في الخامس والعشرين من مايو عام 1984, والرئيس الراحل جعفر نميري يقرأ خطاباً مكتوباً بمناسبة الذكرى الخامسة عشر ل"ثورة مايو المجيدة" فؤجي وهو يقرأ فقرات تنتقد ضمناً أحكام قضاة الطوارئ في المحاكم التي أنشأها بعد قراره تنفيذ العقوبات الحدية في سبتمبر 1983, فقد احتشد الخطاب بالمعاني التي تذكّر بسعة الإسلام وتسامحه وعفوه ودرءه للحدود بالشبهات, وسرعان ما أحس نميري أن الأمر لم يكن سوى "كمين خطابي" نصبه قادة الاتحاد الاشتراكي الذين عارضوا خطوته تلك, فأزاح الخطاب المعد سلفاً جانباً وطفق يتحدث مرتجلاً مؤكداً مواصلته النهج ذاته في شأن تطبيق الحدود الذي استنكره الخطاب المكتوب.
ومن لطائف المواقف السياسية وقتها أن الدكتور حسن الترابي الذي كان يتحدث في ندوة أقيمت بكلية الطب بجامعة الخرطوم بعد تلك الحادثة بأيام رداً ساخراً على خصومه في الإتحاد الاشتراكي بعد فعلتهم تلك, ملخصاً المشهد بقوله "خطاب الأخ الرئيس الذي رد عليه الأخ الرئيس" في إشارة اعتبرها انتصاراً لموقف "الحركة الإسلامية" التي أيدت الرئيس نميري في قراراته تلك.
عادت تلك الحادثة العالقة بذهني إلى ذاكرتي الأيام الفائتة والرئيس عمر البشير يدلي بحديث في الاجتماع الأخير لمجلس شورى "المؤتمر الوطني" بشأن موقفه من الحوار الوطني والانتخابات والعلاقات مع قوى المعارضة ومستقبل العملية السياسية في البلاد, والحق أنه يحسب للرئيس البشير أنه لم يأت بموقف جديد لم يكن معروفاً من قبل, تمسّكه بإجراء الانتخابات في موعدها, ورأيه حول طبيعة الحوار المطروح أنه بغرض الإلحاق بالمعادلة الراهنة وليس تأسيس معادلة لنظام بديل, قال ذلك من قبل في لاءات بورتسودان الشهيرة في مارس الماضي, وآثر البعض من القوى السياسية الراغبة في الحوار أن تكذّب أذنيها وأن تصدّق ظنونها.
وخطاب الاخ الرئيس أمام شورى "الوطني" في حقيقة أمره هو رد على خطاب الأخ الرئيس في لقاء "الوثبة" الشهير, ولعل الحياء منعه من أحراج ضيوفه من علية قادة المعارضة الذين استجابوا للاستماع ل"خطاب الوثبة" ولم يزح جانباً الخطاب الذي كتبه بعض فلاسفة "المؤتمر الوطني" بلغة غير معهودة وتحدث بلهجة ضبابية عن أجندة للحوار مع بعض النقد الذاتي الضمني لتجربة ربع القرن الماضية أملاً في إضفاء "نيولوك" للحزب الحاكم ومحاولة لإعداد تقديمه لمرحلة جديدة, وتمنى الكثيرون يومها أن لو فعل الرئيس البشير ما سبقه عليه الرئيس نميري بطرح "خطاب الوثبة" جانباً والإدلاء بحديث مباشر عن موقفه وأجندته وخريطة الطريق للأوضاع السياسية كما يراها فعلاً, وليس كما يتمناها البعض سواء في المؤتمر الوطني, أو من قادة المعارضة الذين سارعوا مبكراً لإعلان استعدادهم للانخراط في حوار لم يكونوا يعرفون على وجه التحديد وجهته النهائية.
من حسنات خطاب الرئيس أمام شورى المؤتمر الوطني الذي رفض فيه صراحة اقتراح بعض الأصوات من داخل الحزب الذين أبدوا استعداداً للاستجابة لمطلب تأجيل الانتخابات إذا رأوا تجاوباً مقبولاً من قوى المعارضة لأطروحات المؤتمر الوطني, حسنة ذلك الخطاب أنه وضع النقاط على الحروف على نحو لا يقبل أي تأويل, ووضع حداً للمغامرات الخيالية التي أنتابت البعض من رؤية عملية سياسية عبر آلية الحوار تفضي إلى أوضاع سياسية جديدة في البلاد.
فالخيارات التي باتت مطروحة بوضوح أمام القوى المعارضة سواء تلك التي انخرطت في دعوات الحوار بلا شروط, أو تلك التي وضعت بين يدي مشاركتها شروط مسبقة, أضحت خيارات محددة إما اللحاق بركب المؤتمر الوطني والحصول على نصيب يتفضل به من كيكية السلطة, أو الاستعداد الجاد لخوض الانتخابات واتخاذ الخطوات اللازمة لضمان أصوات الجماهير, أو العمل الجماهيري الدوؤب لتغيير المعادلة الراهنة.
ببساطة لم يعد ممكناً الجلوس في مقاعد المتفرجين والاكتفاء بالتعليقات, أو في الوقوف في المنزلة بين المنزلتين, أو انتظار المجهول فالسماء لا تمطر تغييراً. وبالطبع لن يُسعف الدكتور الترابي الأكثر حماسة للحوار تعليقه الساخر أنذاك, فرد الرئيس هذه المرة على رهانه شخصياً بأكثر مما هي رهانات الآخرين.
/////////