عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

من ينظر عن كثب للمشهد السياسي الراهن ومجريات الأمور فيه لا يكاد يصدق أن هذا حال بلد في انتظار حدثين مصيريين في غضون أقل من عشرين شهراً, إذ من المفترض أن تًجرى انتخابات عامة بعد تسعة أشهر هي الأولى من نوعها منذ نحو ربع قرن مطلوب لها أن تكون حقيقية, وحرة, ونزيهة, ذات نتائج مقبولة وملزمة لتصبح آلية تملك القدرة الفعلية على إنهاء الصراع العبثي على السلطة, وتكسب الحكم والنظام السياسي المشروعية وتحقق الاستقرار.

  

 كما يًنتظر أن يًجرى الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب بعد عشرة أشهر من تلكم الانتخابات, وهي المرة الأولى في تاريخ البلاد التي يخضع فيها تحديد مصير وحدة البلاد لرأي فئة من مواطنيه دون غيرهم.

 

وكما ترى فكلا الحدثين مصيريين, حقيقة لا مجازاً, ستكون عاقبتهما حاسمةً في تشكيل مستقبل البلاد, والأمر لا يعدو أن يفضي إلى واحد من سيناريوهين إما إلى تراض ومشروعية تحققان الأمن والاستقرار ويفتحان الباب أخيراً أمام مشروع وطني حقيقي للنهوض يستحقه السودانيون طالما انتظروه طويلاً, وهو المأمول.

  

وأما السيناريو الأسوأ, والمرجو ألا يحدث, أن تفضي العاقبة السيئة لهذين الحدثين أو أحدهما إلى المزيد من الفوضى والانفلات والاحتراب والتمزق, ويًخشى, لا سمح الله, أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يرى فيها السودانيون والعالم من حولهم السودان الذي عرفوه موحداً وقادر على البقاء على مدى عقود على الرغم من كل صراعاته المعقدة قد انتهى به الأمر إلى حالة من البلقنة أو العرقنة, أو اللبننة أو الصوملة أو سمها ما شئت من حال أي من البلاد التي كفر قادتها بنعمة وطنه وأسلموه إلى الفوضى وإلى التدخل الخارجي أو الوصاية الدولية.

  

 هذا هو المشهد بلا تهويل ولا تهوين ومصير البلاد والعباد أمام مفترق طرق, طريقان لا ثالث لهما, والدخول إلى أي منهما ليس حتمياً, ولكن رهين بالطريقة التي يتصرف بها قادة السودانيين على امتداد طيفهم السياسي, ولكن انظر هل ترى شيئاً في الساحة السودانية يدلك على أن الأمور تؤخذ بحقها بالجدية والصرامة والتحسب في مواجهة استحقاقات تحدي مصيري غير مسبوق؟.

  

وأول الاستحقاقين المصيريين هو الانتخابات العامة, وأمرها عجباً, فهي فضلاً عن أنها استحقاق دستوري معلوم أجله منذ أربعة أعوام عند توقيع اتفاقية السلام, فهي تشكل كذلك أملاً سياسياً يمهد الطريق لتحول ديمقراطي حقيقي يوفر مظلة شرعية لحكم منتخب ديمقراطياً, ولكن كيف السبيل إلى ذلك إذا  كانت الإجراءات المطلوبة لتمهيد الطريق لإجراء الانتخابات كانت محددة سلفاً, ولكن مع ذلك تأخر الاستحقاق الانتخابي عن موعده المضروب ليس لأسباب قاهرة, ولكن بسبب تعثر تنفيذ تلك الخطوات ببساطة لخلافات غير موضوعية بين الشريكين. أو ربما لعدم رغبة أحدهما, أو كلاهما في فترة ما, أصلاً في قيام الانتخابات.

 والسؤال الذي لم يًطرح كيف يمكن لاستحقاق دستوري أن يتحقق بخرق للدستور في رابعة النهار, وما الضمانة ألا يتكرر, وربما يؤدي للتشكيك في مشروعية الانتخابات نفسها, في ظل حالة السكوت الجماعي على ما حدث من عدم احترام لنص دستوري واضح يحدد نهاية السنة الرابعة للفترة الانتقالية موعداً حاسماً لإجراء الانتخابات, وبغض النظر عن موضوعية الأسباب التي حتمت تأجيل موعد الانتخابات, فما كان يجب أن يحدث بقرار من مفوضية الانتخابات التي لا تملك حقاً في تغيير نص دستوري بغير الطرق الدستورية المعلومة التي يجب اتباعها, وحسب نصوص اتفاقية نيفاشا فإن طرفيها يملكان الحق في تعديل بنودها والنصوص الدستورية التي بنيت عليها, ولكن ذلك لا يتم فقط باتفاق ضمني بل بخطوات قانونية يجب أن تؤكد على احترام الدستور ونصوصه.   

من المؤكد بالطبع أن تأجيل موعد الانتخابات ما كان ليتم دون اتفاق سياسي بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية, ومن المؤكد أن مفوضية الانتخابات تلقت ضوءً أخضر من الطرفين قبل إعلانها تأجيل الانتخابات, ولكن بدا مستغرباً أن تقبل المفوضية على نفسها تحمل المسؤولية السياسية عن خرق نص دستوري, فقط لأن الشريكين لا يريدان تحمل المسؤولية السياسية عن تسببهما في تأخير الانتخابات, واحترام الدستور كان يوجب على مفوضية الانتخابات أن تصر على الطرفين اتباع الإجراءات الدستورية اللازمة لتعديل الدستور حتى تتمكن من تأجيل الانتخابات بطريقة صحيحة, إذ لا يمكن الوفاء باستحقاق دستوري بخرق صريح لأحد نصوصه, والمسألة هنا لا تتعلق بإجراء شكلي ولكنه مسألة ضرورية لتأكيد أن الالتزام بالدستور واحترامه يجب ألا تكون مسألة تخضع للحسابات السياسية لهذا الطرف أو ذاك, وإلا فذلك يعني أن الباب أصبح مفتوحاً لخرق الدستور متى ما تطلب الأمر ذلك, وإذن ما هي قيمة الدستور إذا كان متاحاً خرقه بهذه السهولة لمصلحة هذا الطرف السياسي أو ذاك تقديراً لظروفه.

  

وأكثر ما يثير العجب في هذه المسألة حالة التواطؤ الجماعي والسكوت على خرق الدستور من قبل القوى السياسية جميعاً, فقط لأنه حدثت حالة فريدة من التوافق لأن ذلك يحقق مصلحة كل أطراف اللعبة السياسية, فالمؤتمر الوطني الذي كان متلهفاً لإجراء الانتخابات في موعدها بدا أن حساباته أصابها خلط بسبب تداعيات أزمة المحكمة الجنائية الدولية, ومع أن المناخ الداخلي كان مواتياً لحظوظه الانتخابية بعد المساندة التي حظي بها الرئيس عمر البشير, ولكن لأن إجراء انتخابات شاملة لم يكن وارداً فقد رشحت تسريبات لاختبار إجراء انتخابات رئاسية وهو ما لم يجد ترحيباً خاصة من الحركة الشعبية فصًرف النظر عنه, ولذلك مال المؤتمر الوطني إلى خيار تأجيل الانتخابات عسى أن يجد زمناً كافياً لحلحلة تداعيات أزمة الجنائية وتعزيز فرصه في تمديد وجوده في السلطة بمشروعية انتخابية.

  أما الحركة الشعبية فمن الواضح أنها لم تجنح إلى انتقاد خرق الدستور, لأنها وإن كانت ليست حريصة على إجراء الانتخابات في الموعد المضروب, إلا إنها ترفض رفضاً باتاً إجراء أية تعديلات على الدستور, وتفضل أن تتم تجاوز أي عقبات في هذا الصدد باتفاقات ثنائية مع المؤتمر الوطني خارج اللعبة القانونية, وهو ما تكرر أيضاً عند المناداة بتعديل الدستور لتمديد أجل المجلس الوطني, ولكن أيضاً بسبب رفض الحركة الشعبية لإدخال أية تغييرات دستورية جرى الاتفاق على تخريج قانوني للمسألة يجنب اللجوء لتعديلات دستورية, وتدرك الحركة الشعبية أهمية الحفاظ على المكاسب التي تحققت لها بفضل اتفاقية نيفاشا وأصبح منصوص عليها بالدستور, ولذلك لا تريد فتح الباب خشية أن يعرض ذلك مكاسبها للخطر. وفضلاً عن ذلك فإن الحركة الشعبية ليست حريصة على إجراء الانتخابات قبل الاستفتاء على تقرير المصير, وهذا ليس تخميناً ولا تحليلاً, فقد أعلن زعيم الحركة الشعبية سلفا كير ميارديت هذا الموقف صراحة في حوار مع صحيفة أميركية قبل بضعة أشهر, وأكد أن هذا هو موقف الحركة الشعبية منذ أيام مفاوضات نيفاشا, وأنها قبلت مضطرة بإجراء انتخابات عند منتصف الفترة الانتقالية بسبب خضوعها لضغوط غربية عنيفة مورست عليها, متهماً المؤتمر الوطني بإظهار الحرص على الانتخابات ليبدو ديمقراطياً وهو يخطب ود الغربيين إبان المفاوضات, وفي الواقع فإن الحركة الشعبية لا مصلحة لها على الإطلاق في إجراء انتخابات قبل الاستفتاء على تقرير المصير, فاتفاقية السلام حققت لها وضعاً سياساً مريحاً تحتكر فيه السلطة في الجنوب وتشارك بنسبة 28% في السلطة المركزية, وليست هناك أية ضمانات بأن تحافظ على هذه الوضعية بالدخول في مغامرة انتخابية لا تملك التحكم في مخرجاتها, وهذا ما يفسر إعلان الحركة الشعبية رفضها لنتائج الإحصاء السكاني, ليس بسبب عدم دقة نتائجه, ولكن تتخذها ذريعة للتملص من الاستحقاق الانتخابي ونتائجه غير المضمونة, فالحركة الشعبية تريد الحفاظ بأي ثمن على ما تحقق لها حالياً, ورفض الحركة للإحصاء الذي يمثل أهم ركائز العملية الانتخابية يشير بوضوح إلى أنها منذ الآن تعلن أنها ليست ملتزمة بنتائجه, وهو ما يطرح سؤالاً كبيراً كيف ستقود الانتخابات لمشروعية مقبولة, وتحول ديمقراطي, إذا كان حزب يملك جناحاً عسكرياً يعلن هذا الموقف. أما الأمر الأكثر غرابة فهو ليس موقفا المؤتمر والحركة الشعبية, بل القوى السياسية الرئيسية الآخرى في المعارضة, فقد صمتت جميعها عن التنديد بخرق الدستور والمطالبة باحترامه فقط لأن ذلك يوافق مصالحها, فهذه القوى المعارضة التي طالما دعت للإحتكام للشعب تدرك قياداتها أكثر من غيرها أنها ليست جاهزة للدخول في تنافس انتخابي ليس بسبب تخوفها من عدم نزاهة الانتخابات, بل لأسباب ذاتية فهي جميعاً تعاني من حالة انقسام وتشرذم وضعف تنظيمي لم تشهده في تاريخها, وهي ليست مستعدة بأي حال للدخول في الانتخابات تدرك سلفاً أن نتائجها في ظل المعطيات الحالية لن يؤدي إلا إلى تبديد حتى حالة المشروعية التاريخية التي كانت تتمسك بها نتاج آخر انتخابات تعددية جرت في العام 1986, ولذلك نزل تأجيل الانتخابات برداً وسلاماً على هذه القوى المعارضة, وحمدت الله أن نجاها من معركة لم تكن مستعدة لها أبداً, وهي كذلك تأمل أن تكسب الزمن بهذا التأجيل عسى ولعل تمطر السماء لها مخرجاً من هذه الورطة, ولذلك فإن بعضها الذي طرح اقتراح الحكومة القومية لم تفعل ذلك حقاً من أجل انتخابات نزيهة, ولا من أجل فك احتكار المؤتمر الوطني للسلطة كما أعلن ذلك بعض قادته, بل لإثارة المزيد من التعقيدات في إتمام استحقاق انتخابي لا يبدو أن أحداً يريده الآن حقاً, لا من هم في السلطة ولا من هم في المعارضة, حتى بدا كاليتيم في موائد اللئام, ولذلك تواطؤا جميعاً بالصمت على خرق الدستور. وكما أسلفنا فإن الخرق المتعمد للدستور إن حدث مرة, فذلك يعني أنه ممكن الحدوث مرة آخرى طبقاً للظروف والمعطيات السياسية التي قد تستجد, ولذلك يبقى حتى الموعد الجديد المضروب للانتخابات في كف عفريت فلا ضمانة أبداً إلى أنه سيتم في الوقت المحدد,  وليست المشكلة هي تأخر الانتخابات عن موعدها, ولكن ما يثير الانزعاج هو العقلية الانتهازية للطبقة السياسية التي تتجنب الحوار الشفاف المسؤول عن ما يجب فعله بشأن إجراء الانتخابات في ظروف مواتية بحيث يتحقق الغرض من إقامتها, ولكن تلتف على ذلك بحيل مكشوفة. يعتقد بعض أصحاب الرأي أن إجراء الانتخابات حتى ولم لم يتوفر لها المعايير المطلوبة لنزاهتها, أفضل من عدم إجرائها, بمعنى آخر انتخابات سيئة خير من عدم إجراء الانتخابات, وأن التحول الديكقراطي لا يتحقق إلا بالممارسة والتعلم من أخطائها, وهذا المنطق صحيح إذا كانت هذه العملية تتم في ظل ظروف تحول عادية, ولكن السودان يعيش حقاً في ظل تحديات استثنائية, ولا يملك ترف التجريب, فالانتخابات المنتظرة مصيرية حقاً, ومع ذلك لا يبدو للأسف الشديد أن هناك تعاملاً جدياً مع هذا الأمر بما يستحقه, وما لم يتم توفير المعطيات الموضوعية لتحقيق الهدف من إجرائها فستتحول من نعمة يتوق الناس لها بشدة لتخليصهم من حالة التيه السياسي, إلى نقمة تزيد أوضاعهم سوءً, ومن السذاجة أن يتوقع أحد أن يؤدي تلاقح قردين إلى مولد غزال. ولذلك فإن المطلوب حوار وطني مسؤول لضمان توفير المعطيات الموضوعية لانتخابات تحقق مشروعية وأمناً واستقراراً, والتحول الديمقراطي لا يتحقق فقط بجملة إجراءات وإصلاحات قانونية ضرورية, ولكنه أيضاً رهين بتوفر إرادة حقيقية للقوى السياسية الفاعلة ترافقها عملية إصلاح حزبي تؤكد الممارسة الديمقراطية السليمة والتبادل السلمي للقيادة داخل هذه الأحزاب المكون الرئيس لأي عملية ديمقراطية راشدة.وهذا الحوار لا يقتصر فقط على مسألة الانتخابات بل يتضمن أيضاً حدثاً مصيرياً آخر لا يبدو أن أحداً يلقي له بالاً مع اقتراب استحقاقه وأعني به الاستفتاء على تقرير المصير, الذي تبقى على موعده الدستوري أقل من عشرين شهراً. وهو أمر يدعو للرثاء على القوى السياسية التي تتناحر غير آبهة إلى أن أمر في خطورة وأهمية الحفاظ على وحدة البلاد, صحيح أن ذلك أمر أقرته اتفاقية السلام, ولكن من المهم تذكر أن الأولوية دائماً أعطيت لإعطاء الوحدة الأولوية, وأن الانفصال خيار استثنائي, وليس الاصل, وأن المطلوب من جميع الأطراف أن تعمل بجدية من أجل جعل الوحدة خياراً جاذباً, ولكن ما نشهده حقاً تلك الحالة من الزهد البين في الوحدة, بل وهناك من بات يتعجل حدوث الانفصال ظاناً في ذلك حلاً لأزمات السودان, ولكن ذلك وهم كبير, ولو بدأ مسلسل الانفصال فلن يقف في الجنوب, ولن يعرف أحد لا في الجنوب ولا في الشمال نعمة الاستقرار. ويعجب المرء ألا يكون استحقاق بهذه الخطورة محل اهتمام محوري ومركزي من الجميع, ثم أليس غريباً أن تًجرى انتخابات عامة, ثم يذهب الجنوبيون بعد عشرة أشهر من ذلك للاستفتاء على تقرير المصير, ألا يعني ذلك في ظل الشواهد الحالية أن الانتخابات المقبلة ليست سوى دعوة مفتوحة لفصل الجنوب, لقد بًذل القليل حقاً من أجل الحفاظ على وحدة السودان, ويجري التعاطي مع هذه المسألة بكثير من عدم المسؤولية واللامبالاة, ولن يرحم التاريخ أؤلئك الذين يتسببون في تفتيت وحدة السودان فقط من أجل تحقيق أجندة ذاتية ضيقة. صحيح أن اللعبة السياسية لا يصلح معها الدعوة للمثالية, وقد يكون ذلك مقبولاً حقاً في الأوقات العادية, ولكن من ينظر في التاريخ يجد أن الأمم التي واجهت تحديات عظيمة لم ينقذها في اللحظات العصيبة سوى قادة عظماء تعاملوا مع تحديات أممهم بمثالية يتطلبها الموقف ولذلك أقالوا عثرتها وأهدوها حياة عظيمة, وهناك كذلك أمثال القادة الذين قعدت بهم همتهم أن يدركوا تلك اللحظة التاريخية الحاسمة لقيادة مثالية واعية ولذلك أورثوا أممهم الدمار والخراب.  (عن صحيفة إيلاف السودانية)