عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إن كان لمنتدى الاستثمار والأعمال السوداني الإثيوبي الذي انعقد في أديس أبابا مطلع هذا الأسبوع من حسنة واحدة  فهي أنه كشف عن البون الشاسع بين البلدين في إدارة الاقتصاد ومن ثم القدرة على التحكم في مسارات الأداء الاقتصادي والنجاح في الإمساك بعوامل تحقيق نتائج إيجابية في استدامة الاستقرار والنمو الاقتصادي.
وقبل الدخول في التفاصيل فمن المؤكد أن ممثلي الجانب السوداني من رجال الأعمال المستثمرين والرسميين قد أحسوا بهذا الفارق من خلال وضوح الرؤية ونجاعة السياسات وفاعليتها التي قدمها نظراؤهم الإثيوبيين ليس فقط من واقع التقارير بل من واقع المشاهدة الحية على أرض الواقع لعجلة النمو المتسارعة التي تشهدها إثيوبيا التي حولت البلاد إلى ورشة بناء كبيرة على الصعد المختلفة في البنية التحتية وفي التصنيع وفي مجالات الإنتاج الزراعي مما جعلها قبلة جاذبة لتدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة.
والسؤال المهم لماذا نجحت إثيوبيا في الحفاظ على معدل نمو برقمين "متوسط 11%" على مدار السنوات العشر الماضية, في حين تراجع أداء اقتصاد السودان بشدة في أعقاب تقسيم البلاد ليتراجع من متوسط 8% حققها على مدار سنوات فورة النفط حتى استقلال دنوب السودان وخسارة معظم الاحتياطيات والعائدات النفطية ليتراجع بشدة إلى نمو سالب بفعل صدمة "الانفصال". مع أهمية الإشارة إلى أن تركيبة الاقتصاد في البلدين تكاد تتشابه إلى حد التطابق حيث يشكل القطاع الزراعي بشقيها النباتي والحيواني نحو أربعين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وتعتمد عليها حياة نحو ثمانين بالمائة من السكان, بينما يحقق قطاع الخدمات ما يفوق الثلث بقليل, وتشكل الصناعة نحو عشرة بالمائة من تركييبة الناتج المحلي الإجمالي.
وفي مجال التجارة الخارجية تتقارب كذلك المؤشرات بين البلدين فصادرات السودان خلال العام الماضي, بخلاف النفط, حققت نحو ثلاثة مليار دولار من بينها مليار دولار عائدات تصدير الذهب, ومليار نصف مليار دولار عائدات الصادر الزرعي والحيواني, وفي جانب الواردات فقد بلغت نحو عشرة مليارات دولار ذهب ربعها لاستيراد منتجات غذائية.أما في إثيوبيا فقد أشار آخر تقرير قدمه حاكم البنك المركزي تكلولد اتنافو للبرلمان الأسبوع الماضي عن مؤشرات أداء الاقتصاد في الربع الثالث من السنة المالية الإثيوبية إلى أن الصادرات حققت خلال هذه الفترة ثلاثة مليارات دولار, بينما تجاوزت الوارادت عشرة مليارات دولار, وعزا ارتفاع العجز في الميزان التجاري إلى أن تباطوء نمو الصادرات إلى نسبة اثنين بالمائة بسبب تراجع أسعار وحجم صادرات إثيوبيا الرئيسية البن والذهب واللحوم, في حين نمت الواردات بنسبة سبعة عشر في المائة.
ولكن مع هذا التقارب في أرقام بعض المؤشرات الاقتصادية ببن البلدين إلا أن الاقتصاد الإثيوبي يتمتع باستقرار ونمو أكثرمن نظيره السوداني, فالتضخم تحت السيطرة الكاملة بفضل قبضة السياسات الحكومية في إدارة السيولة, وهو ما انعكس على استقرار قيمة "البر" العملة الوطنية فعلى مدار عام كامل لم تفقد العملة أكثر من أربعة بالمائة من قيمتها, في حين لا يتعدى فرق سعر العملة بين السعر الرسمي والسوق الموازي خمسة بالمائة, كما يحتفظ البنك المركزي باحتياط نقد أجنبي يقدر بمليارين ونصف المليار دولار.
وبالطبع فالمقارنة ليست في صالح الاقتصاد السوداني بأي حال وبفارق كبير مما هو معلوم للكافة جراء عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي فالعام المنصرم انتهى بتسجيل السودان أكبر معدل تضخم على مستوى العالم حسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي, وفقدت العملة الوطنية في غضون ثلاث سنوات من تقسيم السودان ثلاثة أضعاف قيمتها, ويكاد الفرق بين سعر العملة في السوقين الرسمي والموازي تبلغ الضعف, ويكابد البنك المركزي في بناء احتياطي للنقد الأجنبي لمقابلة احتياجات الواردات في ظل الفجوة الكبيرة بين الوارادات والصادرات التي قادت لعجز كبير في الميزان التجاري الذي زادته الحرب الأهلية في جنوب السودان طيناً على بلّة بتراجع الصادرات النفطية وبالتالي تناقص التعويضات المرجوة منه التي كانت الرئة الوحيدة لتنفس الاقتصاد السوداني في ظل محدودية نمو قطاعات الإنتاج الحقيقي, وتعثر تدفقات الاسثمارات الخارجية المباشرة.
لست هنا في وارد مناقشة ما دار في المنتدى عن آفاق تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين وهي بلا شك مهمة قد دار حولها نقاش عميق وجدل واسع وأترك ذلك لمناسبة آخرى, ولكن قصدت في هذا المقال التمهيدي مناقشة الإطار السياسي والاقتصادي الأوسع الذي تجري في فضائه الجهود المبذولة لتقوية أواصر التكامل والتعاون بين البلدين الجارين اللتين تربطهما الكثير من المصالح المشتركة التي من الممكن أن يؤدي تهيئة الشروط الملائمة لتنميتها والاستفادة من الدروس والتجارب والعبر التي مرت بها كل من البلدين إلى إطلاق قوة اقتصادية هائلة في هذه المنطقة من العالم, ولكن ذلك بالطبع لا يتم بالتمنيات ولا بتوفر حسن النية, ولكن يلزمه عمل جاد وصبور ومدروس ومسؤول, وأهم من ذلك كله الإنطلاق من منصة متقاربة في الاستراتيجيات والسياسات واساليب إدارة الاقتصاد.
وما من شك أن الفارق في الأداء الاقتصاديبين البلدين يعود بصفة أساسية إلى اختلاف طبيعة النظامين الحاكمين في الخرطوم وأديس أبابا في رؤيتهما لمفهموم الحكم وإدارة السلطة ومدى الإلتزام بالمسؤولية تجاه شعبيهما, وهو ما يترتب عليه بالضرورة كل الاستراتيجيات والسياسيات والخطط التيتسعى كل دولة إلى تنفيذها, والعبرة بالنتائج المتحققة بالفعل وليست تلك المتوهمة أو التي يبحث لها عن تبريرات ليتم عليها تعليق الأخطاء  والفشل في بلوغ الأهداف المعلنة. ومن المعلوم أن النظامين بقيا في السلطة للفترة نفسها تقريباً, لنحو ربع قرن من الزمان, وبالطبع قراءة مردود هذه الفترة على الشعبين وفق المؤشرات الاقتصادية والتنموية الموضوعية واستدامتها هو وحده الكفيل بتبيين أثر الاختلاف في إدارة الشان العام في البلدين الجارين.
ويحضرني في هذا ما طرحه الأكاديميان البارزان دارون أسيموقلو وجيمس روبنسونفي كتابهما الشيّق "لماذا تفشل الأمم؟" الذي يحاول الإجابة عن سؤال كيف يمكن لدولتين تشتركان في الخلفيات نفسها في العديد من المكونات ومع ذلك من الممكن أن تكونان مختلفتين جداً في النتائج وهو ما قاد لطرحهما نظرية تفترض أن النهوض والمواطنة لا تتحقان إلا في ظل "مؤسسات ضامنة ومستوعبة".
ويشير أسيموقلو روبنسون إلى دور المؤسسات المحلية والنخب السياسية والاقتصادية الإقصائية في ذلك باعتمادها على "المؤسسات الاقتصادية النهّابة" غير المحفزة للنمو والمنتجة للتخلف والتي تقود بالضرورة إلى نشوب النزاعات. ويعتقد أسيموقلو وروبنسون أن انفجار الحرب والعنف هما نتيجة وليسا باعثاً على انهيار الدول الذي يقع عندما تفشل الدولة تماماً في تسخير الإمكانية الكبيرة لمجتمعها في النمو. وتكمن المأساة في أن هذا الفشل يتحقق عمداً بفعل "المؤسسات الاقتصادية النهّابة" التي تتحكم في هذه الدول عن قصد لخدمة مصالح النخب التي تستخدم نفوذها لإخضاع المؤسسات السياسية والتلاعب بها. والدول المبنية على هذا النوع من الاستغلال لصالح النخب المحتكرة تنتهي إلى الفشل.
ولعل وعي القيادة الإثيوبية بهذه الحقائق هو الذي دعاها لأن تتبني استراتيجيات وسياسات تجعلها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم, وفي مقدمة الدول الإفريقية المقدر لها أن تحدث تحولاً لافتاً في أوضاعها الاقتصادية وتسجل فيه تقدماً مضطرداً, وهي كما أشرنا فإن ذلك لا يتحقق بالأماني أو بضربة حظ أو خبط عشواء, ولذلك فإن الأسباب التي جعل إثيوبيا تتبوأ هذا المكانة هي ما لخصه أحد المسؤولين في ورقته المقدمة للمنتدى بالسلام والاستقرار السياسي, واستقرار الاقتصاد الكلي, وفي زيارة للوفد السوداني لإحدى المناطق الصناعي الحرة الكبرى المتعددة الأغراض التي حققت نجاحاً سريعاً مذهلاً, سأل أحد رجال الأعمال السودانيين أحد الصينيين الذي يديرون تلك المصانع المنتجة لبضائع معدة للتصدير مباشرة قائلاً "نحن في السودان من أدخلناكم إلى إفريقيا, فلماذا لم تفعلوا لنا ما فعلتوه مع الإثيوبيين في تطوير المناطق الحرة" وكنت رد الصيني بسيطاً ومباشراً"قل للسودانيين أن يوقفوا الاقتتال ويحققوا السلام, ستجدوننا هناك".
والسبب الثاني في النهوض الإثيوبي ما وصفه ذلك المسؤول ب "النمو المتسارع المنحاز للفقراء", والحكم الرشيد, وعدم التسامح المطلق مع الفساد, ولعل في قصة الحكومة الإثيوبية في إلتزامها الصارم بمحاربة للفساد وقائع أن يجب أن تسجل وتروى بكثير من العبرة للصرامة التي تمسّكت بها في تطبيق شعارات "طهارة الحكم" ولم تجعل في ذلك حصانة لكائن من كان فقد دفع تامرت لايني أول رئيس وزراء في عهد الجبهة الشعبية الثورية للشعوب الإثيوبية اثنتي عشرة سنة من عمره في السجن جزاء تورطه في فساد, وما كان ذلك بسبب ضخامة القضية ولكن في قيمة أن يتورط مسؤول في مقامه في تكذيب التزام السلطة الجديدة بالنزاهة ونظافة اليد. ولم يكن هو سوى نموذج فقط فقد لحق سيف القانون والمساءلة أيضاً بعد ذلك وزير الدفاع الأسبق سيا أبرها, وهو من هو الشخصية البارزة في نضالالجبهة لثورية لتحرير التقراي, عماد الجبهة الحاكمة, ولم يعصمه ذلك من أن يدفع ثمن تنكّره لمبادئ رفاقه والتزامهم بالاستقامة في عهد السلطة, ولذلك فإن عندما يقول المسؤولون الإثيوبيون إن أحد أسباب نهوض بلادهم هو عدم التسامح مطلقاً مع الفساد فإنهم يعنون ما يقولون.
غير أن السمة الآخرى الأكثر بروزاً في الفرق بين نمط الإدارة الاقتصادية بين البلدين هونهج الحكومة الإثيوبية المتمسّك بضرورة السيطرة والتحكم في إدارة الاقتصاد مقابل دعوى الحكومة السودانية الإلتزام بمبادئ"السوق الحر" في إدارة الاقتصاد, فقد كانت أغلب شكاوى السودانيين المستثمرين حاليين في إثيوبيا أو الراغبين في ذلك من قوة قبضة السلطات الإثيوبية وتحكمّها في إدارة العملية الاقتصادية, كما هو واضح من سيطرتها على حركة رؤوس الأموال والتحويلاتاولمؤسسات المالية والمصرفية والاتصالات, وحجة الحكومة الإثيوبية واضحة كما أبانها وزير الصناعة أحمد أبتيو بقوله إن مفهوم حكومته وطبيعة سياساتها تقوم على إدارة الاقتصاد بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي, لأنها لا تستطيع المغامرة بتبني سياسة اقتصاد السوق الحر في بلد يبلغ تعداد سكانه تسعين مليوناً يواجه أغلبهم غوائل الفقر, ولا يمكن للحكومة أن تهزم سياستها الاجتماعية في مكافحة الفقر بإطلاق غول السوق الحر, وضرب مثلاً لماذا لم تقدم الحكومة على خصخصة قطاع الاتصالات قائلاً أنها تعتبرها ليست رفاهية بل خدمة أساسية وأداة في التنمية ولا تريد أن تجعل الخدمة التي تقدمها لتنمية المجتمع ومكافحة الفقر بتقديمها بأقل تكلفة نهباً لمضاربات السوق.
ويقول الوزير الإثيوبي إن بلاده لم تصل بعد لمرحلة إطلاق إدارة الاقتصاد لآليات السوق في غياب البنى الاجتماعية والاقتصادية الاساسية والضرورية لتحقيق ذلك, لأن هدفها الاساسي هو ضمان استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي وحماية فقراء المجتمع, وهو ما نجحت فيه إثيويبا بالفعل بكل إمتياز, بيد أن اللافت في هذا الخصوص أن هذا الدور الحاضر بقوة للحكومة في إدارة الاقتصاد لم يمنع تحقيق هذا الهدف, ولم يعرقل تسارع وتيرة نموها, والأهم من ذلك أنه ضمن لها استدامة معدلات نمو عالية, وتدفق استثمارات خارجية مباشرة هائلة على نحو غير مسبوق.
والسؤال ما هو النفع الذي جلبته الحكومة السودانية على البلاد بتبني سياسة السوق الحر على نحو يكاد أعمى؟ هذا سؤال تطول الإجابة عليه نتركه لمقال قادم بإذن الله.