يتواصل الجدل المحتدم في الساحة السياسية السودانية حول "مبادرة الحوار الوطني" تبعاتها وتداعيات مآلاتها.وحين طرح الرئيس عمر البشير المبادرة لأول عهدها في يناير الماضي لم يكن هناك ثمة خلاف وقتها بين القوى السياسية بمعسكراتها المتعددة حول أهميتها وضرورتها, ولا حتى حول موضوعاتها ذات الأجندة الأربعة التي تضمنها "خطاب الوثبة", بل كان مدار النقاش السياسي حولها مرتبط بترتبيات ذات طابع إجرائي تضمن توفير الحد الأدنى من الثقة من قبيل إطلاق حرية التعبير الصحافي والمنابر السياسية وكيفية تحقيق ضمانات مشجعة للحركات المسلحة للمشاركة في عملية الحوار. وهي مطالب بطبيعتها هناك جهة وحيدة تملك القدرة على تحقيقها, وهي السلطة الحاكمة إذا توفرت لديها النية الحسنة والإرادة العازمة.
الجدوى الأساسية,والتي أعطت المبادرة قيمتها, هي أنها مثلت سانحة تاريخية بوسعها أن توفرصعيداً واحداً تجتمع فيه القوى السياسية السودانية بأطيافها المختلفة للحوار حول سبل الخروج الآمن من الأزمة السودانية المستعصية والمتطاولة بتجلياتها المختلفة, ومن شأن حدوث ذلك أن ينهي حقبة المفاوضات الثنائية والتسويات الجزئية والصفقات العابرة التي زادت من تعقيدات الأزمة الوطنية وتدفع بإتجاه آفاق تسوية تاريخية وحلول كلية لأمهات القضايا الوطنية, والأهم من ذلك أنها كانت ستكون المرة الأولى في عهد الحكم الحالي التي يتفاوض فيها السودانيون في عاصمة بلادهم حول مستقبلها بعدما ظلت المفاوضات تتنقل من عاصمة إلى أخرى وأصبحت الخرطوم صاحبة الشأن هي العاصمة الوحيدة التي ينأى الفرقاء السودانيون بأنفسهم عنها مقراً لبحث صميم شؤونهم وإنهاء صراعاتهم, وتحولت العاصمة إلى مهبط للعشرات من المبعوثيين الدوليين والإقليميين يسوقون مبادرات من كل شاكلة ولون حتى غدا السودان "سلة مبادرات العالم" بلا جدوى.
الآن وبعد انقضاء ثلاثة أرباع العام منذ طرح مبادرة "الحوار الوطني" أين تقف الأمور, وإلىأين تسير؟.صحيح أصبحت هناك خريطة طريق توافقت عليها القوى السياسية التي تجاوبت مع دعوة الحوار, وهي في مجملها وثيقة تأسيسية جيّدة تضمنت الكثير من النقاط الإيجابية خاصة في البند الأول "غايات وأهداف الحوار", والبند الثاني "مطلوبات تهيئة وإجراءات الثقة", فغاية الحوار حسب النص "التأسيس الدستوري والمجتمعي في إطار توافقي بين السودانيين ينشئ دولة عادلة وراشدة ونظاماً سياسياً فاعلاً", وهذه مسألة جوهرية تعني ترجمتها الحقيقية الانتقال الفعلي من المربع الحالي إلى مربع جديد, أو بالأحرى تأسيس نظام سياسي جديد يُنشئ "دولة عادلة وراشدة" وهو ما يفيد أن الحوار غير المفضي لتغيير حقيقي في بنية السلطة لا معنى له ابتداءاً. ومن النقاط المهمة في خريطة الطريق في بندها الأول "التوافق على دستور وتشريعات قانونية تكفل الحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية والاتفاق على نظم مستقلة لحماية تلك الحقوق", والنقطة الثالثة اللافتة "التوافق على التشريعات والإجراءات الضرورية لقيام انتخابات عادلة ونزيهة تحت إشراف مفوضية مستقلة سياسياً ومالياً وإدارياً".
وهذه مبادئ أساسية لا غنى عنها لأي حوار ذي صدقية, والعبرة بالطبع بتطبيق ما ورد فيها نصاً وروحاً لا أن تكون وضعت بغرض الزينة, وهو السؤال البديهي لتأكيد توفر النية الحسنة والجدية والإرادة عند السلطة الحاكمة للمضي قدما بالحوار رإلى نهاياتها المنطقية, فهل هذا فعلاً ما يحدث؟. الإجابة على هذا السؤال تكمن عند استعراض البند الثاني من خريطة الطريق المعنون "مطلوبات تهيئة المناخ وإجراءات بناء الثقة", وتعهدها الأول في هذا الخصوص هو "إطلاق سراح المعتقلين السياسيين كافة" هكذا وردت نصاً "كافة", وأن "القضاء هو الجهة المعنية بقضايا النشر والتعبير مع عدم اللجوء للإجراءات الاستثنائية خاصة اثناء الحوار", والآن بعد مضي نحو أسبوعين من توقيع خريطة الطريق هل تم الوفاء بأي من التزامات هذين التعهدين اللذين وقع عليها ممثلو الحزب الحاكم, بالطبع لم يحدث شيئاً لأن رئيس الجانب الحكومي أعفى مؤسسات السلطة التنفيذية من مسؤولية تحقيق هذه المطلوبات بحجة استقلاليتها.
وهذا يقود مباشرة لطرح السؤال الملّح والمحوري: كيف تريد الطبقة الحاكمة من القوى السياسية, وعامة مواطنيهم المحشورين في نفق ضيق بسبب الصراع العبثي على السلطة, أن يثقوا في صدقيتها وفي جديتها وهي لا تنفذ تعهداتها بشان استحقاقات لم تجادل هي نفسها في أهميتها لبناء الثقة, ومع ذلك تتنكب الطريق المرة تلو الأخرى, أو تتحايل على ذلك بمبررات واهية وغير منطقية. وهو ما يدعو اللتساؤل حقاً ماذا تريد إذن الطبقة الحاكمة من مبادرة الحوار الي أطلقتها, هل أجندتها الفعلية هي تحقيق المبادئ التي توافقت فيها مع الآخرين في خريطة الطريق كمخرج أخير وآمن للوطن من مأزقها الراهن, أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مناورة الغرض منها استخدام "الحوار" وسيلة للحفاظ على السلطة وإطالة عمر قبضتها على الحكم لهذا السبب أو ذاك؟. 
وحتى لا نجيب على هذا التساؤل بإحكام مطلقة ومسبقة, دعونا نفحص مواقف السلطة وخطواتها الفعلية منذ إطلاق الحوار وحتى الآن هل تسير بإتجاه الحوار كخيار استراتيجي يحقق تسوية تاريخية تنهي محنة السودانيين, أم أنه مجرد موقف تكتيكي من باب أنه استراحة محارب لالتقاط الأنفاس واستئناف الاستمرار في السيطرة على السلطة بترتيبات أو صفقات ثنائية جديدة؟.
ويبرز هنا سؤال آخر يبدو بديهياً لماذا أطلقت السلطة الحاكمة "مبادرة الحوار الوطني", الإجابة على هذا السؤال محورية حيث أنها ستقود بالضرورة لإعطاء تفسير لمجمل سير الأمور على مدار الأشهر التسع الماضية, هناك موقفان بهذا الخصوص فطائفة من معارضي النظام يرون أنه لجأ إلى طرح مبادرة الحوار مضطراً ومكرهاً لا بطلا, وأن خطورة الأوضاع التي تواجهها البلاد فرضت عليه أن يخفض جناحه لمعارضيه أن يعرض عليهم الحوار للبحث عن مخرج آمن للطبقة الحاكمة من الملاحقات الدولية, ومواجهة تبعات تجاوزات سلطة دامت ربع قرن.
الموقف الآخر يطرحه قادة الحزب الحاكم بالقول إن الحوار مبادرة طوعية ذاتية لم تنشأ بسبب أية ضغوط لا خارجية ولا داخلية, وأن الحزب على الرغم من الحصار والمصاعب التي تواجه الحكم إلا أنها قادر على تجاوزها كما ظل يفعل طوال الخمس وعشرين عاماً الماضية, وأنه مطمئن لفوزه في الانتخابات المقبلة التي يبدي عليها حرصاً شديداً, وبالتالي فهو ليس مضطراً لتقديم تنازلات لإثبات حسن نيته أو جديته سوى منبر الحوار الذي أتاحه كآلية لمشاركة القوى السياسية كافة مدنية ومسلحة في رسم خريطة الأوضاع السياسية المقبلة في البلاد.
تحرير أي الموقفين يمثل حقيقة الأمر لا مناص منه لسلامة الإطارالتحليلي للوقائع كما تجري على أرض الفعل, لا كما يتمناها أو يرجوها البعض, مجمل السلوك السياسي والممارسة الفعلية للسلطة الحاكمة في ما انقضى من العام الجاري تشير بوضوح إلى مسألة قد تكون صادمة لتوقعات البعض, وهي أن الطبقة الحاكمة لم تطرح مبادرة الحوار في مطلع العام الجاريمضطرة او مجبرة عليها بسبب تفاعلات الواقع السياسي والاقتصادي الضاغط عليها, بل فعلت ذلك باختيارها وتقوده في إتجاه معين لتخدم غرضها الأساسي "تمديد أجل سيطرتها على السلطة" وهو هدف يمكن في سبيل تحقيقه على نحو أفضل أن تتمكن من أن تردف معها بعض الأطراف الراغبة في صفقة ثنائية تتيح لها شيئاً منىشراكة السلطة والثروة.
والأدلة على ذلك أكثر من تحصى, أولها أن الإقبال على الحوار بافتراض أنه مبادرة فرضتها الضغوط السياسية الداخلية والخارجية والاقتصادية والأوضاع الأمنية والعسكرية, كان يقتضي ببساطة ارتفاع "الحس بعامل الزمن" بحكم طبيعة هذه المخاطر على الاستقرار والتي لا تستحمل مطاولات لعبة التكتيكات وشراء الوقت وتتطلب سرعة الوصول إلى توافقات بأعجل ما يتيسر لدرء المخاطر المحدقة, ما حدث بالضبط عكس ذلك تماماً أن "عامل الإحساس بقيمة الزمن" في ظل تحديات بالغة الخطورة كان غائباً تماماً بدليل أن الوصول إلى خريطة طريق للحوار استغرق ثمانية أشهر كاملة, دون مبررات موضوعية, والطريف في الأمر أن الجانب الحكومي كان يحمّل أحياناً قوى المعارضة مسؤولية ذلك التأخير مع أنه لو كان لديه مصلحة في استعجال تحريك عجلة الحوار لدفع بإتجاهها باعتبار أن ذلك خياره الاستراتيجي. وتباعد خطوات تفعيل آليات الحوار نفسها مستغرقاً كل هذا الوقت كان سبباً كافياً لنفيأن هناك حالة اضطرار أو تعجل للوصول إلى نهاية سريعة لمخرجات حوار قد تكون ملزمة في وقت لم يكن هناك استعداد من الطبقة الحاكمة للوفاء باستحقاقاتها.
الدليل الآخر أن التحفظ, ربما الوحيد, على التفاعل مع مبادرة الحوار من قبل المعارضة بشقيها المدني والمسلح كانت المطالبة بتهيئة أجواء الحوار, وهو على أي حال مطلب مشترك مع القوى المعارضة التي لبت دعوة الحوار, لم تكن هناك أية أسباب تدعو لتأخير الاستجابة لها من قبل السلطة إذا كان عنصر "الاستراتيجي" متوفراً لديها في مسألة الحوار, وهي مطالب موضوعية لا يتصور أن ينطلق حوار وينضم إليه معارضون مسلحون في غياب ضمانات حقيقية لحريات التعبير الصحافي والسياسي وسلامة ممثليها, وتحولت قضية الحرية من حق أساسي وشرط لازم لتأكيد توفر الحد الأدنى من سلامة النية بتنفيذ وتطبيق استحقاقات ذلك, إلى عامل مساومة وورقة ضغط تستخدمه السلطة للسيطرة على قواعد اللعبة, وهو موقف مفضوح أن تكون قضية محورية مثل الحرية رهناً لمواقف تكتيكية لأن الغرض ليس الوصول إلى نتائج نهائية سريعة يُفترض أنها مطلوبة لتدارك المخاطر المحيطة بالوطن, بل لتوظيفها لخدمة اللعبة النهائية.
وشهد هذا الملف الكثير من التناقضات الموحية بطبيعة الغرض من الحوار, فبعد جهد ولأي صدر القرار 158 لتوسيع دائرة الحريات, ولكن لم تصبر عليه السلطة إلا أسابيع معدودة لتعود لتشديد قبضتها تحت دعاوى الموازنة بين الحرية والمسؤولية وهو تعبير غامض لا مكان له من الإعراب, تناست معه السلطة الحاكمة أن الدستور يفرض عليها في وثيقة الحقوق أن تحمي الحريات وتعززها وتضمنها وتنفذها, وأنه لا يجوز أن تصادر القوانين الحقوق والحريات المضمنة في الدستور ولا تنتقص منها, ما حدث أن السلطة الحاكمة جعلت من حقوق مصانة بالدستور عرضة للمصادرة والانتقاص وأكثر من ذلك خاضعة للمساومة السياسية. وهذا دليل آخر أن الالتفاف على التعهدات الدستورية يؤشر إلى أن البعد "الاستراتيجي" في مبادرة الحوار يسجل غياباً بيّناً, وحتى بعد صدور خريطة الطريق تجاهلت الحكومة تنفيذ تعهداتها.
وغني عن الذكر ملابسات خروج, أو إخراج, السيد الصادق المهدي من معادلة مبادرة "الحوار الوطني" منذ وقت مبكر باسباب ومبررات تحمل في جوفها غياب النظر الاستراتيجي للمبادرة وتأكيد طبيعتها "المرحلية", من اعتقال كان معلوماً ان عاقبته هي فرض خيار مغادرة طاولة "الحوار" على المهدي, ربما لم تضع السلطة الحاكمة في اعتبارها حجم ردة فعله على ذلك, لتفاجأ بالمهدي يخطو خطوات غير معهودة في سيرة معارضته للنظام, ودفعته دفعاً, وهو الذي كان حتى وقت قريب الطرف الأكثر قرباً من المعارضة لقيادة الحكم, إلى أن ينشط في تشكيل تحالف معارض جديد مع خصومه بالأمس في الجبهة الثورية, وأن يمتد ذلك إلى تأسيس مظلة حلف إقليمي من جيران السودان الأقربين من خصوم الحكم.
ما حدث هو أن خروج خريطة الطريق جاء في وقت انقلبت فيه المعادلة تماماً بشأن مبادرة "الحوار الوطني" فبعدما كان منتظراً لها أن تكون أداة لجمع إرادة السودانيين نحو تسوية شاملة, تحولت إلى أداة "استقطاب" حاد زادت من حدة الإنقسام وتراجع فرص الحلول الشاملة, وهي نتيجة إلى حد ما قد لا تتصادم مع سقف لعبة الطبقة الحاكمة ومرادها من "الحوار" أن يكون مفضياً لهدف الاحتفاظ بالسلطة عبر انتخابات, وهو سيناريو على أية حالة رهين بتماسك الحزب الحاكم نفسه في مؤتمره العام في اكتوبر المقبل, وباحتمالات الانفجار الشعبي المتزايدة في وقت أخذت فيه الضائقة المعيشية أبعاداً غير مسبوقة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.