من عجائب السياسية في السودان وغرائبها التي لا تنتهي انشغال نشطائها بغير الذي يليهم من هم وطنهم, فقد طفقت المسيرات والتنديدات تترى بشأن أحداث مصر, على أهميتها وضرورة أن يُدلى فيها برأي, ولكن ليس إلى درجة أن تتجاهل دماء سودانية تجري بحوراً في أرض دارفور, ليس فقط في اشتباكات الزريقات والمعاليا المؤسفة التي جرت اخيراً وفقد فيها المئات أرواحهم, بل كذلك دماء عزيزة سالت من عشرات الآلاف لعشر سنين عجاف في الإقليم المنكوب, حتى غدت أزمة منسية فضحت الجميع بالصمت على بشاعتها, وكأنها لا تعني الطبقة السياسية في شئ, أو كأنها شأن يخص فقط أهل دارفور.

ولم نسمع طوال العقد المنصرم مسيرة احتجاجية واحدة تخرج في الخرطوم, للغرابة لا من الإسلاميين الحاكمين ولا حتى من المعارضة, تندد بالذي يحدث أو تتطالب بوضع حد له, وكأنه يجري في كوكب آخر وليس في عين بلادنا, والقرآن يذكرنا "الأقربون أولى بالمعروف", وأولى بالنصرة, وأن دم الذين يلونا أحق بالقلق والسعي الحثيث لوقف إهداره من العجلة لإظهار الرأفة بغيرهم وإن استحقوا ذلك, ثم الاكتفاء بالتفرج على ما يحدث هنا. فدارفور أولى بنا, ولمصر رب يحميها.

لا نقول ذلك من باب التقليل من شأن الفظائع التي تشهدها مصر, ولا تنكراً للأرواح البريئة التي أهدرت ظلماً وعدواناً, ولا استخفافاً بالنتائج الكارثية المترتبة عليها ليس على مصر وحدها بل على المنطقة بأسرها, على الرغم من فداحة الثمن الذي تدفعه من دماء الشعوب فلن تفلح في نهاية الأمر محاولة الذين يريون إعادة الأمور إلى الوراء, لأن الحرية والديمقراطية ليست ملكاً لفئة ولا لتنظيم بل هي حق إنساني أصيل,  ومهما طال الطريق أو عظمت التضحيات فلن يصح في النهاية إلا الصحيح.

وكنت أود ان أكتب مقالي هذا الأسبوع عن مستقبل الربيع العربي بعد أحداث مصر, بيد أن الاولوية تقتضي أن نلتفت لما يلينا من مسؤولية تجاه مواطنينا واهتمام واجب بشأن بلدنا, والإستقامة الأخلاقية تتطلب أن نعمل على وقف سفك الدماء في وطننا قبل أن نظهر ألمنا لغيرنا ونعظ الآخرين بما لا نعظ به أنفسنا, كما أن استمرار التجاهل لمأساة دارفور المستمر نزيفها باشكال وألوان شتى يقدح في التزامنا الاخلاقي وفي صدقية حرصنا على مبادئ الحرية والديمقراطية عندما لا نلزم بها أنفسنا.

والأمر للأسف الشديد لا يقتصر على دارفور وحدها, فكيف ننسى أن جنوب كردفان والنيل الأزرق لا تزالا مسرحاً لحروب بين أبناء الوطن الواحد نزاعاً عبثياً حول السلطة من يدفع ثمنه حقاً هم المواطنون الأبرياء, وليس النخب المتصارعة على الحكم. ومما يؤسف له أننا لم ننس شيئاً ولم نتعلم شيئاً حتى بعد أن دفع السودان ثمناً غالياً من وحدته وتقسيم أرضه لأن الطبقة السياسية على مدار أكثر من نصف قرن ظلت تتجاهل مطالب الجنوبيين وتتنكر لها, وكان الأمل أن نتعلم أن تقسيم السودان على مرارته قد يكون قدم درساً قاسياً حتى لا نعيد إنتاج الأزمة بأشكال أخرى.

وما يحدث في دارفور بات يفوق كل خيال ويفتقر لأي منطق, وقد تعقدت طبيعة الصراع أكثر, وتاه في دروب جديدة صحيح أنه أخذ أبعاداً جديداً لكنها في نهاية الأمر ليست سوى امتداداً لتراكمات النزاع المتطاول في الإقليم وبقائه بلا حل يخاطب جذور الأزمة, فقد جرت عشرات الجولات التفاوضية وتم توقيع على ما لا يحصى من الاتفاقيات الي أخذت أسماء عواصم شتى, إلا الخرطوم العاصمة الوحيدة التي كان أولى بأن يتم فيها التفاوض الحقيقي على حل مشاكل البلاد الجذرية التي تبدأ وتنتهي بالخلل التاريخي في غياب العلاقة المتوازنة بين كل أنحاء البلاد في شراكة وطنية تعكس فعلاً مكونات البلاد المتعددة وليس تكريس سيطرة فئة واحدة على السلطة والثروة.

وغاية ما فعلته هذه المفاوضات التي لا تنتهي, والتي حولت البلاد من سلة غذاء العالم إلى "سلة المبادرات والمفاوضات", إلحاق المسلحين بركاب السلطة بصفقات تضمن لهم شيئاً من المغانم, ولكنها لا تأبه لإنهاء معاناة المواطنين الذين يتعين عليهم في كل الأحوال دفع ثمن مغامرات النخب المتصارعة على السلطة. ولذلك على كثرة هذه الاتفاقيات لم نشهد سلاماً ولا وضعت الحرب أوزارها, سوى استوزار البعض لتدور الماسأة مجدداً في الحلقة المفرغة ذاتها مرة آخرى بثمن باهظ.

ما كان المرء محتاجاً لأن ينفق كل الأسطر الواردة آنفاً للتذكير بما هو معلوم بالضرورة, ومما يراه الناس يجري تحت أبصارهم, لولا أن ما يثير الاستغراب هو الانصراف العام عن الانشغال بما يجري في دارفور بما يستحقه من عناية وأولوية قصوى, لقد أدى هذا التغاضي الرسمي والشعبي عن التطورات الجارية في الإقليم والآخذة في التدهور على نحو غير مسبوق, إلى حدوث ما يشبه الانفصال الشعوري وغياب الوعي عن أهمية التداعي لنجدة أهلنا في دارفور, وكيف يكون الجسد واحداً إذا لم تتداع له بالسهر والحمى سائر أعضائه عندما يشكو منه عضو.

والخشية أن يكون هذا الانفصال النفسي مقدمة لتكريس حالة تشرذم آخرى في جسد الوطن المثخن بجراح التقسيم, الذي يكاد يبدو  قد خروج الإقليم من سلطة الدولة التي تركته لحكامه ولقادته الأهليين يصطرعون على حلب "بقرة تحتضر". وبدا وكأن من في الحكوم لم يعد يشغل بالهم ما يجري هناك ما دام لا يشكل تهديداً لسلطتهم في المركز, وحتى الاهتمام الدولي الذي كانت تحظى به قضية دارفور أصبح شيئاً من الماضي, وقوات حفظ السلام الدولية "يوناميد" مشغولة بنفسها عاجزة عن حماية أفرادها, دعك من نجدة من ابتعثت لحمايتهم من غمار الناس المنكوبين بهذه الحرب المنكودة.

والواقع في دارفور أكثر قتامة مما تحاول هذه الكلمات تصويره, لا يغير من ذلك تجاهل الطبقة السياسية على امتداد طيفها حاكمة ومعارضة لمجرياته وعدم التحسب لتبعاته وتداعياته, أو اكتفاء وسائل الإعلام ببث أخبار حوادثه المميتة دون الغوص والانشغال العميق بما وراء مستجدات النزاع وتأثيراته الخطيرة على المواطنين ومخاطره المستقبلية على استقرار البلاد كلها.

ومما يؤسف له أن مدى خطورة الأوضاع في دارفور وانزلاقها إلى ما وراء التصنيفات التقليدية لأسباب النزاعات التي كانت تحدث على تماس الخلافات القبلية تكاد تصبح حرباً شاملة يختلط فيها الحابل بالنابل, لا يدركها إلا من يكتوون بنارها, أو انشغلوا بهمها فأصبحوا يتابعونها عن كثب, ولعل أخطر ما يجري الآن في مسألة دارفور هذا التعايش السلبي مع الأزمة والتطبيع مع أنباء كوارثها المفزعة والغفلة عنها حتى غدت وكأنها شئ طبيعي أو عادي لا يستغرب حدوثه, أو مما لا يستوجب القلق العميق بشأنه.

وما من دلالة أخطر تكشف عن عظم حجم مأساة دارفور مما أدلى به السيد رئيس الجمهورية الشهر الماضي من إفادات نادرة وصادمة في لحظة صفاء رمضانية أفصح فيها بوضوح لا لبس فيه مدى فداحة الظلم الذي وقع في دارفور بسبب الدماء التي أريقت بغير وجه حق, واسترخاص الدماء في ما لا يستحق, وأفاض في الشرح والتعبير عما يجري مستشهداً في ذلك بأيات قرآنية وبأحاديث نبوية, وأهم من ذلك كله تحديده جميع أطراف المسؤولية عن ما جرى بمن فيهم شخصه.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس البشير عن الظلم والمظالم التي وقعت في عهد الحكم الحالي, وتكرارها ينم عن أن هذا التشخيص السليم لجوانب من أزمة البلاد بات يتزايد في وعيه وإدراكه لمآلات الأمور. وأهمية الإفادات الرئاسية هذه أن من شأنها وقف أي مزايدات حزبية من أفراد في الطبقة الحاكمة يحاولون عبثاً التقليل من خطورة هذه الأوضاع, وسيكون مثيراً للسخرية أن يحاول أحدهم أن يزايد على الرئيس في توصيفه الدقيق لحقيقة ما حدث ولا يزال يحدث.

وقد كان لافتاً ومريباً كذلك أن وسائل الإعلام الرسمية والصحافة المقربة من الطبقة الحاكمة تناءت عن الخوض في إفادات الرئيس البشير الصريحة, وأن تجد ما تستحقه من اهتمام وعناية بقصد محاولة الدفع بإتجاه اتخاذ موقف فعلي على أساسها يسهم في تحقيق العدالة للضحايا ويعين في إخراج البلاد من مآزقها, فقد تناولت المسألة عرضاً ثم انصرفت عنها وتركتها لعوامل النسيان في أمر جلل لا ينبغي له أن يحال إلى إرشيف الذاكرة السياسية بهذه السهولة.

ومع أهمية إقرار الرئيس البشير بتلك التجاوزات المريعة, ومع اعتبارها خطوة متقدمة تستحق التنويه والعناية الفائقة بها, فإن المأمول ألا تقف الأمور عند هذا الحد, وطالما وصل الرئيس إلى هذه القناعة فعلاً وعبر عنها بملء إرادته فإن المنطق والمسؤولية تقتضي أن يبادر إلى اتخاذ موقف عاجل أكثر حزماً في سبيل تأسيس حراك مؤسسي معلوم يبذل الجهود الكفيلة للإسهام في إعادة الأمور إلى نصابها, وهو تحرك يقتضي معالجات مؤسسية جذرية تخاطب أصول الأزمة وليس تفرعاتها, وورفع المظالم وتحقيق العدالة لا يتم إلا برد الحقوق إلى أهلها, كما أن معافاة البلاد من أزماتها لن تتم إلا بحل شامل.

واتخاذ موقف حازم من الأوضاع في دارفور وضرورة الإلتفات إلى وضع حد لها ليست حكراً على أهل الحكم, فالطبقة السياسية بكل مكوناتها, ومؤسسات المجتمع المدني, ووسائل الإعلام والمواطنون عامة يتحملون كلهم المسؤولية الوطنية في التوقف عن اللامبالاة تجاه ما يجري على أرض دارفور, وكلهم مدعوون لأن ينشغلوا بهذا الهم وأن يسهموا بحراك شعبي واسع يعمق الإحساس الإنساني بالمشاركة الوجدانية للضحايا في نكبتهم, ويرفع الوعي بالرابطة الوطنية, ويعزز الشراكة في المصير الواحد, وأن يدفعوا بإتجاه حل شامل عاجل غير آجل لأزمتنا الوطنية التي تشكل قضية دارفور أحد تمثلاتها الأكثر عنفاً, وسفكاً للدماء.


عن صحيفة إيلاف السودانية

الأربعاء 21 أغسطس 2013


Khalid Tigani [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]