لم تكن الاستقالة التي تقدم بها وزير الخارجية البروفيسور إبراهيم غندور من منصبه، التي طار نبأها إلى الأسافير وعناوين الصحف مغادرة محطة النجوى بها في الكواليس، إلا مجرد رأس جبل الجليد الذي يكشف عن حجم الأزمة الذي ظلت تواجه علاقات السودان الخارجية سنين عدداً، حتى تحولت إلى مأزق تكاد تغيب فيه مصالح البلد الوطنية، في ظل سياسة متقلبة وانعدام رؤية وفي ظل حالة شد وجذب تنازعاً حول إدارة ملفاتها، فضلاً عن تحولات متواترة في مسيرتها حملت الكثير من المظاهر على الانفتاح لكن واقع الأمر يثبت أن مردوها كان أقرب للعلاقات عامة لم تحقق سوى القليل من المصالح والمنافع، وهو ما يقود لتساؤلات أكثر عمقاً عن مغزى استقالة الوزير إلى البحث في استقالة السياسة الخارجية نفسها عن دورها في ظل هذا الوضع المضطرب.

تشير محاولة قراءة خطوة غندور تقديم استقالته إلى أن محمولاتها تتجاوز الجدل البيروقراطي حول انتزاع الكثير من الملفات من صميم مهام وزارته ومسؤوليتها في إدارة العلاقات الخارجية بحكم ما تواضعت عليه التقاليد والأعراف في سياسة الدبلوماسية، أو الاحتجاج على الأزمة المالية الخانقة غير المسبوقة التي تواجهها الوزارة بسبب إحجام البنك المركزي عن الوفاء باستحقاقات سداد التزامات بعثاتها الخارجية المرصودة في الموازنة والمجازة بقانون من المجلس الوطني، تتجاوز ذلك كله إلى مدى يتعلق بصميم توجهات السياسة الخارجية نفسها ومعادلاتها في خضم أوضاع سائلة ومضطربة، وسبل التصدي لها بعمل دبلوماسيي مؤسسي مدروس وفعّال.

ليس سراً أن هذه ليست هي المرة الأولى التي نشهد مثل هذا الاشتباك بين المؤسسة الدبلوماسية الرسمية، وبين جهات حكومية أخرى تتدخل في شؤونها بما يربك الأداء، ولعل الأعلى صوتاً في ذلك كان وزير الخارجية السابق الأستاذ علي كرتي الذي كان ينتقد صراحة تتدخل أجهزة سياسية ونظامية في مسارات عملها، وبل إفساد بعض جهودها، فضلاً عن إبقائها أحياناً خارج الصورة في قضايا ذات حساسية.

وشهدت فترة غندور لا سيما أوائل عهده بالوزارة اختطاف شبه كامل لدور وزارة الخارجية أيام سيطرة مدير مكتب الرئيس السابق طه عثمان فيما بات يُعرف ب"الدبلوماسية الرئاسية"، وكان الظن أن تلك حالة خاصة ارتبطت ب"عهد طه" المثير للجدل، ولكن يبدو أن إبعاده لم يكن كافياً لإعادة الأمور إلى تقاليدها المرعية، صحيح أن الدستور يمنح الرئيس حق "توجبه السياسة الخارجية والإشراف عليها، وتمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية، وتعيين سفراء الدولة"، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة إلغاء دور وزارة الخارجية، بل يظل دورها المؤسسي محورياً باعتبارها الجهة المهنية المختصة ب "وضع سياسات وخطط العمل الخارجي بما يحقق التوافق بين سياسات الدولة الخارجية والداخلية" حسب المرسوم الجمهوري الذي يحدّد اختصاصاتها، ويجعلها الذراع التنفيذي المساعد لرئيس الجمهورية في إدارة السياسة والعلاقات الخارجية للبلاد، مع استثناءات تقدر بظرفها، دون أن يعني ذلك أن يجري تقنينها بما يُلغي دور وزارة الخارجية فعلاً ويبقيها رسماً.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه إلى أن هناك "علّة" ما في العلاقات بين القصر الرئاسي والديوان الدبلوماسي ان كتّاب خطاب الاستقلال، الذي ألقاه رئيس الجمهورية بمناسة ذكراه الثانية والستين، أسهبوا في سرد إنجازات ما وصفوه ب"دبلوماسية الرئاسة" في سابقة غير معهودة تظهر حرصاً استثنائياً على نسبة الفضل كله في العلاقات الخارجية على تحركات الرئيس ونائبيه، مع إغفال تام لدور الوزارة المختصة، على نحو بدا معه الأمر وكأن هناك ثمة تنافس بين طرفي نقيض، مع أن أي إنجاز تحققه وزارة الخارجية وهي تنفذّ سياسات الدولة هو بالضروة إنجاز لرئيس الجمهورية بحكم منصبه ودوره، لقد كانت النتيجة الوحيدة لتلك الفقرات المطوّلة في الخطاب تكريس مفهوم أن هناك فصام نكد بين الرئاسة والوزارة، ثم جاءت خطوة إخراج ملف آخر من يد الخارجية ليزيد الأمور ضغثاً على إبالة، فلم يُعد يعرف ما الذي بقي للوزارة، وهو ما يفجّر الموقف الأخير، ولذلك فإن تقديم الوزير لاستقالته أمر منطقي جداً، وتصرّف جرئ في تحمل المسؤولية.

ولكن لنعد إلى صُلب القضية الأساسية، فالمشكلة ليست استقالة الوزير في حد ذاتها على أهميتها القصوى في كشف مدى ما وصلت إليه الأمور نحو نقطة اللا-عودة، ليس فقط فيا يتعلق بالجوانب البيروقراطية الخلافية، ولكنها تخفي أيضاً وراءها مسألة أكثر أهمية وخلافات تتعلق بخيارات السياسة الخارجية نفسها، ولنضرب مثلاً بذلك قضية العلاقات السودانية الأمريكية، إذ ليس سراً أن هذا الملف كان هو المسألة الأساسية التي انشغل بها الوزير غندور بعد تسلمه لحقيبة الخارجية، صحيح أن معالجة العلاقة مع وشنطن ظلت حاضرة باستمرار في أجندة الحكومة السودانية في وكالاتها المختلفة دبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً، وشهدت الكثير جداً من جهود مقاربتها بطرق شتى، إلا ان الصحيح أيضاً أن أهم اختراق حدث كان تحت قيادة غندور ومحادثاته مع المبعوث الرئاسي الأمريكي السابق دونالد بووث التي اسفرت عن خارطة الطريقة منتصف العام 2016 وخطة المسارات الخمسة التي أفضت في خاتمة المضاف إلى قرار إدارة أوباما بالرفع الجزئي المشروط والمؤقت للعقوبات التجارية والحصار الاقتصادي على السودان في مطلع العام الماضي، وموافقة إدارة ترمب علي استدامة قرار الإدارة السابقة.

إذاً ما الذي حدث؟، وما هو العامل المستجد، الذي قاد إلى خلط الأوراق، حتى انتهى بان يكون أكبر نصر تحقق للدبلوماسية في عهد الوزير غندور، هو نفسه الذي أدى إلى خلق أزمة أفضت إلى تقديمه لاستقالته على هذا النحو المفاجئ؟. فتّش عن تداعيات حادثة "سوشي"، إبان الزيارة الرئاسية لروسيا وتصريحات البشير الصاعقة في حضور نظيره بوتين، وما الاستقالة إلا إحدى التوابع لذلك الزلزال، الذي أصاب في مقتل سلسلة الجهود الحكومية على مدار عقدين في مسيرة طويلة معقدة ومضنية وبتنازلات كبيرة لتعبيد طريق التطبيع بين الخرطوم وواشنطن، ولكن ما أن لاحت الفرصة أخيراً بعد إقدام ترمب على نحو غير متوقع على تبني مسار الارتباط ومواصلة الحوار بين البلدين، حتى تكاد الأمور تعود إلى نقطة الصفر.

ويبدو أن نتائج زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان في نوفمبر الماضي ومحادثاته في الخرطوم التي كان مقرراً لها أن تضع أجندة الحوار المستقبلي لرفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب، العقبة الكؤود أمام الرفع الشامل للعقوبات الأمريكية وتبعاتها وإطلاق مسار التطبيع مع الولايات المتحدة، قادت إلى نتائج عكسية تماماً كانت السبب المباشر في الموقف الحاد من واشنطن الذي أعلنه البشير في "سوشي" بين يدي محادثاته مع بوتين، التي شكّل تحولاً كاملاً في مسار التواصل السوداني الأمريكي.

ليس سراً أن الموقف الحاد الذي أعلنه البشير في روسيا كان تعبيراً عن رد فعل مباشر على مردود زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي للخرطوم ومحادثاته مع كبار المسؤولين، والتي استثنت مقابلة الرئيس نفسه نحو ما درج عليه الحال من قبل المبعوثين الغربيين الذي ظلوا يقاطعون التعامل المباشرة معه منذ العام 2009 بعد توجيه المحكمة الجنائية الدولية لمذكرتي التوقيف بحقه، وثمة دلائل عديدة تشير إلى ذلك من وقائع ما جرى، ليس فقط من باب تزامن الزيارتين فحسب، بل كذلك في حدود السقف العالي للانتقادات الحادة التي وجهها البشير إلى واشنطن.

فقد تجاوزت مجرد الاحتجاج على السياسات الأمريكية بصورة عامة في المنطقة إلى اتهام الولايات المتحدة صراحة بالتآمر على السودان ليس بخلفية تاريخية فحسب حيث حمّلها مسؤولية فصل الجنوب، بل كذلك اتهمها بمواصلة التآمر على تقسيم بقية السودان، وهذا يعني بوضوح شديد نقلة كبرى في تحديد طبيعة علاقة بين البلدين من محطة الارتباط والتشاور للمزيد من التقدم في مسار الخروج من لائحة الدول الراعية للإرهاب، إلى اتهام غليظ يصنف الولايات المتحدة من قبل رئيس الجمهورية باعتبارها دولة عدو تسعى لتمزيق وحدة السودان، وتهديد مصالحه الوطنية، وهي حالة من شأنها أن تجعل استمرار الحوار بين البلدين غير ذي جدوى على المسار الحالي.

مآخذ الرئيس البشير على مردود زيارة سوليفان للخرطوم ومحادثاته مع كبار مساعديه تأتي من أنه اعتبرها تخطت كل الخطوط الحمراء، فهي فضلاً عن تأكيد إصرار واشنطن على نهج مواصلة "حصار الرئيس" داخل بلده بتحاشي مقابلته وعدم التعامل معه ومد جسور التواصل مع سواه من المسؤولين، كشفت أن سقف التقدم المحرز على صعيد العلاقات بين البلدين الذي جرى الاحتفاء به على نطاق واسع بعد رفع العقوبات يظل محدوداً بما يعني رفع الحصار عن الحكومة فحسب وإبقائها على الرئيس، غير أن ما جعل الرئيس يمضي إلى نهاية الشوط في الموقف من واشنطن، أن رسائل نائب وزير الخارجية الأمريكي في الخرطوم أغلقت الطريق أمام أية تسوية محتملة لقضية الجنائية عبر بوابة الحوار مع واشنطن، ومضت أبعد من ذلك بالطبع بتحفظها على أجنجة 2020 وسيناريو بقاء البشير إلى ما وراء ذلك.

أدرك الوزير غندور من أول وهلة أن إعلان "سوشي"، الذي باغت به البشير الجميع وأخذهم على حين غرة في مفاجأة لم تكن متوقعة، يصيب مسار الحوار الجديد مع واشنطن الذي وضع أجندته للتو في الخرطوم مع سوليفان، فقد سارع إلى محاولة احتواء الموقف الصادم في حينه، ثم سعى لمعالجته بتصريحات بهدف تخفيف وقعه، غير أن البشير عاد ليؤكد من جديد في تصريحات قبيل مغادرته روسيا ما أعلنه في لقاء بوتين، ليبدد ظن الذين كانوا يعتقدون أنه تسريب غير مقصود لمحادثات رئاسية وجدت طريقها إلى الإعلام عن غفلة، ثم تبين لهم أن البشير كان يعني تماماً ما قاله، وهو ما تعني تبعاته أن الصفحة الراهنة في التواصل مع واشنطن قد قُلبت بالفعل، بكل توابعها.

والحال هذه، وقد تكاثرت النصال على النصال، لم يكن من خيار أمام غندور غير تقديم استقالته، في موقف غير معهود يحسب له، فالطريق للحوار مع واشنطن الذي كان أبرز إنجاز له ولا يزال بوسعه تحقيق المزيد من التقدم فيه، بات مغلقاً إلى حين إشعار آخر إن لم يكن انهارت أسسه بالفعل، كما أن ما جعل الكيل يطفح أن استمرار نقل الملفات المهمة من وزارة الخارجية يكاد يجعلها بلا دور ولا مهام، وزاد الطين بلّة أن الوزارة تكابد مسغبة مالية غير مسبوقة وبنك السودان المركزي يحرمها من مواردها بالنقد الأجنبي المصدق بها في الموازنة مما جعل بعثاتها لأكثر من ستة أشهر تواجه أوضاعاً مزرية، وهو حال يدعو للتساؤل إن كان ذلك أمراً طبيعياً أم بفعل فاعل؟. سيقف على الأرجح دور غندور عند هذا الحد، ولكن هل ستنتهي بذهابه أزمة سياسة السودان الخارجية.. علاقات بلا مصالح، هذا ما نرجو أن نتطرق له بإذن الله في مقال قادم.

عن صحيفة إيلاف