بسم  الله  الرحمن  الرحيم  

مشهد اللاجئون السوريون وهم يقبلون يد بابا الفاتيكان و تلك الطفلة السورية التي جثت ساجدة أمام قدميه لدى زيارته لجزيرة ليسبوس اليونانية ، يمكن لي أن أصفه بأنه تراجيديا مأساوية لمشهد عبثي في فصل ختامي من مسرحية مثيرة للتقزز واليأس  من جانب والآسى والحزن من جانب آخر .
ويمكن  لنا  أيضا أذا  ما  أردنا كتابة المشهد الأول من هذه المسرحية المؤلمة أن نكتفي  بتذكير المشاهدين  بالتحول ( الدراماتيكي ) الدموي لسيناريو الثورة السورية  في بداية مهدها عندما أندلعت  مطالبة فقط  بضرورة أجراء أصلاحات سياسية في بنية النظام الدستوري الذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود ، ليفتح ذلك الأمر  الطريق لقيام دولة مدنية ديمقراطية تعددية ، تراعي حقوق الأنسان وتحفظ حق الأقليات وتقبل الجميع سياسيا وتحقق الرفاه لشعبها .
هذه الطفلة التي جثت ولفترة طويلة أمام أقدام سماحة بابا الفاتيكان ربما تكون قد أغضبت بفعلتها تلك بعض النخب العربية و المسلمة التي مافتئت تطفق سنين عددا مسودة مختلف وسائل الأعلام في نقل وتحليل و رصد أحداث هذه المأساة الأنسانية  دون أن يكون لها أي دور ملموس لحل هذه الأزمة  غير ذلك !
 ألا أنها وبفعلتها تلك أظنها   قد لخصت لنا  مدى الأنسداد  الذي يراه الكثيرون لمسارات سبل حل  الأزمة السورية ( خصوصا في جانبها  الأنساني المتفاقم )   في ظل أستمرار الحرب و تضارب الأولويات والمصالح والأهداف بين القوى المؤثرة على الأرض (أقليمية كانت أو دولية ) من جهة  ، وفشل الأطراف الوطنية (حكومة و معارضة ) تقديم تنازلات تحدث أختراقا سياسيا ملموسا من جهة آخرى  .
ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي خرج في مؤتمره الصحفي الأخير  المتأخر ليلا  بعد ختام هذه الجولة الفاشلة  من المفاوضات بنتيجتين فقط !
 الأولى  أستغاثته ( روسيا و أمريكا ) أنعاش أتفاق وقف الأعمال القتالية في ظل    أستمرار النظام السوري في خرقه بعد قصفه لحلب  ، معلنا أحصائية مرعبة  تحدد مقتل سوري كل 25 دقيقة وجرح آخر كل 13 دقيقة .
 والثانية نشره وثيقة من سبع صفحات تضمنت ملخصا لأجتماعات هذه الجولة والتي ركزت على عملية الأنتقال السياسي عبر حكومة أنتقالية جديدة شاملة و ذات مصداقية ، معلنا  أن المفاوضات سوف تستئنف في العاشر من مايو القادم  .
وعلى الرغم من الخروقات المتواصلة من قبل النظام السوري للهدنة ،وآخرها مايجري حاليا في حلب ،  فإنّ الروس والأميركيين ظلّوا متمسكين باتفاق وقف إطلاق النار.
 بل إنّ الأميركيين صاروا يصرون على هذا الاتفاق أكثر من أيّ وقت مضى، بعد أن تبينت لهم فوائده الأستراتيجية الخاصة بالقضاء على تنظيم  داعش.
أما النظام السوري  فقد  أصبح متعطشا أكثر لأستمرار القتال لأستعادة كل الأراضي التي فقدها  في السابق خصوصا  بعد أن كسب شحنة معنوية كبيرة في أتفاق ( كيري – بوتن )  الذي أزاح بند ( رحيل الأسد ) كشرط مبدئي في ترتيبات المرحلة الأنتقالية  من المسار السياسي ، بعد أن أقنع الروس الأميركيين أن   إزاحته ستكون صعبةً  بسبب معارضة إيران واحتمال تفكك النظام برحيله .
هذا التمويه المصلحي  ( الروسي – الأمريكي ) فتح الطريق لأمكانية أن يكون الأسد نفسه جزئا لا يتجرأ من ترتيبات العملية الأنتقالية ، وأن الدستور المقترح أعادة كتابته أو تعديله يعطيه حق الترشح من جديد في أنتخابات قادمة برعاية دولية !
يعني أن العدالة الدولية والضمير الأنساني  أمام خياران أحلاهما مر ... أما أن يكون الأسد جزئا من عملية الأنتقال السياسي ولو رضى بالرحيل من بعدها  وبالتالي يسقط حق تقاضيه على جرائمه السابقة .
أو أن يرفع المجتمع الدولي يده تماما ، ويترك مسألة  تقرير مصير الأزمة للسوريين أنفسهم  فيكتفي بتعديل الدستور وتحويل نظام الحكم من رئاسي الى برلماني ( حسب المقترح الروسي)   فيتيح للأسد أوغيره الترشح في أنتخابات جديدة بعد أنتهاء الفترة الأنتقالية  .
المملكة العربية السعودية و من خلفها دول الخليج  رغم المحاولات المستمرة دوليا لتهميش دورها في الأزمة ، لا أعتقد أنها سوف تستطيع أن تستقبل أفكار أتفاق ( كيري – بوتن ) بالحفاوة التي ينتظرها منها الأمريكين  او حتى الروس .
فكيف يستقيم  مثلا  بعد جرائم الأبادة الجماعية و التهجير القسري التي قام بها الرئيس بشار الأسد لشعبه أن يقبل  مبدأ تنحية مطلب (رحيل الأسد) جانبا كشرط أساسي لتقدم المسار السياسي ، بل وتقبل أيضا  أن يكون جزئا من ترتيبات المرحلة الأنتقالية ولو كان رئيسا بصلاحيات شرفية !
بل كيف يمكن أن يتخيل البعض  أن ديكتاتور قابض على أجهزة أمنية قمعية دموية  يمكن  أن يقبل أن يكون بجرة قلم في دستور جديد رئيسا بصلاحيات شرفية ؟
هنالك من يرى أن وضع شرط ( تنحية الأسد ) في ظل تأرجح الميزان العسكري على الأرض ، والدعم الروسي الأيراني القوي  للنظام و أصرار الولايات المتحدة عدم تسليح المعارضة الوطنية بأسلحة نوعية تحقق تفوق وتقدم عسكري  سريع للأخيرة يعني ببساطة أنسداد أفق الحل وأطالة أمد الأزمة خصوصا  في وجود طرف ثالث في المعادلة  أسمه داعش .
ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي قالها صراحة أن الحل واضح للجميع حكم رشيد أنتقالي جامع يحل محل الحكم الحالي ، وهذا ما تتمسك به الهيئة العليا للمعارضة ( مجموعة الرياض ) مع ضرورة أحترام هذا النظام لأتفاق الهدنة و ضمان  وقف المد والدعم  الروسي الأيراني له .
يبقى لو  أصطحبنا  رؤية وخطة كوفي العنان السابقة  التي تعتمد على فكرة ( الرئيس السوري جزء من المشكلة ، فيجب أن يكون جزء من الحل ) ، بمعنى تقبل فكرة دخوله في ترتيبات المرحلة الأنتقالية ثم رحيله بعدها ،  يمكن في ظني  أن تحدث المعارضة به  أختراقا لتسريع المسار السياسي وأنهاء الأزمةو  نكون قد خففنا وطأة تدهور الوضع الأنساني المريع .
هو بالكاد أعادة لأنتاج مقترح المبادرة الخليجية لحل الأزمة في اليمن مع بعض التعديلات عليه وتطبيقه على المسرح السوري  .
 أما أذا أعتقدت المعارضة السورية الوطنية أن حل أزمتها في جيب الغرب أو حتى من بعض الدول العربية الغير مهتمة بتحقيق الثورة السورية لأدنى مطالبها ، فأنها سوف تظل تسير في نفق مظلم لا نهاية له .
ويعلم الجميع كم هي التعقيدات التي تصاحب سير هذه الأزمة في ظل تضارب الأهداف والمصالح  بين القوى الأقليمية و الدولية ، وهذا ما يجعلني على يقين كامل أن الحل بيد السوريين أنفسهم ( حكومة و معارضة ) لابيد غيرهم لأحداث أختراق أو مفاجأة تنهي أمد هذا الصراع و تكف سيل المهاجرين السوريين في مختلف بقاع الأرض ...... أو ربما سجود أطفالهم  للآخرين طلبا للنجدة  .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.