عن صحيفة إيلاف 21 يونيو 2017

على مدار العقود الثلاثة ونيّف الماضية سيطر على الساحة السياسة السودانية وتنازعها مشروعان أيديولوجيان بإمتياز، مشروع الحركة الإسلامية السودانية ومشروع الحركة الشعبية لتحرير السودان، صحيح أن للحركتين امتدادات سابقة، إلا أن التجلي الأخير لكليهما تحت، زعامة الدكتور حسن الترابي والدكتور جون قرنق، كان هو النموذج الأكثر وضوحاً وحضوراً وقدرة ليس في مجرد التأثير على مجرى الأحداث في السودان، بل السيطرة شبه الكاملة عليها، وقيادتها وتوجيهها نحو هدف مشترك هو تغيير بنية وواقع "السودان القديم"، لصالح واقع جديد عنوانه عند الحركة الإسلامية "المشروع الحضاري"، وسمته الحركة الشعبية مشروع "السودان الجديد"، وبالطبع فإن لكل منهما وجهة مختلفة تماماً عن الأخرى، بل هما في الحقيقة على طرفي نقيض.
كان الدكتور جون قرنق في تسعينيات القرن الماضي يردد " أنا والدكتور الترابي نعمل على تحقيق هدف واحد هو هدم السودان القديم"، بالطبع يقصد السودان الذي تشكل مع بداية تأسيس الحركة الوطنية إبان حقبة الاستعمار البريطاني، وورثته المعادلة السياسية التي ظلت متداولة بين نخب حزبية تقليدية، وتلك العسكرية التي حجزت لنفسها مكانة عززتها بفعل رخاوة البنية السياسية المدنية.
ما جمع مشروعا الحركة الإسلامية والحركة الشعبية الطابع الأيديولوجي الذي ميزهما منذ البداية عن القوى السياسية الأخرى، من حيث أن تصوراتهما تتجاوز مجرد طرح برامج سياسية واقتصادية منافسة لما هو سائد في الساحة إلى طرح مشروع تغيير اجتماعي جذري الهادف إلى إعادة صياغة المجتمع أو هندسته على صورة المخيال الذي رسمته كلا الحركتين لمشروعها السياسي، إلى هنا ليس هنا غضاضة في طرح كلا الحركتين لما تراه وتؤمن به، بيد أن المأزق يظهر مع أدلجة المشروعين.
والمعني بالأدلجة هنا ذلك الإيمان الراسخ لديهما بمثالية المشروع اليوتوبي وإمكانية تطبيقه ليس في إطار تنافس ديمقراطي حر بإرادة شعبية حرة، بل بجدوى فرضه على المجتمع والدولة، ومن هنا تأتي الخصيصة الأخرى التي تشكل قاعدة للتشابه بين المشروعين المتناقضين في الهدف النهائي، ولكن المتشابهين في استخدام الوسائل ذاتها للوصول إليه، فقد شرّعا لنفسيهما تحت دعاوى ومبررات شتى أستخدام القوة المسلحة لتحقيق غاياتهما، فكان ان دبّرت الحركة الإسلامية انقلاب 1989، بينما سلكت الحركة الشعبية طريق حرب العصابات، والنتيجة واحدة أن القوة المسلحة، وليس العمل الجماهيري الدؤوب، تعجلاً لاختصار طريق الوصول إلى السلطة. وهو ما أفضى إلى ما يمكن وصفه ب"عسكرة" السياسة السودانية المستندة على سلطة القوة، وليست قوة السلطة ذات المشروعية.
وهذا أيضاً باب آخر للتشابه بين الحركتين، طلب السلطة بأي ثمن، باعتبارها الوسيلة الأكثر نجاعة والأسرع سبيلاً لإنجاز مشروع التغيير الاجتماعي وإعادة صياغة وتركيب الدولة السودانية على هدى تصوراتهما. وهو أمر لا غبار عليه من حيث المبدأ إن تم بوسيلة ديمقراطية سلمية مشروعة، وعن وعي وإدراك لطبيعة المجتمع ومحددات تركيبته ومدى حاجته للتغيير العميق بوتيرة تحفظ كيانه وتطوره لا أن تقضي عليه، بيد أن ما جرى على أرض الواقع أن المشروعين عمدا على الإغارة على المجتمع بتصورات فطيرة غير مدروسة ولا ناضجة، وصفها الأكاديمي الأمريكي جيمس سكوت أستاذ الاجتماع بجامعة ييل في كتابه عن المشروعات الأيدولوجية التي حاولت تحسين حياة مجتمعاتها بحماسة فانتهت إلى نتائج عكسية لأنها تجاهلت حكمة هذه المجتمعات التقليدية وقدرتها على التطور الذاتي، واستعاضت عن ذلك بتوظيف السلطة القاهرة لفرض تحولات تستهدف إعادة صياغة المجتمع بلا معين من حكمة ولا معرفة عميقة بديناميات واقعها.
ومع اختلاف في بعض الحظوظ، وتباين في بعض التفاصيل، إلا أن مسيرة وعاقبة الحركتين تكادان تتطابقان في دورة سيرتهما ومصيرهما صعوداً وعلواً ثم هبوطاً، بداية متواضعة لطليعة ترفع شعارات كبيرة تقتحم واقع سياسي محتكر لقوى أكثر رسوخاً اجتماعياً، تحظى بقيادة ذات شخصية كارزمية ذات تطلع إلى آفاق بعيدة تتجاوز معطيات الواقع بكل تعقيداته، تأسيس تنظيم بقدرات إدارية عالية تمنحها حضوراً وتأثيراً يفوق حجمها الحقيقي، انخراط فاعل في الساحة السياسية يدفع بأجندة تغيير تتحدى الراهن، الانخراط في تشكيلات عسكرية تعزز بها قوة نفوذها، ثم الوصول إلى السلطة، وحينها فقط تتغير قواعد اللعبة فبدلاً من أن تسهم السلطة في تحقيق شعاراتها المرفوعة لتغيير المجتمع، وتسعى في ذلك بغير جدوى سوى إحداث المزيد من الاضطراب، ثم يحدث العكس تماماً حين تعمل السلطة آلياتها وتحدثها فعلها في تغيير دعاة التغيير أنفسهم فيتحولون إلى ضحايا لمشروعاتهم، ولكن ليس قبل أن تسفر مغامراتهم عن عرقلة تطور المجتمع بصورة طبيعية بسبب قطع الطريق على حكمته التقليدية. فتتحول الحركة بعد صعود وعلو في الأرض إلى أثر بعد عين بفعل التشرذم والانقسامات والصراعات التي تجتاحها بقوة أثر غواية السلطة وسلطانها.
لم يأت الانقسام الأخير الذي أصاب الحركة الشعبية/ شمال في مقتل بجديد، سوى أنه أعاد تأكيد المؤكد فيما ذهينا إليه آنفاً، إذ لم تكن بدعاً عما أصاب الحركة الأم، كما أنه لا يختلف كثيراً عما سارت به رفيقتهما في أدلجة السياسة السودانية، والمعني هنا بالطبع الحركة الإسلامية، غير ان الحركة الشعبية شمال كانت تحاول المستحيل لإثبات العكس وهي تحاول أن تبدو كطائر الفيبنيق وهو ينهض من الرماد، لم تكن قيادة عرمان تطمع في بقائها في حدود ما كانت تعرف به كقطاع للشمال فحسب، بل تطلع لإعادة إنتاج حركة كاملة الدسم تعيد إنتاج شعار السودان الجديد لتفرضه في الشمال، ليس فقط خارج سياق تجربة الحركة الأم بل بتجاهل تام لسيرورتها بعد نضال طويل تحت راية إعادة تركيب السودان الجديد على أنقاض السودان القديم.
لم يكن هناك الكثير من المعطيات ليسعف الحركة الشعبية في تطلعاتها هذه، ليس فقط لغياب القيادة الكارزمية لقرنق، بل تراجع مشروع الحركة نفسه حتى في ظل قيادته من حركة ساعية لتحرير السودان كله من إرثه القديم، إلى حركة انقلبت تحت ضغط لعبة السياسة وصراعاتها إلى الهبوط غير الناعم إلى مطلب تقرير المصير المتواضع هروباً من استحقاقات الشعار الكبير للسودان الجديد، متخلياً عن تحالفات وامتدادات مع القوى السياسية في الشمال التي ظنت أن التحالف مع الحركة الشعبية سيجعل مهمة التغيير ممكنة، فإذا بها تتركها في قارعة الطريق ماضية بانتهازية سياسية بائنة إلى تحقيق أجندتها الصغيرة للقبول بتقسيم السودان والتنكر لحلم التغيير، وكان الرهان أن إقامة دولة منفصلة قد يسمح بتطبيق بعض أحلام السودان الجديد، بمظنة أن النجاح سيتدفق تلقائياً إلى البلد الأم على أكف فرعها في الشمال.
لا يحتاج ما حدث لدولة مشروع السودان الجديد الذي خلصت له الدولة الوليدة إلى سرد، فهو مبذول واقعاً معاشاً من البؤس والشقاء واستدامة الحرب، لم تكن هناك من حجة تحتج بها الحركة الشعبية وقد آلت إليها مقاليد الأمور في جنوب السودان من أن تري الناس ثمار مشروعها الفكري والسياسي وقد تحقق ولو على بعض جزء من الوطن الكبير، تبددت كل تلك الأحلام اليوتوبية والشعارات الكبيرة على أعتاب غواية السلطة، لتنفرد الطبقة الحاكمة بالسلطة، وليتفرق دم الحركة الحاكمة بين القبائل، ولترتد الاتهامات التي كانت تساق عن الهيمنة ومواطنية الدرجة الثانية أوان الصراع مع الشمال، إلى ممارسة على أبشع تحت ظلال الدولة الجديدة وعلى أيدي بنيها، فلم يعد هناك آخر يتهم بذلك.
من الصعب ان تجد الحركة الشعبية شمال من تلقي عليه اللوم فيما حاق بها من تشرذم، اللهم إلا إذا أرادت أن تنسب فضلاً لمخصومها في الخرطوم لم يسعوا إليه أصلاً، فالانقسام كما هو الشان دائماً في جسد التنظيمات ياتي من علل في داخلها، وليس بسبب عوامل خارجية إلا ما يفرضه المنطق من استفادتها منه، والشاهد أن التقسيم لم يأتي غريباً عما سبقه في ظاخل الحركة نفسها لأول التسعينات حين سئمت طائفة منها من دعاوى قرنق الوحدودية فعمجوا إلى طرح تقرير المصير الذي عُد خيانة قبل ان يدعوا له هو أيضاً، وها هي الحركة في الشمال تسلك بلا عجب السبيل نفسه، العوج إلى طرح تقرير المصير مجدداً لتقسيم المقسم، ولكن هذه المرة على تماس انقسام إثني تميز فيها أبناء النوبة عن رفاقهم في الحركة.
والواقع أن ما انتهى إليه مصير إيدولوجية السودان الجديد، سلطة حاكمة ليس لها من المشروع ولا شعاراته شئ، وحركة متشرذمة منقسمة على نفسها لم يبق لها من إرثها ما يعتد به، هو المصير ذاته الذي آل إليه مشروع الحركة الإسلامية، سلطة حاكمة نأت بنفسها عن شعاراته، خلصت إلى أيدي طبقة تربطها المصالح وليس الأيدولوجيا، وحركة تفتت لم يبق من تنظيمها ما يُعتد به، والجامع بين المشروعين سقوط الأيدولوجيا التي رفعتها الحركتان. وبقي من أثرها سلطة ليس لهما من أمرها شيئاً.
ولعل نهاية أيدولوجية الحركية السياسية التي رفع رايتها الحركتان الإسلامية والشعبية على مدار الثلاثين عاماً الماضية يعني أن حقبة كاملة من تاريخ السودان الحديث انطوت، ولعلهما آخر مظاهر النظام السياسي السوداني القديم في تجليه اليوتوبي، ولئن سبقهما في الأفول النظام التقليدي فقد أصبحت الساحة السياسية السودانية مهيئة لبروز نظام سياسي جديد تحييه قوى جديدة ناهضة تتجاوز هذا الإرث الأيديولوجي، وذلك التقليدي، لقد حانت فرصة بناء سودان ما بعد الأيدولوجية، سودان ما بعد النظام السياسي القديم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.