عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

من غرائب السياسة ما كشفه تعيين الرئيس الأمريكي باراك أوباما لجنرال سلاح الجو المتقاعد اسكوت قريشن مبعوثاً خاصاً له السودان ،  فقد  لقى الرجل ترحيباً به وبمهمته من طرفي النقيض بشأن أزمة دارفور ،  هما الحكومة السودانية وخصومها من جماعات الضغط  الأمريكية التي تتبنى شعار المدافعة عن دارفور ،  في توافق نادر يحتاج إلى تحليل لتفكيك ألغازه.

  

 فالحكومة السودانية من جهتها لا تخفي ارتياحها للجنرال قريشن فبعد زيارتين للخرطوم في غضون أسابيع قليلة رأت أنه يمثل نهجاً مختلفاً في التعاطي الأمريكي مع المسألة السودانية يقوم على التواصل الدبلوماسي والحوار الهادئ ،  خلافاً لأسلوب الدبلوماسية الخشنة التي مارسها أغلب المبعوثين في عهد إدارة بوش السابقة ،  لا سيما آخرهم ريتشارد وليامسون ،  وتذهب تصريحات المسؤولين السودانيين إلى اعتبار نهج التعامل المختلف للمبعوث الأمريكي الجديد بمثابة دلالة على «سياسة أمريكية جديدة» تجاه الخرطوم ،  على الرغم من أنه ليس واضحاً تماماً حتى الآن ما هي ملامح وأجندة هذه السياسة الجديدة المفترضة ،  وما هي أولوياتها ،  وما هي المحطة النهائية التي تريد الوصول إليها.

  وبالمقابل فإن أعتى خصوم الخرطوم في واشنطن ،  في كواليس الإدارة والكونغرس وجماعات الضغط خصوصاً ،  تبدي هي الآخرى أيضاً ارتياحها لاختيار الجنرال قريشن لتولي مهمة المبعوث ،  وترى فيه محققاً لما تصبو إليه من مواقف سواء تجاه الوضع في دارفور ،  والوضع في السودان عموماً ،  وكان لافتاً أنه قبيل بداية زيارة قريشن الأولى للسودان في مطلع أبريل الماضي أن عقد الرئيس أوباما ومبعوثه الخاص للسودان اجتماعاً مع ممثلين لجماعات الضغط المدافعة عن دارفور ،   وخرج ممثلوها من الاجتماع ليعلنوا عن استحسانهم لما سمعوه بشأن سياسة الإدارة الجديدة تجاه السودان ،  حيث قال رئيس تحالف «إنقاذ دارفور» ،  جيري فوولر «إن الائتلاف مطمئن لسماع تعهد إدارة أوباما عن تحقيق السلام في دارفور» ،  كما عبرت قيادات إنجيلية ومنظمات حقوق الإنسان عن استحسانها لتعيين باراك أوباما قريشن مبعوثا إلى السودان. حيث قال القس فرانكلين جراهام ـ ابن القسيس الأمريكي المعروف بيلي جراهام «أعتقد أن الرئيس أوباما اتخذ القرار الصواب بتعيين قريشن»، وكذلك فعل القس الدكتور جيف تونيكليف الرئيس التنفيذي لاتحاد الكنائس الإنجيلية في العالم الذي رحب بتسمية قريشن مبعوثاً ،  ورأى أنه يأتي في وقت حرج للغاية بالنسبة للسودان. 

 

 

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما هو سر هذا التوافق الفريد على المبعوث قريشن والتفاؤل بمهمته في المعسكرين ،  معسكر الخرطوم ومعسكر خصومها التقليديين في أوساط جماعات الضغط الأمريكية ،  وما هي المعطيات الموضوعية التي تجعل من هذا التوافق ممكناً ومعقولاً ،  على الرغم من أنه «لا الخرطوم كفرت ،  ولا واشنطن آمنت» ،  خاصةً في غياب أجندة واضحة المعالم لمهمته باستثناء الحديث عن إنهاء أزمة دارفور ،  وتحقيق السلام في الإقليم ،  وهو هدف مطلوب بالتأكيد ولكنه شديد الغموض لجهة نتائجه النهائية ،  لأن إبرام صفقة لتحقيق هذا الهدف لن تكون مجانية ،  وبالتالي فما الثمن المطلوب دفعه مقابل صفقة التسوية الضرورية لإنهاء الأزمة ،  ومن الذي سيدفعه؟ وما الذي سيترتب على ذلك؟.

  والسؤال المطروح أيضاً هل هناك سياسة جديدة بالفعل لإدارة أوباما تجاه الوضع في السودان ،  وما هي ملامحها وأجندتها الحقيقية؟ ،  أو ربما هناك نية لذلك ولكن لا يزال يجري تشكيلها ،  أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استدعاء لسياسات إدارة بوش السابقة التي طالما صبت عليها الخرطوم جام غضبها ،  وأن الجديد الوحيد هو أن الإدارة الجديدة التي حملت الديمقراطيين المعروفين بمواقف متشددة تجاه الحكم الإنقاذي ،  والمتصلة بعلاقات وثيقة مع جماعات الضغط المناهضة للخرطوم ،  والتي تضم كذلك بعض الشخصيات المعروفة بمواقف متشددة ضدها ،  ربما تحاول فقط تغيير طريقة التعاطي الأمريكية خلال إدارة بوش مع الملف السوداني ،  وليس بالضرورة إحداث تغيير حقيقي في أجندتها.

وما يشير إلى أن إدارة أوباما لا تزال حتى الآن تتبنى سياسة الإدارة السابقة هو أنها لم تجر مراجعة حقيقية لتلك السياسة ،  كما فعل سلفه بوش لدى تبنيه سياسات جديدة مخالفة لإدارة كلينتون الثانية ،  وأدت إلى حضور أمريكي فاعل أسهم بفعالية في إنهاء أطول حرب في إفريقيا بتحقيق اتفاقية السلام الشامل ،  فضلاً عن أن إدارة أوباما لم تعلن عن مواقف جديدة محددة المعالم تجاه الخرطوم باستثناء دبلوماسية التواصل الإنساني التي ينتهجها الجنرال قريشن وأطلقت حالة ارتياح ملحوظ  في أوصال الحزب الحاكم.

  

وربما يفيد هنا أن نلقي نظرة على المواقف التي طرحها أوباما بشأن سياسته تجاه الخرطوم ،  فقد قال عند تسميته الجنرال قريشن مبعوثاً له«إن السودان يمثل أولوية لإدارته ،  خاصة في وقت يعاني فيه من أجل السلام والعدالة ،  وأن الوضع الإنساني الذي يزداد تردياً يجعل مهمتنا  أكثر إلحاحاً» ،  ويقول أوباما إن توجهه هو العمل مع المجتمع الدولي لإنهاء المعاناة «وهذا يعني دعم النشر الكامل بدون أية عوائق لقوات العملية الهجين بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ،  ودعم المفاوضات من أجل حل سياسي يعطي شعب دارفور دوراً ذا معنى في اتخاذ القرارات التي تؤثر على مستقبلهم» ،  ولعل أهم ما يشير إلى أن إدارة أوباما لا تحمل حتى الآن سوى صدى سياسات إدارة بوش وصفه لما جرى في دارفور بأنه «إبادة جماعية» ،  على الرغم من أنه توصيف للوضع لم تشارك في إطلاقه أية جهة دولية بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية التي أسقطت هذه التهمة من لائحة اتهامات المدعي العام لويس مورينو أوكامبو.

  

ولعل ذلك ما يفسر سر الترحيب الذي وجده قريشن من جماعات الضغط الأمريكية التى ترفع قضية دارفور شعاراً لها ،  ويبدو أن الضغوط المتزايدة على أوباما من قبل جماعات الضغط بشأن دارفور ،  خاصة تحالف إنقاذ دارفور ،  وبعض الشخصيات المهمة في إدارته ،  جعلته يختصر الطريق ويستدعي السياسات السابقة نفسها لإدارة بوش بشأن السودان ،  وهي في الواقع ليست سوى سياسات اختطتها جماعات الضغط هذه نفسها ،  ولذلك حظيت بالاستمرارية ،  وهي تهدف على إبقاء أعلى قدر من الضغط باستمرار على الخرطوم حتى تقدم التنازلات المطلوبة.

  

وهنا يثور سؤال آخر ما الذي حمله الجنرال قريشن في حقيبته من أوراق ،  وتضمنها حديثه للمسؤولين في الخرطوم وجعلهم يحسون بكل هذا الارتياح ،  ويأملون في مهمته خيراً ،  لا أحد يعرف على وجه التحديد ما الذى جرى وراء الكواليس في الغرف المغلقة ،  اللهم إلا إذا كان «السلوك الشخصي المهذب» للمبعوث الجنرال هو ما يبعث على الارتياح ،  أو أن هناك صفقة ما يجري تمريرها تحت الطاولة.

 

ومناسبة هذا التحليل في شأن العلاقات الأمريكية السودانية ،  هو اجتماع خمسة زائد اثنين الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة الأربعاء ،  والذي يضم المبعوثين الخاصين لزعماء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وهم الأمريكي الجنرال قريشن ،  والبريطاني هلري بن ،  والفرنسي آلان جوبيه ،  والروسي ميخائيل مارغيلوف ،  والصيني ليو قوي جين ،  إضافة إلى المبعوث المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي جبريل باسولي ،  ومبعوث الاتحاد الأوروبي ،  توريين بيرييل ،  وهي المرة الأولى التي يعقد فيها اجتماع يضم هذه الأطراف ،  والأهم من ذلك توقيته فهو يأتي قبل أيام قلائل من تقديم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو أول تقرير له لمجلس الأمن الدولي في الخامس من الشهر المقبل بعد إصدار قضاة الدائرة التمهيدية للمحكمة قراراً بتوقيف الرئيس عمر البشير في مارس الماضي.

 

وما يلفت الانتباه أن هذا الاجتماع الذي يتزامن أيضاً مع استئناف مفاوضات الدوحة ،  يتم بدون أن تكون الحكومة السودانية طرفاً فيه ،  وهو ما يثير تساؤلاً عن أجندته الحقيقية في غياب الطرف المعني.

  

 صحيح أن الخرطوم على إطلاع بهذه الاتصالات وطرفاً في اتصالات مع كل مبعوث على حدة ،  ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن غيابها عن اجتماع بهذه الأهمية أمر مبرر. وعلى الرغم ما يبدو أن الدعوة لهذا الاجتماع بدت مفاجئة ولم تخرج إلى الإعلام إلا بعد إعلان الطرف الأمريكي عنها قبيل أيام من بدء جولة الجنرال قريشن التي أخذته إلى الصين ،  والدوحة قبل أن يتوجه إلى لندن وباريس ،  إلا أن فكرته ليست جديدة وهي تجسيد لما أشار إليه الرئيس أوباما من أن توجهه هو العمل مع المجتمع الدولي لإنهاء المعاناة في دارفور.

  

وربما يكون رئيس تحالف إنقاذ دارفور جيري فوولر الذي يضم ما يقرب من 200 من المنظمات الدينية وجماعات حقوق الإنسان ،  هو اول من كشف عن طبيعة اجتماع «5 + 2» حيث أعلن عقب اجتماع الرئيس أوباما والمبعوث قريشن بجماعات الضغط الأمريكية أن مهمة الجنرال قريشن « تتمحور حول تشكيل تحالف دولي يضم الصين ،  والدول العربية والإفريقية الرئيسة لوصول المساعدات الإنسانية إلى السودان دون معوقات. والعمل على إقناع حكومة البشير للوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحماية أرواح المدنيين السودانيين، والتحرك نحو سلام دائم».

  

وفكرة تشكيل تحالف دولي بشأن دارفور لم تتحدث عنها إدارة أوباما بوضوح من قبل ،  ولكن ربما كانت هي التغيير الأساسي الذي يمكن أن توصف به أن هناك توجها أمريكياً جديداً  تجاه السودان مع وصول إدارة أوباما التي تفضل العمل ضمن تحالف وتلاقي مع المجتمع الدولي لتحقيق الأجندة الأمريكية ،  وليس المضي لتحقيقها منفردة كما كان يحدث إبان إدارة بوش التي مضت إلى حروب منفردة كلفت واشنطن الكثير ،  ولا تزال تدفع الثمن جراء ذلك. واجتماع خمسة زائد اثنين بالدوحة يشير إلى أن بناء تحالف دولي حول دارفور بدأ بالفعل ،  والتحالف المقصود هنا هو جر الدول التي ظلت تدعم الخرطوم ،  وهي الصين وروسيا والدول العربية والإفريقية ،  إلى جانب الحلف المشكل من واشنطن ،  لندن وباريس ،  وبروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي.

  

ويبدو أن الخرطوم الغارقة في حالة غزل مع الإدارة الأمريكية ومبعوثها الجنرال المهذب ،  لا تلبث أن تفيق على وقع تحالف دولي جديد يتشكل بمنآى عنها لتجد أن واشنطن سحبت أصدقاءها التقليديين لصالح موقف جديد سيشكل عنصر ضغط قوي على الخرطوم ،  خاصة في ظل استمرار حالة التوتر مع تشاد ،  واستمرار مأساة دارفور ،  وعدم تحقيق تقدم جدي في عملية السلام بالإقليم ، . فضلاً عن المخاطر المحدقة باتفاقية السلام الشامل في ظل التجاذب الحاد الذي تشهده علاقات شريكي نيفاشا المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في الآونة الأخيرة ،  وباتت تهدد عملية السلام في الجنوب مما يعطي الإدارة الأمريكية سبباً آخر لتبرير أهمية تشكيل هذا التحالف الدولي الذي لن تكون نتيجته في صالح المعادلة السياسية الحالية في الخرطوم بأي حال من الأحوال.

 

وعلى الخرطوم أن تقرأ هذه التطورات بعمق ،  والركون إلى نظرية تفترض أنه ليس مطلوباً منها شيئاً ،  وأن المطلوب هو أن يغير الآخرون سياساتهم ومواقفهم ،  أما هي فلا ،   ولعل التطورات الراهنة في ملف الأزمة النووية التي اشعلتها كوريا الشمالية جعلها في مواجهة تحالف دولى آخذ في التبلور بقوة ،  خاصة مع رفض أقرب حلفائها وهما الصين وروسيا لسلوكها ،  وعدم تصديهم لإدانتها في مجلس الأمن عقب التطورات الأخيرة ،  بل عدم اعتراضهم الشهر الماضي على تشديد العقوبات من قبل مجلس الأمن الدولي ضدها. فالصداقة في علاقات الدول سقفها منخفض للغاية.

  

ومع الأخذ في الاعتبار التطورات السياسية الداخلية في السودان المتميزة بحالة من السيولة الشديدة ،  وتقترب من حالة ضبابية لا تتناسب مع اقتراب البلاد من استحقاقين مصيريين هما الانتخابات العامة ،  واستفتاء تقرير المصير في الجنوب ،  وهي حالة تجعل الطرف السوداني يكاد يشكل غياباً شبه كامل عن لعب دور فاعل في رسم مستقبل البلاد ،  في وقت تنشط فيه التحركات الدولية التي تتجه لتحديد مصيره بعيداً عن أهله المنغمسون في صراعات تزداد يوماً بعد آخر ،  واستمرار حالة الصراع الداخلي العبثي ،  وتشتت وتمزق القوى الوطنية وعجزها بالتالي عن مخاطبة التحديات التي تجابهها البلاد ،  سيجعل تشكيل تحالف دولي يفرض وصايته على السودان ،  ويرسم مستقبله أمراً محتماً.

 (عن صحيفة إيلاف السودانية)