عن صحيفة إيلاف

ما أن هممت بكتابة مقالي الأسبوعي الراتب، حتى وقعت في شرّ أعمالي حين طاوعت نفسي وقررت أن استمع إلى التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم مجلس شورى المؤتمر الوطني عن نتائج أعمال دورته الأخيرة التي انعقدت في الأيام الفائتة علني أجد فيها ما يستحق التعليق، وكان الظن أن ما جرى تداوله على نطاق واسع من أن مجلس الشورى المركزي للحزب (الحاكم تدليلاً- والمحكوم واقعاً) قد انتفض لدرجة أن "تجرأ" على إرجاء لحين مباركة ترشيح الرئيس عمر البشير في انتخابات 2020 ، كما فعلت وستفعل كل أو معظم مجالس الشورى الولائية، وكان الظن أن عودة روح وربما وعي قد دبّت في جسده، ولكن ما أن استمعت إلى تصريحات المتحدث كاملة حتى تبين لي حقاً أن الطريق إلى عودة الروح والوعي ستطول، وستطول، حتى تفوق انتظار صاحب غودو.

ظللت أستخدم كثيراً تعبير "الطبقة الحاكمة" مجازاً في تحليل العديد من التطورات السياسية والاقتصاية في البلاد، فإذا بالمتحدث بإسم الشورى يؤكد أن وجودها حقيقة ماثلة وليست مجازاً، وأكثر من ذلك أنها طبقة مخملية تعيش في أبراج عاجية معزولة تماماً عن الواقع إلى درجة تدعو إلى الرثاء، فقد صُعقت والمتحدث، لا فض فوه، ينقل للصحافيين توصيات مجلس الشورى بعد تداوله في ورقة اقتصادية حول الأوضاع الراهنة.

وكانت خلاصتها تمسّكه بالموازنة الجديدة، التي بلغ من فرط الإجماع على كارثيتها أن أصحابها يلعنونها سراً ويبشرون بها جهراً، ومع ذلك ليست هذه هي المشكلة، كانت أم الكبائر أن مجلس شورى الحزب، الذي يبدو أن قادته يعيشون في "كوكب السعادة الأبدية"، هي نصيحتهم للمواطنين في مواجهة الأوضاع الاقتصادية المأساوية التي يكابدونها أن "يغيروا من السلوك الاجتماعي والنزوع والميل نحو الاستهلاك والترف"، هكذا قالها دون أن يغمض له جفن، "الترف"، يا للهول: فماذا تركوا لماري أنطوانيت؟ يا ترى أبعثت من جديد؟!.

وكما يُقال إنه ليس بعد الكفر ذنب، فإنه ليس بعد هذه "الحالة المرضية" من الانقطاع عن الواقع والبعد عن المجتمع، من رجاء في رشد، ولا غرابة في ذلك فالطبقة الحاكمة تعيش في بحبوحة ورفاهية أنستها أن هناك 40 مليون سوداني نصفهم يعيشون تحت خط الفقر، وحتى بعد اجتهاد السلطات في تخفيف النسبة على الورق لا على الواقع وقولهم أنهم 36% السكان، ومع ذلك يحدثونهم عن تخفيف الاستهلاك والبعد عن الترف.

هل يظن هؤلاء أن المائتين وخمسين جنيها التي تدفع نقداً كدعم مباشر فقط لأقل من ثلث عدد الأسر المحتاجة يعني شيئاً؟ّ، هل يعرف هؤلاء كم أصبح يعاني حتى متوسطي الدخل دعك من الفقراء أو من هم دون ذلك، من الواضح أن هذه الإجراءات والجراحات الضرورية كما سماها المتحدث، لا ولم تمس هؤلاء القوم، فالحكومة لا تنسى مسؤوليتها عن رفاهية طبقتها الحاكمة على حساب مال الشعب.

ولكنها تريد من المواطنين أن يدفعوا آخر قرش في جيبوبهم الفارغة لتنعم السلطة بامتيازاتها ومكاسبها، لقد بلغت بها الغيبوبة وعدم معايشة هموم الناس أنها لم تجد نفسها حتى مضطرة لتدعي نوعاً من التقشف، بل قالها وزير المالية صراحة أنه لم يمكن خفض الإنفاق الحكومي، ولكن بالطبع فإن ذلك لا يكون إلا على حساب المواطن المكدود الذي لا بواكي له.

من عجائب ما قاله متحدث الشورى وصيتها للمواطنين بضرورة الصبر، وأن الملأ الأعلى من القوم يثمنّون صبر الشعب المغلوب على أمره على مسلسل الفشل المستمر لثلاثة عقود، الذي أحال بلداً بكل هذه الموارد إلى متسول لا يفتأ تسأل حكومته دول الخليج إلحافاً حتى ملّوهم من كثرة مد اليد العاطلة عن تحمّل مسؤولية تفجير كل هذه الطاقات التي يزخر بها السودان.

لم يسأل هذا المجلس نفسه وهو يدعو الناس للمزيد من الصبر على هذا العجز المستدام عن الأسباب التي تجعل إدمان الفشل هو ديدن السياسات الحكومية على كثرة برامجها ووعودها التي لا تلبت كل مرة أن تُفضح، ولا تزال تكرر الأعذار الممجوجة عن أسطوانة صدمة الانفصال وذهاب موارد الجنوب، وكأنه هبط من السماء ولم يكن من حصائد هذا العجز والفشل الذي يتكرر بلا سؤال ولا حساب.

لماذا يصرون على تجريب المجرب، ويتوقعون نتيجة غير التي خبرها الناس عام بعد عام حتى قاربت الثلاثين من فشل يقود إلى آخر، لن أزيد فقط سأعيد أدناه هذا المقال بعنوان (اقتصاد السودان وقارئة الفنجان إجراءات يطارد خيط دخان) الذي نُشر في إيلاف في 11 نوفمبر 2016، بعد إجراءات مماثلة اتخذتها الحكومة تحت مزاعم وخزعبلات كثيرة أنها ضرورية وحاسمة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية.

وها نحن لم يكد يمر العام حتى أصبحت البلاد تواجه وضعاً أكثر سوءاً وأخطر مآلاً، لقد تبخرت كل تلك الوعود التي تم الترويج لها بين يدي آخر حركة إجراءات حكومية، وها هي العقلية نفسها المنتجة لهذا الفشل تريد تسويقها من جديد. لم يكن ذلك المقال يتنبأ بهذا المصير البائس لتلك السياسات، بل كان يقرأها بعين الواقع لا التمنيات، وللأسف الشديد ها هي السلطة تريد أن تستمر في بيع وهم الإصلاح الاقتصادي الذي لن يحدث أبداً مع هذه الطبقة التى يلم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً، ولن تفعل ذلك حتى تحل الطامة الكبرى.