بسم الله الرحمن الرحيم

لست من  المؤمنين   بأن في عالمنا هذا الذي تهيمن عليه لغة السياسة والمصالح ، وتظلله  شريعة الغاب ، أعلام   ( حر أو مهني ) بنسبة 100في المائة  ، ولكن  من الثابت قوله أن هنالك وسائل أعلامية تتحرى  الدقة في عرض الخبر ، وتنشد أعلى درجات المهنية في تحليلها للمعلومة الصحفية ، وتتبنى بثبات  و رسوخ في ميثاق شرفها الأعلامي مبدأ  أبراز الرأي و الرأي الآخر .

وهنالك في المقابل وسائل أعلامية أخرى موغلة في الأنحيازية للرأي الواحد ، وفقيرة من كل قيم العدل و الأمانة والصدق في تحري الخبر  ، وبعيدة كل البعد عن مسألة الأتزان في العرض والطلب  للمعلومة الخبرية .

العدوان الحالي على غزة وكما أشرنا في مقال سابق لنا ، أنه  أبرز للسطح  الأعلامي العربي  أنقسام محزن  وخطير بين تيارين متنافرين ومتضادين  .

تيار أعلامي يمكننا أن نصفه بأنه ( أسلامي ، قومي عربي ، وطني ) ،  يدافع   بضراوة عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في المقاومة والعيش الكريم  ، و يرفض بتاتا مسألة  الخلط الفج بين قضايا الأختلاف الفكري ( كمثل التي نراها عند  من يخالفون  حركة حماس الأخوانية أو الجهاد السلفية  ) وبين مبدأ قومية و مركزية القضية الفلسطينية كقضية تجمع كل شعوب  الأمتين العربية و الأسلامية  .

وتيار  آخر بدأ يؤسس لحركة   أنقلابية   على المثل  والمبادئ الأسلامية والعربية المتعارف عليها   في كراهية وعداء شعوبنا الأزلي  للكيان الصهيوني ، و التي غرست فينا منذ كنا في سبحات المهد ولدان ، فبدأ بكل أسف  يخلق للمواطن العربي عدو وهمي آخر أسمه حماس ،و يقدم مع ذلك بتعابير مباشرة و  غير مباشرة  التغطية  المخزية والتبريرات الواهية  لجرائم العدو  البشعة في غزة  !

وفي خضم كل هذا عاد الهجوم  مجددا وهو ليس الأول ولن يكون الأخير ، على قناة الجزيرة يطفو على السطح ، ويتصدر المشهد الأعلامي العربي جنبا الى جنب مع  أخبار الهدم و التدمير و أرقام القتلى و الجرحى في  غزة .

لدينا  بعض  التحفظات على سياسة القناة شأننا شأن الكثيرين من بني جلدتنا  تجاه تناولها   الأعلامي للشأن السياسي في السودان ، خصوصا في السنوات الأخيرة و بعكس بداياتها ، ألا أنني لن أنكر ولن أدعي أبدا  أنني كنت ومازلت من  المعجبين والمبهورين  بشكل أداءها  الأعلامي الرفيع والمتجدد  ، و الذي مكنها  لتصبح اليوم  علامة عالمية فارقة في المجال الصحفي و الأعلامي .

لسنا هنا في هذا المقال بصدد الهجوم أو الدفاع أو التطبيل أو التقييم لأداء وسياسة  القناة ، لكنني وفي سياق الحديث عن غزة تحديدا غبطت  القناة  بطواقمها ( الفنية والأعلامية )  على كسبهم الأعلامي  الناجح  من خلال تغطيتهم للأحداث الدموية في القطاع ، خصوصا في مهمة نقل الصورة كاملة للمشاهد في كل أنحاء العالم ( العربي والأسلامي منه على وجه  الخصوص )  .

ويبقى الغريب و العجيب في الأمر أن أختلافي و تحفظي على التناول الأعلامي للقناة للشان السياسي  السوداني ، وكذلك قد  يأتيك أخ ثاني  من مصر له أيضا بعض التحفظات على شكل و تناول  القناة للشأن المصري ، وثالث من العراق ، ورابع من سورية ، وهلم جرا ، نرى ان كل هذه التحفظات المشروعة لا يمكن لها أبدا  تحت أي مسوغ أن تجرنا بغباء وبلاهة لنكون ضمن  حملة هجوم و العداء المسفر  للقناة ( الذي له أغراضه المفضوحة )  في مايخص  تغطيتها المميزة لأحداث غزة جنبا لجنب لبيرمان و بيريز و نتن ياهو !

ولأن الجزيرة لم تختلق أرقاما للضحايا من نسج خيال مراسليها ، ولم تحبك قصصا مأساوية  عن قصف لمساجد و مدارس و مستشفيات و ملاجئ تابعة للأونروا من بنان أفكار محرريها ، ولم تفبرك مقاطع فيديو لمشاهد مروعة لأنتهاكات حقوق الأنسان وجرائم الحرب على المدنيين من النساءو الأطفال وكبار السن التي أرتكبها آلة الحرب الأسرائيلية الوحشية  من ملكات أبداعات مهندسيها ، ولكنها ورغم  كل ذلك فان مانالها من غضب و هجوم من كلا الجهتين المتضررتين من تغطيتها ( أسرائيل و محبيها و كارهي حماس  ) ،  بلغ و فاق  أحيانا حد غضب أسرائيل   على صواريخ حماس المباركة و المتعددة ( جي 75 و  آر 160 و  غراد و  فجر 5 و القسام ) .

في ظني أن الجزيرة ( المنحازة لشعب غزة ! ) قد أخطأت خطأ بشعا في نهج و أسلوب  تغطيتها للأحداث الدموية  الجارية هناك ، خصوصا في مسألة  تركيز و توجيه بوصلة أهتمامها و طريقة عرضها للمأساة وللأبادة الجماعية التي نراها ونقلتها لنا كل قنوات العالم الفضائية من الجزيرة أو من غيرها من القنوات الآخرى  .

لذلك كان على الجزيرة حتى تكسب  جمهورا عريضا  مضاعفا خصوصا من الطرف الآخر ،  أن تقوم ببعض   الأصلاحات التي سوف أقدمها لهم في شكل نصائح  ، علها تجد طريقها للدراسة لتضمن ضمن بند التحديث  في سياساتها ، و أملا أيضا  لتجويد العمل  والوصول لقلوب هؤلاء ومن لف لفهم مع تثبيت أن الحقوق لأفكاري حصرية  لشخصي !

أولا :  على القناة  شرح الأبعاد والأهداف  الأنسانية للكيان الصهيوني من العدوان على غزة ، ممثلا في نزع سلاح المقاومة وتحديدا حركة حماس ( الأرهابية ) التي تهدد السلام بين الشعبين  في المنطقة .

ثانيا :  التذكير مراراو تكرارا على رأس كل النشرات الأخبارية على أن السبب الرئيسي  لما يجري اليوم كان رد فعل قانوي و شرعي  لأقدام حماس على قتل ثلاثة من المستوطنين العزل ، وبالتالي وعلى هدى الأية الكريمة( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) على الأمتين  العربية و الأسلامية أن تتفهم دواعي  الرد الدفاعي لأسرائيل  .

ثالثا : التركيز على نجاح أسرائيل الى حد كبير  في تدمير شبكة الأنفاق التي تستخدمها حماس ( الأرهابية ) في أطلاق الصواريخ ، والتي يعتقد انها في حي الشجاعية لتبرير تدمير الكيان الصهيوني  لكامل الحي وقتل و تهجير   سكانه .

رابعا  :  يجب ان ترسخ القناة  لدى الوعي الشعبي العربي  أن  الجيش الأسرائيلي يتحلى بأعلى  درجات  المهنية و النجاعة في عملياته العسكرية ، و يمكنه أيضا  تحقيق أهدافه بحرفية و  في أقصر وقت ممكن  وبأقل التكاليف للخسائر البشرية التي تأتي أما بالصدفة أو عن طريق الخطأ !

خامسا  : كان عليها أيضا أن تقدم لنا صورا لمعانة الشعب الأسرائيلي وهو مختبئ تحت الملاجئ خوفا من صواريخ حماس الأرهابية ، وعن العبقرية العسكرية الأسرائيلية ممثلة في القبة الحديدية التي لولاها لوجدنا أعدادا مماثلة من ضحايا الحرب من الشعب الأسرائيلي كتلك التي توجد في غزة !

سادسا : من المهم أن تكرر القناة في نشراتها الأخبارية  للمستمع العربي أن صواريخ حماس تطلق بعشوائية تجاه المدنيين العزل في المدن والبلدات الأسرائيلية ، ولكن في المقابل فأن  الجيش الأسرائيلي يتحرى سلامة المدنيين بشدة قبل أي عملية عسكرية  لذلك فهو  يلقى من السماء الرسائل النصية  والأعلانات التحذيرية لسكان أي موقع  قبل قصفه  .

هذا غيض من فيض  كان يجب على الجزيرة ان تفعله وتزيد عليه  الكثير    حتى  ترضي كل الأذواق والأتجاهات خصوصا  في الطرف الآخر من الضفة ( أسرائيل ومحبيها و كارهي حماس ) ، ساعتها ستكون الجزيرة في نظر هؤلاء  قد حققت أعلى درجات العدل والمهنية والصدق في تحري الخبر وفي عرض الرأي والرأي الآخر .......... وفعلا  كما   يردد ويقال ( الأستحوا ماتوا ) !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////