لم أتبين طيلة سنين الصبا في بيتنا الكبير في حي الملازمين جده واحدة ، فقد تفتق وعيي و نمت ذاكرتي منذ كنا في سبحات المهد ولدان على أمرأتين صديقتين أتفقتا من باب متلازمة الصدفة و القدر في كثير من الأشياء .

أمي الحبيبة عزة الريح العيدوس مديرة و عميدة مدارس الفلاح و أمي نفيسة المليك الرائدة النسوية عميدة و مديرة مدارس المليك .
في حي الملازمين العريق أجتمعتا هناك بسببه على حسن الجوار ، و عشق مدينة أم درمان ، و حب الأوطان ، و حب الكفاح من أجل حمل قضية العلم و نشرها بين ناشئة الوطن تحت مظلة التعليم الأهلي للبنات ، وربما شاءت الأقدار أيضا لهما ولي أن تتقاسما هموم تربيتي و صحبتي كطفل مشاكس .
كنت أخرج في بهاء الصباح الباكر كل يوم بهمة و نشاط مودعا الجده الأولى عزة الريح قاطعا شارع الأذاعة و التلفزيون مشيا على الأقدام وصولا لمنزل أمي وجدتي الثانية نفيسة المليك حتى أجتني اللذات بملازمتها في جولتها الصباحية اليومية بين الفصول .
وفي العديد من المرات كنت أفضل أن أشرب معها شاي الصباح بالبسكويت تعده لي أبنتها رفاء ، ثم أتجاذب معها أحاديث الأنس و الحب الفطري الذي كانت تمتلئ به دواخلي نحوها .
أمزج حواري الصباحي معها بكلمات متبعثرة غير مرتبة تخرج دون تنميق أحاول جاهدا فيها التعبير عن مدى أعجابي و تعلقي بها وهي التي أسرت ذهني و ملكت عقلي وشغف بها قلبي كأم حنون و مربية فاضلة .
كانت تفرح كثيرا لرغبتي الكبيرة في مصاحبتها في نشاطها اليومي كعميدة و مديرة للمدارس العريقة على الرغم من محاولات أبنتها الكبرى رفاء لأثنائي و منعي من الذهاب معها للجانب الآخر من المنزل الذي فيه المدارس خوفا من أحداث تشويش أو أزعاج لها .
شدني لها أعجاب الى حد الأنبهار بشخصيتها الأدارية الصلبة و القوية ، لذلك لم أكن أسهو عن مراقبة كل أشاراتها و سكناتها و حواراتها مع المعلمين و حتى كلامها مع طالباتها بشوق و شغف شديد .
حرصت ماما نفيسة مكافأة لي على حضوري اليومي لها أن تتركني ألازمها في جولتها تلك خلال اليوم الدراسي ، فكانت تارة تمسك بيدي و هي تمر على الفصول تشرح لي أمور كثيرة لم أكن أستوعبها في وقتها ، و تارة أخرى كانت تعطيني كراسة جديدة و أقلام و ألوان وتطلب مني بحزم الجلوس في غرفة المعمل و الأنشغال برسم لوحات تعبر عن عشق الوطن ريثما تفرغ مما هي مشغولة به الآن .
اليوم و بعد ثلاثة عقود من تلك الأيام الخالدة لا أدري لماذا أنا حزين في هذا المكان الذي جمعني بها ، تعتصرني موجة من الاسى و الحزن على هذه الأطلال التي أضحت كالحضارات التي سادت ثم بادت .
الشارع الحي الذي تطل عليه المدارس خلف سجن أم درمان شرقا أضحى مأزوما توزعت فيه المدرعات من أوله الى آخره وجلس الجنود بجوارها يتسامرون و يتبادلون فيما بينهم الضحكات و القفشات .
شارع بات كئيبا و منفرا يصحو صباحا بتكاسل على حركة بعض موظفي الأذاعة و التلفزيون ، و يغفو مبكرا مع مغيب الشمس مغلقا حدوده الشرقية و الغربية أمام حركة المارة و السيارات رافعا أشارة ( قف ممنوع المرور من هنا ) !
هل أسدل الستار أخيرا على قصة مدارس المليك ؟ هل أنتهى كل شيء ؟
لماذا يدهمني الحزن هنا أمام هذه البوابة السوداء المتهالكة و التي لو نطقت لتحتم عليها أن تعزف ألحان الرحيل ، وتبكي زمانا كانت فيه هذا المدارس أحدى قلاع العلم و المعرفة و أحدى ركائز التنوير و الأبداع في مدينة أم درمان .
هل أتعلل بقول داهية الكلمة و الشعر أبي الطيب المتنبي عندما قال :
ُ
فَمَا يُديمُ سُرُورٌ ما سُرِرْتَ بِهِ وَلا يَرُدّ عَلَيكَ الفَائِتَ الحَزَنُ

أين هن اليوم حرائر مدارس المليك اللاتي وجدت أصواتهن طريقها لأذاعة ( هنا أم درمان ) عندما كانوا يلهبن حماسة الجماهير وينشدن خلف الفنانين أغاني أكتوبر الأخضر وأغنيات أخرى من ذاكرة الوطن .
على مسرح المدارس العريقة صقلن مواهبهن ، وقدمن كل صنوف الأبداع الطلابي من شعر و نثر و تمثيل و غناء أنعشن به قلب المدينة البائسة و حركن به أفئدة أقوام زلزلتهم الحروب و الفيضانات و أنهكهم الفقر و المرض و السعي الطويل المتواصل وراء الوعود الكاذبة لحكام هذا الوطن الفاشلين .
رحم الله ليلى المغربي صاحبة أعذب صوت أنثوي مر على هذا الوطن الحبيب اللعين ، وهي تنشد و تقدم الدر النفيس من الأبداع على هذا المسرح المتهالك الذي أقف عليه الآن .
لقد كان الأبداع النسوي الطلابي وسيلة ليلي و كل رفيقاتها من بنات ماما نفيسة لأيقاظ الشعور الشعبي و رفع الوعي القومي بمشاكل و هموم و آمال و آلام هذا الوطن الحبيب اللعين .
تلك كانت رسالتهن للكافة و العامة نشروها بأجمل الأحاسيس و أصدق الصور و أبسط التعابير عبر الأدب الرفيع و الفن الجميل تدفعهن لذلك من الخلف هذه المربية الوطنية القديرة .
عقود من الزمان نذرت فيه ماما نفيسة كل حياتها بصبر طويل جميل و دون شكاة لتنفض الغبار عن عقول هؤلاء النساء ، تزرع العزة و الكرامة و التربية الوطنية في نفوسهن و تؤهلن ليصبحوا قائدات و مبادرات و رائدات في المجتمع .
واليوم مضي الزمان و أنقضت أحداثه سريعا و تغيرت كل ملامح المكان بعد أن قرر الحاضر أن يشوه بهاء و جمال الماضي ، وأنا مازلت أقف في شارع الأذاعة و التلفزيون جوار أشجار النيم الشائخة و أمام نفس البوابة السوداء للمدارس حائرا مابين مشاعر الأحباط و الوجوم لنهاية القصة و رغبة النحيب على قدرها الآخير .
وبين هذا و ذاك قررت أن لا أبكي كثيرا على الأطلال ، فدلفت نحو المنزل لأجلس بجوار أمي الحبيبة نفيسة المليك ، تلك المرأة العصامية النبيلة التي تصنع أكثر مما يصنعه الرجال و تتعرض للمحن و المصائب وهي أمنة مطمئنة سامقة كالنخل ترنو للسماء ، وتخرج بعد كل ذلك مبتسمة دون ذل و أنكسار .
ذهبت أليها كي أعانق ألق التاريخ وأستحضر أحداثه الجميلة ، متناسيا حاضرا أليما أتشح لباسه بالسواد و أغلق كل أبواب الأمل أمام شعبه لمستقبل واعد لهذه البلاد المنكوبة بحكامها على مر العقود .
دخلت أليها وأنا أخفف عن نفسي وقع الحال البغيض وأردد مع شاعرنا الجميل سيد أحمد الحاردلو :
يا موطني ... يا موطن الأجمل يا موطن الأبنوس و الصندل
هل في الدنا ياسيدي أحلى من لونك القمحي هل أنبل
من صدرك المزروع بابايا من نخلك المخضوضر المرسل
من نيلنا ينساب تاريخا بين الشذى و الصوت و المخمل
يا موطني يا جاعلا قلبي من ظلك المضياف لا يرحل

وللحديث بقية أن شاء الله





عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.