تأتي في سيرة الشعوب والأمم لحظات مصيرية فارقة قد يُكتب لها فيها النهوض من براثن الوهن إن قُيّض لها قيادة واعية ذات رؤية وبصيرة وإرادة  مدركة لاستحقاقات اللحظة التاريخية التي لا يمكن إفلاتها, أو تنزلق إلى أتون البؤس والشقاء وذهاب الريح إن فوّتت بانعدام الحس لأقدار التاريخ الفرصة التي لا يمكن أن تتكرر.
ربما لم يُعرف في تاريخ السودان الحديث أن تهيأت لطبقة حاكمة لبثت في سدة الحكم السنوات ذوات العدد كما تهيأت لمن هم الآن في السلطة , لحظة تاريخية تناسى فيها السودانيون, نعم السودانيون جميعاً, من كل الفئات ومن كل الألوان, ومن كل الاهتمامات, والتحيزات بأشكالها, تغاضوا عن إرث الخمسة وعشرين عاماً الماضية من عُمر "الإنقاذ" وجلسوا مترقبين بأمل محض أو عن قناعة وحسن إدراك بعواقب تفويت هذه الفرصة الذهبية, يستمعون لمبادرة المؤتمر الوطني لإخراج البلاد من مأزقها العميق الراهن.
كانت لحظة تاريخية تلك التي أسلم فيها كل السودانيين آذانهم الصاغية وبقلوب مفتوحة وعقول واعية في لحظة يقظة وطنية نادرة لخطاب بحجم كل هذه الآمال وفي قدر كل هذه التوقعات أن هذه فرصة ببساطة لا يمكن أن تضيع مع كل الذي نعلمه جميعاً عما بلغ إليه حالنا ولا يحتاج من أحد إلى تفصيل,ولم يسألوا أنفسهم حتى عن سر الحكمة التي هبطت فجأة على الطبقة الحاكمة وتنادت إلى هذا الخطاب عن وعي بأنها وصلت إلى طريق مسدود, وإلا فما أغناها أن تجد نفسها مضطرة إلى طرح هذه المبادرة للخروج من مأزق مستحكم هي أعلم من غيرها بكثير أنه لم يعد بوسعها مواصلة الطريق بالأفكار والأساليب ذاتها التي أفضت بها وبنا إلى هذه الحالة المعلومة من التيه الوطني.
كان مجرد وجود قادة القوى السياسية التي جاء النظام إلى الحكم ب"انقلاب" عليهم في الصفوف الأولى يرجو عندها "حلاً سحرياً" لأزمته ومأزق البلاد, دليلاً كافياً على أن مشروع "الإنقاذ" جاء يبحث عن الذي تركه "ببسطام" قبل خمس وعشرين عاماً. نعم كان وجودهم إشارة إلى إمكانية استعادة الوعي بعد طول إقصاء, ولكن بأي ثمن.أليس مطلب الحوار الوطني الشامل الذي لا بقصي أحداً كان هو نفسه الحوار المأمول الذي قطع عليه الانقلاب الطريق؟. ومن عجب أن الخطاب نعى إفلات الفرص من بين يدي السودانيين لست عقود متجاوزاً أن "الإنقاذ" تبوء بإثم نصفها على الأقل.
"إن تشخيص واقعنا على حقيقته، والتّعرف الدقيق، على ما فيه من مشكلات، يجب ألا يتحول إلى إساءة ظن مُقعِدة، في مقدرة السودانيين على الإرتفاع إلى مستوي التحدي لحل هذه المشكلات" هذا بعض ما جاء في خطاب السيد رئيس المؤتمر الوطني للأمة السودانية بالأمس, حسناً لا ينبغي أن نقفز على التشخيص الدقيق لأصل الداء, ليأتي وصف الدواء مستقيماً مفضياً للعلاج وإن كان مؤلماً وليس في ذلك سوء ظن فمجاملة المريض,عن حب أو حرص عليه, ستقضي عليه لا محالة, والمريض هنا ليس مجرد شخص بل وطن بكامله وأمة بحالها.
لم تكن المشكلة في خطاب مبادرة المؤتمر الوطني, التي انتقلت بجموع المواطنين المتطلعة للمستقبل بأمل من "المفاجأة إلى الصدمة" ومن انتظار حدث سعيد إلى الصحو على واقع صادم أرخى عليهم بليل بهيم من الإحباط واليأس, بسبب لغته التي حاولت أن ترتقي بمستوى الخطاب السياسي للحزب الحاكم من التردي الذي اصابه في مقتل وهو يتتبع لغة الحواري التي لم تكن تصدّق لمن يزعم لنفسه "مشروعاً حضارياً" إلى مصاف لغة جديدة تليق بمن يريد أن يتقدم برؤية مبصرة للمستقبل.وأخشى أن ينشغل الناس بلغة الخطاب وكاتبه وإن غمضت بعض مفرادته على الكثيرين وتصويب سهام النقد عليه بدلاً من الاهتمام بما هو أخطر شأناً.
صحيح أن خيبة أمل الناس انصرفت إلى لغة الخطاب يصبون عليها جام غضبهم وسخريتهم, بل وذهب بهم الأمل يعزّون أنفسهم أن الذي تُلي عليهم ليس هو الخطاب المقصود وأن هناك خطاب آخر يحمل إليهم الأمل لا بد أن يكون موجود في مكان ما, يذكّر بحال أبي الطيب احمد بن الحسين حين نُقل إليه نعي خولة أخت سيف الدولة التي قيل إن وداً بينهما كان متصلاً:
طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِب
حتى إذا لم يَدَعْ ليصِدْقُهُ أمَلاً شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي
تَعَثّرَتْ بهِ في الأفْوَاهِ ألْسُنُهَا وَالبُرْدُ في الطُّرْقِ وَالأقلامُ في الكتبِ
ربما لم يشرق السودانيون بالدمع, إلا أن  ذلك في واقع الحال ليس سوى غلالة رقيقة تخفي وراءها سبب الإحباط الحقيقي أن الخطاب جاء خالياً من رؤية واضحة المعالم, وخريطة طريق واجبة التنفيذ, إن أسوأ ما أحاط بخطوة المؤتمر الوطني التي كان يُفترض لها أن تكون ساعة حظه أن مبادرته التي قدمها للناس لم تشعرهم بأنهم على وشك الدخول في مهمة وطنية كبرى ولم تشوّقهم إلى دور يتجاوزن به اصطفافهم الحزبي إلى شأن قومي عام, فطفق قادته يحدثون الناس بعدما لمسوا إحباطهم بأن هذا ليسر كل شئ وأن هناك خططاً وبرامج وقرارات في الطريق, والسؤال ما دام كل ذلك موجوداً فماذا كان ينتظرون شأنهم في ذلك من يريد الوقوف بعرفة صباح يوم النحر.
ما يثير القلق حقاً في الخطاب أنه جاء خلواً من أية عملية نقد ذاتي مطلوبة بشدة من أجل الاعتراف بموضوعية عن مكامن الخلل الذي أوصلت البلاد إلى حد انسداد الأفق مما جعله يستنجد بخصوم الأمس ليس عن سعة وأريحية وحس عميق بالشراكة الوطنية ولكن لأنه استنفذ كل أحابيل الهروب إلى الأمام منفرداً بالسلطة مستأثراً بها مستقيناً بخلودها, ومع ذلك كله لا يريد الاعتراف على الأقل بنصيبه من المسؤولية عما آلت إليها الأحوال ملقياً اللوم على أطراف أو عوامل آخر يحملها المسؤولية كاملة يبرئ بها نفسه "الأمّارة بالسوء", وهو أول شرط لتحقيق مقصد حسن النية وترميم الثقة شبه المعدومة فيه.
وليس حزب بقي في السلطة خمسة وعشرين عاماً مستغنياً عن شركاء أصيلون إلا بقدر معلوم لا تمس احتكاره أن يتغافل عن أن الحال الذي بلغناه من التأزم لم يهبط من السماء فجأة, أو اقترفه مجهولون بل هو محصلة سياسات وممارسات طبقة حاكمة صنعتها بطول عهد مكوثها في السلطة, ولا يمكن أن يكتفي خطاب المبادرة بإطلاق الكلام المعسول عن "وثبة" جديدة, دون أن يقول لنا من  وكيف ومن يتحمل مسؤولية من أوصلنا إلى "الهوة" التي انزلقنا إليها, وإن كان لا يظن الأمر كذلك فما الذي يدعوه فجأة لتذكر أن هناك حاجة ملحة لحوار وطني يتداعي له الجميع, فبوسعه أن يواصل الحكم لربع قرن آخر طالما يرى أن الأمور ليس بهذه الدرجة من السوء. فليس هناك نصف اعتراف ولا نصف إقرار بالأخطاء والخطايا, بل هناك مسؤولية كاملة يجب تحملها حتى لا يصدق فيه قول البُحتري "وإذا ما الحرج رُمّ على فساد .. تبين فيه تفريط الطبيب".
وحتى لا نبدو كمن يلقي القول على عواهنه دونكم مثلاً ما ذكره الخطاب في استهلال غير موفق على الإطلاق وهو يحاول عبثاً تبرير النتائج المؤسفة التي انتهت إليها اتفاقية السلام الشامل وهو ينحي باللائمة في ذلك بالكامل على مواطني الجنوب وباختيارهم الحر للانفصال, ولحسن الحظ فإن هذا ليس تأريخاً بعيداً يمكن أن ينساه الناس بل لا يزال عهدهم به قريب وعن معايشة, وما حدث حقاً ليس انفصالاً قرره طرف واحد بل هو تقسيم للبلاد شارك المؤتمر الوطني بقسط وافر في حدوثه حفاظاً على سلطته فيما تبقى من البلاد غافلاً عن أحد مبررات الانقلاب نفسه كانت هي المحافظة على وحدة السودان, مفضلاً عقد صفقة ثنائية مع الحركة الشعبية بديلاً لتسوية وطنية شامل بدأ يبحث عنها اليوم بعد أن عزّ النصير.
ولا يمكن للمؤتمر الوطني إن كان جاداً في فتح صفحة جديدة أن يبتسر الأمور بهذا التبسيط المخل لوقائع أخطر خطاياه على الإطلاق التي تكاد تكلفه تبعاته وتداعياته سلطته, كما كلفت البلاد عنتاً وشططاً وأسلمتها إلى السيناريو الأسوأ فقدان وحدة البلاد وإعادة إنتاج الحرب, وإن كان المؤتمر الوطني لا يريد أن يتحمل المسؤولية التاريخية كاملةً عن إتخاذه قرار تقسيم السودان أن يستفتي كل مواطنيه أو يفوضه الشعب بذلك, فلا أقل من ألا يتخذها ذريعة يبرر بها المصائب والويلات التي جرتها على البلاد والعباد مما يكابد الناس اليوم بسببه وكلهم كانوا يشهدون كيف كان قادة الحكم يسفهوّن من عواقب التقسيم بدلاً من أن يتحسبوا لمآلاته التي كان يراها كل ذي عين بصيرة.
صحيح أن مبادرة المؤتمر الوطني طرحت أربعة محاور للحوار هنّ من أمهات قضايا السودان اليوم في شؤون السلام, والحرية, والاقتصاد, والهوية نعم قد لا تكون شاملة لكل ما يشغل الساحة الوطنية, ولكنها تبقى رؤوس مواضيع مهمة للنقاش حولها وإن لم تحط بالكثير من الأمور المسكوت عنها في السياسة السودانية ولكنها في الواقع هي المحرّك الأساسي لصراعاته ولأزماته التي أدخلته في هذا النفق المظلم.
ولكن الملاحظة الأساسية على أطروحات الحزب الحاكم هذه أنها تقفز على الواقع المعاش محاولة استشراف أفاقاً مستقبلية متجاهلة المعطيات الراهنة, وكـأنها برنامج لحزب يريد أن يصل إلى السلطة لتوه, وليس لطبقة حاكمة بقيت في السلطة لربع قرن لا تريد تحمل المسؤولية عن إخفاقاتها, ومع ذلك تريد أن تتوسل بهذه الإصلاحات الاضطرارية للوصول إلى تسوية وترتيبات تضمن له مواصلة السيطرة عليها لسنوات قادمة تحت لافتة جديدة, فمن السذاجة أن يظن أحد أنه يقصد بهذه المبادرة تفكيك نفسه طائعاً من أجل الوطن, وإلا لكان قبل مطلب معارضيه بـتأسيس وضع انتقالي يضمن نزاهة تنفيذ استحقاقات الحوار الوطني بين أطراف متكافئة بفرص متوازنة.
وينبغي الاعتراف للنظام الحاكم ببراعته في تكتيكات "لعبة البقاء" وبناء تحالفات جديدة مستفيداً من قدرته دائماً على عقد صفقات ثنائية مع معارضيه, تحكي بها سيرته التي تجعله الآن يقبل على النسخة الرابعة ل"الإنقاذ", فقد منحته تسوية نيفاشا بكل خسائرها  الفادحة عشر سنوات في السلطة, ومن الممكن أن يظفر بمثلها من خلال تسوية أخرى, ولكن هل تستحمل البلاد مع كل المخاطر التي تحيط بها استمرار عقلية التسويات الجزئية والصفقات الثنائية مهما كانت الشعارات المحلاة البراقة التي تغطي به هذه "الثمرة المرة"؟.
لا شك أن مبادرة المؤتمر الوطني حفلت ببعض التنظيرات الجيدة, ولكنه ليس كمثل أي حزب آخر, هو حزب أسسته سلطة قابضة تخلل شرايين وأوردة وشحم ولحم الدولة بكل مقدراتها وإمكانياتها وتماهى مع كل أجهزتها بسياسة "التمكين" التي أنكرها الرئيس البشير وأوسعها تقريعاً وبشّر بنهاية عهده, وفي وقت كان الناس ينتظرون فيه تفكيكها حسب وعده يكتشف الناس أنها لا تزال مستمرة ودونكم التعيينات التي تمت أخيراً في مؤسسات حكومية مما يشير إلى عمق مصالح منسوبي الوطني المغروزة في جسد الدولة, مما يجعل الحديث عن لعبة سياسية نزيهة متكافئة محض أماني.
وأما قد حدث ما حدث فإن أية عملية سياسية جدية لا بد لها من ضامن لنزاهتها وتكافوء فرصها, وفي هذه الحالة فالمؤتمر الوطني واحد من الفرقاء المتنافسين ولا يصلح أن يكون حكماً عليها, ولاعتبارات موضوعية فإن الرئيس البشير بوسعه أن يكون هذا الضامن ولكن ليس تحت عباءة المؤتمر الوطني, وينبغي الاعتراف أن الحزب الحاكم يستمد وضعيته الاستثنائية من رمزية المشير البشير العسكرية, فهو ليس مجرد القائد الأعلى للقوات المسلحة بحكم منصبه كرئيس للجمهورية, بل القائد العام للجيش بحكم الواقع الفعلي, وبما أن أن هناك ضرورة لوجود مؤسسة قومية ترعى الحوار الوطني وتوازن بين أطرافه فليس هناك أنسب من المؤسسة العسكرية للقيام بهذا الدور, وهو ما يقتضي أن يتحلل الرئيس البشير من رئاسة المؤتمر الوطني, وأن يمارس دوره كرئيس قومي لكل السودانيين بما يضمن نزاهة العملية السياسية, وليدع المؤتمر الوطني يكافح مصيره وليثبت وجوده إن استطاع بغير مظلة الرئيس البشير, وبدون قدرات الدولة. ونهدي في هذا المقام للرئيس البشير واحدة من حكم أبي الطيب المتنبي:
عَشِيّةَ أحفَى النّاسِ بيمَن جفوْتُهُو أهْدَى الطّرِيقَينِ التي أتَجَنّبُ

عن صحيفة إيلاف السودانية
الاربعاء 28 يناير 2014



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.