صحيفة إيلاف 12 فبراير 2019

(1)

أعادت الاحتجاجات الشعبية التي انتظمت البلاد على مدار الشهرين الماضيين، (مبادرة السلام والإصلاح) إلى واجهة الرأي العام وهي تقدم بيان موقفها الداعم الحراك الشبابي الساعي للتغيير، في اتساق مع سلسلة الجهود التي ظلت تبذلها منذ آواخر العام 2015 حين بادرت جماعة من بنات وأبناء السودان يجمع بينها الانشغال بالشأن الوطن العام لتتداعى بدافع الحس الوطني السليم والمسؤولية الأخلاقية تجاه موطنيها لتسهم بقسطها في تحقيق مطالب السلام والزثلاح والتغيير، في ظل تواصل تردي الحالة العامة التي ظلت البلاد تعيشها على مدار سنوات، والتي تستدعي استنفار الطاقات كافة، للعمل على بذل غاية جهدها تواصلاً مع شرائح الشعب السوداني الفاعلة على امتداد الطيف السياسي لإيجاد مخرج آمن ومستدام للأزمة السياسية الوطنية.

(2)

قادت ذلك الحراك المبكر منذرة من عواقب استمرار حالة الجمود وتبعاتها الخطيرة لتتبني مبادرة سودانية خالصة، في وقت تغوّلت فيها الأطراف الخارجية ترسم خرط الطريق للسودانيين لحل أزمتهم الوطنية، وهدفت إلى مخاطبة جذور الأزمة السودانية المتطاولة دعت فيها بوضوح إلى ضرورة تغيير الواقع المأزوم انطلاقا من تأسيس مرحلة إنتقال لازمة لا غنى عنها لفترة زمنية متفق عليها تقودها حكومة "مهام وطنية" تتشكّل من ذوي "الكفاءة والخبرة والأمانة" لتنفيذ برنامج وفق أولويات ملّحة لتحقيق مخرج آمن للبلاد من الأزمات المُنذرة التي تواجهها.

(3)

وقد ظلت هذه المبادرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية منذ طرحها لأول مرة تواصل سعيها للإسهام في إيجاد مخرج من الأزمة الوطنية المتفاقمة، لا سيما وقد وجدت حينها قبولاً ودعماً مقدراً من قطاعات واسعة من القوى السياسية المعارضة والحركات المسلحة عبر اتصالات مكثفة جرت وقتها، فيما كان الطرف الوحيد الذي رفض الاعتراف بها أو التعامل معها حزب المؤتمر الوطني ، وأسهم استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة ليؤكد إزدياد الحاجة الماسة إلى هذا الجهد الذي استشرف بنظر ثاقب تشخيص جذور مشكلات البلاد، ومآلاتها الخطيرة على السلام والاستقرار، واقترحت توصيات مدروسة وموضوعية فوق الأجندة الحزبية الضيقة لرسم خريطة طريق وطنية لتفادي إنزلاق البلاد إلى ما لا يحمد عقباه.

(4)

تفاعلت المجموعة مع الحراك الشعبي منذ بواكيره حيث أصدرت في 30 ديسمبر الماضي بياناً أكدت فيه دعمها الكامل ل"الهبّة الشعبية الواسعة المطالبة بتغيير جذري وشامل للأوضاع المأزومة بفعل استمرار الوضع الشمولي القابض"، وخاطبت الشعب السوداني الأبي، مترحمة على الشهداء الأبرار الذين قدّموا أرواحهم الطاهرة في هذا الحراك السلمي تضحيةً بأنفسهم من أجل عزة وطنهم ورفعة مواطنيهم، وتمنّت عاجل الشفاء للجرحى، وطالبت بإطلاق سراح المعتقلين كافة.

(5)

أكدت المجموعة في بيانها "تأييدها ودعمها الكامل لحق الشعب السوداني في التعبير بحرية كاملة غير منقوصة عن تطلعاته في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة في وطن يعمه السلام والاستقرار والحكم الرشيد وسيادة حكم القانون والمساواة وحماية حقوق الإنسان".

وأيدت "سعي المواطنين لتحقيق مطالبهم المشروعة في التغيير السلمي طلباً للخلاص والخروج من النفق المظلم والحلقة المفرغة الذي أدخل فيه نظام الحكم البلاد".

(6)

وأكدت المجموعة رفضها التّام لاستخدام السلطات العنف المفرط في مواجهة المواطنين المسالمين بهدف حرمانهم من ممارسة حقهم الدستوري في التعبير السلمي في الاحتجاج على السياسات والممارسات التي أدت إلى إفقار البلاد والعباد. وأدانت بشدة استخدام الرصاص الحي والعنف في مواجهة المحتجين مما تسبّب في اغتيال العشرات وجرح المئات من المواطنين العزّل، وطالبت بالكشف عن مرتكبي هذه الانتهاكات الخطيرة، واتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة في مواجهة الذين اقترفوا هذه الجرائم الدموية.

(7)

وأعلنت المجموعة في رؤيتها ان "الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والضائقة المعيشية المستفحلة، والاحتقان الاجتماعي المتفاقم، كحليست سوى انعكاس لحجم الأزمة السياسية الخانقة وانسداد الأفق بسبب عدم تجاوب السلطة القائمة مع أية مبادرات أو جهود وطنية مخلصة للإصلاح، مع الإصرار على الاستمرار في احتكار السلطة".

وشدّدت على أنه "لا مخرج من هذا المأزق إلا بتأسيس هيكلة سياسية جديدة جذرية وشاملة لإدارة البلاد وتشكيل حكومة قومية، تحظى برضا الشعب وتستجيب لمطالبه، وتملك القدرة على إيجاد الحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية المستعصية ورد المظالم، تقود البلاد خلال فترة انتقالية بأجندة وطنية محددة الأولويات يتم الاتفاق عليها بين كل القوى السياسية والمجتمع المدني".
(8)

ووجهت مجموعة المبادرة النداء ل"كافة الفاعلين، أفراداً وأحزاباً سياسية ومنظمات مجتمع مدني وتنظيمات العمل العام بلا استثناء، للانخراط على نحو إيجابي وبناء، في مسارات عمل متسق نحو هدف مشترك يمكّن وطننا من بلوغ حلمه المشروع في تجاوز أزمته السياسية المتطاولة والمستفحلة، ودفع استحقاقات تأسيس نظام سياسي واجتماعي جديد يكفل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والنهوض في المجالات كافة".
(9)

ثم عادت المجموعة لتصدر عقب اجتماع موّسع ضم أغلبية الأعضاء المؤسسين بيان "موقف" موجه للشعب السوداني في السادس وعشرين من يناير 2019، أكدت فيه أن "الإحتجاجات الشعبية المطالبة بسقوط النظام القائم، بإتساع مداها، وإستمرارها للشهر الثاني على التوالي، أفرزت واقعاً جديداً يجب التعامل معه لا باعتباره أمراً عارضاً يمكن تجاوزه".

وثمّنت صمود حشود المحتجين في وجه محاولات إخماد إحتجاجاتهم، وأدانتها وأشارت إلى أنها "محاولات يوجد مايدعو للإعتقاد أن قوات غير منظمة بالقانون قد شاركت فيها إلى جانب قوات الضبط، وأن تلك القوات قد لجأت لإستخدام القوة المفرطة، مانتج عنه عمليات قتل خارج القانون، مما يدعو إلى القلق من أن يقود كل ذلك البلاد إلى مخاطر جمة".
(9)
وشدّد البيان على ضرورة مواجهة الأسباب التي أنتجت هذه الإحتجاجات الواسعة، في العاصمة والولايات، والتي تفجرت بسبب تمسك الحُكم بالاستمرار في الاستئثار بالسلطة بغير حدود.، وأكد أن استفحال الوضع الإقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد بسبب إنتهاج الحكم سياسة أحادية إستبدادية كرست فساداً إلتهم ثروات البلاد وأقعد إقتصادها.
(10)

وطرحت المجموعة موقفها استناداً على الحيثيات أعلاه تتضمن الآتي:

أ- أكدت أنّ المسألة العاجلة الآن هي الامتثال لمطالب الجماهير وتنفيذها بأسرع ما يجب، متمثلة في التوافق على فترة إنتقالية لا تقل عن أربع سنوات.

ب- تكوين حكومة إنتقالية تتولى إدارة شئون البلاد بالتوافق بين قيادة الحراك الجماهيري والقوى السياسية الكبرى، يتم تشكيلها من كفاءات مشهود لها بالكفاءة في مجالات تخصصها، وذات مصداقيةً وتوجه قومي ديمقراطي مع تمثيلٍ للأحزاب السياسية الرئيسية.

ج- التمهيد لتحول ديمقراطي عبر إنتخابات حرة ونزيهة.

(11)

واقترحت اامجموعة بأن تقوم الحكومة المؤقتة بتنفيذ المهام التالية:

أولاً: التمهيد لإقامة حكم ديمقراطي تعددي لا مركزي، مؤسس على حقوق الإنسان، ومتفق مع المستوى الدولي. وذلك بإجراء إصلاح قانوني شامل، بإلغاء كافة الأحكام المقيدة للحريات في القوانين السائدة، وإبدالها بأحكام تبسط الحريات العامة والتي تشمل، ولا تقتصر على، حرية الإعلام والصحافة، والتعبير، والتجمع، والتنظيم. كما تؤسس للعدالة الإجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات باختلاف أعراقهم وثقافاتهم وأديانهم.

ثانياً: تحقيق إستقلال القضاء عن الجهاز التنفيذي وإخضاع قوات الضبط له، واستقلال الخدمة المدنية، والقوات النظامية عن كافة التنظيمات السياسية، وبعدهما عن كافة أشكال النشاط الحزبي.

ثالثاً: وقف الحروب في مناطق النزاع، وتحقيق السلام وإستدامته، وإزالة المرارات التي خلفتها تلك الحروب عن طريق استخدام آلية الحقيقة والمصالحة، والتي تشمل تحقيق العدالة والقضاء على كافة أشكال التمييز العرقي والثقافي والديني، والسماح للثقافات المحلية بالتطور والإزدهار.
(12)

وتضمنت مقترحات موقف المجموعة، وضع الأسس اللازمة لإقامة أجهزة حكم محلي تتمتع بإستقلال كاف عن المركز، مع تمكينها من سلطة إستخدام الموارد المحلية. وأن تقوم الحكومة المؤقتة بوضع الخطط لتنمية إقتصادية متوازنة في سائر أنحاء القطر، مع أولوية إستخدام آلية التمييز الإيجابي بما يتيح التوسع في مشاريع التنمية الإقتصادية والإجتماعية في مختلف أنحاء البلاد خاصة تلك الأقل تنمية.

رابعاً: إجراء الإصلاحات المطلوبة على السياسة الخارجية لتحقيق أعلى درجة من التعاون مع العالم، والبعد عن العداءات مع الجوار الأقليمي.

خامساً: العمل الدؤوب على إجراء إصلاح شامل للإقتصاد الوطني بمعالجة جذور الأزمة الإقتصادية وتجلياتها المختلفة، بتبني السياسات الصائبة والتشريعات اللازمة وإقامة الأجهزة الرقابية الخاصة بمحاربة الفساد مع ضمان فعاليتها على أرض الواقع. والعمل مع المجتمع الدولي بالإعفاء من الديون والعناية بالإصلاحات القانونية التي تهدف لإصلاح الهياكل المالية والإقتصادية وعلى رأسها وقف هيمنة الجهاز التنفيذي على البنك المركزي.

سادسا: إجراء إنتخابات حرة ونزيهة لجمعية تأسيسية تضع دستورا وفق المبادئ فوق الدستورية التي يتم الإتفاق عليها مسبقاً، وفق وثيقة يتم وضعها بحيث يلبي الدستور أشواق الأغلبية، دون أن ينتهك حقوق الأقلية، وذلك بمنع تضمين الدستور القادم أي أحكام تهدر أيا من الحقوق الأساسية، أو تكرس التمييز بين المواطنين ما لم يهدف ذلك التمييز إلى رفع الظلم عن الفئات الأضعف في المجتمع.

(13)

وفي سبيل تحقيق الأهداف الواردة في بيان الموقف لتحقيق الانتقال إلى وضع سياسي جديد، بادرت المجموعة إلى الشروع في حراك واسع للتواصل مع القوى السياسية الفاعلة في الساحة السودانية، وقوى الحراك الشعبي، والتنسيق بين المبادرات المطروحة في الساحة لتأمين بلوغ الأهداف المرجوة للتغيير الذي بذلت في سبيله كل هذه الدماء والأرواح والتضحيات .