بسم  الله  الرحمن  الرحيم

 

-2-

عندما أجتمعنا  سوية  في دمشق وجدته شخصا مجالدا  في ساحات  الوغى في العمل الطلابي تحت مظلة أتحاد الطلاب السودانيين بسورية ، حيث  كان الصديق و الأخ شهاب الدين  عبدالرازق شعلة متحركة  من وهج الحماسة  و النشاط  وسط معاصريه  ! ! ؟

 و كان الأخ شهاب الدين كطبيعة حراك مدينته التي نشأ و ترعرع فيها ( عطبرة ) المميز و المعروف أمد التاريخ الوطني ،  فقد خبرناه  مع صحبه  شهابا و حديدا و نارا   في دفعه الذاتي للعمل الطلابي  رغبة و تصميم أكيد منه  لرفد المكان بالجديد  المفيد الذي يضيف و يطور ويدفع بالمؤسسة الطلابية العتيقة الى سبل الأنجاز و النجاح  .

غير أن هذا الحديث السالف عن ذكريات النشاط الطلابي بدمشق ،  يأتي عرضا لما وددنا  أن نستذكره وننشد الرسم فيه مع هذا الصديق ،  بعيدا كل البعد عن أحداث  ماضي  تلك  الصراعات   الطلابية ذات الصبغة السياسية و التي عجت  بها أحداث  تلك  المرحلة العمرية  في ذلك المكان ، وكان للمذكور أعلاه قدحا معلى فيها ! ! ؟

فما حملنا للحنين والعودة  لتلك الأيام هي أن للأخ شهاب الدين عبدالرازق بجانب توغلاته النقابية الطلابية الثرة ،  ملكة شعرية مميزة لا تخطأها الأذن أو تتجاوزها العين  ، وأني  لأتمنى من الله عز و جل  أن تجد  هذه الموهبة  المصقولة فطريا طريقها يوما  للظهور و التبني في عالم اليوم ،  الذي أختلط  فيه  للأسف الشديد على الناس وضج بهم  الكثير  من  الغث بالسمين وتشوش عليهم  فيه تمييز الصالح  من الطالح ! ! ؟

هذه الملكة الشعرية المتفردة للأخ شهاب ، ( وليعزرني هنا القارئ الكريم على الأصرار في كتابة ملكة شعرية بدلا عن شاعر ) ، لأن المذكور بالحديث تجادل معنا ذات  يوم  وأصاب مبتغاه في أقناعي بأنه مابات اليوم وفي عصرنا  العولمي هذا من  يمكن أن نطلق عليه أو أن يعرف للعامة بصفة شاعر في نطاق المهن و بمفهوم الكلمة القديم  في عصورها السالفة ، فهي بالكاد أضحت موهبة أو ملكة لنشاط ثانوي يرعاه الفرد مع ضرورات الحياة الأخرى   ! ! ؟

 فالشاهد  أنه  لم يعد من الممكن أن يمتهن  شعراء  اليوم ( للشعر الفصيح خصوصا ) من  يراع  أقلامهم  رزقهم   كما كان عليه بلأمس  مثلا في حالة المتنبىء  أو أبي نواس ، أو أن يقال لهم  اليوم كما كان يقال في الماضي  أن فلانا ذلك  الشاعر هو من خاصة الملك علان ، أو من حاشية  السلطان أو رئيس الجمهورية فرتكان  ! ! ؟

لذلك وعلى هذا التحول الأدبي الذي جرى في زماننا هذا على موقع و منزلة الشعر الفصيح في واحة  النشاط الثقافي عموما  ثم خارطة الأدب العربي خصوصا  ، نعود لنقول أن هذه الملكة الشعرية لشهاب الدين حملته لكتابة العديد من القصائد الشعرية الرائعة ( دمشقية  الموطن )  والتي عبرت بصدق عنا كجيل رحل جسده عن أرض الوطن  و سكنت روحه وأستوطنت في تلك المدينة الجميلة .

كثيرة هي الأشياء التي  وجدناها في دمشق على أختلاف مما عايشناه في الوطن  ، وكان هذا منطلقا  فسيحا لصاحب التجربة الأدبية في أن يصطحب في سيحانه الشعري معظم تلك  المتغيرات التي أنتظمت المدينة آواخر القرن المنصرم وآوائل القرن الجديد ،  وذلك من حراك  سياسي  و تحولات أقتصادية و مظاهر أجتماعية و بروز ثقافي و جموح فكري أنتظمها  وأحدث فيها تغييرا أن لم يكن أنقلابا مماكانت عليه في الماضي  ! ! ؟

فأن  جاز  لنا أن نبدأ الحديث  بالمشاهد المرئية و السمعية التي كانت تصطحبنا  في كل يوم  ، فأننا لن نجد بدا ألا أن نتخير لأنفسنا البداية من ( صباح  دمشق ) ...  ذلك  الصباح الفيروزي الخالص الذي يضفى على النفس روحا عبقة و مبعثا رطبا و جنحا رحيبا  ! ! ؟

  فلهذا الصباح الدمشقي والذي نعتناه  ( بالفيروزي )   حكاية  تميزت  بها هذه  المدينة العتيقة   بصباحها  الآسرالذي يميزها عن غيره من صباحات العواصم العربية الأخرى  . ففيها  وتحديدا في شهور الشتاء ( من  أيلول و حتى شباط ) يلحظ المرء  أن  الأشعة الشمسية تأتي  دافئة  في شتاءات أرض الشام العاصفة ببردها القارس حتى ساعات  منتصف النهار ، وهي على ذلك  تشع في  كل  صباح  على العاصمة العتيقة في مشهد و منظر  بديع خلاب  يلمح و يستبان  فيه مع ضباب البرد  أنعكاس لوني رائق  كلون أحجار الفيروز الأزرق الرقراق ،  تتماهى فيه الأشعة بزرقتها الجميلة  مابين الماء و الأخضر و اليابس .

وهنالك أمر آخر تجب الأشارة ألية في شأن هذا الصباح ، وهو أنك  تجد في كل  مكان أو بقعة فيها ، في المقهى أو المتجر ،  في المدرسة أو الجامعة أو الوزارة  ، في الأعلام المسموع أو المرئي ،   أن الجميع  يرخي  السمع ويسلم الفؤاد وينصت  مع شرب شاي الصباح في كل يوم  لأغاني الصباح الفيروزية  ،  في مشهد يدلل بصدق و وضوح  عن قرب هذه المطربة الشامية لأفئدة و حواس و مشاعر شعب أرض الشام بأسره ، لا فرق فيه مابين لبناني أو سوري ، أو بين أردني أو فلسطيني ! ! ؟

هذا  الصباح الدمشقي الفيروزي المميز دعانا لنستذكر تلك المقاطع الشعرية الرائعة  من قصيدة (  القناع )  لشهاب الدين عبدالرازق والتي يقول في مطلعها ....

تفتح الصباح وأخضرت المقل                  وطل في سناها جذوة الكفاح بارق الأمل .... لنا البشر .

هي الحياة تبرجت شموسها في                 باحة الأفق ، وأخضبت دمائنا فأصطبغ الشفق .

هي الحياة تفتحت زهور الياسمين              وأخضرت الربى مفاتن القرى ، وعم المدينة الصخب . 

ومع صورة هذا الصباح الفيروزي الدمشقي الرائع ،  فأن الذاكرة تعود بنا لمشاهد الطلاب و المهنيين و العمال ( الشغيلة )  في العاصمة الأموية ، وهم يسيرون في توقيت واحد و نسق متماثل نحو أماكن العمل و الدراسة ، وكل فرد منهم يحمل على عاتقه روحا و عزيمة لا تلين ، وهموم و تحديات  تقبع  ساكنة كالخنجر في خاصرة هذا الوطن الجريح ! ! ؟

 مدينة  شاءت الظروف الزمنية و السياسية أن تمثل للعرب رأس الرمح و فاتحة المواجهة المنتظرة في أي وقت مع دولة الكيان الصهيوني ( أسرائيل )  المغتصب للأراضي العربية و المدنس لحرمة مقدساتها  .  مشهد  مؤثر  لشعب سورية  المكافح رسم لنا صورته ببراعة الأخ شهاب الدين في قصيدته الدمشقية  المتفردة ( يوتوبيا ) التي خطها  بمناسبة عيد العمال العالمي وكان ذلك  في دمشق في الثلاثين من شهر مايو عام 1999 م  قائلا في مطلعها ...

ومع آخر سهم بكنانة قاتلنا الليل ...... ينتفض الفجر ويعلن ميلاد حياة ...

فصياح الديك ... وشقشقة العصفور الباحث عن رزق ... في عرف الفجر ...أسميتها دقات النصر .

دقات النصر بكل الدنيا .... تعشق هذا الأيقاع ...

خطوات العمال البسطاء ....بقلوب يملأها الشوق ...لزمان أخضر ونضال ... لدروب تسطع شرفا ...رغم القيد ... رغم الحزن ...ورغم الأشواك .

وقد  نشرت ذات مرة أحدى وكالات الأمم المتحدة المهتمة بقضايا و شؤون الطفل تقريرا سلط الضوء على بعض الأنتهاكات التي رصدت لسن العمل و التشغيل في سورية بخصوص الأطفال ، وقد آرق هذا التقرير ساعتها وأقض مضجع حكومة دمشق ومنظمات المجتمع مدني العاملة فيها ! ! ؟

وللحقيقة و البيان و التبصير فأننا كنا نرى هذا المشهد الى حد ما طبيعيا في حياة أهل تلك البلاد المعروفين بحبهم و تقديسهم للعمل .  فمن كان منهم  متعلما  و يؤمن بأهمية وضرورة  التعليم لأبنائه  كان  يجبرهم في فترة الأجازات الصيفية  أن يندمجوا ويقضوا معظم ساعات النهار  في مكان مهنة  أو عمل رب الأسرة  خصوصا لو كان هذا العمل ذو طابع تجاري أو حرفي الصبغة  ! ! ؟

 أما من كان على النقيض فكان يجبر أبناءه للأنخراط في العمل ( سواء كان في المتجر أو الورشة ) وذلك  لذيادة غلة الأسرة من الأنتاج و حصد الأموال بديلا لهم من الأنتظام في المدارس أو الجامعات ! ! ؟

 مشهد دمشقي آخر  أتسم به هذا المجتمع التجاري أستذكرنا معه قصيد ( مشهد ) لصاحبنا الرفيق على الدرب ، بعد أن هاله منظر الطفل غض الغصن و العمر وهو يعمل في المقهى وسط السوقة و الباعة و مرتادي المكان من كبار سن ( من ختيارات المدينة  ) منشدا فيها

في خفة أرنب .. لبى رغبات مرتادي المقهى .. وقف أمامي كملاك في الأرض .. وقدم لي ماءا وماطلب .. طفل لا تتعدى سنوات حياته .. أصابع أيديه المرتعشة .. وبدت لي أكواب الماء  المكتظة في المقهى .. بحر أدانة ملأى بدمه .. وهو هنا و هناك ....

في معمعه .. صور مهتزة .. ومشاهد حيرى .. وقف أمامي والبال هناك .. حيث المدرسة الصحبة .. اللعب ، هدايا الأعياد ...  حكايا الجدة تنزعه من حلمه ، فيهب بفزع ... صرخات السوقة كالكابوس يقض المضجع ... 

وكثير ما يجني الغريب عن وطنه ملكات غيبية حرة عصية الأدراك للعامة كمسألة  القدرة الأكبر على تأمل الذات و التفكر في واقع الحال ومآلات المستقبل  ، فضلا عن العودة الى الماضي و أجترار الذكريات الجميلة  التي كانت في الوطن وسط الأهل و المعارف  والتعبير عنها بنسق و أسلوب أدبي و ثقافي .

وهنا تحديدا  يرجع بنا الزمان لمشهد العشرات ( أن لم نقل المئات ) من الشباب السوداني الذي كان يملأ المكان و أنتهى به الحال تسكعا في ساحات  دمشق وتشردا في ضواحيها ، وهي المدينة التي أبت وألا أن تفتح أذرعها لهم بعد أن أوصدت كل الأبواب في وجههم و ضاق بهم الحال في بلادهم  ! ! ؟

  بعضهم من سئم العطالة من العمل  والبحث عنه عبر المحاباة والوساطات فآثر أن يجد عيش رزقه عند أهل الشام  ،  والبعض الآخر  هرب من معسكرات التجنيد القسري لنظام الخرطوم وأراد لنفسه محضنا دافئا ومأمنا للحياة بعيدا عن ويلات و مآلات الحروب المدمرة ،  ثم آخرين كانت تروادهم أحلام و أفكار الهجرة الى الغرب عبر بوابة دمشق أملا في أن يجد عيشا أفضل هناك  يدفع به قدما لعون نفسه وأسرته  التي تقف من خلفه أسترجاءا و أنتظارا  في أرض الوطن  ! ! ؟

غير أن  جلهم وأن تبعثرت بهم الأسباب و القصص ألا أنهم يظلون  متفقين في حياتهم الجديدة بدمشق  على ثلاثة . . .

 أولا   أن المنحى الأنساسي هو الذي قذف بهم في أتون الكد وعناء البحث للعيش هنا ومقاسمة الرزق مع قاطني المدينة  ، وثانيا  أن دمشق بلد  رحيب تسهل فيه الحياة بأقل الأجور ، وثالثا  أن شعبها طيب الأصل و يحمل من شيم العرب القديمة الكثير وذلك من كرم الضيافة و الوفادة و تقبل الغريب وسط أهل المكان كالجزء الأصيل دون أي مظاهر تفرقة أجتماعية . 

وحيث أننا حينما جلسنا و خالطنا منهم الكثيرين وأنداحت مع عبق مجالسهم رحيق الذكريات و الأماني السندسية ، كنا نشعر بكثير من الأسى و الأشفاق وقليل من الأعجاب و الأفتتان في آن واحد لكون أن عبقرية المكان أتاحت لهم ليسردوا  فيضا هامرا من خوالد الأذهان وجيشانا عظيما من العواطف و أحاسيس الحنين في فضاء دمشقي محاط بسياج من الهموم و الكرب . 

كلمات و عبارات و مشاعر ساقتها و نقلتها بأجادة قصيدة ( أمل ) التي نختم بها هذا الجزء الأول من الوقوف على تجربة الأخ شهاب الدين الأدبية ، وهو المقال الثاني من سلسلة ( رجال طلقوا دمشق ومابانوا ) على وعد أن نكمل طرحنا لهذه التجربة الأدبية الجيدة و الرائعة  في المقال الثالث من السلسلة ونسقط الضوء معها على قصائد شعرية أخرى ومشاهد دمشقية خالدة من وحي الذكرى و عالقة من نسج  الذاكرة .

مابين ترحال أو أوبه ... فرحة في القلب غطاها السواد .. ذكرياتي ، هيئتي هدها رهق الغياب .... جل أحلامي غدت كحديقة مهجورة ... أو لوحة مهترئة ممسوحة الألوان ... وبقيت مملوك الظلام ... ألا بصيصا من شعاع ... ماذا فعلت لها ؟ لم تسقني هذه الحياة مرارة الخزلان ...

أن المحب سينتصر ... وبقدر أحزاني ستأتي فرحتي ... كم ذا أؤمل وهو أحيانا عناء ... أن فجرا ما ... سيأتي . 

ونواصل بأذن الله

 

abdalla al-bukhari al-gaali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]