نصف رأي


سخر الكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت ممن سأله عمن يكون "غودو" الذي ينتظره الجميعمعلقين آمالهم على مجيئهولا يأتيفي مسرحيته الشهيرة  بقوله"لو كنت أعلم من هو لكتبت ذلك في المسرحية".وأخشى ألا يكون المسؤولون في الحزب الحاكم الذين اخترعوا بدعة العمل السياسي بنظرية ال"مفاجأة"على غرار مسرح العبث أحسن حالاً من السيد بيكيت أو جمهور المنتظرين في محطة القطار.
ويبدو أن هؤلاء لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً حتى بعد درس الإطاحة بكبار كرادلة الحزب, فالعقلية التي أوردتنا المهالك بفعل التصريحات الرعناء لا تزال هي السائدة مما يعزّز فرضية المنتقدين للتغيير أنه بدّل الوجوه وأبقى على الذهنية المنتجة للأزمة باقية تواصل إنتاج المزيد من "التهريج السياسي".
ومن ينظر لتاريخ "الإنقاذ" سيكتشف أن الكثير من المصائب التي جرتها على البلاد والعباد كانت بسبب تصريحات طائشة لم يكلّف مطلقوها أنفسهم عناء انتظار أن يسبق تفكيرهم لسانهم لترتدتلك التحديات ال"دون كيشوتية" ويلات وبلاءاً على البلاد لا تزال تدفع ثمناً غالياً من جرائها.
هذه الظاهرة السياسية الصوتية تكررت الأسبوع الماضي وتصريح من العينة ذاتها يبشرب"مفاجأة" الرئيس, وسرعان ما ذاعت وعمت القرى والحضر, وانطلقت ماكينة التكهنات في مجالس المدينة وحتى من الذين لا شأن لهم بالسياسية يتسألون في لهفة عما يمكن أن تكون هذه المفاجأة المنتظرة على أحر من الجمر. وكما يقول المثل "الضهبان يفتش خشم البقرة", أو "حلم الجعان عيش".
وارتفع سقف التوقعات في بورصة الشائعات من قائل بتنحي الرئيس وصعود الفريق بكري إلى سدة الرئاسة, ومن يحلم بحكومة قومية انتقالية, ومن يتمنى حل البرلمان, ومن يرغب في رؤية البشير مستقيلاً من المؤتمر الوطني ليصبح رئيساً قومياً, وإلى آخره من الرغبات المكبوتة في النفوس التي تحلم بمفاجأة ما تتعلق بها الآمال عسى ولعل تخرج البلاد من النفق المظلم الذي دخلت فيه.
وفي تقديري لو أجريت مسابقة لاختيار أسوأ تصريح سياسي لهذا العام, لنال صاحب تصريح المفاجأة الجائزة  بلا جدال. ذلك أنه لا يُتصور أن تُدار الأمور في بلد يواجه تحديات مصيرية تهدد وجوده كشأن السودان اليوم على هذا النحو  الدعائي العبثي, الذي يصلح للدعاية فيساحات اللهو والتسلية, ويذكرنا بمفاجآت الألعاب الصبيانية ورهانات "الكرتلة" المبرشمة والمضمونة.
ومهما كان الغرض بريئاً أو غير مدروس عند إطلاق هذا التصريح الأغرب من نوعه في عالم السياسة السودانية, فإنه رفع سقف توقعات الرأي العام إلى حد بعيد في ظل لعبة التكهنات المنتشرة حالياً إلى درجة أن التعريف الوحيد الذبات معتمداً ل"المفاجأة" في أذهان الرأي العام هو اتخاذ الرئيس قراراً يطال موقعه شخصياً وإلا فستكون أية تدابير يُعلن عنها مهما كانت جدية أو ذات قيمة موضوعية تتجاوز شخص الرئيس مخيبة للآمال تصنف في باب "تمخض الجبل".
ومهما يكن من أمر فإن هناك معطيات موضوعية لا يمكن توقع القفز عليها في ظل المعادلة السياسية الراهنة بكل تعقيداتها, هي التي تتحكم في الخطوة المقبلة وحدودها ومداهاوهو ما يجعل الحديث عن "مفاجأة" بمعنى الانتقال إلى مربع جديد بالكامل فوراً بمجرد إعلان يصدره الرئيس غير وارد. أما أن هناك إقراراً بالحاجة للتغيير في أوساط القيادة الحاكمة فلا شك في ذلك, وأن هناك نية لمخاطبة التحديات الخطيرة التي تواجه البلاد فذلك صحيح, وهناك إدراك بأن الوقت حان لفتح حوار سياسي واسع, ولكن لذلك شروط واجبة ولا يمكن أن يتحقق بغير تنفيذها.
ولذلك فلسنا في حاجة لأية حركة"بهلوانية" من أي نوع, ولكن بالتأكيد هناك حاجة ملحة لتحرك مسؤولوفق خريطة طريق واضحة ومحددة المعالم لعملية جدية وذات صدقية تضع قطار الحوار الوطني على الطريق الصحيح للانتقال من دولة المؤتمر الوطني إلى دولة كل السودانيين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.