عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

انفضاض جولة المفاوضات بين وفدي الحكومة وحركة العدل المساواة في محادثات الدوحة الأسبوع الماضي على النحو الذي جرت به دون إحراز أي تقدم, تشير إلى ما هو أكثر من مجرد فشل جولة في إحراز اختراق في جدار أزمة دارفور, بل بات يطرح تساؤلاً مصيرياً بشأن إمكانية تحقيق تسوية تنهي الأزمة وتطلق عملية السلام عبر المداخل المطروحة والآليات المستخدمة في التفاوض حالياً.

  

ثمة من ينظر إلى التعثر الذي لازم محادثات الدوحة منذ انطلاقتها, وانتهاءَ بما شهدته الجولة الأخيرة ويصنفه في خانة انهيار المفاوضات إلى أن ذلك يعني فعلياً كتابة السطر الأخير في المسعى القطري الحثيث المدعوم دولياً لإنهاء أزمة الإقليم المتطاولة. قد يختلف المحللون في توصيف ما جرى, لكن من المؤكد أن وصول المفاوضات بين وفدي الحكومة وحركة العدل والمساواة إلى طريق مسدود مع كل الجهود الدولية والإقليمية الداعمة لمحادثات الدوحة, فضلاً عن اجتهاد الوسطاء القطريين لتأمين عوامل النجاح اللازمة تضع كلها علامات استفهام حول مستقبل المحاولة الأكثر جدية المطروحة في الساحة لحلحلة الأزمة الدارفورية.

  

ربما كان من الممكن إيجاد بعض الأعذار لهذا الطرف أو ذاك, أو مسوغات تبرر الفشل الذي انتهت إليه جولة المحادثات الأخيرة, لولا أن الأجواء المسمومة التي خلفتها تصريحات الطرفين بشأن من يتحمل المسؤولية عن وقوف التفاوض في محطته الأولى تشير إلى مسألة أساسية هي أنه على الرغم من كل المواقف المعلنة فإن الإرادة السياسية لإحداث اختراق باتجاه التسوية غير متوفرة بدرجة كافية لتحقيق هذه الخطوة المهمة, ومن يقرأ الأسباب التي ساقها كل طرف في اتهام الطرف الآخر وتحميله مسؤولية إفشال المحادثات يكتشف ببساطة أن الخلافات التي أدت إلى ذلك، لا تتجاوز مواقف تكتيكية بشأن مسائل إجرائية لا تتعلق بجوهر عملية التسوية, بل بتحقيق مكاسب جزئية تضع في الاعتبار الوضع الظرفي الراهن المتعلق بحسابات كل طرف، مع الأخذ في الاعتبار موازين القوة المتغيرة باستمرار على الأرض.

 

وبعيداً عن الاتهامات المتبادلة والتفاصيل المتعلقة بذلك فإن المطالب الحقيقية للطرفين التي أدت إلى عرقلة المفاوضات تتعلق بأمرين فمن جانب الحكومة فإنها تريد وقفاً لإطلاق النار, أما حركة العدل والمساواة فمطلبها إطلاق سراح أسراها المحكومين بالإعدام على ذمة غزوتها لأم درمان, ويبدو ان كل طرف متمسك بعدم الاستجابة لمطلب الطرف الآخر أولاً باعتبار أن ذلك يمثل أهم الأوراق بيده في عملية التفاوض, ولا يريد أن يلقي به في الوقت الراهن, وتفضل الاحتفاظ به ليكون ثمناً للتسوية في نهاية المطاف.

  

على أية حال تبدو كل هذه تفاصيل مجرد تفاصيل صغيرة في ظل واقع مأساوي يعيشه مواطنو دارفور المكتوون بنار استمرار أزمة الإقليم المتطاولة, تارة بسبب المناورات الضيقة للأطراف المحلية, وتتفاقم أيضاً تارة أخرى بسبب حسابات أطراف دولية تريد إبقاءها حية لاستخدامها في تحقيق أجندة ليست واضحة تماماً, وما يثير الإنزعاج حقاً بشأن الأطراف المحلية، تحديداً الحكومة والحركات المسلحة، هو أنها تتصرف مع الجهود الحثيثة لإيجاد مخرج من هذا الوضع المأزقي بغير قليل من الترف السياسي الذي لا يضع اعتباراً لمعاناة بسطاء المواطنين, أو للإساءة التي لحقت بسمعة السودان جراء الانتهاكات المخجلة التي حدثت في الإقليم. وتعليق المحادثات لشهرين آخرين دون أن تكون هناك بارقة أمل بأن تحمل الجولة القادمة إن قدر لها أن تلتئم من جديد, كما حدث للجولة المنصرمة التي أعقبت آمالاً بحدوث اختراق بعد توقيع اتفاق النيات الحسنة بالدوحة في فبراير الماضي, تدلل على حالة الترف التي اشرنا إليها في التعامل مع قضية بهذه الحساسية, ويبدو الأمر أكثر عجباً أن يأتي انهيار محادثات الدوحة في وقت أعلنت فيه الحكومة السودانية نقل ملف أزمة دارفور إلى الدكتور غازي صلاح الدين في إشارة فُهمت على نطاق واسع بأنها تحمل دلالة على توفر إرادة سياسية ورغبة ملحة في الدفع بدم جديد في شرايين عملية التفاوض شبه المجمدة، التي تراوح مكانها منذ توقيع اتفاقية أبوجا, ولكن لا يبدو أن جديداً يحدث بالفعل حتى الآن يتعدى مجرد تغيير الوجوه, وقد يعتذر البعض بأن الوقت لا يزال مبكراً للحكم بهذه العجالة على مهمة الدكتور غازي, ولكن هل نملك ترف الانتظار لأشهر أخرى تظل فيه قضية دارفور في حالة جمود في وقت يُفترض أن البلاد مقبلة فيه على استحقاقات مهمة لا سيما على صعيد إجراء الانتخابات العامة, والسؤال كيف يمكن للاستحقاق الانتخابي أن يحقق قيمته السياسية والدستورية في ظل بقاء جرح دارفور مفتوحاً ونازفاً؟.

  

ولعل أخطر ما يفرزه انهيار جولة التفاوض الأخيرة، والأجواء المسمومة التي خلفتها، هي تبديد الفرصة الذهبية التي يتيحها المسعى القطري, وتقويض منبر الدوحة سيكون نتيجة حتمية جراء عدم إبداء طرفي التفاوض للمرونة اللازمة التي تؤكد تمسكهما بإحداث اختراق جدي, ولن يكون سهلاً من بعد ذلك العثور في وقت قريب على منبر تفاوضي يتمتع بالدعم الدولي والإقليمي الذي وجده منبر الدوحة, فمن المعلوم أن الوسطاء القطريين نجحوا في أن يجعلوا منه ملتقى تجمعت فيه إرادات الأطراف الدولية والإقليمية المهمة، فهو جاء نتيجة تلاقي المساعي العربية والإفريقية، ونجح في كسب دعم اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن, وانضمت إليه جهود الوسيط الدولي, صحيح أن منبر الدوحة ربما لم يكن مثالياً لجهة أن التفاوض فيه لا يزال مقتصراً على طرفي الحكومة وحركة العدل والمساواة, وهو أمر ينتقص من جدواه في غياب فصائل أخرى مهمة في الساحة الدارفورية على الرغم من الجهود المتعثرة لإلحاق الآخرين به, ولكن مع ذلك يظل منبر الدوحة هو أفضل منبر متاح في الساحة، والتفريط في قوة الدفع التي يمثلها والفرصة التي يتيحها ستجعل جهود التسوية تدخل في حالة بيات ستطول هذه المرة ريثما يتوفر منبر آخر يحظى بكل هذا الزخم الدولي والإقليمي, وجمود عملية التسوية لن يعني بأية حال أن الأوضاع في الأرض ستبقى ساكنة على ما هي عليه لأن البديل المباشر لتجميد التسوية السياسية سيكون التسخين العسكري على الأرض, وهو ما يؤدي إلى المزيد من المعاناة لأهل دارفور، كما يفضي إلى المزيد من التعقيد على وضع معقد أصلاً ولا يحتاج إلى المزيد من ذلك.

  

وليس سراً أن أطرافاً خارجية تسكت على مضض على المسعى القطري لتسوية أزمة دارفور, ربما بسبب الدعم الدولي الذي نجحت الدبلوماسية القطرية في كسبه لصالح جهودها, أو قدرتها على الأقل في تحييد بعض الأطراف الإقليمية, ولكن من المؤكد أن استمرار تعثر منبر الدوحة سيفتح الباب للتساؤل عن جدواه واعتباره ساحة التفاوض الوحيدة المتاحة, لتعود من جديد موضة تعدد المبادرات والمنابر من هذا الطرف أو ذاك, وبدلاً من أن تتكثف الجهود لجمع الأطراف المتنازعة في دارفور على صعيد واحد للتفاوض، سيتبدد الجهد مرة أخرى في محاولة منابر التفاوض المبعثرة.

  

بيد أن المشكلة ليست ذات جانب فني فحسب يتعلق بمكان أو آليات التفاوض وأطرافها، بل يتعلق بأمر آخر أكثر أهمية وهو المدخل السليم لتسوية أزمة دارفور، ولعل واحدة من أهم المشاكل على هذا الصعيد هي محاولة استنساخ تجربة التفاوض في نيفاشا، ونسق تسوية اتفاقية السلام الشامل ليتم تطبيقها على الأزمة في دارفور, وربما كان هذا أحد اسباب عدم نجاعة جهود التسوية التي تمت حتى الآن ليست فقط بسبب اختلاف طبيعة الصراع في الحالتين وتداعياتها, بل بسبب آخر بدا يتكشف الآن بصورة أوضح من ذي قبل هو أن نموذج تسوية نيفاشا نفسه لم يعد الآن يمتلك تلك الرافعة والجاذبية التي تمثلها في أول أمره كنموذج صالح ليس فقط لحل مشكلة الجنوب بل لمخاطبة جذور أزمة الحكم في السودان على الصعد كافة في كل زمان ومكان, فمع اقتراب تنفيذ أهم الاستحقاقات المفصلية التي رسمتها تسوية نيفاشا تبين أن طرفيها، بسبب حسابات مصالح كل منهما المباشرة، ليست مستعدة لدفع ثمن تلك الاستحقاقات مما اصبح يهدد عملية التسوية برمتها, ودخلت تسوية نيفاشا في غرفة الإنعاش وأصبحت في حاجة ملحة للانقاذ خشية أن تقود الأمور إلى أسوأ مما كان, وهكذا تقزمت طموحات تلك التسوية, على الرغم من الفرصة الذهبية التي أتاحتها، من وضع حلول نهائية لأزمات السودان كله ووضعه على طريق التحول الديمقراطي ودولة القانون والمؤسسات، إلى مجرد تسوية أوقفت حرباً، ولم تحقق سلاماً يفضي إلى الغايات السامية المرجوة.

  

والحال هذه فإن محاولة اعتبار تسوية نيفاشا مرجعية لحلحلة أزمة دارفور، أو محاولة استنساخها ستعني ببساطة إعادة لإنتاج تلك الأزمة مرة أخرى ربما بصورة مختلفة, ولكن النتيجة واحدة هي استمرار حالة عدم الاستقرار في السودان, وإنتاج الحروب الأهلية في أركانه الأربعة مرة تلو أخرى.

  

ولو افترضنا جدلاً أن هناك اعترافا نظريا بأن مشكلة دارفور تحتاج لمدخل مختلف عن ذلك الذي أنتج تسوية قضية الجنوب, إلا أن تجربة تسوية نيفاشا أيضاً تدل على أن أية محاولة لأن تخُص دارفور بتسوية خاصة بها لا تعني أن ذلك سيقود بالضرورة لإنهاء أزمات السودان، حتى في حالة الاستجابة لمطالب أغلب أهل الإقليم.

  وفي الواقع ان ما نعيشه في السودان هو أزمة وطنية بكل ما تعنيه الكلمة، وأقصد بذلك أن مشاكل السودان هي واحدة في طبيعتها وأسبابها وتداعياتها وتبعاتها, والمشكلة تكمن في نهج الحلول الجزئية ومحاولة مخاطبة مشاكله المختلفة كل على حدة, فاتفاقية السلام الشامل حاولت نظرياً معالجة هذه المعضلة بالرغم من أنها تقدم نموذجاً لحل كل مشاكل السودان وأطرافه, ولكن ثبت بالدليل العملي والتجربة, أن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع المعاش, وعلى العكس ربما كانت تلك التسوية محرضاً ولو بصورة غير مباشرة على تفجير فتيل أزمة دارفور. ولم تعد تسوية نيفاشا قادرة الآن على إثبات نجاعتها حتى على مستوى تقديم إجابة

نهائية لقضية الجنوب.

  

وواحدة من تلك التعقيدات التي صنعتها تسوية نيفاشا هي ذلك الخلل في مستويات الحكم داخل الدولة الواحدة, وأعني تلك المعادلة التي صنعت التسوية «نظامين داخل دولة واحدة»? ومحاولة إيجاد حل لأزمة دارفور يصنع نظاما خاصا بها أيضاً، سيقود لأن يصبح نظام الحكم في السودان مثل جبة الدرويش مرقعا بنظم مختلفة داخل دولة يفترض أنها واحدة, وكما أثبتت صيغة النظامين في حالة الجنوب أنها لم تحل المشكلة, فكذلك لن تحل أية صيغة خاصة لدارفور بمعزل عن بقية السودان مشكلة البلاد, لأن مسبحة التمرد قد تكر في منطقة أخرى بحثاً عن صيغة خاصة بها تحقق بها الامتيازات والمكاسب التي حظي بها غيرها، وهو ما يعني استمرار دائرة مفرغة من عدم الاستقرار.

  

وفي ضوء كل ذلك ليس من الحكمة، وليس ممكناً كذلك، البحث عن حل معزول لما يعرف بأزمة دارفور بمعزل عن الأزمة المتجددة في الجنوب, أو تلك التي تبدو كامنة في مناطق أخرى من البلاد, المطلوب حلاً وطنياً لأزمة واحدة تمسك بخناق البلاد برؤية متكاملة لنظام حكم منسجم يحفظ وحدة البلاد, ويحقق تطلعات مواطنيه في كل أجزائها, وهو حل ليس مستحيلاً, ولكنه ممكن فقط إذا كان التفاوض من أجل تحقيق المصالح الوطنية الحقيقية لأهل السودان، وليس المصالح الحزبية الضيقة للنخب التي تقاتل من أجل الحفاظ او الحصول، على المكاسب والامتيازات الذاتية.  

 (عن صحيفة إيلاف السودانية)