في ظني أن آخر ما يمكن أن توصف به "التظاهرات" الرسمية, والحملات الإعلامية المتلهفة التي تطارد حالياً موظفين حكوميين بتهمة إرتكاب تجاوزات واستغلال نفوذ لتحقيق مكاسب ذاتية, آخر ما يمكن أن يُطلق عليها "حرب ضد الفساد" نحو ما يحاول بعض المسؤولين الحكوميين التباهي به باعتباره من إنجازات وبركات المرحلة الجديدة التي "أنهت عهد التمكين" وكذلك "أكل المال العام".
المؤسف في هذا المشهد برمته, وأنا هنا لا أدافع عن أشخاص تحوم حولهم شبهات أو اتهامات محددة فلست معنياً بأعراض المرض بل بأسبابه, هذه المحاولة المحمومة لتحميل أفراد مهما علت مرتبتهم الوظيفية "أوزار القوم" كلها, أو بالأحرى تنصيهم رموزاً لفساد مردود أسلوب النظام الحالي في إدارة الشان العام على مدى خمس وعشرين عاماً حسوماً, وأخطر ما يجري في ظل الحملات الحالية, والتي يشارك فيها البعض بحسن نية أو من باب الحماسة للوقوف في وجه الفساد, أن تتم عملية تقزيم واقع الفساد إلى مجرد تعديات على أراض حكومية, أو فساد هذا الطرف أو ذاك.
ومن الواضح أن تجزئة النظر في المشهد بكامله والاكتفاء بمطاردة حدث هنا وقصة هناك باتت أفضل وسيلة لإخفاء أو تغطية حجم ومدى وعمق الفساد الذي ضرب الدولة السودانية, وإلا فأنظروا ما أن انفجرت حكاية موظفي مكتب الوالي حتى هجر الرأي العام سريعاً قصة الأقطان الشهيرة وتراجعت في الأذهان والألسن حتى لم يعد يذكرها أحد مع كل تلك الضجة الهوجاء التي أثارتها, ثم جاءت قضية وكيل وزارة العدل حتى هجر الإعلام دفعة واحدة مطاردة متهمي مكتب الوالي, وهكذا دواليك, علينا أن نستعد من الآن لقصة جديدة تلهينا في مطاردة وافد جديد إلى محفل تهريج بإمتياز باسم الحرب على الفساد.
ثمة سؤال يغفل عن إثارته المنخرطون في حماسة في قصص الفساد المثارة حالياً التي مهما عظمت في أذهان الناس أرقامها المليارية تبقى صغيرة ومجرد نزوة عابرة, وربما حوادث فردية, عندما تأتي لتقارنها فيما فعله الإفساد حقاً في نظام إدارة الدولة السودانية, وما خلفه على جسدها المنهوك حتى أرداها صريعة تتسول حفنة أموال تأتي من الخارج لإنقاذ اقتصادها المتداعي الذيانهار بفعل فساد الرأي كما أعمل فيه فساداً غياب ضميرمن تم إئتمانهم عليه.
ليس الفساد على الإطلاق هو ما يقتصر على ما فعله فلان أو علان تجاوزاً لتحقيق مصالح صغيرة, بل ينبغي أن يتوجه السؤال للإدارة السياسية والاقتصادية للسلطة الحاكمة التي خلقت هذه البيئة الصالحة لنمو الفساد وجعله مشاعاً على نحو غير مسبوق حتى بلغت الجرأة بصغار الموظفين أن يمارسوه دون خشية من رقيب ولا حسيب, آمنين من السؤال والعقاب.
ولعل المفسدة الحقيقية التي فرّخت كل هذه تم زرعها وإنباتها من أول يوم شرع فيه النظام لحاكم ما سمّاه "سياسة التمكين" وهو ما أقر به السيد رئيس الجمهورية بنفسه أكثر من مرة, وبشّر بإنهائه ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث لأن هيكل وعصب السلطة الراهنةتشكّل عليها وهو ما يجعل محاربته بغير تغيير حقيقي مجرد وعود لن تتحقق ببساطة لأن المصالح التي تأسست عليه لن تسمح بتفكيكها, ولذلك يتم الإلهاء بفساد الهامش الحكومي بعيداً عن قلب المركز.
والركن الآخر الأعظم للفساد يأتي من تلقاء إدارة الدولة من خارج مؤسساتها بكل نظمها وتقاليدها المرعية واستسلمت لتدار بواسطة أصحاب الحظوة والباحثين عن مصالحهم الذاتية قبل المصلحة العامة وفيهم ثلة من المستوزرين السابقين, ولذلك عشعش التجنيب, وانهارت الخدمة المدنية, وتحولت أيقونات الاقتصاد السوداني إلى خراب ينعق فيها البوم, هل سمعتم مثلاً بمحاسبة الذين تسببوا في تدمير مشروع الجزيرة ومن ورائه القطاع الزراعي, وهلم جرّا ما لا يمكن إحصاؤه من دمار لحق بمؤسسات كانت ناهضة, عرف عرف أحد أين ذهبت عائدات الفورة النفطية؟ّ!!!!
دعونا من أعراض الفساد البسيطة, ابحثوا في جذور المرض ومسبباته, حينها فقط تستحق أن نطلق عليها حرب على الفساد.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.