عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دعونا نقبل الفرضية التي ذهب إليها السيد وزير المالية في إلقائه باللائمة على الشعب السوداني في تدهور الاقتصاد الوطني"لأنه غير منتج ومستهلك"،وهي تهمة غليظة منكرة، والسؤال بعد نحو ثلاثة عقود من السيطرة الكاملة على السلطة أين هو مردود الشعار الذي رفعته الحركة الإسلامية ل"إنقاذ البلاد" وجعلته مسوغاً لمشروعية انقلابها العسكري بإعادة "صياغة الإنسان السوداني" لتحقيق "المشروع الحضاري" الهادف إلى إنتاج نهضة شاملة؟ كيف انتهى إلى هذا الفشل الذريع، وكيف خلص بعد طل هذه العقود إلى هذه النتيجة المؤسفة؟ وهل من جهة أخرى تتحمل المسؤولية عن عجز السلطة الحاكمة في إحداث الاختراق النهضوي والتحول الاجتماعي الذي وعدت به؟.

في مقابلة صحافية أجريتها مع الزعيم الماليزي الدكتور محاضر محمد قبل ثلاث سنوات بعد تقاعده طوعاً من منصب رئيس الوزراء، سألته عما يعتبره أهم إنجاز حققه خلال عهده في الحكم، رد بلا تردد "هو بلا شك نجاحي منتوجيه مجمل فكر وعمل الدولة نحو هدف واحد هو إحداث التغيير المجتمعي القادر على تحقيق استراتجينا للنهوض" بالطبع وفق منهج معلوم، بدأ سر نجاح د. محاضر منذ أن عالج نظريته للتغيير في كتابة "مأزق الملايويين"، وتمحور حول قضية أساسية هي كيفية تغيير المجتمع وتحريكه وتحويله من خمول الذكر والعمل ليرتاد أفاق تحديات النهضة وتحقيق أجندة التنمية.

مأزق "المشروع الإنقاذي" ليس الانقلاب العسكري في حد ذاته، مع أنه أمّ الكبائر المنتجة لما لحق من جرائر، فقد سبقه آخرون للفعلة ذاتها، كما لم يكن"التمكين" في ذاته هو المشكلة، فمن المتوقع لأي مشروع سياسي يرفع شعارات تغيير كبرى أن يمكّن لنفسه بما يجعله قادراً على تحقيق شعاراته المرفوعة، ولذلك صنعت "الإنقاذ" لنفسها طبقة اجتماعية جديدة ذات خصوصية كما تقتضي سنن الاجتماع البشري، وجرى تمكينها بالكامل من كل مقدرات الدولة والمجتمع، ولكن السؤال لماذا لم تنجح هذه الطبقة الحاكمة في بلورة مشروع وطني يحقق شروط النهضة أو على الأقل يحقق اختراق مهم ينتقل بالسودان خطوات إلى الأمام؟.

حديث الطبقة الحاكمة دفاعاً عن نفسها تحقيق نجاحات غير مسبوقة محض إدعاءات لا تسعفها أدلة، ولا أدل على ذلك من أن تقود قلة الحيلة والعجز التام عن تحمّل المسؤولية إلى اتهام الشعب بالتسبب في وصول الاقتصاد السوداني إلى حافة الانهيار، إذاُ أين هذه الإنجازات؟. فهل الشعب هو صاحب السياسات التي بددت عشرات المليارات من الدولار في حقبة النفط، وهل يتحمل مسؤولية انهيار أو تدهور مشروعات وطنية كانت ذات شأن، ومثالاً لا حصراً إنهار مشروع الجزيرة وفشلت كل برامج النهضة الزراعية، وهل هي مصادفة انهيار الخطوط الجوية السودانية، السكك الحديدية، الخطوط البحرية، النقل النهري، الصناعات، وهلم جرا، ثم حدث ولا حرج.

توجيه أصابع الاتهام بالعجز عن الإنتاج والغرق في بحر الاستهلاك لا ينبغي توجيهه للشعب السوداني، بل لهذه الطبقة الحاكمة المحظوظة التي احتكرت لها كل مقدرات الدولة والمجتمع وبدلاً من أن توظّفها من أجل الصالح العام وتحقيق الشعارات التي رفعتها، انكفأت على نفسها واستغلتها لتعزيز مصالحها الذاتية الضيّقة، أسرها شّح النفس فلم تصبر على أجندة التغيير بكل جسّامة مسؤوليته وعبئه الكبير، ونأت بنفسها عن ارتياد أفاق الإنتاج لأن ذلك يقتضي علو همة ورفعة نفس لم يتوفر لها، وآثرت الاغتناء وتراكم الثروة بالصفقات السريعة العائد، وولغت في ثقافة الاستهلاك، فالشعب لا يملك ترف ذلك وأغلبيته الكاثرة يجهدها أن تسد رمق يومها، فالقصور الفاخرة والمركيات الفارهة وحياة الدعة والتكالب صراعاً على المناصب والمكاسب هو مبلغ كسبها من مشروعها.

بيد أن الأخطر شأناً من ذلك كله أنها أوكلت الأمر لفئة محدودة القدرات متواضعة الأداء، بلا خيال لا تملك رؤية، وتفتقر لإلهام القيادة، لم تتعلم شيئاً ولم تنس شيئاً، فمن أين يأتي الفلاح؟.