على الرغم من أن التصريحات الرسمية، والتقارير الإعلامية على وجه الخصوص حاولت أن تضفي الكثير من الأهمية والأبعاد الدرامية على القمتين اللتين احتضنتهما أديس أبابا على هامش أعمال القمة الإفريقية الدورية، الثنائية بين الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والأخرى الثلاثية التي ضمّت إلى جانبهما رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين، إلا أن القليل من الدلائل المتوفرة من قرائن الأحوال يشير إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام العواصم الثلاث لرأب التصدّعات بينها، قبل أن تتهيأ بالفعل الفرصة لفتح صفحات جديدة في تحوّل إستراتيجي مأمول لخدمة المصالح الحقيقية لشعوب حوض النيل الشرقي.

قد يبدو في ظاهر الأمر أن موضوع القمتين منفصل، حيث بحثت الأولى في واقع الأزمة التي تمسك بخناق العلاقات السودانية المصرية على مدار عام كامل وصلت الأمور فيها إلى حد القطيعة بين قيادتي البلدين، ذلك أن لقاء بيت السودان في أديس أبابا الذي جمع البشير والسيسي كان هو الأول الذي يجمع الرجلين لسنة خلت. كما بدا أن اللقاء الثلاثي كان لمُخاطبة مأزق الجمود الذي ران على ملف سد النهضة منذ أن وقّع الزعماء الثلاث الاتفاق الإطاري في الخرطوم قبل ثلاث سنوات، ولم تشهد أي تقدّم ملموس في طي الخلافات، بل كانت في الواقع تزداد سوءاً، في وقت تمضي فيه إنشاءات إكمال السد، في حين لم تنجز أي من التدابير التي تم الاتفاق عليها لتدارك خروج الخلافات من مسار التسوية.

صحيح أن تاريخ العلاقات السودانية المصرية مليء بفترات التوتر والخصام على المستوى الرسمي لفترات طويلة تفوق سنوات التوافق والتعاون، إلا أن الشواهد تقول: إن العلاقات بين البلدين اتخذت مساراً غير معهود من التوتر والتردّي منذ أن دخل عامل سد النهضة على الخط، فلم تعد الخلافات مما يمكن رتقه في إطار ثنائي بعد دخول طرف ثالث تؤكد الوقائع كلها أنه يملك بالفعل كل أوراق اللعبة، وأن الخرطوم والقاهرة مهما بدت مواقفهما متباعدة، أو على طرفي نقيض في هذه القضية، فكلاهما في نهاية الأمر في خانة المفعول به، لا يملكان أكثر من الاستجابة للأجندة الإثيوبية قبولاً أو رفضاً، إلا أن أياً من الدورين لا يستطيعان تغيير أوراق اللعبة التي أرست قواعدها أديس أبابا وتتحكّم فيها بكل قوة ودهاء، مستفيدة من الثغرات الإستراتيجية في تعامل كل من الخرطوم والقاهرة مع ملف الأزمة بردود أفعال انفعالية قصيرة النظر.

ومن التبسيط المُخل في حساب أوزان مسبّبات الأزمة، النظر لقضية سد النهضة باعتبارها مسائل فنية بحتة تتعلق بحصص المياه، جدول كمياتها وأنصبة الأطراف، أو ملء خزان بحيرة السد، إلخ .. إلخ، وحتى كيفية التشغيل، صحيح كل هذه أمور مهمة من الناحية الفنية، لكنها في نهاية الأمر ليست هي جوهر الأزمة، بل هي عوامل محكومة بما هو أكثر عمقاً وتأثيراً، والمعني هنا البعد الأبعد نظراً لمياه النيل بحسبانها عامل ترجيح إستراتيجي للتحكم في أوزان علاقات القوة بين الدول، سواء على صعيد تفاعلها مع بعضها البعض، أو على الصعيد الإقليمي، ولذلك فإن آخر ما يُنتظر في خصوص حلحلة المأزق الراهن السيناريوهات التي يقدّمها الفنيون هنا أو هناك لتسوية ما يبدو أنه محل صراع، وما هو في الواقع إلا تجلٍ لمضمون الصراع الأكثر عمقاً، وليس مظاهره الشكلية.

وفي ظل الموقف بتوازناته وحقائقه الراهنة لا تبدو إثيوبيا في حاجة لأن تقدّم تنازلات من أي نوع، فالصراع السوداني المصري يصب في رصيد تعزيز وزنها في هذه اللعبة التي تتعامل معها بحنكة إستراتيجية، تاركة القاهرة والخرطوم غارقتين في صراع محموم حول مواقف تكتيكية بائسة، لتمضي واثقة من بلوغ هدفها، وستظل مُستفيدة من هذه المعطيات طالما لا يزال البلدان مُنخرطين في هذه المعارك الانصرافية بامتياز. وما خرجت به القمتان الثنائية والثلاثية، من نتائج تقليدية متواضعة بتشكيل المزيد من اللجان لدراسة المزيد من البحث في الحلقة المُفرغة عن حلول دائرية، يَعني إكساب أديس أبابا المزيد من الوقت في لعبة الزمن المُهدر لحصد المزيد من المكاسب حتى يستوي السد على أركانه.

ما يحقق الحلول المتوازنة التي توفر مكاسب إستراتيجية متوازنة للبلدان الثلاث بتكافؤ هو التغيير في نمط التفكير مع اللعبة بمجملها وتغيير قواعدها، والنظر إليها في أبعادها الإستراتيجية الكلية الطويلة المدى التي تتجاوز أعمار الحكّام الحاليين، وحتى الأنظمة الحالية، تخاطب أجيالاً قادمة، ذلك أن استمرار النظرة الضيّقة، ومخاطبة مشاغل السلطة الراهنة هنا، وهناك ستعني أن أية مكاسب فنيّة منتظرة اليوم لن تكون ذات جدوى غداً بأي حال من الأحوال.