من أطرف الحكايات التي راجت في الأوساط الصحافية مطلع تسعينيات القرن الماضي إبان أزمة الغزو العراقي للكويت تلك الطرفة التي نُسجت على مفارقة الموقف المتشدّد التي اتخذته حكومة "الإنقاذ" حينها والذي فُهم على نطاق واسع بأنه دعم للموقف العراقي, حتى بدا فيه ملكياً أكثر من الملك, وتقول النكتة أن وسطاء نجحوا بعد لأي شديد في إقناع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالإنسحاب من الكويت لتفويت الفرصة على الولايات المتحدة لشنّ الحرب لتحرير الكويت, بيد أن صدام بدا محتاراً وقال للوسطاء "خلاص أنا اقتنعت انسحب, بس البيقنع لي الرئيس البشير شنو"؟ وتضيف الطرفة أن الوسطاء جاءوا إلى السودان ونجح مسعاهم في إقناع الرئيس البشير, وبدوره قال لهم "أنا اقتنعت, لكن البقنع لي تيتاوي شنو"؟ وكان الدكتور محي الدين تيتاوي وقتها رئيس تحرير صحيفة "الإنقاذ الوطني"التي شكلت فصيلاً إعلامياً متقدماً في دعم الموقف العراقي.
تذكرت تلك الطرفة, بكل مغزاها, وأنا أقرأ في صحف الأمس تصريحاً للأستاذ كمال عمر الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي من غرائب ما سمعنا من تصريحات سياسية, ولا أدري في أي أبوابها يمكن تصنيفه, وللمفارقة كتبنا بالأمس ننعى على الحزب الحاكم تصريحات مسؤوليه الشاطحة, حتى أتانا خبر كمال عمر اليقين الذي أعلن فيه أن حزبه متمسك بالحوار الوطني ولو سيق قادته إلى المعتقلات زمراً, وهو تصريح من طرافته تذكرك بتلك التي قيلت أيام الحقبة المايوية "نحن مع السيد الرئيس فيما قال, وفيما سيقول".
يعرف الناس ما آل إليه حال مبادرة الحوار الوطني بعد كل التطورات الدرامية التي شهدتها الساحة السياسية في الآونة الأخيرة, وما إٌقامة السيد الإمام الصادق المهدي في معتقل كوبر إلا أحد مفارقاتها, ذلك أنه حتى قادة المؤتمر الوطني باتوا في شأن مبادرتهم للحوار من الزاهدين, ولم يعد أحد يسمع منهم تلك "التحانيس" التي كانوا يحرصون عليها لإلحاق القوى التي قاطعت المبادرة من أول وهلة, حتى غدت يتيمة لم تجد من يحاول تذكير الناس بها متمسكاً ومؤمناً بها كإيمان العجائز إلا حزب المؤتمر الشعبي.
وحتى في هذا الحزب لم يعد من نصير مذكر بها إلا الأستاذ كمال عمر حتى كادت تصدق عليه إسقاطات طرفة حرب الخليج التي أوردناها آنفاً, فقادة الحزب الحاكم انصرفوا عنها مشغولين بالإستعداد لإجراء الانتخابات في موعدها, بمعنى أنهم أصبحوا مقتنعين أن دابة مناوراتهم قد أكلت منسأة الحوار وأن عليهم الانشغال بما هو أهم وأدعى للحفاظ على سلطتهم, والشيخ حسن الترابي الذي كان الأكثر حماسة للتبشير بالحوار أعلن أنه نذر للرحمن صوماً ولن يكلم إنسياً من أهل الصحافة والإعلام, وهي إشارة لطيفة إلى أنه ربما اقتنع أن الخرق اتسع على الراتق, بيد المشكلة الآن هي الأستاذ كمال عمر, فمن يقنعه بعد تصريحه الفخيم هذا أن "مولد الحوار قد انفض"؟.
مأزق أخونا كمال عمر تورّطه في مواقف حنبلية لا تصلح لمشتغل بالسياسة, فهو نفسه من تصدى لمحاورة كرسي فارغ كان يفترض أن يشغله ممثل للمؤتمر الوطني في برنامج فيصل القاسم بعد خطاب الوثبة الشهير, وأوسع فيه قادة الحكم تبكيتاً وتقريعاً وتكذيباً في جدية دعواهم للحوار, وها هو نفسه اليوم يحاول عبثاً إقناع الناس بجدية من كذبهم بالأمس واتهمهم في مروءتهم الوطنية نافياً عنهم أي صلاح يُرجى.
لست ألوم المحامي كمال عمر, وإن كنت أرثى لحاله فقد كان أولى به أن يرفق بنفسه ويصون شيئاً من مصداقيته إن لم يكن ذلك مما يهم حزبه الذي كان يفترض به أن ينتدب شخصاً آخر للتعبير عن مرحلة جديدة في مواقف المؤتمر الشعبي تخالف وتناقض تماماً مواقفه المعلومة على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية. وهو أمر ينطبق أيضاً على قيادة الحزب الحالية بمن فيهم الأمين العام, فليس معقولاً ولا منطقياً بغض النظر عن الأسباب الغامضة التي دعته للإنقلاب مائة وثمانين درجة على مواقفه المتطرفة السابقة ضد النظام بكل تبعاتها أن تظل هي القيادة نفسها صالحة لكل المواسم. والخطوة الوحيدة المعقولة هي أن يعود المؤتمر الشعبي أدراجه من حيث أتى إلى حضن الحزب الأم المؤتمر الوطني ما دام بات مولعاً بمبادرته للحوار إلى هذه الدرجة فربما كان ذلك أجدى للبلاد التي طحنتها الانقسامات الحزبية العبثية.