نصف رأي

وكأن انزلاق الأوضاع إلى شفا حرب أهلية على تماس الانحيازات القبلية في الصراع المرير الدائر على السلطة في جنوب السودان حدث ضربة لازب بدون مقدمات وبلا إرهاصات كانت ترجح حدوثه منذ أمد بعيد وقد كانت كل المعطيات الدالة على ذلك متوفرة, بيد أن تعامل المجتمع الدولي بكل مكوناته مع هذه التطورات الخطيرة بكل تأثيراتها الإنسانية المأساوية المكتفية بإصدار بيانات بيروقراطية باردة الحس وقليلة الحيلة تشعرك وكأنها فوجئت بما يحدث, ولا ترى أثراً لتحملها المسؤولية.
وكالمعتاد هُرعت كبريات الدول لإجلاء رعاياها من أتون النزاع المستعر في الجنوب, تاركة مواطني الجنوب ليواجهوا مصيراً أسوداً, وأرسلت واشنطن عشرات من جنودها "المجهزين بشكل جيد للمعركة، انتشروا بهدف تأمين حماية مواطنين ومصالح أمريكية وسيبقون في جنوب السودان طالما تطلب الوضع ذلك" حسب تصريح للرئيس باراك أوباما. وسارعت الصين إلى إنقاذ مواطنيها العاملين في حقول النفط, وغادرت أسراب من الطائرات مطار جوبا ناجية بالمحظوظين من رعايا الدول التي تُخشى أن تحاسب على أي تقصير في توفير الحماية لهم في بلد مضطرب.
وكل هذا حسن ولا غبار عليه, ولكن من للملايين من مواطني جنوب السودان الذي يجدون أنفسهم أسرى في بلادهم لعنف النخب المتعطشة للسلطة على حسابهم بعد عشرات العقود من الحرب الأهلية مع الشمال التي أفنت زهرة شبابهم وأشبعت فيها قتلاً وتشريداً, ها هم مع تحقيق حلم الدولة المستقلة التي كانوا يُمنون بها وتُبرر بها كل تلك التضحيات الجسيمة يصحون ليكتشفوا أن عليهم دفع المزيد من الخوف والدماء والنزوح والتشرد.
صحيح أن مسؤولية هذا المصير البائس الذي يواجه إخوتنا في الجنوب يتحمله في المقام الأول الفرقاء المتشاكسون من أجل السلطة, الذين لم يراعوا في أهاليهم إلا ولا ذمة, وانصرفوا بدلاً من تعويضهم عن سنوات القهر والعذاب لأجيال بإقامة نظام حكم راشد يخاطب قضاياهم الملحة ويحقق لهم الأمن والاستقرار والتنمية, فإذا هم يعيدون إنتاج مأساتهم على نحو أفظع, "وظلم ذوي القربي أشد مضاضة على النفس من الحسام المهند".
ولكن انعدام المسؤولية الوطنية والأخلاقية عند النخب السياسية الأنانية, في الجنوب كما هو الحال في غيره, لا يعفي المجتمع الدولي عن المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع من تدهور متسارع إلى الأسوأ, ولا يكفي أن يقف الرئيس أوباما ليصدر بيان وكأنه معلق سياسي يصف"المعارك الأخيرة التي تهدد وتغرق جنوب السودان مجدداً في الأيام الحالكة التي عاشها بالماضي" وداعياً إلى "وقف المعارك فوراً الهادفة إلى تصفية حسابات سياسية وزعزعة الحكومة" في الدولة الوليدة التي أصبحت"على شفير هاوية" الحرب الأهلية.
ومسؤولية المجتمع الدولي, وهي مسؤولية تتراوح بقسط حجم ووزن الدول الفاعلة في تشكيل مواقفه, تأتي من أنه وقف متفرجاً إن لم تشجع أطراف فيه من طرف خفي تقسيم السودان, او على الأقل تخلت عن مسؤوليتها في الضغط على طرفي عملية السلام للوفاء بتعهدهما الذي بُنيت عليه التسوية الإطارية في مجاكوس, التي تشدد على أولوية الحفاظ على وحدة السودان وإقامة نظام ديمقراطي يخاطب المظالم التاريخية للجنوب ويحقق تحول في بنية السلطة بما يوفي بالمطالب المشروعة لكل شركاء الوطن.
تخلى المجتمع الدولي عن القيام بدور حاسم كان يستطيعه لتحقيق هذه الضمانة الأساسية التي توفر شروطاً موضوعية لوضع نهاية جذرية للنزاع والحروب الأهلية في البلاد, ولكن بدلاً من أن يقوم بهذا الدور لوضع حد لمعاناة المواطنين البؤساء في الماضي والحاضر والمستقبل, آثرت الدوائر المحركة للأجندة الخاصة الضيقة الانحياز لتطلعات النخب السياسية على حساب الشعوب, لم يكن الحفاظ على وحدة السودان وتحقيق تحول ديمقراطي مجرد وعد من باب طق الحنك أو التسلية السياسية ولكن كان شرطاً أساسياً لمنع تجدد الحرب أو إعاد إنتاجها.
لم تكن الحرب الأهلية الوشيكة التي يحذر الرئيس أوبامامن وقوعها في الجنوب لتحدث لو أن بلاده الراعية الرئيسية لعملية السلام كانت مهتمة حقاً بتلافي خطورة تبعات وتداعيات تقسيم السودان وهي تعلم عواقبه, ولو تعاطت بما تقتضيه مسؤوليتها في قيادة المجتمع الدولي, ولكنها تعاملت بانتهازية خضوعاً لجماعات الضغط قصيرة النظر التي تتباكى اليوم على ما يحدث, وليكون مبلغ جهدها حماية مواطنيها ومصالحها في الجنوب أما المواطنون المسحوقون فسيظلون وقوداً لأجندة لعبة الأمم وتطلعات النخب الأنانية.