عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
زار صديقي الصحافي الصومالي الأستاذ علي حلني، مراسل البي بي سي الشهير في مقديشو, الخرطوم نهاية الشهر الماضي لتتجدد لقاءاتنا بعد آخر مرة رأيته فيها قبل ثلاث سنوات حين جمعتنا مهمة صحافية أشبه بالمغامرة في عشق آباد العاصمة التركمانستانية. وحلني شخصية لطيفة لا يملّ جليسه من حديثه العذب وحكمته البليغة وذكائه المعرفي والاجتماعي.
والصومال بلد ظاهر العجائب أورث البشرية حكمة لافتة بعد حرب أهلية مستعرة دامت ربع قرن، أن الدولة أو بالأحرى الحكومة أي الجهاز التنفيذي لإدارتها ليس دائماً صالحاً أو ضرورياً لوجودها، أو كما قال لي حلني في جلسة عامرة بالنقاش حين سألته عن الأحوال هذه الأيام في الصومال، فإجابني نعيش ونتدبر أمورنا على أحسن حال، مضيفاً لقد أثبتت لنا التجربة أن الحكومة كانت بالنسبة لنا كائناً زائداً عن الحاجة يمثل عبئاً، وحالة طارئة لا نحتاجها.
وعندما أبديت استغرابي قال لي أن الحياة باتت عندنا أكثر إزدهاراً فلدينا، على الرغم من بعض الانفلاتات الأمنية، عشرات الجامعات في مقديشو، والعديد من شركات الاتصالات التي تقدم خدمات متميزة بسبب حرية التنافس، ومؤسسات تحاويل مالية فعّالة تتواصل مع جميع أنحاء العالم، وتزدحم سماء الصومال بمحطات التلفزة الفضائية، والإذاعات وسط أجواء حرية إعلامية، كما أن المواطنين تكيفوا على إدارة أمور شؤونهم الحياتية لا ينتظرون حكومة عاجزة عن حماية نفسها أن تقدم لهم شيئاً.
حسناً على الرغم مما يبدو في حديث حلني من مبالغة في تبسيط تبعات غياب حكومة مركزية ذات شأن تسقط نظرية الدولة في تجربة عملية في القرن الواحدة والعشرين، فهناك تقارير دولية معتبرة تعضّد ما ذهب إليه صديقنا حلني.
فقد أصدر صندوق النقد الدولي في أغسطس الماضي تقريراً عن الاقتصاد الصومالي للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، المفاجأة كانت في المؤشرات الإيجابية التي حملها التقرير فقد سجلت السنة الأخيرة نسبة نمو تفوق الأربعة بالمائة، أما الأكثر إثارة فهو أن نسبة التضخم لم تزد عن 1%، نعم واحد بالمائة فقط. وللتذكير بالمقارنة فقط فإن حجم التضخم في السودان بلغ قبل عامين 46 بالمائة، وظل يحلق بعدها فوق معدل العشرين بالمائة.
سألت صديقي حلني عن سعر الشلن، العملة الصومالية، مقابل الدولار الأمريكي الآن وعند بداية الحرب الأهلية، قال لي الآن سعر الدولار اليوم يعادل اثنين وعشرين ألف شلن، أما عند بداية النزاع فدعني أسأل لأعطيك إجابة دقيقة، كانت المفاجأة أن سعر الدولار حينها كان يعادل نحو ألفا شلن، بمعني أن العملة الصومالية فقدت خلال ربع قرن من غياب الحكومة المركزية أحد عشر ضعف فقط من قيمتها، وللمقارنة فقط فإن الجنيه السوداني فقد خلال الفترة نفسها أي ربع القرن الماضي ألف ضعف من قيمته بمعنى أن قيمة الجنيه السوداني اليوم تساوي مليماً واحداً فقط من قيمة الجنيه السوداني قبل خمس وعشرين عاماً.
وتبقى العبرة، وهي أن الحكومة وأجهزتها التنفيذية وكلفة وجودها في غياب حكم رشيد وإدارة كفؤة وترشيد للموارد لا تعدو أن تكون عبئاً على المجتمع، تتغوّل عليه وعلى موارده لتتمكن منه لا لتمكنه، ومن هنا تنشأ أزمة اللا- تنمية المستدامة.