وقد انقضى موسم الانتخابات السودانية وما رافقه من جدل حول جدواها السياسية كأداة تحوّل منشود, كما انفض "مولد" التشكيل الحكومي بخروج آخر رفاق المكوّن المدني في تأسيس الحقبة الإنقاذية, وانقطاع أمل العودة الذي راود بعض سدنة الحرس القديم المُبعدين, فقد كان المأمول أن يكون في ذلك سبيلاً إلى إحداث قدر معقول من التحوّلات الضرورية في الحياة السياسية السودانية يُحرّك مياهها الراكدة, وتفتح طاقة أمل لحراك إيجابي بإتجاه وضع أسس لحالة سياسية أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الوطنية الملّحة الراهنة, ولكن انخفاض سقف التغيير في الذهنية السياسية الحاكمة, في التوجهات والسياسات قبل الوجوه, انتهى إلى تكريس أعمق لواقع الأزمة الوطنية, بتجاهل استحقاقات مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية المحيطة بالبلاد., فقد كان مطلوباً توفر إرادة مدركة لأهمية إحداث تغيير حقيقي أكثر عمقاً من مجرد إجراء عملية تجميل شكلية لم تمتد إلى جوهر الأجندة الوطنية الملّحة.
وإن كان هناك ثمة عنوان للمأزق التاريخي الذي يكابده السودانيون في لحظتنا الراهنة, نظام حكم في حالة جمود يقف متفرجاًعاجزاً عن تقديم جديد, ومعارضة تعاني من فشل ذريع إلى درجة لا ترى نفسها, ولا يراها الناس بديلاً موضوعياً للنظام, وحالة حيرة وخوف من المجهول تغشى سواد الناس, ورغبة عارمة في التغيير بلا وسائل فعالة, إن كان ثمة عنوان لهذه الحالة الفريدة من التيه  فهو بلا شك أن حقبة كاملة من تاريخ السودان الحديث على وشك أن تُطوى, ليس بالضرورة بسبب فعل موجب يقود إلى هذه النتيجة, ولكن ببساطة لأن حالة الفراغ المتولدة من هذا العجز الجماعي استنفذت كل الوسائل التي تمكنها من الاستمرار والبقاء بأدواتالدفع الذاتي.
ولأن نواميس الكون لا تعرف الفراغ ولذلك فإن السودان ليس مرشحاً لتحولات مجهولة فحسب بل يقف بالفعل على أبواب حقبة جديدة في تاريخه, وأمام إرهاصات تحول كبير لا أحد يستطيع التنبؤ بمساراتهووجهته النهائية , هل يكون تغييراً مدروساً إلى الأفضل أم قفزة في الظلام إلى الأسوأ؟,. تلك مسألة ستكون في نهاية الأمر ثمرة تدافع وتفاعلات عوامل موضوعيةمتعددة وتوازنات شديدة التعقيد لا يستطيع طرف احتكارها أو أن يحدد بمفرده مسارها, بيد أن المؤكد هو أفول عصر الحلول السهلة, والتحولات السطحية, وبوار محاولات تدارك السقوط الأخير للنظام السوداني السائدعلى مدار سنوات الحكم الوطني منذ الاستقلال بكل تمثلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لم يغادر الساسة والمحللون والخبراء, وحتى العامة, على اختلاف مشاربهم من متردم وهم يصوبون سهام النقد المرير للأوضاع المهترئة القائمة, وهي على أية حال باتت أوضح من أن يبحث لها عن براهين وأدلة وقد أصبحت واقعاً معاشاً شديد الوطأة على الجميع لا يكاد ينجو منها أحد. ويجمعون على الحاجة لتحول ما والانتقال إلى مربع آخر, تتعدد سقوفهوأجندته من داعين لإصلاح ما هو كائن سداً لذرائع الانزلاق إلى ما لا يحمد عقباه, أو مطالبين بإسقاط النظام شرطاً لازماً للخروج من النفق, إلى منادين بالتغيير الأوسع أفقاً بما يتجاوز تصفية الحسابات مع المأزق الراهن إلى ما وراء ذلك بتشخيص دقيق لجذور الأزمة الوطنية وعلاج شاف لمسببات الداء وليس مجرد مسكنات لأعراضه.
ومع تفرد المأزق الوطني الراهن, الذي يتجاوز أزمة نظام حكم شمولي قابض استنفذ أغراضه, وإن كان سهمه ومسؤوليته في تعقيد وتأزيم الأوضاع أكبر من غيره, إلا أن الملاحظ هو أن الخطاب والحراك العام الموجه للتعاطي مع حيثيات هذه الحالة المأزقية غير المسبوقة تعبر هي الأخرى بوجه من الوجوه عن مدى عمق الأزمة بأكثر مما تمثل أملاً للخروج منها.
ذلك أن العقلية السياسية السائدة التي أسهمت بقسطها في وصول الحالة الوطنية إلى هذه النفق تحاول مخاطبة الأزمة بالذهنية ذاتها, ومعلوم أنك لا يمكن أن تعالج مشكلة بنمط التفكير والممارسة ذاتها التي أنتجتها. ولذلك تبدو الجهود المبذولة حاليا غير منتجة سوىلرجع الصدى.
بمعنى آخر هل لا تزال سيناريوهات التحولات السياسية التي ظلت تشهدها الساحة السياسية السودانية على مدار العقود الست الماضية صالحة لإعادة إنتاجها وتوظيفها في مساعي الخروج من المأزق الراهن بكل أبعاده وتعقيداته التي تخطت بكثير إشكالات النظام السياسي السوداني القديم؟.
ليس سراً أن السيناريو الأكثر جاذبية للثورة الشعبية في المخيلة العامة السودانية هي نموذج ثورتي أكتوبر وأبريل, والتي عزّز من إغراء استداعائها لمواجهة مطالب التغيير الراهنة فورانالحالة الثورية في المنطقة العربية التي أنجزت في وقت قصير مهمة الإطاحة بعدد من الأنظمة التسلطية العتيدة في المنطقة, وكان السؤال الحاضر لماذا لا يكون للسودان نصيب فيها وشعبه صاحب سبق في إشعال انتفاضتين وليست واحدة وإطاحة نظامين عسكريين في غضون عقدين فقط؟.
ومع أن السودان لم يعدم في عهد السلطة الحالية توفر الأسباب الموضوعية لتجدد حالته الثورية الذاتية حتى دون حاجة لاستدعاء نموذج الربيع العربي, وجرت بالفعل محاولتين جادتين لإطلاق شرارة حراك ثوري, ولكن مع ذلك لم تمض المحاولتان إلى غايتهما مع كل التضحيات الجسيمة التي دفعها شباب ثمناً لها من حياتهم, فلماذا؟. تنصرف الأذهان عادة إلى أن آلة البطش الحكومي كانت كفيلة بإخماد أصوات الثوار, أو أن القوى السياسية المعارضة تقاعست من ضعف عن الانخراط في دفع الحالة الثورية, أو أن جمهور الشعب كف يده عن خوف من قادم مجهول, أو ما يُقال عامة من أنه لا بديل يلوح في الأفق, أو أن كل تلكالعوامل مجتمعة قادت إلى أن تهمد جذوة الثورة وتذوي في النفوس إلى حين مع اليقين ببقاء الحاجة إلى التغيير حية.
ومهما يكن من أمر فمن المؤكد أن الحاجة إلى التغيير في النظام السوداني السائد "القديم" أكثر عمقاً وأبعد أثراً من مجرد هبة أو انتفاضة عاصفة تطيح بنظام قائم تجسدت فيه كل عوامل الأزمة الوطنية ومثّل بعد ربع قرن في السلطة التجلي الأخير لتلك العقلية التي أنتجته, ويتوقع البعض أن ينجم عنها تلقائياً نظام جديد يحقق التطلعات المرجوة فيه. والواقع إن هذا النمط من التفكير الذي يحاول استدعاء التراث الثوري السوداني الحديث لمخاطبة الأزمة الحالية يبدو متعجلاً في القفز على حقائق وطبيعة المأزق الراهن.
ومن الواضح أن عدم التجاوب الشعبي الواسع الذي كان منتظراً تفاعله بحماسة مع الحراك الثوري الأخير, مع الرغبة الشعبية الأكيدة في التغيير, لم يحدث خشية قمع السلطات نحو ما تظن الأخيرة أنها نجحت في تحقيقه, أو لعلة في القوى السياسية المعارضة, بل لأن التجربة العملية للمرود المحدود ثورتي أكتوبر وأبريل في إحداث تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي السوداني بدليل إعادة تكرار السيناريو الإنقلابي المدعوم مدنياً في المرتين بعد سنوات تعد أقل من أصابع اليد الواحدة استقر في الوعي الجماعي الوطني بأن نمط الثورة في المرتين لم يكن مشجعاً إلى درجة تكراره في مرة ثالثة في ظل بقاء حيثيات المعادلات السياسية نفسها وفي ظل أوضاع أكثر تعقيداً.
ولئن كان نموذج اكتوبر وابريل سجل نجاحاً محدوداً بفعل "محدودية" أزمة النظام السياسي حينها, واكتفى من الغنيمة بإسقاط نظامين عسكريين إلا أنه أعاد إنتاج نظامين عسكريين آخرين بديلين حتى قبل ان تبرد أهازيج الفرح بالثورتين.ولأن الفعل الثوري أكثر خطراً وأبعد تأثيراً من مجرد الانفعال اللحظي, فقد استقر في الوعي العام أن استحقاقات التغيير المطلوبة هذه المرة والنظام السياسي القديم وصل إلى نهاية الطريق ولم يعد أمامه من سبيل للاستمرار بأي صيغة, أبعد من مجرد فعل غاضب يسقط سلطة قائمة ليستبدل قيصراً بقيصر, بل المطلوب فعل أكثر عمقاً ونضوجاً.
والأهم من ذلك أن أوان التغيير حان هذه المرة والنسيج الوطني السوداني ممزق كما لم يتمزق من قبل, صحيح حدثت الثورتان والصراع بين الشمال والجنوب مستعر, إلا أن الوضع الآن مختلف بما لا يقارن, فالبلاد تقسمت بالفعل جراء تراكم العجز عن تأسيس نظام سياسي قادر على استيعاب التنوع الفريد الذي بدلاً أن تنعم به البلاد حوله الساسة قصيرو النظر إلى نقمة, ولم يقف الأمر عند التخلص من الجنوب بوهم وضع حد للشقاق الوطني, ليولد من رحم ذلك التقسيم جنوب جديد أعاد إنتاج الأزمة الأولى بكل تفاصليها بلا استفادة من عبرة واحدة, وبلغ الحال في دارفور درجة أن مأساته المستمرة على مدى عقد من الزمان تحولت إلى أزمة منسية لتجسد انعدام الشعور بالتضامن الشعبي بين أبناء وطن واحد يُفترض أنه يجمعهم بتواد وتراحم. التفكير خارج صندوق
والتغيير المنشود ليكون إيجابياً فعل وعي بامتياز, وآفة المأزق الوطني الراهن غيبة الوعي باستحقاقات ذلك, وفريضته الغائبة ضرورة التفكير خارج الصندوق, صندوق قوالب جاهزة باتت في حكم المسلّمات من ذلك الصراع المزعوم حول سؤال "الهوية" الذي مزق البلاد في معركة "دونكيشوتية", ولا يزال يقف حجرة عثرة في تأسيس نظام سياسي قادر على استيعاب التنوع الذي تذخر به البلاد, ولقد كانت هذه واحدة من أكبر معارك النخبة السودانية في غير معترك, فالحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين لا ينبغي أن تؤسس على محدد "الهوية" التي يمكن أن يفهم الاشتغال بها في أبعادها الثقافية أو الاجتماعية, ولكن لا ينبغي لها ان تكون عاملاً حاسماً في كفالة "الحقوق السياسية".
وهناك الجدل البيزنطي بين المنادين بإسلامية الدولة, والمطالبين بعلمانيتها, وكلاهما يبحث عن تعليق لافتة لا تغني عن الحق شيئاً, ف"إسلامية الدولة" لن تصنع بالضرورة حكومة راشدة, كما أن "علمانيتها" لا تؤدي بالضرورة إلى ضمان قيام حكومة ديمقراطية, فالعالم ملئ بالحكومات العلمانية الديكتاتورية, كما أن هناك الحكومات التي ترفع شعارات إسلامية وهي مثال للتسلط والفساد, ولذلك السؤال الصحيح هو المقارنة بين كيف يمكن أن تؤسس لحكم راشد تتحقق فيه قيم الحرية والمساءلة والمحاسبة والمواساة, وبين نظام فاسد يضيع هذه القيم الإنسانية.
كما لم يعد يكفي التدثر بالشعارات البراقة مع الفشل الذريع في تمثل مضامينها, وبيع الكلام المجاني في إحداث التغيير المنشود, فالأحزاب المنادية بالديمقراطية والتي تعجز بحكم تركيبتها الاجتماعية عن تمثل قيمهاينبغي لها أن تتبنى مواقف تستطيع التعبير حقاً عن طبيعتها, وللرأي العام حق قبولها أو رفضها, بيد أن آفة رفع الشعارات دون قدرة على تحقيقها تمثل عائقاً حقيقياً امام التغيير المنتظر.
وسؤال من هو البديل الذي يثير قلق الكثيرين ما كان ينبغي أن يثير كل هذه المخاوف لو انصرفت الجهود إلى معنى البديل لا هويته, فالبديل المطلوب ليس شخصاً ولا حزباً بعينه, البديل المطلوب نظام مؤسسي جديد وليس فردي, كيف يمكن للفاعلين السياسيين أن يقودوا عملية حراك اجتماعي هدفها إنشاء مؤسسات مجتمعية فعاّلة, ومؤسسات للحكم تتمتع بالاستقلالية والرقابة والمحاسبة المتبادلة, وتمنع تداخل السلطات أو هيمنة بعضها على الآخر.
لقد حان الوقت لتدرك الطبقة السياسية, في الحكم والمعارضة, وقوى المجتمع المدني والأهلي الحيّة, أن نواميس الكون لا تعرف الفراغ, واستمرار حالة الحلقة المفرغة الراهنة, أو انتظار حلول يأتي بها الخارج, لن تقود إلا إلى المجهول, وما من سبيل للخروج من هذا المأزق إلا بتأسيس حالة وعي جديدة وعميقة بما يكفي لإدراك استحقاقات الانتقال إلى مربع جديد, وهي مسؤولية الجميع لا تعفي أحداً, فلا الحكم يستطيع الاستمرار وهو في هذه الحالة المنكرة من الجمود وانعدام الرؤية والفاعلية السياسية وتحمّل مسؤولية الحكم بحقه, ولا تستطيع المعارضة بحالتها الراهنة أن تزعم أنها تمثل بديلاً ناجعاً وحالها ليس أقل بؤساً, وقوى المجتمع لا تستطيع الوقوف متفرجة في انتظار أن تمطر السماء سلاماً واستقراراً.
عن صحيفة إيلاف
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.