بسم الله الرحمن الرحيم

م: 30472206

لم يكن من الغريب  أن نكتفي في كل مرة يقوم فيها الكيان الصهيوني بضرب  الأراضي المحتلة سواء في الأنتفاضتين الأولى و الثانية أو في  حوادث  العدوان المتعددة على غزة في السنوات الماضية ببيانات التنديد و الشجب و الأدانة التي تخرج على أستحياء بعد أي أجتماع أستثنائي تدعو له الجامعة العربية أو منظمة التعاون الأسلامي .
كان ذلك في زمان كانت تعيش فيه الدول العربية شيئا من الأستقرار السياسي تحت قبضة أنظمة ديكتاتورية  حكمت شعوبها بالحديد و النار لعقود طويلة  تسوق أرادتها و تعبر عن مواقفها  بالنيابة عنها كقطيع الأغنام  كيفما تشاء ، في صورة رسخت تماما لدى الوعي الشعبي العربي مدى العجز العربي الرسمي   تجاه التعاطي مع القضية الفلسطينية  و التجاوزات الأسرائيلية الخرقاء المتكررة  في حق الشعب الفلسطيني الأعزل .
بالأمس هلت علينا موجة ربيع عربي عاتية  أزالت تلك النظم العربية الأستبدادية ،  فاتحة الطريق أمام شعوبها  لتباشير غد جديد ومستقبل زاهر للأمة العربية تنعم فيه بالعدل و الديمقراطية و المساواة ، ثم مالبثت أن تحولت هذه الموجة الربيعية الى تسونامي خريفي  أخرج من بين  طياته كل كوامن الخلافات العرقية والمذهبية والأيدلوجية  بين مكونات  المجتمع العربي القطري الواحد .
أفرز لنا الواقع بعدها  حالة من النزاعات الأهلية ( العبثية )  التي حطمت كل الآمال التي كانت  معقودة على الربيع العربي ،  فخلفت خرابا في المدن والقرى ، وتهجيرا لسكانها ، و هتكت  النسيج الأجتماعي الوطني ، فأصبحت كل دولة الآن  تغني على ليلاها على وتر   صراعتها الداخلية  .
فالسودان الخارج أصلا من مظلة موجة الربيع العربي ، مازال غارقا حتى اليوم  بين مطرقة الحرب الأهلية في مناطق البلاد المختلفة وسندان  أستبداد حكامه وتعنتهم المستمر للوصول لحل وطني شامل يجمع كل الأحزاب المعارضة و الحركات المسلحة في طاولة حوار سياسي جاد  واحدة ، تفضي بعدها  لأنتقال الدولة  سلميا  من نظام أستبداد الفرد والحزب الواحد  الى دولة المواطنة التي تسع الجميع .
ولايختلف مالكي العراق  كثيرا في أستبداده وتعنته للتغييرعن أقرانه في الخرطوم  ، فهو يصر أيضا على تشبثه بالسلطة  ورفضه التنحي عن منصبه من أجل المصلحة العليا للبلاد وحفظ الدم العراقي ، ولو أفضى الأمر في الأخير  الى تناحر كل  أفراد الشعب  بعضهم ببعض بمختلف طوائفهم وأنتماءاتهم .
أما  ليبيا فقد دخلت هي الأخرى  في منزلق أمني خطير  من جراء الاشتباكات التي وقعت أخيرا  بمحيط مطار طرابلس الدولي  خلال اليوميين الماضيين ، وهو ما دعا الحكومة إلى التفكير في إمكانية طلب تدخل قوات دولية لمساعدتها في بسط الأمن والنظام في البلاد .
في مصر مازال الأستقطاب الأيدولوجي والسياسي  يراوح مكانه في صراع السلطة بين التيار الأسلامي والعلماني تارة ، أوبين النظام الجديد ومعارضيه من أسلاميين و علمانيين وحركات شبابية تارة أخرى .
وفي سورية بلغت الأزمة الأنسانية التراق ، وأصبح داعش تقاسم نظام الأسد السيطرة السياسية على مساحات كبيرة من أراضي البلاد تفوق مساحة أقرب الدول المجاورة لها ونقصد لبنان .
وأما  اليمن فقد  أستطاع الحوثيين تسجيل أنتصارات عسكرية ملموسة على الأرض أمام الجيش اليمني  ،وصلت الى حد بسط سيطرتهم على مدينة عمران والتي تبعد أقل من خمسين كلم شمال العاصمة اليمنية صنعاء .
يبقى أذن أن  هنالك عدة أمور أستجدت على المسرح السياسي العربي بعد موجتي الربيع ثم الخريف العربي التي أجتاحت المنطقة  ،  ونرى أنها سوف تحمل  أنعكاسات سياسية  سلبية و خطيرة  في مجملها على أهلنا في غزة ، وعلى مجمل القضية الفلسطينية والصراع العربي الأسرائيلي  .
فمعظم  البلاد العربية التي كانت في السابق ترسل وفودها لمقر الجامعة العربية بالقاهرة على أستحياء   من أجل أعادة أنتاج بيان رسمي  معد سلفا  ، يحمل كل مصطلحات لغة الضاد في الرفض والتنديد والأدانة و الشجب والمطالبة والتهديد النظري الفارغ المضمون من أي كروت ضغط فعلية  ، سوف تأتي اليوم وعلى ظهورها أحمال و أثقال داخلية  لا قبل لهم بها  ،   تترواح مابين فراغ سياسي في بلد ما ، أو فوضى أمنية وأقتتال أثني أو مذهبي في بلد آخر ،  أو صعوبات أقتصادية خانقة في بلد ثالث .
هذه الأعباء المحلية  سوف تجعل أو تجبر الكثير منهم   على  الأنتقال السلس من الموقف القديم  الثابت والمتمثل في بيانات  التنديد والأدانة و الشجب والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور النظرية ،  الى موقف جديد آخر مستحدث يتوائم مع حال الأمة الآني،   تظهر فيه بيانات  تساوي بين الجلاد والضحية ، وتتضمن  لغة من  اللوم والعتاب ومطالبة  الجانب الفلسطيني بتحمل مسؤولياته الأمنية بوقف الأعمال العدائية على أسرائيل  ، وقد يصل الأمر لوصف  الهجوم الأسرائيلي الهمجي ، على انه جاء نتيجة عنف متبادل بين الطرفين ،  ثم البحث بعد ذلك و بأي وسيلة كانت عن أي مبادرة شكلية تؤمن صيغة تهدئة أو هدنة  تعيد  الأمور الى نصابها  في أنتاج حالة اللاسلم واللاحرب بين الطرفين مع أستمرار الحصار الجائر على أهلنا في  القطاع .

كما أن  الدور المصري  المعروف كوسيط  رئيسي للسلام  بين الطرفين بجانب واشنطن   طوال الحقب السياسية الماضية (  ناصر – السادات – مبارك و حتى حقبة الرئيس مرسي )  ، مرشح اليوم  بقوة للتراجع والأضمحلال أما الى العدم  ، أو لصالح محور ( قطري – تركي – أمريكي  ) جديد بدأ يتحسس مكانه في معادلة الصراع العربي الأسرائيلي .
تراجع دور مصر الطليعي  يمكن أن نعزيه لأنشغال القاهرة  وتفضيلها التفرغ  لزخم الملفات الأمنية و الأقتصادية الداخلية التي تؤورق مضجعها  شأنها في  ذلك شأن أي دولة عربية أخرى كالسودان أو اليمن أو ليبيا ، أو  لسبب  تدهور العلاقات السياسية بين حماس والقاهرة  وأصرار الجانب المصري خلط الأوراق السياسية للقضية الفلسطينية  بصراع الداخل المصري مع جماعة الأخوان المسلمين في سلة واحدة .
ومن المؤسف له  أن  وسائل الأعلام  المصري بشقيه ( الخاص و العام ) مكثت لقرابة الثلاث أعوام ومازالت على دأبها هذا حتى اليوم  وهي  تشيطن  للمواطن المصري  حركة حماس ، وتتهمها أيضا بالتورط في الصراع السياسي الداخلي لصالح جماعة  الأخوان المسلمين في قضايا ( أقتحام السجون في العام 2011 أبان ثورة يناير ، وقتل الجنود المصريين في رفح ، وحكاية صفقة  التنازل عن جزء من سيناء لصالح الحركة من أجل أن يتمدد فيها سكان قطاع غزة  ) رغم نفي حماس المتكرر لكل تلك الأدعاءات والأتهامات ، وأصرار القاهرة لترديدها يوميا  بكرة و أصيلا في أعلامها  دون أن تقدم حتى هذه اللحظة للرأي العام  أي أثباتات علنية تؤيد مصداقية تلك الأتهامات الخطيرة  .
في خضم  ذلك سلكت  دول عربية أخرى  موقف مصر  في عداءها لحركة حماس وبدأت  تضعها  من خانة الأخ والصديق الى خانة  الطرف الفلسطيني غير المرحب للتنسيق معه  على كافة  الأصعدة  التي تتعلق بالقضية الفلسطينية ،  كون أن جريرتها العظمى التي لاتغتفر في نظر تلك الدول  أنها ترتبط فكريا بجماعة الأخوان المسلمين المصنفة حديثا لديهم كجماعة  أرهابية  .
أنسحب هذا التطور السياسي السلبي الأخير من مواقف بعض الدول  العربية  تجاه حركة  حماس ، أيضا على بعض وسائل الأعلام العربية  المختلفة  التابع لها ، فطفت على السطح ولأول مرة أصوات  عربية ( بغطاء و حماية شبه رسمية ) ،وهي تقوم  بكل جرأة و وقاحة  بدور الحرب النفسية المضادة بالوكالة عن الجيش والأعلام  الأسرائيلي ، بل وبأفضل منه في كثير من الأحايين  على كتائب المقاومة الفلسطينية المرابطة في الثغور   .
بدأنا نرى ونقرأ ونسمع  لكتاب وأعلاميين عرب  يهاجمون حماس هجوما قاسيا ويصفونها بأقذع الأوصاف والتعابير وكأنها جهاز الموساد او الشابك الأسرائيلي ، ثم يصفون صواريخ المقاومة التي أجبرت كل سكان أسرائيل للأختباء في الملاجئ وتحديد حركتهم وفق صفارات الأنذار ، وأدت أيضا  لأنهيار كامل الموسم السياحي الصيفي في أسرائيل بعد ألغاء كل الحجوزات من الخارج  ، يصفونها مرة بالمفرقعات ، وأخرى بمواصير الشروخ ، وثالثة بأنها صواريخ لا تخترق حائطا فكيف لها أن تهز عرش دولة أسرائيل وأسطورة جيشها القوي الذي لايقهر  !!؟
ثم  جاء الدور في الفضائيات  على الأعلاميين  وعلى من يطلق عليهم  بالمحللين الأستراتيجيين  ، فبدأوا يتفننون  أمامنا في عرض و تقديم  الوصفات  وتحليلات حول  مايجري حاليا في  غزة ،  ويتحفوننا بفرضيات وهمية  ماأنزل الله بها من سلطان .
واحد يدعي أن العدوان الأسرائيلي على غزة ماهو ألا محاولة عبثية من حماس للخروج من عزلتها الدولية ، و أستعادة بريق صيتها السابق كحركة مقاومة فلسطينية ضد العدو الصهيوني .  وآخر رآى   أن حماس تحاول ان تجتذب القوات الاسرائيلية الي مذبحة كبري بالشعب الفلسطيني في محاولة لاكتساب تعاطف دولي والحصول علي نتائج ومكاسب سياسية خاصه بها  لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية. وثالث يظن جازما أن حماس تريد أن تحرج السيسي و ألباسه عباءة مبارك أمام الشعب المصري أما كطرف منحاز للجانب الأسرائيلي أو كطرف شريك في أحكام الحصار على شعب غزة بقفل معبر رفح الحدودي ، أو أن تضعه في موقف العاجز المتفرج أمام كل الأنتهاكات الأنسانية التي يرتكبها الجيش الأسرائيلي على الشعب الفلسطيني .
ثم بلغت الصفاقة والأنحطاط الأعلامي بمكان أن خرج المدعو توفيق عكاشة  في قناته الفراعين يصف رجال كتائب المقاومة الفلسطينية  المختلفة المرابطين في الثغور بالكلاب المربوطة عند أصحابها  ، و واصافا أيضا غزة بأوصاف يعف قلمنا أن يعيد كتابتها ويندى لها جبين كل  مصري حر على أرض المحروسة  .  ثم ليته أكتفى بذلك ولكنه  أخذ يصرخ ويطالب الحكومة المصرية بأخراج ومسح هذه القضية من قاموسها السياسي نهائيا  زعما منه أن أصحابها أصلا المكتون بنارها  قد باعوها ، ومهاجما    وزير الدفاع المصري و رئيس الجمهورية لمجرد أنهما  أرسلوا 25 شاحنة عبارة عن مساعدات خيرية عينية  للشعب الفلسطيني  المحاصر بغزة ، وكتبوا عليها بأسم الشعب المصري ، مذكرا أياهم أن   المصريين الفقراء  الذين يفطرون على موائد الرحمن في الشوارع العامة  أولى بها !!؟
حالة العداء الأعلامي العربي  التي ذكرنا أنها طفت للسطح حديثا لأول مرة  كمستجد سياسي جديد في الساحة الأعلامية  العربية ( خصوصا في مصر) تجاه حركة حماس ، نجد أنها تصر سهوا أو عمدا و بشكل فج الخلط  بين القضية الفلسطينية وأستراتيجية العمل العربي  المشترك ضد الكيان الصهيوني ،  وبين أرتباط فصيل مقاوم واحد ( من كوتة فصائل مقاومة اخرى كالجبهة الشعبية و سرايا القدس ) وهو حركة حماس  أرتباطا فكريا محض  بجماعة الأخوان المسلمين في مصر التي تناصبها العداء    .
البعض سمى هؤلاء الأعلاميين بالصهاينة العرب ، وأما الكاتب والمفكر الأسلامي فهمي هويديى فقد ذهب  مذهبا بعيدا و رماهم بسهم نافذ واصفا هذه الحالة الأعلامية الشاذة التي نعايشها ونكاد لا نصدقها بحالة أو حركة الليكوديين العرب . هذا الأمر  دفع صحيفة جيروزالم بوست الأسرائيلية بالأحتفاء و الزعم بان أسرائيل و مصر باتتا اليوم تشكلان  يد واحدة ضد حركة المقاومة الأسلامية حماس .  ودفعت أيضا الكثير من المراقبين والمحللين الأسرائيلين بمطالبة رئيس الوزراء الأسرائيلي بنيامين نتينياهو   أقتناص هذه الفرصة الذهبية  وضرب حماس  بيد من من حديد للقضاء عليها  نهائيا وعلى صواريخها في ظل الجفوة العربية و العزلة الأقليمية التي تعاني منها .
ثم يضيف أخرون وكما نجحنا في أنهاء العمليات الأنتحارية داخل العمق الأسرائيلي ، بأمكاننا أيضا اليوم  التخلص نهائيا من البنية التحتية العسكرية  التي تمكن حماس وبقية كتائب المقاومة الفلسطينية  أطلاق الصواريخ على المستوطنات والمدن  الأسرائيلية .
مانريد أن نخلص أليه في هذا المقال أن العدوان الحالي  على غزة لم يأتي فقط بواقع وحقيقة  الشلل العربي الكامل أمام العدوان البربري الأسرائيلي  عليها فحسب ، ولا حتى برضى بعض الأنظمة عربية -إن لم يكن تواطؤها- حياله ، ولكنه قدم لنا خدمة مجانية  بأزالة  كل  مساحيق التجميل الوهمية التي كان يتزين بها الكثير من الخطباء والناشطين والأعلاميين من الصهاينة أو الليكوديين العرب ،  وأسقط  عنهم كل الأقنعة المزيفة ، التي كانوا يغطون بها عورات نواياهم السوداء  و نفوسهم التي تنفث حقدا و كراهية ، و التي لاتحمل في دواخلها أي بذرة خير للأخ والجار القريب في منظومة القطر الواحد فما بالك بالأخ البعيد كمثل أهلنا في غزة  .
هذا العدوان الحالي  رسخ أمامنا  حقيقة سياسية مريرة مستجدة اخرى  على صعيد القضية الفلسطينية والصراع العربي الأسرائيلي ،  وهي أننا سوف نشنف آذاننا بعد اليوم  ببيان رسمي عربي و خطاب أعلامي عربي سوف يساوي بين  الجلاد والضحية ، وسوف يصف مايجري من أنتهاكات فظيعة لحقوق الأنسان على الشعب الفلسطيني الأعزل على أنه عنف متبادل بين الطرفين ، ويجب على طرفي الصراع ضبط النفس والعودة لطاولة الحوار ، بيانات رسمية و خطابات أعلامية  لن تستطيع أن تميزها عن تلك التي تخرج عن البيت الأبيض أو الأتحاد الأوروبي . 
عليه فأن حماس ورفيقاتها من بقية  فصائل المقاومة الفلسطينية (  الوطنية والأسلامية ) سوف يبقى مصيرهم كمصير الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري الذي قال فيه  الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه يعيش وحيدا ويموت وحيدا وسوف يبعث وحيدا ،  و كذلك حركات المقاومة الفلسطينية  سوف تحمل شرف الأمة العربية والأسلامية  لوحدها ،  وسوف  تسير في هذا المنعرج و تقاتل  أيضا بعد اليوم العدو الصهيوني لوحدها ، لذلك نسأل  الله  العلي القدير أن يبعثها  يوم القيامة بأذنه لوحدها .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////