من مفارقات الاقتصاد السوداني التي لا تنقضي عجائبه, أو بالأحرى عجائب العبقرية غير المسبوقة التي يُدار بهافي عهد الحكم الحالي  اقتصاد إحدى الدول الأغنى بمواردها, أنه في الوقت الذي كان تجري فيه قبل أيام قلائل بيع آخر باخرتين, هما النيل الأبيض ودارفور, المملوكتين لشركة الخطوط البحرية السودانية باعتبارهما "خردة" لتتخلص الشركة بذلك من آخر ما تبقى من أسطولها الذي بلغ يوماً خمسة عشر باخرة دون أن تستطيع تعويض أياً منها, وبغض النظر عما أورده الزميل الطاهر ساتي في زايته "إليكم" بصحيفة السوداني الغراء مورداً فقرات من نص تقرير فني يؤكد صلاحيتهما للعمل وأنها بيعت بثمن بخس دراهم معدودة تحت سمع وبصر حكومتنا السنية لحاجة في نفس من ظلوا يبيعون مقدرات السودان سنين عدداً بلا حسيب ولا رقيب, وكانوا فيه من الزاهدين.
في الأسبوع نفسه الذي شهد فصلاً آخر من فصول الانهيار والتدمير المنظم الذي طال العديد من المؤسسات السودانية الاقتصادية العريقة الكثيرة التي كانت ملء السمع والبصر في بلادنا في المجالات كافة, وفي هذا التوقيت بالذات الذي كان السودان صاحب الساحل البحري الممتد لمئات الأميال والعديد من الموانئ البحرية يتخلص من آخر بواخره, كانت شركة الخطوط البحرية الإثيوبية, تخيلوا معي أكرر الخطوط البحرية الإثيوبية المملوكة بالكامل للحكومة الإثيوبية, ولاحظوا معي أن إثيوبيا لم يعد لها ساحل ولا منفذ بحري منذ نحو خمس وعشرين عاما بعدما استقلت إرتريا تاركة إثيوبيا بلداً مغلقاً, كانت تحتفل بإنجازاتها عندما اطلعت عليها ضربت كفاً بكف دهشة مما علمت وكنت أحسب نفسي مطلعاً بشكل جيّد على أحوال إثيوبيا السياسية والاقتصادية, وإليكم حصيلتها سائلاً الله ألا تصيبكم بدهشة تجعل الحليم حيران كما حدث لي.
وإليكم القصة كما روتها صحيفة "كابيتال" الإسبوعية الاقتصادية الإثيوبية, ففي الحادي والعشرين من مايو المنصرم احتفلت الخطوط البحرية الإثيوبية بيوبيلها الذهبي, خمسون عاماً مرت على إنطلاقتها نصفها عندما كان لها ساحل وموانئ ولكنها ظلت مواكبة ومتطورة حتى بعد أن فقدت إثيوبيا سواحلها في الخمس وعشرين عاماً الماضية. المتحدث باسم الخطوط البحرية الإثيوبية عثمان علي أبلغ الصحيفة أن الشركة التي تطورت ليصبح إسمها "المشروع الإثيوبي للنقل البحري والخدمات اللوجستية" تملك اسطولاً يتكون من خمسة عشر باخرة, من بينها تسع بواخر حديثة أضيفت أخيراً لتجديد الأسطول, مشيراً إلى أن الطاقة التشغيلية للمشروع مصممة لنقل أربعمائة ألف طن سنوياً, ولتحقيق عائدات إجمالية بقيمة عشرة مليارات بر إثيوبي, أي ما يعادل نحو خمسمائة مليون دولار سنوياً, ولتحقيق صافي ربح سنوي بنحو خمسين مليون دولار, وكشف المتحدث أنها حققت خلال الاشهر الثمانية الماضية من السنة المالية الحالية عائدات بلغت 6.7 مليار بر, أي ما يعادل نحو 340 مليون دولار, وسجلت صافي ربح خلال هذه الفترة بلغ 40 مليون دولار.
الرئيس الإثيوبي مولاتو تشومي أثنى في ذكرى اليوبيل الذهبي للخطوط البحرية الإثيوبية على دورها المتعاظم في النهضة التي تشهدها بلاده بسبب إسهامها في تسريع عجلة التنمية بفضل الخدمات التي تقدمها. اما الاحتفال نفسه فقد أقيم في جيبوتي التي يستضيف ميناؤها أسطول النقل البحري الإثيوبي حيث جرى تدشين البواخر التسع الجديدة, بحضور الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي, وشارك فيه رئيس الوزراء الإثيوبي هايليمريام ديسالين, ونائب رئيس الوزراء ديميكي مكونن, ووزير الخارجية تواضروس أدحنوم, ووزير النقل ويركنيه جيبيهو.
شكر رئيس الوزراء ديسالين في كلمته حكومة وشعب جيبوتي لدعمهم جهود إثيوبيا لتوسيع وترقية طاقة أسطولها البحري لنقل صادراتها إلى أرجاء العالم المختلفة, مدعومة "بمزيج صحيح من السياسات المناسبة والقيادة الاستراتيجية للحكومة الإثيوبية" على حد تعبيره, وقال إن الاقتصاد الإثيوبي شهد على مدار السنوات العشر الماضية نمواً مضطرداً أخرج الملايين من مواطنيه من دائرة الفقر, مضيفاً "ولكي نضمن استدامة نمو إثيوبيا والسلام والاستقرار, فإن دول القرن الإفريقي الأخرى بما فيها جيبوتي تحتاج لأن تنمو أيضاً".
واعتبر رئيس الوزراء الإثيوبي إن تدشين البواخر التسع الجديد يؤكد ريادة بلاده في التكامل الاقتصادي واحترامها لقيم المنافع المتبادلة مع شركائها, وأضاف أن إثيوبيا وجيبوتي تتمتعان بعلاقة صداقة وتبادل منافع, وتبحران معاً في مجالات الاقتصاد, والتجارة, والأعمال, والأمن, والسياسة, والعلاقات الاجتماعية بين الشعبين, وأشار إلى أن بناء خط السكك الحديدية الجديد بين البلدين يعطي مثالاً حياً على التكامل من أجل مصلحة الجميع.
الرئيس الجيبوتي إسماعيل قيلي أكد في كلمته "نحن نعتقد أن إثيوبيا هي جيبوتي, وأن جيبوتي هي إثيوبيا, لا فرق على الإطلاق". وقال إن تدشين البواخر الجديدة للخطوط البحرية الإثيوبية سيعزز الشراكة التعاونية للبلدين, وسيزيد من من مجالات التعاون, وسيقوي من العلاقات المتميزة أصلاً بين شعبي وحكومتي الدولتين.
أما أبوبكر عمر هادي رئيس هيئة الموانئ والمناطق الحرة الجيبوتي فقد ذكر أنه طوال الخمسين عاماً الماضية ظلت الخطوط البحرية الإثيوبية تستخدم الموانئ الجيبوتية بدون أية عراقيل أو عوائق, وأنها ظلت تقدم خدمة متميزة لزبائننا, والنتيجة  واضحة وظاهرة للعياناليوم, فقد نمت وتطورت المؤسستان على نحو هائل".
وكشف المسؤول الجيبوتي عن معلومة مهمة للغاية حين أعلن أن الخطوط البحرية الإثيوبية هي الخطوط البحرية الوحيدة في كل إفريقيا جنوب الصحراء التي تملكها وتديرها مؤسسة وطنية. واعتبر أن هذا النجاح التاريخي معرض لمخاطر وتحديات تتطلب وضع قواعد منظمة مناسبة تحمي وتحافظ على دور الشركات الوطنية في الساحل الإفريقي.
قصدت ترجمة هذا التقرير المطوّل بشأن الخطوط البحرية الإثيوبية لأنه يُغني عن التعليق فهو يحدّث عن نفسه, ولأن فيه من الإجابات والعظات والعبر ما يكفي لينبئك لماذا وكيف تحافظ إثيوبيا على مؤسساتها ومقدراتها وتعمل على تطويرها, في قت تعمل عندنا معاول الهدم على تدمير ركائز الاقتصاد السوداني في الإنتاج والخدمات, ثم تفاجأ بأن ذلك كله يُقيد ضد مجهول مع أنه معلوم للكافة.
لا أزال أذكر جيّداً يوم الثامن من يناير عام 2002 عندما اصطحب الرئيس عمر البشير ضيفه الكبير رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل مليس زيناوي إلى بورتسودان لتفقد الموانئ والمناطق الحرة توطئة لتوقيع اتفاقية تتيح لإثيوبيا استخدام الموانئ السودانية في تجارتها الخارجية, وارداً وصادراً, وتم منح إثيوبيا مساحة مليون متر مربع في البحر الأحمر لتستخدمها كمنطقة حرة لتسهيل حركة بضائعها. والآن وبعد اثنتي عشر عاماً مضت على ذلك ما الذي حدث؟ لا شئ على الإطلاق ضاع ذلك المشروع الذي كان يؤهل السودان للدخول بقوة إلى عالم الاستثمار في موقعه الجغرافي والاستفادة من موانئه الواقعة في منطقة استراتيجية لخدمة العديد من الدول الإفريقية المفتقرة لإطلالة على سواحل بحرية, كالسوق الإثيوبي الذي يبلغ تعداد مستهلكيه تسعين مليون نسمة ومن ورائه عشرات الملايين إن لم نقل مئات الملايين من سكان الدول المغلقة كأسواق محتملة لإنعاش الحراك وتبادل السلع عبر الموانئ السودانية,.
للأسف  أُهدرت هذا السانحة الذهبية كما أُهدرت العشرات غيرها من الفرص بسبب فقر الخيال, وقلة الحيلة, وتواضع إمكانات وقدرات الذين ابتلي السودان بإداراتهم العاجزة لاقتصاد وموارد السودان وفرصه الضخمة, وفوق ذلك كله وأسوأ منه شح النفس والطمع في المكاسب الذاتية على حساب المصالح العامة, لذلك تبددت فرصة تلو الأخرى, ومع ذلك نشكو ونتساءل لماذا يتقدم غيرنا من الدول على قلة مواردها مقارنة بالسودان, ونتعثر واقفين في محطة العوز والبؤس وانتظار أن يتفضل علينا الآخرون بالمساعدة.
أليس غريباً أن يقف السيد وزير المالية أما المجلس الوطني الأسبوع الماضي متهماً الحكومة ب"الالتفاف على سياسة الخصخصة التي تبنتها الدولة منذ تسعينات القرن الماضي، واحتكار "البزنس" و"الطلوع من الباب" بتصفية شركات و"الدخول من الشباك" بإنشاء شركات جديدة ذات صلة بالحكومة" نحو ما تناقلته التقارير الصحافية. وأعرب عن أمله في أن يضبط قرار مجلس الوزراء الخاص بعدم تسجيل أي شركة أو مؤسسة إلا بموافقة المجلس نفسه، سلوك الحكومة ويخرجها من النشاط الاقتصادي" ومضى مستعيناً بمقولة ابن خلدون الشهيرة  "لو عمل السلطان بالتجارة لفسدت التجارة ولفسد السلطان". وهو توصيف يختصر أرتالاً من المقالات الناقدة لواقع الحال.
وهذا كلام جيّد, أو في الحقيقة اعتراف مثير من وزير المالية والاقتصاد الوطني حول أمر يعرفه الجميع ولكنه يكتسب قيمة إضافية أنه يأتي من الحارس الرسمي لخزانة الدولة واقتصادها, ولكن من هي هذه الحكومة التي يشكوها السيد الوزير, ولمن يشكوها, يا ترى هل تحكم السودان دولة خفية, أو جماعة تلبس طاقية الإخفاء تعيث فيه فساداً ونهباً منظماً دون أن يجرؤ أحد على الإشارة إليها, حتى أصبح عادياً أن نسمع المسؤولين المفترض أنهم ولاة أمر ما يليهم من شأن عام يتحدثون شاكين من أشياء هي من صميم مهامهم, ويكتفون بالتعليق وتوصيف الحال المائل يزاحمون الصحافيين وكتّاب الرأي في صميم واجباتهم, والحق أن وزير المالية لم يكن هو من رمى بحجر في هذه البركة الىسنة من الفشل التّام في إدارة الاقتصاد الوطني, فقد سبقه مسؤولون كثر أرفع شأنهم, والحال هذه الكل يبكي فمن سرق المصحف؟.




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.