عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

من بين الخطابات والمداولات العديدة التي حفل بها ملتقى الإعلاميين السودانيين بالخارج الذي شهدته الخرطوم فعاليات دورته الثانية الأسبوع الماضي, استوقفتني دعوة الدكتور نافع علي نافع لحوار بين القوى السياسية السودانية المختلفة للتوافق على (المصالح الوطنية), ومع أهمية الوقوف عند مضمون هذه الدعوة, إلا أن الانتباه إلى مصدر إطلاقها يكتسب أهمية أيضاً, فالدكتور نافع المسؤول السياسي والتنظيمي للمؤتمر الوطني مصنف في رأي الكثيرين ممن هم خارج البيت الانقاذي, وربما بعض من هم في داخله, في خانة عتاة المتشددين أو حتى ينصبونه زعيماً للصقور داخل الحزب الحاكم, هذا إذا جاز التصنيف باعتبار أن هناك جناحاً للحمائم, ولكن في كل الأحوال أن تأتي الدعوة لحوار لتوافق حول (المصالح الوطنية) من شخصية قيادية في المؤتمر الوطني عًرفت بمواقف قطعية صادمة في الغالب لمن هم في الطرف الآخر من اللعبة السياسية, لهو أمر يمكن أن يًعد في خانة التحولات المهمة, أو المواقف المستجدة في أدبيات المؤتمر الوطني.

  

قد يرى البعض أن هذا الطرح لا يحمل تطوراً, وأنه لا يعدو أن يكون حديث مجاملة, أو مجرد علاقات عامة, لكسب أفئدة الإعلاميين السودانيين بالخارج الذين طالما حفل الفضاء الإسفيري بانتقاداتهم اللاذعة لحكم الإنقاذ الذي بانت عليه أخيراً سيما لين العريكة في مواجهة ضغوط خارجية هائلة وبات أكثراً استعداداً لقبول الآخرين, والاستماع لآرائهم مهما بلغت حدتها, وكان لافتاً أن نعى لهم ناعون أياماً سوداء مضت من عهد الحكم الحالي, وتعهدوا بأنها لن تعود.

  

ولكن على الرغم من هذا كله, فإن دعوة الدكتور نافع تستحق التعاطي معها بجدية أكثر, بغض النظر عن دوافعها أو الظروف والتطورات السياسية التي اقتضتها, فالقناعات لا تتشكل بضربة لازب, وأول دلالة تشير إليها هذه الدعوة أنها تتضمن اعترافاً نادراً وبالغ الأهمية أنه استقر أخيراً في وعي قيادة نافذة في المؤتمر الوطني أنه لا توجد حقاً بالمعطيات الراهنة (مصالح وطنية) متفق عليها, ولذلك جاء إطلاقه لهذه لإدارة حوار بين القوى الفاعلة في الساحة السودانية تعبر به خلافاتها الفكرية والسياسية من أجل الاتفاق على تعريف وتحديد ل(المصالح الوطنية العليا) التي تتجاوز ما عداها من المصالح سواء كانت حزبية, فئوية, جهوية أو ذاتية.

  

وأهمية هذه الخطوة تنبع من أن هذا الإقرار يعني أن المؤتمر الوطني, قيادته الفاعلة على وجه التحديد, بدأت تدرك أنه في ظل التحديات والمخاطر المحدقة بالبلاد بات يتوجب عليها التحرك من مربع كانت تدير فيه شؤون البلاد والعباد استناداً على  افتراض يقوم على أن رؤية المؤتمر الوطني ومواقفه هي التي تعبر عن (المصالح الوطنية), إلى مربع جديد ترى فيه ضرورة التحاور مع الآخرين من أجل التوافق على تعريف هذه المصالح الوطنية وتحديدها.

  

وهذا التفريق بين الموقفين مهم للغاية, ويخطئ من ينظر إليه بحسبانه مجرد تنظير لا معنى له, فالصراع الدامي على السلطة طوال سني حكم الإنقاذ العشرين لم يستعر إلا بسبب أن الآخرين لم يكن مطلوباً منهم أكثر من ركوب الموجة الإنقاذية بشروطها, ربما بتعديلات سطحية هنا أو هناك لتناسب القادمين الجدد حين يأتون وتأمين مواقع لهم في دست السلطة وامتيازاتها, ولعل الناس لم ينسون ما كان يسمى ب(ثوابت الإنقاذ) التي لم تتوارى عن التداول السياسي العام إلا بعد تسوية نيفاشا التي أرست معادلة آخرى لاقتسام السلطة وتوابعها, ومن المهم الإشارة هنا إلى أنه على كثرة المفاوضات أو المساومات التي خاضها الحكم الإنقاذي منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي التي بدأت مع الزعيم الاتحادي الراحل الشريف زبن العابدين الهندي, ومروراً بنداء الوطن مع السيد الصادق المهدي, واتفاقيات نيفاشا, والقاهرة وأبوجا وأسمرا, وهلم جرا إلا أنها جميعاً لم تفض إلى حالة اتفاق على (المصالح الوطنية العليا) ولذلك استمر الصراع الدامي على السلطة بأشكال آخرى, وأثبتت حالة الصراع المستمر هذه أن تلك المفاوضات لم تكن معنية بالخروج من مأزق الأزمة الدوارة, ولكن إعادة إنتاجها بأشكال جديدة بفعل انشغالها بالمساومات على كيفية اقتسام كيكة السلطة,  وتحقيق (المصالح الحزبية السفلى) بأكثر مما كانت معنية بحوار جدي من أجل الوصل إلى توافق حول (المصالح الوطنية العليا).

  

وبداية الوعي بعدم وجود اتفاق حقيقي على (المصالح الوطنية العليا) هي بداية سليمة لتشخيص أزمة الدولة السودانية المزمنة, ولن يصبح ممكناً على الإطلاق, كا أثبتت التجربة والواقع المعاش, معالجة حالة البلاد المأزومة والمواجهة بتحديات مصيرية بدون البحث بجدية عن سبل الوصول إلى صيغة حقيقية لمعادلة وطنية تؤمن الاستقرار والسلام المستدام في السودان, تًعرف فيها المسلمات الوطنية ليس بمجرد كلمات تًقال من هذا الطرف أو ذاك من طرف اللسان, بل وفق رؤية عميقة الجذور في النفوس وتستقر في الوجدان, كما تًعرف فيها حدود الطموح المشروع والتنافس الشريف للوصول إلى السلطة دون أن يكون ضحية ذلك الوطن نفسه نحو ما نشهده اليوم.

  

وكشأن أي طبيب تتوفر له أدنى مقومات المهنة, فلن يكون بوسعه أبداً علاج أي مرض دون أن ينجح في تشخيصه ومعرفة أصل العلة وأسبابها, ومن ثم صرف الدواء المناسب للعلاج, ومن هنا تأتي أهمية تلقف دعوة الدكتور نافع للتوافق على (المصالح الوطنية), فهذا تشخيص سليم لأصل علة النظام السياسي السوداني المزمنة, فهي لم تولد اليوم ولا في هذا العهد, ولكنها بًذرت مع نشوء الدولة الوطنية, خاصة في عهد الاستقلال الأخير الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن دون أن تهتدي الدولة السودانية لأهم مقومات وأسس الدولة الحديثة القائم على شرط التعريف الواضح والمحدد لماهية المصالح الوطنية التي تشكل الخط الأحمر الحقيقي لوجود الوطن, وليست تلك الخطوط الحمراء المتغيرة التي يضعها كل نظام يأتي للحكم لتأمين مصالحه استمراره في السلطة ويعتبرها في خانة المصالح الوطنية, فحليف اليوم يصبح خصم الغد, وعدو اليوم يصبح صديقاً في الغد, ولذلك تختلط الأمور في غياب قواعد راسخة لتبادل السلطة ديمقراطياً وسلمياً, وتذوب الحدود بين ما يًفترض أنها مصالح وطنية, ومصالح تلك القوى السياسية المصطرعة على السلطة بلا رشد ولا هدى.

  والسؤال هل التوافق على (المصالح الوطنية) عصي إلى درجة أن يبدو في خانة المستحيل حتى نفشل في الوصول إليه على مدى أكثر من خمسة عقود, من السهل أن تستمع إلى اللوم المتبادل بين القوى السياسية المختلفة  فيما آل إليها الحال, فكل يلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر, ومن ذلك تلك الفرية التي تزعم أنه دورة خبيثة أو شريرة التي يتم فيها تبادل الحكم بين أنظمة مدنية ديمقراطية وعسكرية ديكتاتورية وفي الواقع

 فإنه ليست هناك دورة خبيثة ولا يحزنون, بل هناك عقلية سياسية واحدة معطوبة ظلت تدير شأن البلاد تحت تارة لباس مدني يتمسح بالديمقراطية شكلاً دون أي مضمون حقيقي, وتارة بلباس عسكري ليس سوى صدى لقوى حزبية مدنية, ولذلك تعيد البلاد إنتاج أزماتها مع تغيير أشكال الحكم لأن العقلية المنتجة للأزمة هي نفسها التي تنتقل من نظام لآخر, ولئن سن أبو البشر آدم المعاصي وعلمنا مفارقة الجنان, كما ذهب إلى ذلك المتنبئ, فقد كان أعلى الأحزاب المدنية صوتاً في المناداة بالديمقراطية هو من أدخل سنة الانقلابات العسكرية, وإتبعه بغير إحسان, القوى السياسية الآخرى ذات اليمين وذات اليسار وما من حزب إلا وولغ في هذا اللجة إما مبتدر لإنقلاب أو مؤيد له, وليست مهمة بعد ذلك تلك الموجة من التوبة الفرعونية التي يركبها قادة تلك الأحزاب وهم يحاولون التبرؤ من فعلتهم بعد أن تتبادل التحالفات ويجدون أنفسهم خارج اللعبة, فهي من قبيل التوبة التي لا تنفع بعد أن يدركهم الغرق, وقد أغرقوا معهم البلاد في حالة اضطراب متصل. ومن عجائب السياسة السودانية أنه مع طول عهد العسكريين بالسلطة, وقد حكموا حتى الآن لاثنين وأربعين عاماً من سني الاستقلال الثلاث والخمسون, فإنه لم يحدث في أي من الانقلابات الثلاث الناجحة أن كان عسكرياً كامل الدسم, بل جاءت كلها محمولة على أجنحة القوى السياسية المدنية, لذلك أقول أن مشكلة النظام السياسي السوداني دائماً إنه إما وليد ديمقراطية مزيفة, أو ديكتاتورية مزيفة, لذلك لم يعرف أبداً (لا جهنم مضمونة ولا جنة مجهجهة).

  

وهذا الاضطراب الذي أدى إلى فشل ذريع في بناء الدولة الوطنية وتشكيل أمة سودانية موحدة الوجدان حولها ليس سوى نتيجة مباشرة لعجز النخبة السودانية بمفهومها العريض على مدى أكثر من خمسين عاماً من التواضع على تعريف جامع واضح المعالم يحدد المصالح الاستراتيجية للسودان سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد السياسات والعلاقات الخارجية, ومن ذلك مثلاً قضية وحدة السودان التي باتت الآن رهينة استفتاء على تقرير المصير يمارسه مواطنو الجنوب وحدهم, وإذا تجاوزنا مسألة أن ممارسة ذلك الحق لا غبار عليه من ناحية المبدأ, ولكن السؤال المصيري الذي لم تجب عليه النخب السياسية السودانية على امتداد طيفها أين تقع مصلحة السودان الاستراتيجية, الإجابة في تقديري بلا تردد هي في بقائه موحداً, قد تجد سياسيون هنا وهناك يعلنون الموقف نفسه ولكن أين هو التحرك الإيجابي والعمل الجدي لتأكيد هذه المسلمة, لا يوجد شيئ, فالجميع يختبئون في انتظار أن يحدد مواطنو الجنوب عند استفتائهم مصير البلاد بلا مقومات موضوعية,ومشاركة المواطن لا يجب أن تكون مجرد التصويت بلا معرفة أو هدى, فالقادة والنخب هم من يقع عليهم عبء الوعي بالمصالح الاستراتيجية الحقيقية للوطن, وتحديدها, ونشر الوعي بها في أوساط العامة الذين لا تتوفر لديهم المعطيات الموضوعية لذلك, والعمل غلى إقناعهم بها, ولا يجب أن تخضع مصالح الوطن الاستراتيجية لخبط عشواء.

  

وهذا مثال فقط لغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة بشأن قضية مصيرية في قدر وحدة البلاد, والأمر ينطبق نفسه على عدم وجود رؤية لمصالح السودان الاستراتيجية في سياساته وعلاقاته الخارجية, وما يمارس الآن حقاً على صعيد العلاقات الخارجية ليس سوى محاولات إطفاء حرائق, وإدارة أزمات, وطالما تساءلت هل توجد نظرية للأمن القومي السوداني, ما هي محدداتها وما هي مهدداتها, وأين تقع مصالح السودان الاستراتيجية في ظل الأوضاع الدولية الحالية, وثمة فارق كبير بين إدارة السياسة الخارجية بعقلية الهروب إلى الأمام تفادياً لهذه الأزمة أو تلك, وبين إدارتها برؤية تحدد مسبقاًُ ماذا نريد وكيف نحققه. وغياب هذه الرؤية أفضت لأن يكون بلداً بحجم السودان وقدراته الكامنة ومكانته ملطشة لمن حوله من الدول, الصغيرة منها قبل الكبيرة, وهان السودان على نخبته السياسية حتى لم تجد حرجاً في أن تطوف بمشاكل البلاد الداخلية من عاصمة لآخرى سجلت من كثرتها سابقة لم تعرفها دولة محترمة في عالمنا اليوم, بحثاً عن حلول متوهمة لأزمة وطنية لم تكن أبداً حتمياً ولكنها نتاج فشل النخبة السودانية في التوافق على (المصالح الاستراتيجية للبلاد) بعد أكثر من خمسة عقود من استقلالها.

  

والتوصل إلى تعريف هذه المصالح ليس صعباً ولا مستحيلاً, وتكاد هذه التخب تعرف على وجه اليقين ما هي وماذا تعني, ولكن المشكلة الحقيقة هي قلة الورع الوطني, أو غياب الحس الوطني السليم لدى هذه النخب, وعدم استعدادها لتقديم تضحيات حقيقية تجعل مصلحة الوطن مقدمة على مصالحها الذاتية, وهي لذلك لا تتورع أن تقدم مصالح الوطن العليا كبش فداءً من أجل تحقيق مصالحها الحزبية أو الذاتية السفلى, ولا ترى بأساً في التضحية بمصالح الوطن من أجل الحفاظ على امتيازات السلطة, أو السعي للحصول عليها.

  ولذلك فإن ما نحتاجه حقاً اليوم ليس حواراً للتوافق على (المصالح الوطنية الاستراتيجية), بل كيف ترتفع النخب السياسية السودانية في الحكم والمعارضة إلى مستوى التحديات المصيرية التي تواجه البلاد اليوم, وأول دلالة على أنها مدركة لاستحقاقات اللحظة الوطنية الراهنة أن تكون مستعداً فعلاً لا قولاً على التضحية بمصالحها الذاتية من أجل الوطن, وليس العكس, كما ظل هو الحال دائماً.

وأكثر دليل واضح على أن مشكلتنا الآن ليس هي مشكلة حوار تلك الحالة من التجاذب المؤسف بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الذي ازدادت وتيرته في الآونة الأخيرة على نحو مثير للقلق العميق بشأن مستقبل البلاد, فما من طرفين في الساحة السودانية توفرت لهم تلك الفرصة لحوار عميق طويل دام سنوات حول مشكلات البلاد كما توفر لهما, قتلا فيها بحثاً, حتى سلخا جلدة النملة, حول أجندة مهمة وملحة, وعلى الرغم من أنهما احتكرا من دون سائر القوى الوطنية السودانية المختلفة التفاوض حول مستقبل البلاد, وتحديد مصيرها, واحتكار السلطة طوال الفترة الانتقالية, ومع ذلك رضيت القوى السياسية ممن فرض عليهم البقاء خارج اللعبة بهذه القسمة الطيزى, وأمل السودانيون من وراء ذلك أن تقود تسوية نيفاشا البلاد أخيراً على طريق الحلول النهائية والناجعة لأزمتها الوطنية المستفحلة بعد تيه تجاوزت سنواته تيه بني إسرائيل, وارتفعت الآمال أن يقود تنفيذ اتفاقيات السلام والهندسة السياسية التي رسمتها إلى وضع اسس دولة المؤسسات والقانون والتحول الديمقراطي الحقيقي.

  

ولكن ما نشهده في الواقع من تراشق بالاتهامات, وممحاكات, ومزايدات بائسة ترد بصرك حسيراً, أهذه هي النخبة التي انتدبت نفسها لمهمة عظيمة الشأن لم يخترها لها أحد, ولكن فرضها منطق أن السياسة في السودان لم تعد تقاس موازينها إلا بمقياس كثافة نيران فوهات البنادق والمدافع التي تملكها تلك الجماعة أو تلك الفئة. ولم يعوز الطرفين معرفة أين تقع الحقيقة بعد كل تلك المواثيق وكل تلك الحوارات ولكن افتقرت للهمة التي ترتفع بها عنه مصالحها الضيقة, إلى رحاب مصالح الوطن, ولذلك أصبح التنابذ بالفساد يأتي ليس من أجل قيمة طهارة الحكم هنا أو هناك, بل يتخذ مجرد أداة تستخدم من أجل إدانة الخصم, ولكن أين هي تلك دولة القانون التي بشرت بها نيفاشا؟.

  

كان يحلو للزعيم الراحل حون قرنق القول إن نظام الانقاذ معطوب بدرجة لا يمكن إصلاحها (it is too deformed to be reformed) ولا أدري ماذا سيقول بشأن الحركة الشعبية لو أطل من قبره اليوم ورأى حالها وقد انضمت إلى نادي السودان القديم, وهي التي كان يرفع رأيتها ليبني بها سوداناً جديداً.

 

مشكلة تسوية نيفاشا, مع كل علاتها, أنها كانت فرصة تاريخية صنعتها عقول كبيرة, ولكنها تتسرب من بين أيدي بيروقراطيين همهم مصالحهم الذاتية السفلى لا مصالح الوطن الاستراتيجية العليا.

  (عن صحيفة إيلاف السودانية)