حبس السودانيون، مؤيدو الحكومة ومعارضوها وسواد الناس، أنفاسهم الأسبوع الماضي وقد بدت لوهلة البلاد في مواجهة سيناريوهات مفتوحة على احتمالات شتى عندما وجد الرئيس عمر البشير نفسه محاصراً في جوهانسبيرج، التي ذهب إليها للمشاركة في أعمال القمة الإفريقية، بأمر الاعتقال الصادر بحقه من المحكمة الجنائية الدولية منذ العام 2009. ودرج البشير على تحدي أمر الاعتقال مراراً بالسفر إلى دول كثيرة من بينها دول إفريقية موقعة على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية، وتعرض أحياناً لمضايقات، غير أنها المرة الأولى التي تتخذ فيها الأحداث منحى خطيراً، وبدا فيها أمر الاعتقال على وشك الحدوث بالفعل.
لم تكن الإرهاصات التي سبقت هذه التطورات تنبئ بحدث مثير، على الرغم من إعلان منظمة مجتمع مدني جنوب إفريقية نيتها تحريك إجراءات قضائية لاعتقال البشير إذا وصل إلى جنوب إفريقيا بالفعل. في الخرطوم لم يكن هناك أي تحسب من أي نوع لأدنى احتمال لتوقع ما حدث حتى أن وزارة الخارجية اعتبرتها زيارة عادية "لا تحتاج لترتيبات أمنية أو سياسية"، وأن تحركات نشطاء لتحريك إجراءات قانونية ضد الرئيس "مجرد تشويش".
تستند التقديرات التي حفزّت مشاركة البشير في القمة الإفريقية المنعقدة في جنوب إفريقيا إلى عدة عوامل، أولها أن تجربة السنوات الست الماضية منذ صدور مذكرة الاعتقال في غياب قدرة فعّالة للمحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة بحق الرئيس البشير واثنين من كبار معاونيه على خلفية انتهاكات حرب دارفور، أقنعت الحكومة السودانية بأن أوامر المحكمة غير ذات قيمة في ظل تحدي البشير المتكرر لها، ولا سيما عندما أبلغت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة مجلس الأمن الدولي في تقريرها الدوري الأخير للمجلس قبل بضعة أشهر أنها قررت وقف لإجراء أي تحقيقات بشأن دارفور شاكية من عدم تعاون مجلس الأمن الذي أحال القضية بالأساس للمحكمة الجنائية في تنفيذ أوامر الاعتقال، خاصة أن المحكمة ليست لديها أجهوة لتنفيذ قراراتها.
اعتبرت الخرطوم قرار بنسودة مؤشراً آخر تأكيداً لقناعتها بأن موضوع ملاحقاتها القضائية للبشير ومعاونيه في حكم المنتهي، وأن صمود الخرطوم بمساعدة الدعم السياسي والدبلوماسي الخارجي القوي لا سيما من الاتحاد الإفريقي، وإلى حد ما من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، قد "شيّع المحكمة الجنائية إلى مثواها الأخير"، فضلاً عن تلقيها تطمينات من حكومة جنوب إفريقيا بتوفير حصانة للبشير وحمايته من أي اعتقال، وهو ما أوفت به، على الرغم من كلفة ذلك السياسية على الرئيس جاكوب زوما في ظل الجدل الدستوري والسياسي المحتدم حول ذيول الحدث. ولعل ما شجّع البشير على مغامرة السفر إلى بلد سبق أن هّدد بتوقيفه إذا زاره، ما تردّد من أن الاتحاد الإفريقي بصدد اتخاذ قرار بالانسحاب من "الجنائية" في قمة جوهانسبيرج.
بيد أن الجانب الأكثر أهمية في حسابات هذه المسألة يتعلق بالموقف الدولي، لا سيما الدول الغربية، ذلك أن تعامل مجلس الأمن الدولي الذي أحال ملف قضية انتهاكات دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بقرار "1593" في مارس 2005، لم يثبت خلال السنوات العشر الماضية أن لديه حرصا خاصا للوصول بالقضية إلى نهاياتها المنطقية، فعلى الرغم من الطابع القانوني الذي حاول إضفاءه على المسألة إلا أن تعاطي المجلس أثبت باستمرار أنها ذات أجندة سياسية متحركة تهم الدول الدائمة العضوية وحساباتها المعقدة، وتحوّل القضية إلى مسألة خاضعة للمساومات السياسية هو الذي جعل المحكمة الجنائية عاجزة عن تنفيذ أوامرها لأن للدول الكبرى حساباتها الأخرى.
ولا أدل على ذلك من أن قرار إحالة الملف قبل عشر سنوات تمّ بموافقة أربع من الدول الدائمة العضوية، الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا، فيما امتنعت الصين عن التصويت في وقت كانت الخرطوم تنتظر أن تستخدم بكين الفيتو لمنع تمرير القرار على خلفية العلاقات الوثيقة جداً بين البلدين، خاصة أن الصين هي أكبر شريك تجاري للسودان بفضل استثماراتها النفطية الكبيرة، كما أنه كان ثاني أكبر شريك تجاري لها في القارة الإفريقية. وروسيا التي صوّتت لصالح إحالة ملف دارفور للمحكمة الجنائية، دارت الأيام لتقترب أكثر من الخرطوم وتحوّل موقفها لدعمها خاصة بعد أن صوتت الحكومة السودانية لصالح استفتاء القرم الذي أعلنت فيه انفصالها من أوكرانيا وانضمامها لروسيا, وهو ما عارضه أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة, وكان السودان ضمن عشر دول فقط أيدته.
بقيت واشنطن ولندن وباريس في موقفها الداعم "نظرياً" لأوامر التوقيف الصادرة من المحكمة الجنائية لكنها لم تحاول على الإطلاق "تفعيل" هذا الدعم السياسي الذي لا يتعدى إصدار البيانات التي تحثّ الدول الإفريقية الموقعة على ميثاق روما التي يزورها البشير على اعتقاله، ولم تعر آذاناً صاغية للشكاوى المستمرة من المدعي العام السابق أوكامبو، ولا اللاحقة بنسودة، وكثير ما يطرح تساؤل إذا كانت هذه الدول الكبرى الثلاث راغبة فعلاً في تنفيذ قرار الاعتقال الذي تطالب به الدول الأخرى، فهل يعجزها تنفيذه على نحو ما، مثلاً اعتراض الطائرة الرئاسية السودانية، فعلى الرغم من كل الجدل والضغوط التي صاحبت حادثة جنوب إفريقيا الأخيرة لم تقدم على ذلك.
من الواضح أن الأجندة السياسية، وليس عدم الرغبة أو عدم القدرة، هي التي تجعل العواصم الثلاث، واشنطن ولندن وباريس، ظلت تتخذ من مسألة "الجنائية" أداة لـ"المناورات والضغوط وحتى الابتزاز السياسي" في الحفاظ على استمرار لعبة "تطويع" الحكم في الخرطوم لتمرير أجنداتها. في السنوات الثلاث الأولى بعد صدور قرار التوقيف بحق الرئيس البشير (2009 - 2011) كانت تلك السنوات ذروة الاستحقاقات الرئيسية في "اتفاقية السلام الشامل"، الانتخابات والاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان وقبول وتنفيذ نتيجة الاستفتاء، التي كانت شبه محسومة سلفاً لصالح تقسيم السودان وفصل الجنوب، كانت الدول الثلاث عرّابة دول جنوب السودان الوشيكة الميلاد وقتها، ولذلك لم تأبه تلك الدول لقرار التوقيف الصادر حينها حديثاً، ولا لتحقيق العدالة لضحايا دارفور الشعار الذي رفعته في تأييدها لأوامر الملاحقة، فبعد عام واحد باركت تلك الدول إعادة انتخاب البشير للرئاسة في أبريل 2010، وأصدرت شهادات نزاهة للانتخابات التي شابها الكثير من اللغط وسط مقاطعة أغلب قوى المعارضة.
كانت عواصم القرار الدولي الثلاث على قناعة تامة بأن الضمانة الوحيدة لوصول اتفاقية السلام الشامل إلى محطتها الأخيرة وتنفيذ تعهداتها كاملة، وتأمين حصول جنوب السودان على استقلاله، رهين باستمرار وجود الرئيس البشير على سدة الحكم وضرورة الحفاظ على استقرار النظام وقبضته على السلطة، ولتغطية موقفها الفعلي غير الداعم لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية خشية أن تخلط أوراق اللعبة عمدت إلى الاستمرار في إعلان "المواقف البلاغية" المؤيدة لأوامر الملاحقة، ثم توقفت تدريجياً عن التعامل المباشر مع الرئيس البشير مع استمرار "التعاون" مع كبار معاونيه حتى سقف نائبه الأول. وبدا هذا المشهد لافتاً للمراقبين في موقف بالغ الغرابة للحكومة السودانية التي قبلت بهذا الدور الملتبس وقد رضيت بهذه "القسمة الضيزى" اعترافا من الدول الكبرى الثلاث بـ"أهمية" وجود البشير وقبولها بـ"شرعية" الأمر الواقع لسلطته، وتعويلها على لعبه دوراً محورياً، وفي الوقت نفسه "تعتزله" ولكنها تتعامل وتتعاون مع "نظامه".
ويبدو أن حسابات العواصم الثلاث التي كانت تقدر نهاية اللعبة بـ"تقسيم السودان" وحصول جنوب السودان على دولة مستقلة تخلّصه من عبء الارتباط بالشمال وهيمنته، أخطأت التقدير بشدة حين اكتشفت أن الأمر لم يكن بهذه السهولة وأن فصل جنوب السودان ليس نزهة، الذي تم للمفارقة بتعاون تام وبتقدير خاطئ مماثل من حكومة البشير اعتقاداً بأنه سيخلصها من الجنوب ويرفع عن كاهلها عبء لا تريد تحمله. إذ سرعان ما تبين الجميع أن العلاقة بين الشمال والجنوب أشبه بحالة توأم سيامي يتشاركان أجهزة الجسم الحيوية التي تبقيه استمرار وظائفها حياً، وأنه ببساطة لا يمكن فصلهما بغير التضحية بأحدهما، أو ذهابهما معاً ضحية لمحاولة فصل فاشلة، لقد أدت مغامرة التقسيم غير المحسوبة، وبغير ترتيبات فعّالة لقسمة إرث السودان الكبير إلى استمرار التنازع على الميراث وعلى نشوب حرب مباشرة، وحروب أخرى مستمرة بالوكالة، لتنتج "دولتين فاشلتين" في تحقيق الاستقرار والسلام، وسبق الشمال في إعادة إنتاج الحرب في جنوبه الجديد، وليلحقه الجنوب في حرب أهلية شاملة بعد عامين فقط من الاستقلال.
كان استمرار مأزق الجنوب، أثناء انتظار فصله في سنوات الفترة الانتقالية وبعد استقلاله المضطرب، كافياً ليجعل محنة الحرب في دارفور بكل تبعاتها وتداعياتها تنزوي رويداً رويداً في أجندة القوى الدولية مع كل الزخم والاهتمام الدولي الفائق الذي حظيت به أول أمرها، وسرعان ما غشيها التراجع المريع في الانشغال بها، واكتفت بإرسال بعثة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي قوامها عشرون ألف جندي، وأنفق عليها في السنوات الثماني الماضية قرابة الخمسة عشر مليار دولار، وكانت محصلتها بائسة فلا هي وجدت سلاماً لتحفظه، ولا هي قادرة على حماية نفسها دعك من حماية المدنيين التي كانت على بعثتهم، وكان وجودها غرضه إسكات جماعات الضغط لا أكثر.
وازداد الانشغال بأمر الجنوب ومأزقه بعد ثلاثين شهراً من حرب أهلية مستعرة وقد أصبحت الدولة الوليدة على وشك الانهيار التام في ظل غياب أي فرص حقيقة للسلام، وفشلت مبادرات التسوية المتعددة، وعادت الدول الكبرى تقلب أوراقها بحثاً عن مخرج من هذا الوضع المنذر الذي لا تقتصر آثاره على الجنوب وحده، بل ستمتد إلى الإقليم برمته الذي لا تنقصه عوامل عدم الاستقرار والفوضى، والمفارقة أن الأسباب نفسها التي جعلت العواصم الكبرى من قبل ترى في وجود الرئيس البشير على سدة السلطة في الخرطوم ضمانة لحصول جنوب السودان على استقلاله، عادت في ظل عجزها عن فرض السلام والاستقرار في الجنوب لترى أن للبشير دوراً يمكن استثماره لصالح "تهدئة" عجلة انفراط الجنوب المتسارعة.
ولهذا السبب تحديداً ابتلع الاتحاد الأوروبي، والإدارة الأمريكية، لسانهما الذي ندّد بقوة بإجراء الانتخابات الأخيرة وهدّدت بعدم الاعتراف بنتائجها، إذ سرعان ما قلبا تلك الصفحة، ومضت باتجاه التواصل مع الخرطوم تحت إلحاح تطورات الوضع في الجنوب وفي سابقة منذ صدور قرار التوقيف طلب الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى اجتماعاً لمبعوثه في القرن الإفريقي مع الرئيس البشير الذي رفض تلبية الطلب الأوروبي، قبل أن تعلن وزارة الخارجية لاحقاً أن اللقاء لن يتم قبل أداء البشير لليمين الدستورية، في إشارة إلى أن اللقاء سيتم تحت مظلة تؤكد شرعيته الجديدة، كما أرسلت واشنطن مندوبة من مكتب المبعوث الأمريكي دونالد بوث لإجراء محادثات تمهّد لزيارته للخرطوم التي رفضت استقباله طوال العامين الماضيين.
وفي الواقع ليست أزمة الحرب الأهلية في الجنوب وحدها من يدفع العواصم الغربية لتجاوز الالتزامات القانونية لمطالب المحكمة الجنائية الدولية وتقديم اعتبار الحسابات السياسية في شأن تعاطيها مع مصير الرئيس البشير، فالوضع في الشمال نفسه يعاني من الاضطراب وتمدد الحروب الأهلية في غربه وجنوبه الجديد، وفي ظل حالة توازن ضعف بين الحكومة ومعارضيها بشقيهم المدني والمسلح تطيل من حالة الأزمة، وفي غياب بديل مكتمل الملامح للوضع القائم يضمن ألا تنزلق الأمور لما هو أسوأ، تفضّل دوائر القرار الغربي تمديد حبال الصبر، والتعامل مع النظام الذي لا يزال قادراً على بسط "سلطته المركزية" وتوظيف سياسة "الاحتواء والضغط" لتعديل مساره باتجاه وضع أكثر استيعاباً لقوى المعارضة.
ولذلك سارعت الدول الغربية إلى التقاط "مبادرة الحوار الوطني" التي أطلقها البشير مطلع العام الماضي واعتبرتها إطاراً مناسباً إذ توفرت له إجراءات مناسبة لتحقيق انتقال سلمي تدريجي يجنب السودان الدخول في دوامة الفوضى الشاملة بكل تبعاتها الإقليمية والدولية، ولقد بلغ الرهان على الحوار الوطني مبلغاً جعل بعض أطراف المعادلة الغربية يضغط باتجاه تقديم حوافز تشجع البشير على المضي قدماً في مسار الحوار الوطني بما في ذلك جعله عربوناً لتسوية ما لقضية "المحكمة الجنائية".
إحباط القوى الغربية من تعثر مسار الحوار الوطني، وإلقاؤها القسط الأكبر من اللوم في ذلك على الرئيس البشير الذي تركزت أولوية أجندته في الفترة الماضية على الانتخابات، لم يجعلها توصد الباب أمام إمكانية إعادة إحياء مسار الحوار، واستمرارها في التعويل على دور "حاسم" للبشير في تسوية سلمية للاضطرابات في السودان المنقسم شمالاً وجنوباً، ولعل هذا ما يفسر أن الدول الغربية لم تذهب بعيداً في اقتناص سانحة "جنوب إفريقيا" من أجل مطالب المحكمة الجنائية الدولية القانونية، فلديها اعتبارات سياسية أكثر إلحاحاً، وإن كان ذلك لا ينفي محاولة استغلالها فرض ضغوط معنوية على البشير تدفعه لإعادة حساباته، والتجاوب مع الرسائل الغربية المشفّرة، وإلى حين إشعار آخر فإن الكرة في ملعب الرئيس البشير.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

!Tar#ig(JJ7)@777