الصفحة 24)

 

عدَّدت سورة قريش منن المولى على عباده التي جاءت بتراتيب آلهية عرفت احتياجات الخلق ومكامن دوافعهم..إن الجوع والخوف ظلا هاجس الإنسان منذ بدء الخليقة ودون كفايتهما وأشبعاهما يظل الإنسان في لهاثه الأبدي.. ذات المنظور جعل الصحابي الكبير أبو ذر الغفاري يطلق صرخته قبل ألف وخمسمائة عام ..عجب الصحابي الجليل للرجل لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه..تعاليم القرآن الكريم وسنن النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم جعلت سد حاجة الناس وأمنهم من الخوف والجوع من أولويات الولاة قبل أن تكون هناك حقوق إنسان ومنظمات دولية لها.

بعيداً عن التعاليم الدينية وقريباً منها في آن جاءت كلمات واسيني الاعرج وهو يقف على مسببات وعلامات خلود رجال ونساء زَّينوا العالم وجَّملوه بعطائهم وإبداعهم في كافة ما يسهم في أنسه وأنسنته قبل أن يغادروه ليبقوا لوامع ونجوما مضيئة يعاود الناس الرجوع إليها الفينة بعد الأخرى.

الزمان قديم والعطاء الإنساني يسرى مسرى أنهار العالم السرمدية موجة أثر أخرى ومد يعاون مدا فيفيضون على البشرية من عطائهم النبيل وإبداعهم المتواتر ما يجعل الكون أكثر أشراقا وإلفة وألقا...كتب التاريخ وسيره ألمت بأطراف من عطاء رجال من لدن أكتشاف الإنسان الأول للنار وحتى عبقريات بيل غيتس والألياف البصرية..علماء ومكتشفون اراحت عقولهم العالم من مشاق الحياة وأوضار الأمراض  تيسييرا وتمهيدا ..أدباء وشعراء وتشكيليون وكتاب فتحوا آفاق العقل ومسارب الإبتكار أمام قوافل الإنسانية ففجروا طاقات الإبداع ..مبدعون من شاكلة سوفوكليس وشكسبير وموليير عالميا ويوسف بك وهبى حتى الفكي عبد الرحمن أقليميا ومحليا ..شعراء تناسلوا من ما قبل أبيات النابغة وعروة بن الورد وأبي الطيب المتنبيء وأبو القاسم الشابي وحتى أحمد فؤاد نجم وحميد ومحمد طه القدال...روائيون سجلوا حياة الشعوب وإنسان العالم من لدن الكاتب المصري الجالس القرفصاء وجراهام جرين وتوماس مان وألان باتون وحتى الطاهر وطار ونقوقي واثينغو ومحمد شكري وشينوا أشيبي وعبده خال .. فنانون عبروا بعواطف جياشة عن أحلام الإنسانية وأفراحها وأحزانها من تواشيح الأندلس وأغاني الجنوب الامريكي على أيام العبودية وجاز لويس أر مسترونج وحتى غناء الهداي في مضارب بادية كردفان بغرب السودان...أصوات وعقول وإضافات إبداعية بقيت وترسخت في الذاكرة الشعبية العالمية فخلد أصحاب العطاء.

 

يبقى أهل السلطة والجاه والمال في واجهة الحياة محض ومضة في عمر الشعوب ثم يذوون سريعا كالنيازك ...يسقطون من الذاكرة ويتلاشون تماما وتتجدد في الذاكرة عطاء كل من بقى أحدوثة حسنة بعده.يبقى أحدوثة حسنة كل من كان الناس منبع عطائه وملهم إبداعه ..بقى في الذاكرة من كانت البشرية مهوى فؤاده وكعبة ارتحاله...يبقون كما بقى تليستوي وكافكا وهيمنجواي وناظم حكمت..يبقون كما بقيت الأم تريزا وهوشي منه وشي جيفارا و"المعلمو" جولويوس نايريري ..يبقون كما بقي وسيبقى سيدنا وأبونا نيلسون مانديلا...يبقون كما بقي عبد الخالق محجوب ومهدي عامل وأغستينو نيتو وفرحات حشاد وتوم مبويا وكوامي نكروما .. يبقون كما بقي كرومة وأم كلثوم وسيد درويش وفيروز وصالح عبد السيد أبو صلاح ..يبقون وسيبقون كما بقي وسيبقى الطيب صالح..بقى هؤلاء رموزا خالدة لعطاء إنساني إستثنائي كانت محركات دفعه كامنة في ثنايا هرم ماسلو..من ماسلو؟ وما هي قصة هرمه؟

 

هرم ماسلو :توربينات الإبداع الإنساني

خلال تعاملي مع مادة سلوكيات الإدارة ،معلماً ومتعلما، ظللت اتساءل طويلاً عن دلالات نظرية (أو الإنشاء الذهني) لأبراهام ماسلو حول هرم الاحتياجات الإنسانية..ورغم القيمة العالية لرؤية ماسلو للإحتياجات الإنسانية وتراتبيتها وسبل استخدامها كمحفز ودافع للفعل الإنساني إلا أن نقد النظرية أثبت قصورا في بعض جوانبها كما اوضحته دراسات ومراجعات واستدراكات دارسين وممارسين مثل وهبة وبريدجويل اللذان شككا في ترتيب الاحتياجات بل في وجود سلم لها أصلاً..من جانب آخر أشارت دراسات وابحاث الأقتصادي والمفكر الشيلي مانفرد ماكس-نيف أن الاحتياجات الأساسية الإنسانية، بطبيعتها، ليست هرمية وإنها من الناحية الأنطولوجية عالمية وغير متنافرة بطبيعتها كمكون وحالة إنسانية ويدلل على ذلك بأن الفقر يمكن أن يكون ناتجا عن عدم تحقق أو منع تحقق أي من الاحتياجات الإنسانية الأخرى...أما الفيلسوف الهولندي الذي شغل الناس كثيراً بطروحاته حول أثر الثقافة على الإدارة غيرت هوفستيد فقد رفض مبدأ هرمية الإحتياجات (الذي يعتمد تحقيق الذات كقمة لذلك الهرم) باعتبار أن الفكرة أصلاً تعاني من إشكالية كونها شعوبية المبتدأ والمنتهى.

ورغم ما أشرنا إليه من جوانب قصور مفاهيمية ومنهجية ، تبقى القيمة النظرية لعمل ماسلو مركزة في قدرتها على بسط الموازنة للمقاربات الحياتية للفعل الإنساني..فنحن في نهاية الأمر تحركنا في الحياة دوافع محددة ..هذه الدوافع تعمل لتحقيق حاجاتنا الإنسانية بحسب تراتيب معينة في الغالب..وبحسب معرفتنا للاحتياج تكون حركتنا ودافعنا لتلبية استحقاقات ذلك الاحتياج ..وكما يقترح ماسلو فكل منا لدية خمس مجموعات من الاحتياج مرتبة من الأسفل للأعلى بحيث لا يتم الدفع باتجاه تحقيق احتياج إلا بعد تلبية متطلبات الاحتياج الذي يدنوه..أولى الاحتياجات هي الاحتياجات الفيسيولوجية من غذاء وماء وهواء ونوم.. على المستوى الثاني تاتي احتياجات الأمان والأمن. في المستوى الثالث للهرم تأتي احتياجات الحب والانتماء التي تندرج تحتها الحاجة إلى الأصدقاء والمرافقين والأسرة مع مجموعة تحديد الهوية والعلاقة الحميمة.في المستوى الرابع احتياجات احترام الذات  التي تتطلب توفر مجموعة من الاحتياجات الأخرى التي يتولد عنها الاحساس بالثقة والكفاءة...وأخيرا، يتربع تحقيق الذات على قمة الهرم.

هذا هو ماسلو وهذا هو هرمه ولكن ما العلاقة بين كل هذا والإبداع الإنساني؟... هل يبدع المبدعون لأنهم يعتاشون من إبداعهم ويعملون على تحقيق احتياجاتهم الاساسية من عائد ذلك الإبداع؟ أم أنهم يبدعون لأنهم سيبدعون في كل الاحوال والإبداع قرين وجودهم سواء حققوا احتياجاتهم في مستوياتها المختلفة أم بعضها أو حتى لم يحققوا شيئاً منها؟.بمعنى آخر: هل تحقيق أو تلبية بعض الأحتياجات الأساسية شرط ضروري للإبداع؟.

في لقائه مع صحيفة القاهرة المصرية قال الوزير والدبلوماسي والاديب السعودي الكبير غازي القصيبي (شفاه الله وعافاه)  "إن الادباء الموظفين أكثر انتاجا من المتفرغين" وكان بهذا يرد على من يطالب بتفرغ الأدباء حتى يتمكنوا من إنجاز مشاريعهم الثقافية...إن المقولة السائدة على صعيد أهمية أن يتفرغ الأدباء في العالم العربي(على الأقل) ليبدعوا ليست جديدة وتقوم على حيثية حصول المبدع على تأمين ثابت لمعاشه.. على ذات الحافر كان وقع كلمات الطيب صالح الذي يبرر إقلاله في الانتاج بقوله :"أصبحت هناك أسرة والتزامات معيشية‏، وهذه قضية يعاني منها كافة المبدعين العرب من أدباء ورسامين وموسيقيين وشعراء‏..‏ هناك المحظوظون القليلون الذين يستطيعون العيش من كتاباتهم، وأنا لسوء الحظ لست منهم‏..‏ ليس عندي الميكانيكية التي تفرض علي أن أكتب بالقلم‏،‏ لكني أكتب في رأسي باستمرار"..."الكتابة في الرأس" يصعب قياسها مقارنة ب "الكتابة في الكراس"..هذان حسابان مختلفان جداً ..نجيب محفوظ وحنا مينا كرسا كل وقتهما للكتابة وانتجا انتاجا وفيرا والطيب صالح ومحمد شكري اكتفيا ببضعة أعمال...كل هؤلاء مبدعون عالميون ولكن قضيتنا المركزية هنا تتمحور حول منشأ الإبداع وهل يكتفي المبدع أولاُ ويشبع احتياجاته (كما في تصورات ماسلو) قبل أن يبدع أم أن الأبداع يمكن ان يكون قرين المعاناة؟.

في مقابل وجهة نظر الطيب صالح السابقة كتب محمد شكري في مقدمة منجزه الاهم "الخبز الحافي" كلمة دالة عميقة يقول فيها:"صباح الخير أيها الليليون، صباح الخير أيها النهاريون، صباح الخير يا طنجة ... لقد علمتني الحياة أن أنتظر أن أعيَ لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته، قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها.. لا يهم ما ستؤول إليه,الأهم هو أن تُشعل عاطفة أو حزناً أو نزوة غافية، أن تشعل لهيباً في المناطق اليباب الموات، فيا أيها الليليون والنهاريون.. أيها المتشائمون والمتفائلون.. أيها المتمردون.. أيها المراهقون.. أيها العقلاء لا تنسوا.. لا تنسوا أن لعبة الزمن أقوى منا، لعبة مميتة لي، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا بإماتتنا أن نرقص على حبال المخاطرة نشداناً للحياة، أقول: يخرج الحي من الميت، يخرج الحي من النتن والمتحلل، يخرجه من المثخن والمنهار،  يخرجه من بطون الجائعين ومن صلب المتعيّشين على الخبز الحاف".(مقدمة رواية الخبز الحافي: طنجة- 17/5/ 1982).

إن السؤال حول مكمن الإبداع الإنساني ينطوى على تعقيدات جمة وابتداءاً فإن أي أجابة متسرعة قمينة باستصحاب أخطاء العجلة وزلل التسرع..الإبداع حالة إنسانية فريدة يصعب تماما تطبيقها وتعميمها دون توخي المحاذير ..إن إبداع محمد شكري كان نتاج معاناة حقيقية لرجل عاش الفقر الحقيقي والإدقاع بكل صنوفه ومعانيه..رجل تخلص من الأمية وهو في العشرين ..هذه حالة نادرة حقاً ..عبد الله البردوني كف بصره وهو دون العاشرة ومن ثم عاش حتى الثمانين وملأ أفق اليمن السعيد والثقافة العربية بشعر إنساني عظيم.. سيدي أبو العلاء أبدع "سقط الزند" والدرعيات وهو رهين المحبسين بمعرة النعمان .. عمار الشريعي ملأ الأذن العربية بموسيقى غير مسبوقة بل وبموسيقى تصويرية لأعمال درامية لا يراها بل توصف له..عبد الله حامد الأمين لم تقعد به الإعاقة الجسدية عن إدارة أهم منتدى ثقافي عرفه السودان في الستينات والسبعيات ..الإعاقة الحسية والمعنوية والفقر والإملاق كلها عوائق عاشها المبدعون كما غيرهم ..عاش أحمد شوقي حياة مترفة وعاش حافظ إبراهيم حياة عادية ليس فيها من الرياش والدعة ما تأتي لشوقي وانتج كلاهما شعرا إنسانيا راقيا.

في ظلال هذه الخلفية السلوكية التي سعت لكشف ما وراء الإبداع الإنساني ومرتكزات خلود أقوام رفدوا الإنسانية بفيض من عطاء متفرد نقف أخيرا على دليل الطيب صالح في كيف يبقى الفرد أحدوثة حسنة بعده.   

 

الطيب صالح : التسع المنجيات كما في مرآة أدونيس ومراجعة البيسي 

 

على كثرة ما كتب عن الطيب صالح حياً وميتاً وجله كان محباً ورائعاً وإنسانياً إلا أن مراجعات واستدراكات كاتبين ومبدعين مهمين كشفت عن أبعاد أخرى قد تسهم في فهمنا لظاهرة أن يبقى بعض المبدعين احدوثة حسنة بعد رحيلهم... كتابة أدونيس التي جاءت في " مدارات - مكان لهجرة داخل المكان : 15 آذار 2009" ودراسة أو مراجعة الكاتبة المجيدة سناء البيسي للقاءات سابقة لها مع الطيب صالح التي وثقتها في مقالتها" الطيب صالح وداعاً يا زول: الأهرام 14/3/2009" سلطت  ضوءاً ساطعا على خلفيات وسمات أصيلة للطيب صالح في ما نحن بصدد من استنكاه لبقاء المرء أحدوثة حسنة بعد رحيله.

 

أدونيس وسطوة النور:

"في شعرية الكتابة، التقينا. وكان لقاؤنا إذاً حراً كمثل كتابته التي ولدت حرة، خارج المعسكرات - أحزاباً، وأيديولوجيات، وسياسات، تلك التي كانت تولّد الرغبة في الصمم. كانت كتابات الطيب    صالح تتلألأ مع وحدتها الساطعة على مأدبة الجمال والسر.

وفي حين كانت الكتابات المهيمنة خدمة للأسماء، كلا، خدمة لألفاظ كانت تصطف، وتتقافز حولنا، وتحاصرنا، كأنها أسلحة من كل نوع، أو جيش يسهر، ويحرس، ويطارد في كتائب لا تعرف غير التمترس والتخندق والترصد وشن الحملات، كانت كتابات الطيب  صالح تسير هادئة وديعة في الطريق الضيقة نحو تحرير الطاقات الاكثر عمقاً في الحياة والانسان، في الفكر واللغة.

لا حزب وراءه، أو أمامه، أو حوله. لا يتكئ على وسادة النواح الوطني. لا يسمح لنفسه أن يستلقي على سرير تنسجه دعوى باسم التقدم. لذلك لم يكن يكتب لكي يتواصل مع جمهور جاهز يستعرض في الساحات العامة، بل كان يكتب لكي يزداد معرفة لنفسه، ولكي يزداد تواصلاً مع فضائها الانساني. كانت الكتابات المهيمنة تؤسس للسلطة، وكانت كتابته تؤسس للهوية. كان ممن لا يجرفهم الحدث، بل ممن يتأسس بهم التاريخ. لهذا لم تكن له سطوة غير سطوة النور، سطوة أن يستبصر، ويستشف، ويكتشف، ويحبّ".

(أدونيس: مدارات - مكان لهجرة داخل المكان  : 15 آذار 2009 )

 

أدونيس في كلمته الباذخة الوضيئة يؤمي إلى خمسة من مقومات كتابة الطيب صالح الدالة على شخصيته وعلى خصائص أدبه..خمس ركائز يرى أدونيس أنها منحت الطيب مكانة متميزة كإنسان أولاً وكمبدع ثانياً .. كلام أدونيس لخَّص هذه المقومات والركائز في :حرية الكاتب، القدرة النافذة على تحرير الطاقات، الكتابة كمفتاح ورافعة للمعرفة، الكتابة المعرفية كمؤسس للهوية وأخيراً استشرافية الكتابة لما فيها من سطوة للنور والإشراق.

 

أولى العُمد التي كشف عنها حديث أدونيس تمحورت حول الحرية في كتابات الطيب..يقول أدونيس إن كتابات الطيب صالح "ولدت حرة، خارج المعسكرات- أحزاباً، وأيديولوجيات، وسياسات"...وأنها كانت"تتلألأ مع وحدتها الساطعة على مأدبة الجمال والسر" شهادة عظيمة من كاتب عظيم في حق مبدع عظيم... القيمة الحقيقية لمثل هذا الشهادة تتبدى لنا أكثر إذا تذكرنا أن بدايات التعارف بينهما كانت في ستينات القرن الماضي في بيروت التي كانت تعج وقتئذ بالتيارات والإيدولوجيات والأحزاب..في مثل الأجواء السائدة حينها نقدر تماماً قدر وقيمة الكتابة الحرة الفردانية المعبرة عن ذات الكاتب لا الجماعة..في زمن العصبيات والأدلجة ودوائر الاستقطاب والأستقطاب المضاد يبدو مستحيلا أن يعمل المبدع في إطار من الحرية إلا من كانت له جدارة احترام الذات والموضوع..يقول أدونيس في نصه السابق:" كان لقاؤنا إذاً حراً كمثل كتابته التي ولدت حرة، خارج المعسكرات - أحزاباً، وأيديولوجيات"..كتابة الطيب الواثقة العميقة كانت تعير عن ذاته لا عن جماعته ..كانت أنعكاساً لصوته هو وضميره هو وقناعاته هو لذا كان انتقال حروفه العارفة اليانعة من أعين القراء إلى قلوبهم سلسلاً دفاقاً بالمشاعر الإنسانية الصادقة التي لا تخفيها الأدلجة ولا تزينها المداهنة ولا تبرقعها رجاءات التوسل ولا التسول..كتابة الطيب الحرة مهدت دربه ليبقى أحدوثة حسنة بعده.

 

على مستوى آخر ينبيء نص أدونيس عن مكَّون خطير آخر في إبداع الطيب صالح بقوله:"كانت كتابات الطيب  صالح تسير هادئة وديعة في الطريق الضيقة نحو تحرير الطاقات الاكثر عمقاً في الحياة والانسان، في الفكر واللغة"...هذا درب شاق وعر..السير المنفرد في فلوات الإبداع الناهد لتجديد الفكر الإنساني واحياء اللغة تحريراً لهما وإمداداً لهما بزاد القيم المضافة أمر لا يقدر عليه إلا العصبة من أولى البأس الفكري الشديد وكان الطيب مقدما في هذا ...الكتابة الراكزة على السائد والمتداول تمر مرورا عابرا كما يمر صاحبها دون ان يترك أثراً ..الكتابة التي تتخير شق الدروب الجديدة تقنية ولغة وأسلوبا للإرتقاء بطاقات الإبداع الإنساني هي التي تبقي في ذاكرة الدائرة الثقافية إذ هي مصدر دفعها المستقبلي ..على هذا المنحى وفي هذا الاتجاه بقيت في  ذاكرة الإبداع الإنساني أعمال عبد الرحمن منيف وهو يستخدم الرواية ليسجل أثر البترول على التقاليد والثقافة الخليجية..بقي فيها نجيب محفوظ وهو يرصد تحولات ما قبل الحرب الكونية الثانية على المجتمع المصري القاهري كما في الثلاثية الأشهر  ..بقي فيها إبراهيم الكوني وهو ينقب في الذاكرة الصحراوية ..بقيت فيها أعمال شينوا أشيبي ونور الدين فارح وماركيز ..بقي فيها الطيب صالح في ربطه للواقع المحلي بالأطر الفنية للرواية العالمية حيث أرتقى به منهجه وطريقه لدرج الإبداع الأسمى وكان ذلك معبره ليبقى أحدوثة حسنة بعده.

 

في زماننا هذا يكتب الناس الكلمة والكلمتين ثم يمدون أرجلهم احتفاءً واحتفالاً وكأنهم بلغوا سدرة منتهى العلم والإبداع..الطيب فيما يرى ادونيس كان مختلفا .."كان يكتب لكي يزداد معرفة لنفسه، ولكي يزداد تواصلاً مع فضائها الانساني" ونعم الكاتب والكتابة..لعل كتابات الطيب في مرحلة ما بعد الرواية (عمله "منسي إنسان نادر على طريقته" وما تبعته من "مختارات") كشفت عن معدن عالم متعلم يزداد مع الأيام والتجربة علما ومعرفة وإنسانية ..إحاطته بالإبداع والفكر العالمي أورثته موهبة التثاقف الراقي والرؤية الإنسانية العميقة.."التثاقف" كان رافعة الطيب نحو الكتابة التي تقوم عل المعرفة وتستشرفها في آن معاً ...الكتابة كمفتاح للمعرفة كانت وسيلة الطيب لمقاربة الآخر من باب إضافة القيمة المشتركة للتجربة الإبداعية الإنسانية ...تلك الرؤية وهذا التثاقف جعلاه أيقونة المحافل العربية ..يحتفون به في الجنادرية كأنه سعودي من نجد او الحجاز ويرفعون قدره في المغرب كأنه ابن أصيلة أو الدار البيضاء وفي قاهرة المعز وفي بيروت وفي الدوحة يجلونه إذ هو عندهم كأنه أحد أعز ابنائهم وقد كان كذلك ..فضاؤه إنساني أولاً وأخيراً لذا كان قبوله نعمة من الله عليه وعليهم ..كتابة الطيب الراكزة على المعرفة كغيرها من الكتابات المعرفية تجعل المرء أحدوثة حسنة بعد رحيله.

 

من أقوال أدونيس الذكية المدهشة عن الطيب قوله :"كانت الكتابات المهيمنة تؤسس للسلطة، وكانت كتابته تؤسس للهوية"...نعم على هذا الصعيد كان الطيب صالح الحقيقي ..كان طيب الناس ..طيب البسطاء.. التزامه التام في أدبه وفي حياته جانب أهله وحياتهم وتقديره لهم واحتفائه بهم كلها علامات دالة على وعيه بالهوية وسعيه للتأسيس لها..العودة للجذور عنده ليست حركة إنكفائية مناقضة للإنفتاح الإنساني بل داعمة واعية له..عودة مصطفى سعيد ومحيميد للمنبع ليست دعوة "لغسل اليدين" من المدينة أو للإنكفاء بل كانت صيحة واعية للتعايش المعافى بين الأجيال والثقافات..بين التقليدي والحديث من أجل إرساء قواعد مجتمعات أكثر وعيا وأكثر إلماما بتطورات العصر..الكلمات والحكم والأقوال التي جرت على ألسنة أبطاله الذين اختارهم  من غمار الناس كانت معبر الطيب للربط بين التقليد والماضي والحداثة الراشدة ..على لسان الطاهر ود بلال الرواس وسعيد القانوني لخص الطيب رؤية البسطاء لقيم وطبيعة ووتائر التخلف والتقدم في المجتمعات..سخر عبرهم من كل حديث زائف في مؤسساتنا وسلوكياتنا..في ذلك كان الطيب حقا وصدقا يؤسس للهوية ..كانت "موسم الهجرة" و"بندر شاه" رسائل ذات مضامين رائعة في العودة لتأسيس الهوية وفق معطيات العصر.. في سياق متصل يقول الروائي اللبناني جبور الدويهي :"لعل البعض يلومني لو قلت إنني أحبه أكثر من نجيب محفوظ، لكنني معه أشعر بأنني في مكان رحب وعالم متسع. لقد استطاع الطيب صالح أن يقدم إنجازا لم يقدر عليه غيره، فلقد استطاع تحويل المحلي إلى عالمي. ليس سهلا أنه تمكن من أن يجعل هذه القرية السودانية النائية التي كتب عنها، مكانا يجسّد حالة عالمية وإنسانية فياضة"...(الطيب صالح) "رجل أصيل وبلا عقد. أصيل في أسلوبه وسرده، ولا يتعامل بموقف مسبق مع الرواية الغربية. فروايته تتمتع بحرية تشبه تلك التي يتمتع بها هو نفسه في تعاطيه مع ذاته، وكل هذا ينمّ عن ثقة كبيرة في النفس. صحيح أنه مقل، لكن كل ما قرأته له كان يمتعني، فهو أديب يمد يده إلى قارئه"...شهادة الدويهي تقول ان الرجل يتمتع بثقة كبيرة بالنفس ولكنه لا يأبه لكل هذه الضوضاء ولا تلك الشهرة" ... في حديث الجبوري حول أصالة الطيب وفي ما قدمنا من دعوته لإعادة النظر في مسألة الهوية وقواعد تأسيسها أمثلة لما أراد أدونيس ان يبلغنا من قدرات الطيب الخلاَّقة ..في كل هذا يجد المرء دليله في كيف له أن يبقى أحدوثة حسنة بعده.

 

خامسة خصائص الطيب كما في كلمة أدونيس المترعة بالحب هي أكثرها أشراقا وعمقا ..يقول أدونيس:"كان ممن لا يجرفهم الحدث، بل ممن يتأسس بهم التاريخ. لهذا لم تكن له سطوة غير سطوة النور، سطوة أن يستبصر، ويستشف، ويكتشف، ويحبّ"...الأحداث تجرف أصحاب الرؤية القاصرة ...أصحاب البصيرة النافذة يتاملون الاحداث في سياقات اشمل وأكثر ترابطا ..يتأملونها في إطار الصورة الكبيرة كما يقول الفرنجة..هؤلاء هم دارسو التاريخ الإنساني في منظوره الأشمل ..من هؤلاء كان شيخنا الطيب ..سطوة النور في كتاباته أبرزتها مقالته "من أين جاء هؤلاء؟" ..نقده لنظام الحكم القائم في السودان لم يذهب مذهب أهل السياسة الآنية الذين ركزوا على احداث بعينها كمآخذ على سلوكيات النظام السياسي القائم ..الطيب تعامل مع المسألة من باب الرؤية المتكاملة فكان نقده للنظام مبنيا على مجافاة أسسه وطرائقه مع منظومة القيم والأخلاق السودانية الأصيلة ..سطوة النور الكشًاف في حديثه هي التي أوجعت أهل النظام وأهل السياسة المعارضين لهم على السواء ..في مقالته البليغة أوجز برؤية شفافة المقابلة غير متعادلة بين أطروحات تقوم على الحدث ورؤية تقوم على منظومة الأحداث وإطارها القيمي والأخلاقي...في هذا الجانب كانت لكتابات الطيب كما وصفها أدونيس:" سطوة أن يستبصر، ويستشف، ويكتشف، ويحبّ"..عبر هذه السطوة الرؤيوية بقي الطيب أحدوثة حسنة بعد رحيله.

 

البيسي وهامشية المركز!:

 

"أنا شخص علي الهامش وأفضل أن أكون كذلك فهذا الوضع يريحني‏..‏ أعتبر بكل صدق أنني لست جزءا من الحركة الأدبية‏..‏ لست ملتزما بالكتابة إلي حد كبير لاعتقادي الجازم بأن في الكتابة شيئا من عنصر اللعنة‏,‏ فكيف بالله أشجع أحدا علي أن يصاب بهذه اللعنة‏..‏ أنا لست من الذين ينبسطون من عملية الكتابة لأن الحياة تضيع في سبيل حياة وهمية مع الورق‏.‏ وعلاقتي بالأدب أحاول أن أجعلها ــ إذا صح التعبير وإذا لم تثر ثائرة أحد ــ مثل العلاقة بالخليلة وليس الزوجة. ... إذا جاء ناقد ولم يعجبه ما أكتب فلا يهمني كثيرا‏..‏ وتمر الشهور وأحيانا السنون ولا أكتب‏..‏ لا أحب الكتابة حقيقة‏..‏ لاأحب الجلوس إلي ورق أبيض في الليل والناس نيام لأخلق عالما معقدا ومشكلات‏، وأقول بعدها ان ليس لي شأن‏،‏ والذي يقرأ أعمالي بإمعان يجد إحساسي هذا موجودا فيها‏..‏ الفن يأكل الحياة‏..‏ ولم أعرف أني سأكون كاتبا ولكني أصبحت كاتبا‏، ولو كنت أعرف لرتبت حياتي بشكل مختلف‏، لكن التضحيات بعد الارتباط تعلقت بأناس آخرين‏..‏ أصبحت هناك أسرة والتزامات معيشية‏، وهذه قضية يعاني منها كافة المبدعين العرب من أدباء ورسامين وموسيقيين وشعراء‏..‏ هناك المحظوظون القليلون الذين يستطيعون العيش من كتاباتهم‏،‏ وأنا لسوء الحظ لست منهم‏..‏ ليس عندي الميكانيكية التي تفرض علي أن أكتب بالقلم‏، لكني أكتب في رأسي باستمرار". (خطوط التأكيد من عندي)‏.‏

(سناء البيسي: "الطيب صالح وداعاً يا زول: الأهرام 14/3/2009")

 

القيمة الحقيقية للقاء البيسي مع شيخنا الطيب أنه استخرج الدر المكنون في حكم ومقولات الطيب ..تقرأ إجاباته على أسئلتها العميقة  فتقف على مسألة غاية في التعقيد تتصل بعلاقة المبدع بعمله وعالمه والآخر والذات...في إفادات الطيب حول ذاته وادبه وموقع إضافاته في الخارطة الإبداعية العالمية والعربية وفي رؤيته للآخر نقف على أربعة أبعاد هامة تؤسس، بالإضافة إلى ما عدده ادونس من سمات، إلى دليل المبدع ليبقى أحدوثة حسنة بعد رحيله.

 

في هذه الأبعاد الأربعة يقول الطيب عن نفسه :أنه على الهامش ويفضل أن يكون كذلك..يقول أنه ليس جزءاً من الحركة الادبية..يقول أنه لا يحب الكتابة..ويقول إن الفن يأكل الحياة..هذا هو الطيب الصالح الطبيعي الخالى من أي منكهات أو اضافات تفرضها دبلوماسية عرجاء أوتؤكد عليها قيم التعلل السائدة في المنتديات الإبداعية العربية....هذا هو الطيب الصالح في مرآة ذاته ...رجل صوفي يزن نفسه وعمله بميزان دقيق صارم .. ميزان من يرى نفسه قطرة في كون ..تقييمه لذاته لا يندرج ضمن التقاويم والمقاييس السائدة والممتلئة نرجسية والتي تعاني من علل تضخم الذات..موازين الطيب خالية تماما من التطفيف إذ هي بالغة الدقة الإنسانية والفلسفية.

 

"هامشية" الطيب التي يؤكد عليها هنا ليست هامشية أغلب مبدعي السودان ..فالرجل كان له حضوره المميز في سوح ومنتديات الثقافة العربية ..."الهامشية" التي يصف الطيب بها نفسه هنا تتجذر في تركيبة الرجل الصوفية التي أورثته تواضع أهل العلم فوضع نفسه في هامش الحركة الأدبية ولم يكن كذلك على الإطلاق....أنت في هامشها فمن يا سيدي في بؤرة مركزها؟؟... السؤال الذي يتقافز هنا هو هل كان الطيب يتعمد الإنزواء لكون بلاده قصية وبعيدة عن مراكز الإبداع العربي والثقافي في القاهرة وبيروت؟؟..ربما، ولكنه كفرد مبدع كان في المحافل..كان في القاهرة وفي الدوحة والشارقة وبيروت وأصيلة والجنادرية وفي نواكشوط أيضاً ... يقول أنه يفضل أن يكون في الهامش وهذا أيضا غريب بمقاييس الزمان الذي يشتكي فيه المبدعون من شح الومضة الإعلامية..يريد الطيب أن يبقى في الظل ..في الهامش وبعيدا عن الأضواء ..الطيب صالح لا يود أن يكون في الظل فقط ولكنه يجترح معادلا موضوعيا صعبا، وغير مسبوق، للشهرة..ذات الشهرة التي يذل الوصول إليها أعناق الرجال والنساء هي عند الطيب مدعاة لتوبيخ الذات وتقريعها على قصور ما...ذات الشهرة التي يتسابق الناس إليها بالحق والباطل تأتي ذلولة لهذا الطيب فلا يرى فيها إلا عنوانا للتقصير ...تسأله الأستاذة البيسي (في ذات اللقاء): "اختيرت روايتك موسم الهجرة إلي الشمال ضمن أفضل مائة عمل في تاريخ الإنسانية،‏ واحتفي بك في أنحاء العالم شخصا وعملا‏، فعلي سبيل المثال نقل الألمان جميع أعمالك من العربية إلي اللغات العالمية‏، وتحرص مصر علي وجودك الشخصي والأدبي الدائم علي أرضها‏،وكانت بريطانيا الحاضنة الأولي لك مع أنك صاحب الرواية الناقدة للاستعمار الإنجليزي وصدام الحضارات‏،‏ وكنت النجم الدائم في الجنادرية السعودي‏، واهتم بك القطريون منذ أيام فقرهم‏، وحول الليبيون أحد أعمالك لدراما‏، والكويت حولت إحدي رواياتك لفيلم سينمائي؟‏..‏ دوائر الحفاوة تلك منحتك الشهرة الواسعة‏....‏ أنت والشهرة؟‏!!"...هذا حديث يملأ كل إنسان فخرا وزهوا ..حديث مملوء بنشوة الإنجاز عند كل الناس..كاذب مداهن من قال أنه يمكن ان يسمع كل هذا الإطراء ثم لا يمسسه شيء من زهو يكبر أو يصغر ...لقامات أدنى كثيرا من قامة الطيب كانت كلمات كثيرة ستقال في هكذا مقام أما تمريرا ذكياً للإشادة أو دفعاً لها بإتجاه رفض معلل يتواضع غير حقيقي..هنا أزمة الطيب الحقيقية...رده كان مشابها لموقفه من الشهرة مذ اتت إليه وهو فار منها...يقول الطيب:"‏-‏ أقول صادقا ليس لدي أي إحساس بأهمية ما كتبت‏، ولا أشعر بأنني هذا المهم‏، وهذا ليس تواضعا لكنها الحقيقة،‏ إذا اعتقد الناس أن ما كتبته مهما فهذا شأنهم لكنني قطرة في بحر،‏ فقصيدة واحدة للمتنبي تساوي كل ما كتبته وأكثر‏..‏ لدي شعور قد لا يستوعبه كثيرون أن الشهرة توبخني لذا لا أحس بأية متعة لها‏.‏ أحس بهذا التأنيب الداخلي إذ أنني أدرك أن الشهرة جاءتني بسبب خروجي عن بيئتي ومحاولة إقامة جسور معها من خلال الكتابة فقط‏، إلا ان هذا لا يعني جلد الذات‏، والأمر لا يصل إلي حد القسوة‏، لكنه إحساس قوي بالتقريع‏..‏ وكل إنسان يجد مبررات لأخطائه ولذلك عندما نقرأ السير الذاتية نجد أصحابها يبررون دائما أفعالهم بمبررات واهية ليست مقنعة علي الإطلاق‏،‏ ونادرا ما نجد من يقدم نفسه بشكل حقيقي"‏...هذا إنسان نادر حقا يوبخ نفسه ويقرعها في لحظة مجده الكبرى ..كيف يبقى المرء أحدوثة حسنة بعده؟ دونك دليل الطيب الذكي لكل ذلك.

‏في قول الطيب صالح أنه "ليس جزءاً من الحركة الادبية" شيء غامض ما ..ظني أن الرجل هنا يؤكد على ما لاحظه ادونيس من التزامه بحرية الكتابة..الحركة الأدبية العربية توزعت بين المدارس والعواصم والزعامات...والطيب كان أذكي من ربطه بمدرسة أبداعية أو محور ثقافي أو رابطة أدبية يظللها أو يرعاه نظام أو أيدولوجية أو جماعات منتمية او تيارات عقائدية .. الحركات الادبية  العربية (بل حتى العالمية) ليست مبرأة من الشبهات ..هذه الحركات تقوم على تمويل ورعاية توفرها مؤسسات لا تبتغي وجه الله ولا رعاية الأدب ..منذ ان ابتليت الامة العربية بأنظمة صمدية شمولية دخلت كل مؤسسات المجتمع المدنى في عباءة السلطة ونالت حظها من الجزرة ومن فارق الجماعة شذ ، ومن شذ كانت العصا حاضرة..هكذا كان الحال وسيظل فالحركة الادبية العربية ظلت منذ الستينات سجينة الانظمة السياسية الحاكمة منها او المعارضة وقد نأى الرجل بنفسه عن المحاور الإقليمية وحتى الوطنية..وإذا كانت فترة الستينات قد شهدت الأستقطاب الإقليمي الأشد فإن فترة التسعينات قد شهدت استقطابا وطنيا كبيرا على الساحة السياسية السودانية..وفي الفترتين وما بينهما ظل الرجل حرا في كلمته وموقفه ...بعده عن المحاور جعله يقف عملاقا فوق الجميع .. القضية هنا ليست لها علاقة بالالتزام أو بالموقف من ثنائية "الفن للفن او الفن للحياة" وفق المنظور الوجودي أو الماركسي ..القضية في جانبها الأخلاقي تعني الموقف من قضايا الحياة وهنا كان للطيب مواقف ..حسنها حسن وغير ذلك غير ذلك ولكن كان له موقف من قضايا الحريات والديموقراطية والحكم الراشد ..في كل ذلك لم يلتزم جماعة إلا بمقتضيات الموافقة في موقف ما ...صفوة القول إن فردانيته وابتعاده عن المحاور وإقراره بأنه "ليس جزءاً من الحركة الأدبية" (على طريقته) كانت سبيله ليبقى أحدوثة حسنة بعد رحيله.

 

في بوحه للبيسي صرح الطيب بأنه لا يحب الكتابة.. حقيقة الأمر ان له رأي يستحق التأمل في المسألة..يقول في ذات المقابلة:"ليس علي أن أثبت وجودي باستمرار‏،‏ وعندما أقرأ عملا جيدا لأي كاتب أقول لنفسي إنه قد وجد أشخاص يكتبون أشياء جميلة فلماذا أتعب نفسي أنا بالكتابة‏..‏ ليس عندي حمي الرغبة لإثبات ذاتي الأدبية في الوجود‏,‏ وهذا نابع من طبيعتي كسوداني‏,‏ وفي داخل السودانيين عامة زهد لعله عندي بسبب وراثي‏,‏ حيث أهلي زهاد وعلماء دين‏..‏ وعموما فالعمل الأدبي ليس سلعة‏..‏ ليس مثل مصنع الشيكولاتة أو القماش أو الصابون‏..‏ لست مطالبا بأن أقدم كل ساعة كمية من المنتجات التي يطلبها الآخرون‏..‏ الإنتاج الأدبي مرهون بأوقات خاصة‏، ثم إنني لست موظفا كأديب عند أي أحد‏، ولقد احتفي بي وكنت محظوظا إلي حد كبير من النقاد عربا وأجانب‏، وفي مصر قدمني رجاء النقاش ولم يكن يعرفني وقتها وبشر بي وأصبحنا صديقين‏..‏ وأنا أقرأ النقد للمتعة الذهنية لا لأتعلم منه وقد يغضب هذا البعض مني‏"...هذا حديث خطير..الرجل الزاهد يقول بلا مواربة ‏:" إنه قد وجد أشخاص يكتبون أشياء جميلة فلماذا أتعب نفسي أنا بالكتابة؟"..ويقول بكل صراحة ممكنة:" وأنا أقرأ النقد للمتعة الذهنية لا لأتعلم منه!!"..هذه المقولات لو أخذناها بعيدا عن مصدرها (الطيب صالح) ربما تسلل إلينا إحساس بأن القائل فيه من الغرور ومن عدم تقدير الآخر ما يكفي لأن يصنف في باب " لايعول عليه" !..حقيقة الأمر إن الطيب ظل يؤكد على أن الكتابة هواية لدية يمارسها متى تأتت له شروطها التي لم يتردد في تفصيلها لمن يهمه الأمر ..هذا رجل يكسب عيشه وعيش عياله من وظائف مهنية احترافية الأدب ليس عمدتها ولا مركاز مصادرها ..إن جلبت له الهواية كل هذا المجد فإنها يشكر ما اتاحته من سوانح ولكنها تظل هواية ..فإذا أضفنا طبيعة الرجل ترجمنا حديثه للبيشي على أنه حديث رجل الزهد بعض منه بل يتسربل زهدا في الكتابة وما يتصل بها من نقد وأضواء وشهرة..وكما ذكرنا ،لأقوام لا يعرفون الرجل ربما كان هذا من باب الغرور المتدثر بزهد غير حقيقي ولمن يعرفونه بل هذا هو الطيب صالح وهذا بعض من سيرته وسماته التي جعلته أحدوثة حسنة بعد رحيله.

مما يشير بوضوح إلى واقعية الطيب صالح قوله للبيسي:" إن الفن يأكل الحياة"..مثل هذا القول يقترن عندي بما لاحظته الكاتبه المقتدرة عنه حيث تقول له:"في ثرثرتك معنا تعكس لنا رغبتك الحقيقية بعدم الالتزام بالأدب يا من تكمن روعته في الكيف وليس الكم‏، ومن كان في أدبه ينظر إلي الناس كما نظر أبوالعلاء منذ أكثر من ألف سنة‏:‏

نالوا قليلا من اللذات وارتحلوا برغمهم

فاذا النعماء باساء ".

يقول لها الطيب : تمر الشهور وأحيانا السنون ولا أكتب‏..‏ لا أحب الكتابة حقيقة‏..‏ لاأحب الجلوس إلي ورق أبيض في الليل والناس نيام لأخلق عالما معقدا ومشكلات،‏ وأقول بعدها ان ليس لي شأن، والذي يقرأ أعمالي بإمعان يجد إحساسي هذا موجودا فيها‏..‏ الفن يأكل الحياة‏..‏ ولم أعرف أني سأكون كاتبا ولكني أصبحت كاتبا‏، ولو كنت أعرف لرتبت حياتي بشكل مختلف،‏ لكن التضحيات بعد الارتباط تعلقت بأناس آخرين‏..‏ أصبحت هناك أسرة والتزامات معيشية‏، وهذه قضية يعاني منها كافة المبدعين العرب من أدباء ورسامين وموسيقيين وشعراء‏..‏ هناك المحظوظون القليلون الذين يستطيعون العيش من كتاباتهم‏، وأنا لسوء الحظ لست منهم‏..‏ ليس عندي الميكانيكية التي تفرض علي أن أكتب بالقلم‏,‏ لكني أكتب في رأسي باستمرار"...من آيات فضل الله ومننه على الطيب أنه ظل هاويا للكتابة طوال حياته..من أحترف الكتابة في الوطن العربي، وبإستثناءات لا تذكر، كان مآله إلى إحدي السيئتين: إما ترسا في ماكينة إعلامية لنظام سلطوي جائر أو منعزل لا يجد لقمة عيشه يعيش محروما منسيا.. نعم الفن يأكل الحياة لمن أراد ان يعيش على إبداعه في العالم الثالث. إدراكه بتبعات الاعتماد على الإبداع سبيلا لكسب العيش كان منجاة الطيب من الزلل ومن التورط ومن النسيان والتناسي. حكمته كانت حجابه ورقيته من المصير الذي لا قاه معظم مبدعي جيله ومن سبقوهم ومن لحقوهم..حكمته أبقته أحدوثة حسنة بعد رحيله.

من بين ركائز أصيلة في كتابة وشخصية الطيب عددَها أدونيس ولخصها في الحرية والقدرة على تحرير الطاقات والكتابة المعرفية وتأسيس الهوية والرؤيوية وما بين رؤى مغايرة حول الذات والآخر لخصتها البيسي في موقف الطيب من الحركة الأدبية (مركزا وهامشا) ومن الكتابة وما تستبعها للشهرة.. نقول ما بين هذه وتلك نمسك ببعض أدلة ومقومات ان يبقى المرء أحدوثة حسنة بعد رحيله..راجع ما أورده الكتابان لتقف على منجيات الطيب التسع اللائي كن تميمته من عاديات الإبداع وسوالب الشهرة وعواقب الغرور فعاش سعيداً محبوباً ورحيل سعيداً محبوباً.