لم يعد السؤال إن كانت التسوية السياسية الشاملة خياراً لحل الأزمة الوطنية العميقة التي تحيط بالسودان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً, خاصة وقد أخذت تكتسب على نطاق واسع أرضية صلبة باعتبارها ضرورة ملحة بل أصبحت هي السبيل الوحيد الممكن لإيجاد حلول ناجعة للمأزق الوطني الراهن, بل السؤال من الذي سيتولى تحقيق هذه التسوية السياسية الشاملة هل سيتم ذلك بإرادة وطنية خالصة تتوفر لها كل الظروف الموضوعية للنجاح إن توفرت لها القيادة الرشيدة المسئولة على امتداد طيف الفاعلين السياسيين, أم ستفرضها إرادة أجنبية إن استمر عجز النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة عن التصدي لاستحقاقات الحل الوطني.
لم يعد سراً أن استطالة الأزمة السودانية وتشعبها وتعقد أوضاع البلاد على أكثر من صعيد, وفشل محاولات وجهود التسوية الثنائية والجزئية في تحقيق أهدافها المرجوة مما يقوم عليها دليلاً تدهور الأوضاع في الأمنية في دارفور على نحو غير مسبوق بعد نحو ثلاث سنوات من إبرام اتفاقية الدوحة للسلام, وتعثر محاولة تسوية قضية منطقتي جبال النوبة, وجبال الأنقسنا, قادت ضمن عوامل أخرى انعكست على تري الأحوال الاقتصادية وتزايد الأزمة الاجتماعية إلى قناعة متزايدة في الا,شاط السودانية إلى أن هناك حالة ماسة لنهج جديد في إدارة الأزمة الوطنية يتطلب مدخلاً كلياً شاملاً محيطاً بجذور الأزمة, وليس الاكتفاء بالتعاطي مع أعراضها وعوارضها, ولم يكن الوصول إلى هذه الخلاصة على النطاق الوطني إلا بعد أن تكبدت البلاد كلفة غالية لإثبات ما لم يكن يحتاج إلى إثباته إلى الاستمرار في إهراق كل هذه الدماء, وتبديد كل هذه الطاقات والإمكانيات من أجل إعادة اكتشاف العجلة.
وعلى الرغم من بديهية فرضية نجاعة التسوية الشاملة بحسبانها السبيل الوحيد الضامن لحلول وطنية فعّالة فقد تبددت الفرصة تلو الأخرى مع إصرار السلطة الحاكمة على نهج تجزئة الحلول وتفضيل التسويات الثنائية خشية دفع استحقاقات الحلول الكلية الشاملة, ومع كل التجارب المريرة التي قادت ليس إلى تقسيم البلاد فحسب الذي خسر فيها السودان وحدته ولم يكسب السلام, بل إعادة إنتاج الأزمة بحذافيرها في غربي وجنوب البلاد الجديد لتزداد تكلفة البحث عن حلول لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مجانية.
غير أنه في الوقت الذي تقف فيه الطبقة السياسية السودانية الحاكمة والمعارضة متفرجة عاجزة عن الفعل وسط حالة غيبة وعي فريدة من نوعها تتغافل عن عواقب هذه الغفلة الوطنية عن التصدي للتحديات الراهنة وتأخذها بحق, تشهد كواليس المنظمات الإقليمية والدولية حراكاً متسارعاً يسابق الزمن تجري فيه رسم خريطة مستقبل البلاد بأجندة خارجية لوطن كفّ بنوه عن القيام بمسؤوليتهم وواجبهم تجاه بلدهم ليتركوا للآخرين تقرير مصيره, مكتفين بجدل عقيم محدود الأفق منخفض الأسقف لا يرى أبعد من رقعة المصالح الذاتية والحزبية الضيقة.
ولئن كانت القوى الدولية لعبت دوراً بارزاً في تحديد قواعد اللعبة السياسية الراهنة مساندة نهج التسويات الثنائية والجزئية التي استمرأتها السلطة الحاكمة لأنها كانت تخدم أجندتها لحين, فلعله قد جاءت الوقت لتجد نفسها محشورة في زاوية ضيقة مع تغير تكتيكات الأطراف الخارجية الفاعلة في الشأن السوداني, والملاحظة الواضحة في هذا الخصوص تزايد تناغم لغة هذه الأطراف الداعية لمدخل كلي وشمولي للأزمة السودانية, فواشنطن عرابة التسويات الثنائية في السودان التي بدأها الشيخ  دانفورث منذ تفاهمات جبال النوبة في سويسرا لأول عهده ببعثه ممثلاً رئاسياً للرئيس جورج بوش الإبن في العام 2001, ومروراً بوضعه لقواعد تسوية نيفاشا, ثم انخراط من خلفوه في تسوية أبوجا. ثم اتفاقية الدوحة لسلام دارفور.
لذلك كان وقع الصدمة على الخرطوم شديداً والولايات المتحدة تطلق رصاصة الرحمة على اتفاق الدوحة حين نعته مندوبتها في الاتحاد الإفريقي أمام اجتماع مجلس السلم والأمنى الإفريقي أول البارحة بأديس أبابا, وتصفه بأنه غير مجد وقد عفا عليه الزمن, ولم تترك له نقيصة إلا وألصقتها به بعدما كتبت له شهادة وفاة وطالبت بمنبر جديد لأنه لم يعد ممكناً الاعتماد عليه, والواقع أن هذا الموقف الأمريكي الصريح لم يكن سوى الخطوة الأخيرة في سلسلة مواقف ظلت تتخذها على مدار الأشهر الست الماضية وهي تسحب نفسها تدرجياً من دعم اتفاق الدوحة التي كانت إحدى رعاتها, وتوقفت عن توفير التمويل مشروعات إعادة الإعمار, ولعل ما ساعد واشنطن على نفض يدها من اتفاق الدوحة أنه أثبت عجزه التام على إثبات وجوده على الأرض, فقد تحولت فيها أجزاء من الأقليم كانتونات خارج سيطرة السلطة المركزية.
وفي الواقع فإن الموقف الأمريكي المعلن في أديس أبابا الذي بدا وكأن الخرطوم فوجئت به وأخذها على حين غرة لم يكن في الواقع إلا إنعكاساً لمضمون ما أدلى بها المبعوث الأمريكي الخاص للسودان دونالد بوث في شهادة أمام المجموعة المختصة بإفريقيا في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي أواخر الشهر المنصرم التي وصف فيها السلام في دارفور بأنه لا يزال سراباً بعيد المنال مع تزايد العنف لأنواعه والذي أدى إلى انضمام نصف مليون آخرين إلى أرتال النازحين المنكوبين في الإقليم, وقال إن سياسة بلاده التي انفقت سبعة مليارات دولار حتى الآن على الأعمال الإنسانية, والانتقال والإعمار لمساعدة مواطني دارفور, ستواصل ضغوطها على الحكومة السودانية لتسهيل عمليات الإغاثة, والانخراط مع جميع الأطراف في عملية تسوية سياسية شاملة, واعتبر أن الحل الوحيد لوقف دوران عجلة العنف هي أن تأخذ العدالة مجراها لمحاسبة المتسببين في انتهاكات حقوق الإنسان, ومطالباً المجتمع الدولي بالضغط على لحكومة السوداني للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
ولئن كان مفهموماً أو في باب العلم العام الموقف الأمريكي عل خلفية علاقتها الطويلة الملتبسة مع الحكم الإنقاذي, إلا أن التطور الأكثر الأهمية هو ما بدا يتسرب إلى داخل المنظومة الإفريقية التي ظلت إلى وقت قريب السند والظهير الذي طالما وجدت الخرطوم عنده الدعم والمساندة في أوقات الشدة في مواجهة الضغوط الدولية التي تقودها الولايات المتحدة على وجه الخصوص, ففي خطوة لافتة اجتمعت رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي الدكتورة إنكوسوزانا دالميني زوما الجمعة الماضية مع وفد الجبهة الثورية, تحت غطاء الاجتماع بقادة حركات دارفور المسلحة, العدل والمساواة بزعامة د. جبريل إبراهيم, وحركة تحرير السودان بزعامة مني أركو, وكان لافتاً وجود التوم هجو نائب رئيس الجبهة الثورية ليؤكد على طبيعة الاجتماع الحقيقية, بيد أن المهم هو ما صرحت به الدكتورة زوما عقب اجتماعها بالوفد وقالت فيه "لدينا خيار واحد: العمل من أجل سودان مسالم, موحد, متعدد وفق هوية جامعة", وأثنت على تعهد قادة الجبهة الثورية بالعمل من أجل حل شامل متفاوض عليه في حوار وطني بمنهج كلي يخاطب كل قضايا البلاد.
ومهما يكن من أمر فإن الواقع المرير الذي تكابده البلاد مما لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله, مع تزايد تعقد المشكلات, وتلاحق وتيرة الانفلات فإن الإصرار على نهج بحث حلول لأزمات البلاد تقوم على عقد صفقات ثنائية, وحلول جزئية لم يعد ممكناً بأي حال من الأحوال, وأن المنطق القويم هو الذي يتطلب, بل ويفرض مدخلاً شاملاً وصعيداً واحداً جامعاً للحوار الوطني الجاد الذي يمكن أن يفضي إلى ننتائج إيجابية.
والوضع في السودان لم يعد ممكناً السكوت عليه أو التغافل عنه, ولئن عجزنا عن رؤية مصالح الوطنية فإن الآخرين لن يقفوا متفرجين إن رأوا مصالحهم في سبيلها لأن تضار بسبب فشل السودانيين في القيام بمواجبهم ومسؤوليتهم تجاه وطنهم, وتجاه المجتمعين الإقليمي والدولي.
لقد أصبح الخيار واحداً كما ذهبت إلى ذلك رئيسة مفوضية الاتحاد لإفريقي الدكتورة زوماالعمل من أحل تسوية سياسية شاملة, بيد أن السبيل إلى ذلك ليس واحداً, هناك طريق الحل الوطني التي تحققه إرادة أبناء السودان كافة وهو ما يتطلب قيادة واعية لهذا المفترق في اللحظة التاريخية الحاسمة الراهنة, أو طريق التسوية التي تفرضها إرادة خارجية قاهرة, والعاقل من اتعظ بما نراه يجري أمام أعيننا في طول منطقتنا وعرضها.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.